المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفسير سورة الأنعام الدكتور محمد راتب النابلسي


العفريني
09-22-2011, 05:25 PM
التفسير المطول - سورة الأنعام
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي




بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الأول من دروس سورة الأنعام .
ارتباط الحمد بالنعم:
مع الآية الأولى وهي قوله تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾
أيها الأخوة ، في قوله تعالى :
﴿ اَلْحَمْدُ للهِ ﴾
الحمد دائماً مرتبط بالنعم ، فالنعم يحمد عليها ، لكن القضية أنه لا خلاف في النعم ، ولكن لمن يكون الحمد على هذه النعم ؟
الإنسان موجود ، نعمة الإيجاد ، من أوجده ؟ الإنسان يرى ، نعمة العينين ، نعمة الأذنين ، نعمة التفكير ، نعمة الأجهزة ، نعمة الهواء ، نعمة الماء ، نعمة الزوجة ، نعمة الأولاد، هذا الجمال في الأرض ، ألوان الطعام والشراب كلها نعم ، لا يشك لثانية واحدة أنها نِعم ، بل إن العالم الغربي هو العالم الأول الذي استمتع بهذه النعم إلى درجات قصوى ، بينما في هذه الآية يشار إلى المنعم ، هذه النعم لمن تعزى ؟ من أوجدك ؟! ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾
( سورة الإنسان )
من منحك نعمة الوجود ؟ أنت الآن موجود ، لماذا أوجدك ؟ ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾
( سورة هود الآية : 119 )
خلقهم ليرحمهم ، فأنت موجود برحمة الله ، وقد خُلقت ليرحمك الله . إعجاز الله في خلقه :
لو نظرت حولك لوجدت نعم لا تعد ولا تحصى ، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ (34)﴾
( سورة إبراهيم الآية : 34 )
نعمة واحدة ، هذا الشيء المفرد يُعد ؟ كأن الله أراد من خلاله قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ ﴾
أن يشير إلى أن النعمة الواحدة لو أمضيتم كل أوقاتكم في تعداد بركاتها وفضائلها لا تستطيعون ، فإذا كنتم عاجزين عن تعداد بركات نعمة واحدة فأنتم عن شكرها أعجز ، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
وفرق كبيرٌ كبير بين أن تعد فضائل نعمة واحدة وبين أن تشكر عليها ، كما أنه فرق كبير بين أن تحصي عدد الهدايا التي تلقيتها في مناسبة سارة وبين أن ترد على هذه الهدايا ، فرق كبير جداً ، الإحصاء سهل ، نحن عاجزون عن إحصائها ، فلأن نكون عاجزين عن شكرها من باب أولى .
أيها الأخوة الكرام ، في خلق الإنسان أي خلل يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، فمثلاً : هذه العين ، يوجد في الشبكية في الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي ، بينما في أرقى آلة تصوير رقمية احترافية في عشرة آلاف ، ما معنى وجود مئة مليون مستقبل ضوئي في الميليمتر المربع من الشبكية ؟ من أجل أن تميز بين ثلاثة ملايين لون ، لو أن اللون دُرج إلى ثمانمئة ألف درجة من أجل أن تميز بين درجتين ، ولماذا كانت القرنية شفافة شفافية تامة ؟ لأنها تتغذى عن طريق الحلول ، لا عن طريق الأوعية الشعرية ، ولو غُذيت عن طريق الأوعية الشعرية لرأيت من خلال شبكة الأوعية . ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
( سورة التين )
بعض من نِعم الله سبحانه وتعالى :
لو أمضيت سنوات وسنوات تتحدث عن نعمة العينين ، قال تعالى : ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾
( سورة البلد )
لو أمضيت سنوات وسنوات تبحث في نعمة السمع ، تستمع إلى أدق الأصوات ، وكأنك بخلق بديع ، لا تستمع إلا إلى الذي تهتم له ، فلو جلست مع صديق حميم ودار بينكما حوار طيب ، ووضعت مسجلة على النافذة كل الأصوات التي سجلتها المسجلة لا تسمعها أنت أبداً، لأنك منشغل بموضوع آخر ، فما كل صوت يصل إلى أذنك ، وكأن هناك تصفية خاصة .
نعمة العينين ، ونعمة الأذنين ، ونعمة الدماغ ، الإنسان تقريباً يتذكر سبعين مليار ذكرى ، إنسان عاش عمراً متوسطاً في ذاكرته سبعون مليار صورة ، وكل إنسان له نبرة صوت خاصة ، وكل إنسان له رائحة جلد خاصة ، وله قزحية عين خاصة ، وله بصمة إبهام خاصة ، وله خصائص كثيرة جداً جعلت هذا الإنسان فرداً ، وقد ورد في بعض الأحاديث أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته : (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ))
[متفق عليه عن أبِي هُرَيْرَةَ]
أعطاه الفردية وهي من أسماء الله . هو فرد واحد أحد فرد صمد .
هذه نعمة الحواس الخمس نعمة اللمس ، نعمة السمع ، نعمة البصر ، نعمة الإدراك ، هناك آلية معقدة جداً في جسمك تعمل دون أن تشعر ، من يأمر القلب أن ينبض ؟ لو كُلفت أنت أن تأمر القلب بالنبض لما استطعت أن تنام إطلاقاً ، والرئتان تتحركان بعمل نوبي آلي ، والهضم يتم بأعقد أسلوب وأنت مرتاح ، آلية معقدة جداً ، من نبض قلب ، إلى وجيب رئتين ، إلى عمل جهاز الهضم ، ولو تتبعت الأجهزة في الجسم والأعصاب والدماغ والقلب والرئتين لوجدت خلقاً كاملاً ، وكل هذا كان من قطرة ماء ، شيء لا يُرى إلا بالمجهر ، والبويضة كحبة الملح ، البويضة كحبة الملح مع حوين لا يُرى إلا بالمجهر ، تم خلق الإنسان في تسعة أشهر ، لذلك هذه النعم ؛ نعم خلق الإنسان ، نعم الفواكه التي حوله ، نعمة كأس الحليب ؛ هذه البقرة معمل صامت يحول هذا الكلأ إلى شراب سائل للإنسان ، من صمم تركيب الحليب وفق حاجة الإنسان ، هو الغذاء الكامل ، الغدة الثديية في البقرة على شكل قبة يجري في سطحها الأعلى الدم بشبكة عروق دقيقة جداً ، وهذه الغدة تأخذ من الدم الذي يجري فوقها حاجتها من مكونات الحليب ، وترشح قطرة حليب في سطحها الداخلي وكل أربعمئة حجم دم تساوي حجم حليب واحد ، فالحليب الذي نشربه ، ومشتقات الحليب التي نأكلها من أبرز نعم الله عز وجل . الفرق بين المؤمن وغير المؤمن :
الإنسان أيها الأخوة يمكن أن يأكل كما تأكل الأنعام ، أما أن يفكر في طعامه ، وفي شرابه ، وفي كأس الماء الصافي العذب الزلال ، وفي ابنه الذي أمامه ، وفي كل حاجاته التي وفرها الله له في الأرض ، هذه النعم ، والفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يخترق النعم إلى المنعم ، بينما غير المؤمن يبقى في النعمة ، يعبدها من دون الله ، بينما المؤمن يعبد المنعم .
لذلك لا يشك اثنان على سطح الأرض أن الإنسان يتمتع بنعم لا تعد ولا تحصى ، أي شيء يتعطل في أجهزة الجسم أو في الأنسجة يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق ، لذلك حينما تستيقظ في الصباح معافًى في جسمك ، قوياً في بدنك ، متوازياً في حركتك ، هذه نعمة كبرى . ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7)﴾
( سورة إبراهيم الآية : 7 )
كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه قال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
قضية الحمد يجب أن تعزى إلى مستحق الحمد . (( إني والجن والإنس في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ))
[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]
فقضية الحمد هنا يجب أن تعزى إلى مستحق الحمد ، ولا يستحق الحمد إلا الخالق ، لا يستحق الحمد إلا الذي وهب النعم ، وهب الوجود ، وهب الإمداد ، وهب الهدى والرشاد ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾
وهذه في الفاتحة : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾
( سورة الفاتحة)
الحمد مستويات ثلاثة :
الحمد أيها الأخوة مستويات ثلاثة ، لمجرد أن تعلم أن هذه نعمة من الله فهذا أحد مستويات الحمد ، ولمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله هذا المستوى الأعلى ، ولمجرد أن تتحرك كي تشكر المنعم لعمل صالح ، لقوله تعالى : ﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً (13)﴾
( سورة سبأ الآية : 13 )
هذا المستوى الأرقى ، أرقى مستوى للحمد أن تتحرك لخدمة الخلق ، بعضهم يقول : يا رب لا يحلو الليل إلا بمناجاتك ، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك ، ومن أراد التقرب إلى الله عز وجل فسبيله خدمة عباد الله ، لأن : ((الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى في مسنده والبزار عن أنس والطبراني وابن مسعود ]
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
مصطلح قرآني يعني الأرض والكون ، الكون في بعض التقديرات فيه مليون ملْيون مجرة ، في كل مجرة ـ في بعض التقديرات ـ مليون ملْيون كوكب ونجم ، ومجرتنا درب التبانة مجرة متواضعة جداً ، متوسطة على شكل مغزل ، فيها نقطة هذه النقطة هي المجموعة الشمسية كلها ، والأرض ذرة في هذه النقطة ، أي بين أرضنا وبين أقرب نجم ملتهب إلينا أربع سنوات ضوئية إن أردت أن تصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية تحتاج إلى خمسين مليون عام ، مع أن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
مستحق الحمد وحده هو الله ، لأنه خلق السماوات والأرض . الظلمات جاءت جمعاً بينما النور جاء مفرداً ذلك لأن الحق واحد لا يتعدد:
شيء آخر ، أنه : ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ ﴾
الشمس ضياء فإذا غابت عمّ الظلام ، فنعمة الضياء نعمة كبيرة ، فهذه العين أيها الأخوة لا قيمة لها إطلاقاً من دون ضياء يتوسط بينها وبين الأشياء ، كذلك العقل لا قيمة له إطلاقاً من دون وحي ينير له السبيل ، فكما أن العين بحاجة إلى ضياء ترى به الأشياء كذلك العقل بحاجة إلى وحي السماء كي ترى بالوحي الحقائق ، لذلك الإنسان اليوم اعتمد على عقله فقط فلما اعتمد على عقله فقط حلت المصائب في الأرض ، ماذا يجري في الأرض ؟ الأرض الآن امتلأت ظلماً وجوراً ، عشرة بالمئة من سكان الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثرواتها ، وهم يعيشون حياة تفوق حد الخيال ، بينما المحرومون يعيشون حالة من الفقر والبؤس تفوق حد الخيال، الصراعات في الأرض والحروب وكل ما يجري وما ترونه وما تسمعونه إنما هو بهذا التفاوت الحاد الذي هو من صنع العقل وحده ، لو أن هناك وحي أو تطبيق لمنهج الله عز وجل لما كانت البشرية بهذا الشقاء ، إذاً الله عز وجل فضلاً عن أنه ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ ﴾
الظلمات جاءت جمعاً ، بينما النور جاء مفرداً ، ذلك لأن الحق واحد لا يتعدد ، بينما الباطل ألوان وأنواع لا تعد ولا تحصى . ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (153)﴾
( سورة الأنعام )
بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد ، ولو رسمت ألف مستقيم بين هاتين النقطتين تأتي كل المستقيمات على بعضها بعضاً ، الحق لا يتعدد ، لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون لأن الحق لا يتعدد ، بينما الحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، أما بين باطلين فلا تنتهي ، حرب لا تكون ، وحرب لا تطول ، وحرب لا تنتهي ، دائماً الحق واحد . الشمس من آيات الله الدالة على عظمته :
الآن المؤمن إما أن يستوعب الحق ، وإما يتجه ليستوعب الباطل ، لو يعيش الإنسان مليار سنة لا يستطيع أن يستوعب الباطل لكثرته ، الآن أي فرقة ضالة لو درست تاريخها لوجدت نفسك أمام مجلدات ، استيعاب أي باطل يحتاج إلى سنوات وسنوات ، بينما لو استوعبت الحق وحده لكان الحق ميزاناً لك ، فما سواه فهو باطل ، لذلك البطولة أن تمضي وقتك الثمين المحدود في استيعاب الحق لا في استيعاب الباطل ، الحق يمكن أن تستوعبه في عمر معتدل ، بينما الباطل لا يمكن ، الباطل متعدد بينما الحق واحد ، لذلك لا يكفي أن يخلق الله السماوات والأرض لا بد من أن ينورهما بالنجوم والشموس ، فالشمس التي نتعامل معها من آيات الله الدالة على عظمته ، شمسنا تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبين الأرض والشمس 156 مليون كيلومتر ، وأن ألسنة اللهب التي تنبعث من الشمس يزيد طولها على مليون كيلومتر ، وأن الأرض إذا ألقيت في جوف الشمس تبخرت في ثانية واحدة ، فإذا كانت الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، وإذا كان بين الشمس والأرض 156 مليون كيلومتر ، فما قولك أن في برج العقرب وهو نجم صغير أحمر اللون متألق ما يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ؟! من هو مستحق الحمد وحده ؟ خالق السماوات والأرض ، فضلاً عن أنه خلق السماوات والأرض نورهما بالشموس ، وفضلاً عن أنه نور السماوات والأرض بالشموس نور العقول بالوحي ، بوحي السماء ، فهناك كون ، وهناك شموس تعطيه الضوء المادي ، وهناك وحي يعطي العقول النور العلمي . الطرف الآخر هم الذين رفضوا الحق ولم يؤمنوا بالآخرة:
قال تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هؤلاء الطرف الآخر ، الإنسان يؤمن أو يكفر ، يستقيم أو ينحرف ، يصدق أو يكذب، يخلص أو يخون ، يرحم أو يقسو ، يعدل أو يظلم ، الطرف الآخر هم الذين رفضوا الحق ولم يؤمنوا بالآخرة ، آمنوا بالدنيا ، لم يؤمنوا بالله ، آمنوا بالطاغوت ، هؤلاء الذين كفروا مع كل هذه الآيات الدالة على عظمته ، مع كل هذه الشواهد التي تشهد لله وحدانيته وكماله : ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
أما كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾
يعني بعد كل هذه الآية ، بعد كل هذه الأدلة ، بعد كل هذه النعم والنعم التي حولنا نراها رأي العين ، أغمض عينيك ، ما قيمة الألوان ؟ ما قيمة الأشجار ؟ ما قيمة الزهور ؟ كل شيء جميل تراه في عينيك . ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾
( سورة البلد )
ما قيمة هذه الأطعمة لولا حاسة الذوق ؟ ما قيمة هذه الروائح لولا حاسة الشم ؟ ما قيمة هذه الأصوات الندية لولا حاسة السمع ؟ مع كل هذه النعم ، ومع كل هذه الآيات الباهرات تتجه لمخلوق تعبده من دون الله ؟!! (( أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي أهل شكري ، أهل زيادتي أهل معصيتي ، لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، فإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
المشيمة التي ترافق الجنين فيها آيات لا تصدق:
قال تعالى : ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾
لم يقل الله عز وجل : ثم الذين كفروا بالله ، ﴿ بِرَبِّهِم ﴾
الذي رباهم ، من الذي ربى الجنين في بطن أمه ؟ من شق له سمعه وبصره ؟ من أمده بالحياة ؟ المشيمة التي ترافق الجنين فيها آيات لا تصدق ، المشيمة هي قرص من اللحم ، تجتمع فيه دورتا الأم والجنين ، ولكل دم زمرة ، لو أن دم الأم ودم الجنين اختلاطا لماتت الأم والجنين معاً بحالة اسمها انحلال الدم ، ففي المشيمة يجتمع دم الأم ودم الجنين ولا يختلطان لأن بينهما غشاء سماه الأطباء غشاء عاقلاً ، لأن هذا الغشاء العاقل يقوم بمهمات يعجز عن القيام بها أطباء الأرض مجتمعين ، ماذا يفعل هذا الغشاء ؟ يأخذ الأوكسجين من دم الأم ، ويطرحه في دم الجنين ، كي يحرق السكر في الجنين ، كي ينشأ من هذا الحرق طاقة ، فهو جهاز تنفس ، ويأخذ من دم الأم الأنسولين ويطرح في دم الجنين ليحرق السكر في درجة 37 فهو بنكرياس ، ثم يأخذ مناعة الأم التي حصلتها في عمرها ، ويطرح هذه المناعة في دم الجنين كي لا يمرض ، فهو جهاز مناعة مكتسب ، ثم هم يمنع وصول المواد السامة إلى دم الجنين فهو حصن حصين لحياة الجنين ، ثم إنه يأخذ من دم الأم الحاجة الساعية ، لا أقول : اليومية ، من المواد الغذائية ، كيف يقدر هذا الغشاء ما يحتاجه هذا الجنين من المواد الغذائية من سكر ، ودسم ، وشحوم ، وبروتينات ، وفيتامينات ، ومعادن ؟ وكيف ينفذ هذه المهمة ؟ كيف يعرفها أولاً ، كيف يقدر حاجة الجنين من هذه المواد الغذائية ؟ ثم كيف ينفذ هذا فيأخذ من دم الأم هذه المواد الغذائية ليطرحها في دم الجنين ؟ إذاً هو جهاز هضم ، ثم كيف يعيد من دم الجنين إلى دم الأم ثاني أكسيد الكربون الذي هو محصلة احتراق السكر ، ويعيده إلى دم الأم كي تطرحه عبر جهازها التنفسي زفيراً ؟ زفير الأم جزء منه من الجنين ، وكيف يعيد حمض البول من دم الجنين إلى دم الأم ؟ فهو بمثابة كليتين كي تطرحه الأم عن طريق جهازها البولي ، ما هذا الغشاء العاقل ؟ ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (88)﴾
( سورة النمل الآية : 88)
أدلة من القرآن والسُّنة عن تكبر الإنسان وعبادته لغير الله :
قال تعالى : ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
( سورة التين )
البويضة كحبة الملح والحوين لا يرى إلا بالمجهر يتحدان في الرحم ، ثم يتكونان ، فإذا بهذا الكائن بعد تسعة أشهر طفل له عينان ، له أذنان ، له أنف ، له لسان ، له فم ، يبكي ، يتثاءب ، يهضم الطعام ، يتنفس ، ونحن جميعاً مررنا بهذا الطريق . ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)﴾
( سورة عبس )
لمَ التكبر ؟ خرج من عورة ودخل في عورة ثم خرج من عورة : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
﴿ يَعْدِلُونَ ﴾
أي يعبدون جهة من دون الله ، يعبدونها وكأنها إله . ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (43)﴾
( سورة الفرقان الآية : 43 )
الهوى يعبد من دون الله ، واللذائذ تعبد من دون الله ، والمال يعبد من دون الله لذلك : (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
المقصود من كلمة (يعدلون):
الإنسان لما يعصي ربه من أجل شهوته فهو يعبد شهوته من دون الله : ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
أنا لا أقول : إن واحداً يقول : هذا إله ، لا ، يقول : هذا صديقي ، لكن له صديق قوي يطيعه في معصية الله فكأنه عبده من دون الله : ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
أو يعدلون عن الله إلى شركاء ، إما أن تتجه لما اعتقدته نداً لله عز وجل ، هذا المعنى الأول من ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾
أو عدلت عن الله إلى مخلوق من مخلوقاته فجعلته إلهاً تعبده من دون الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
النعم الظاهرة والنعم الباطنة :
أيها الأخوة ، تحدثنا قبل قليل عن النعم الظاهرة ، النعم الباطنة هي المصائب ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20)﴾
( سورة لقمان الآية : 20 )
ما من إنسان إلا وخضع لمعالجة إلهية ، فمن خلال المعالجة الإلهية تاب إلى الله ، واصطلح معه ، وعفا الله عن ما مضى ، وصار مؤمناً يرقى في معارج الكمال ، ولولا أن الله ساق بعض الشدائد وضيق عليه حتى دفعه إلى التوبة دفعاً ما كان بهذه النعمة ، لذلك قال تعالى : ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20)﴾
( سورة لقمان الآية : 20 )
﴿ ظَاهِرَةً ﴾
أي جلية ، ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾
تلك المصائب ، وقال تعالى : ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
( سورة السجدة )
وقال : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾
( سورة البقرة )
حينما تصيبك شدة اعلم علم اليقين أنها رحمة لكنها رحمة باطنة :
يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الشيء الذي يزعجنا هو نعمة باطنة ، فربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، وإذا كشف الله لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء ، لو دخلت إلى مسجد ، ورأيت فيه آلاف مؤلفة يجب أن تعلم أن كل الحاضرين خضعوا إلى عناية إلهية مشددة ، وساق لبعضهم من الشدائد ما حملهم على التوبة .
إذاً هذه نعمة كبرى ، أن الله سبحانه وتعالى الله سلمنا للدار الآخرة ، فهذا الذي يتأفف من الشدة ، الشدة عين الرحمة ، الدليل : ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾
( سورة الأنعام )
تقتضي رحمته الواسعة أن ﴿ َلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
الذين شردوا على الله شرود البعير ، إذاً أنت حينما تصيبك شدة اعلم علم اليقين أنها رحمة لكنها رحمة باطنة ، وليست رحمة ظاهرة ، مادامت الشدة قد ساقتك إلى باب الله ، وإلى باب التوبة ، وإلى أن تستقيم على أمر الله فهي نعمة باطنة .
الآن الأب الذي يتشدد مع أولاده فيكونون رجال مستقبل كباراً ، يحمدون له شدته حينما يكبرون ، والأب الذي يتساهل مع أولاده فيكبرون بلا علم ، ولا حرفة ، ولا مال ، ولا كسب يحقدون على أبيهم الذي تساهل معهم ، فالشدة رحمة .
علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن ينبغي أن يحمد الله على كل حال ، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر ، فليس هذا لغير المؤمن ، المؤمن يدرك أن يد الله تعمل وحدها ، وأن يد الله فوق أيدي هؤلاء الذين ترونهم بأم أعينكم ، في الأرض طغيان ، وفساد، وقهر ، وظلم ، هذا كله شيء ظاهر في الحقيقة : ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف )
المحصلة أن هناك نتائج إيجابية ترى بعد حين ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الشدة التي تصيب المسلمون الآن من نوع النعم الباطنة التي ترأب الصدع وتلم الشمل إن شاء الله .

العفريني
09-22-2011, 05:28 PM
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)﴾
بعد أن قال الله عز وجل : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾
يعدلون عنه إلى غيره أي يشركون به : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ﴾
أرجح التفسيرات أن الله سبحانه وتعالى يخاطب ذرية آدم من خلال آدم عليه السلام ، أو يخاطب آدم من خلال ذريته ، فآدم خُلق من تراب ، أو أن الإنسان حينما يُخلَق لأن الأم والأب يأكلان ويشربان من طعام نبت من تراب ، فمحصلة هذا الإنسان هو الطعام الذي يأكله ، أرأيت إلى طفل صغير حينما يلد ووزنه 3 كغ ، يصبح 80 كغ ، 100 كغ ، من أين جاء هذا الوزن ؟ من الطعام الذي يأكله ؛ نبات ولحوم ، أصل اللحم كائن أكل نبات ، والنبات من تراب ، فبالمعنى التحليلي أن هذا الإنسان الذي ولد وينمو هو من التراب ، أو أن الله سبحانه وتعالى خاطب آدم من خلال ذريته ؛ أن الإنسان خلق من تراب . الحكمة التي أرادها الله من تغييب الموت عنا :
قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾
قضى لهذا المخلوق أجلاً ، كل واحد منا له عند الله أجل ، لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ، لذلك الإنسان مهما اعتنى بصحته الأجل لا يتغير ، لكن قد يمضي هذا العمر بصحة وعطاء ونشاط ، وقد يمضيه بمرض واستلقاء على السرير ، أما الأجل فلا علاقة له بالمرض إطلاقاً ، فما منا واحد إلا وله عند الله أجل ، ومتى ؟ لا أحد يعلم .
رأى بعض العلماء ملك الموت مرةً فسأله : كم بقي لي من أجلي ؟ أشار له هكذا ، يعني خمساً ، فلما استيقظ ازداد حيرة يا ترى خمس سنوات ، أم خمسة أشهر ، أم خمسة أسابيع ، أم خمسة أيام ؟ فلما سأل عالماً من علماء التعبير عن الرؤيا قال : يقول لك : يا إمام ، إن هذا السؤال من خمسة أسئلة لا يعلمها إلا الله .
الإنسان قد تنسج أكفانه وهو لا يدري ، قد يبقى له عدة ساعات وهو في أتم صحته ، وقد يخرج ولا يعود ، وقد يعود ولا يخرج ، وقد يعود ويخرج في نعش ، وقد يسافر ولا يعود ، وقد يشتري بيتاً ولا يسكنه ، وقد يخطب امرأة ولا يتزوجها ، وقد ينال شهادة ولا ينتفع بها ، وقد يجني ثروة طائلة ولا ينفعه منها شيء .
إذاً الموت غيبه الله عنا ، وحكمة تغييبه عنا أن نسعى جاهدين لطاعة الله عز وجل ، وأن نكون جاهزين لاستقبال الموت ، حتى إن بعض الآيات الكريمة وهي قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾
( سورة آل عمران )
كأن الموت بيدنا ، لكن علماء التفسير قالوا : إياكم أن يأتيكم الموت إلا وأنتم مسلمون، ينبغي أن تستعدوا لاستقباله في أية لحظة ، والإنسان لا يدري هل يعيش ساعة بعد الساعة التي هو فيها ؟ قصص تؤكد أن الإنسان يجب أن يكون مستعداًللقاء الله تعالى :
ذكرت لكم قصة مرات عديدة لكنها مناسبة في هذا المكان ؛ أنني جلست مع إنسان وحدثني عن مشاريعه المستقبلية ، ولا أبالغ حدثني عن عشرين عاماً قادمة ، وسوف يسافر ، وسوف يقيم في هذا البلد خمس سنوات ، وسوف يزور في الصيف هذا البلد في أول صيف ، وهذا البلد في ثاني صيف ، وهذا البلد في ثالث صيف ، وهذا البلد في رابع صيف ويعود ، ويقدم استقالته ، ويأخذ التعويض ، وينشئ محلا تجارياً يبيع فيه التحف ، ويجعله منتدىً فكرياً ، ساح معي عشرين عاماً قادمة ، وأقسم بالله العظيم أنني رأيت نعيه في اليوم نفسه .
أذكر قصصاً عديدة تؤكد هذا المعنى ، في جلسة من جلسات الأخوة الطيبين قال لي أحدهم : إنني لن أموت مبكراً ، اعتمدَ على شيء علمي ، على صحته الطيبة ، وعلى رشاقته ، وعلى خفة وزنه ، وعلى طعامه الصحي ، وعلى عنايته بالرياضة وبالسباحة ، وعلى بعده عن الشدة النفسية ، هذا كلام علمي ، ذكر كل أسباب طول الحياة ، ذكر هذا يوم السبت ، وكان في السبت التالي تحت الأرض .
طبيب بأمريكا يرى أن الجري هو الطريق الوحيد لوقاية القلب من النوبات القلبية والجلطات ، يجري في اليوم الواحد عشرين كيلومتراً ، وعمل ندوات في التلفزيون ، ومقالات في الصحف ، وألقى محاضرات في المنتديات وهو يزعم أن الجري هو السبيل الوحيد لوقاية القلب ، وهذا كلام صحيح ، وكلام علمي ، وله ثمار طيبة ، لكنه عد الجري مانعاً للموت ، مات وهو يجري ، في الثانية والأربعين من عمره ، مات وهو يجري .
أحياناً الطبيب المختص باختصاص نادر يتوهم أنه بعيد عن أمراض اختصاصه ، ولحكمة بالغة يصاب المختص بالمرض نفسه ، لأنه أله الجري ، وجعله عاصماً من الموت ، على كلٍ لا أحد يعلم متى سوف يموت ؟ وقد أخفى الله أجل الإنسان ليكون مستعداً في كل لحظة للقاء الله عز وجل ، هذا ينتج عنه أن تكتب وصية الأموال التي باسمك ، والديون التي عليك ، والأمانة المودعة في بيتك ، والأموال التي أودعتها في صندوق وفي حوزتك مفتاحه ، لو أن الإنسان مات فجأة هذا المال يُظن أنه له ، فأي قضية عالقة مالية ، أمانة ، تسكن بيتاً ليس لك ، سُجل باسمك بيت هروباً من ضريبة معينة ، فأي علاقة مالية ينبغي أن تكون واضحة في الوصية لأن الإنسان لا يدري متى سيموت .
حدثني أخ أودع عند إنسان مبلغاً من المال ليغير له نوع العملة بعد ساعتين ، في هاتين الساعتين جاءته المنية ، وليس مع أهله إيصال إطلاقاً .
حدثني أخ أيضاً أنه أُودِع عنده مبلغاً فلكياً لاستثماره ، وليس في حوزة الأهل علم ولا إيصال ، ومات فجأة صاحب المبلغ ، ولولا الذي أودع عنده المال أمين لأكله على ورثته .
هذا الكلام يعني أن تكون مستعداً للقاء الله دائماً ، مستعداً بتوبة ، مستعداً بطاعة ، مستعداً بأداء عبادة ، مستعداً بتوضيح العلائق المالية التي يمكن أن تكون سبباً إما أن تطعم الناس مالاً حراماً ، أو أن تأكل أنت مالاً حراماً وأنت لا تدري . الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه:
قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾
لكل واحد منا أجل لا يقدم ولا يؤخر ، في بعض برامج الكمبيوتر تعطيه تاريخ الميلاد ، يقول لك : بعد ثوانٍ أنت بلغت من العمر فرضاً ثلاثة وخمسين عاماً وثمانية أشهر وأربعة أيام وخمس ساعات وسبع دقائق وثمان ثواني ، والإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه :
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
* * * *
لذلك أدق تعريف للإنسان أنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
الإنسان إذا نام قد لا يستيقظ ، أحد علماء دمشق الكبار آوى إلى الفراش ، وقبل أن يؤوي إلى الفراش تسلم رسالة مني ، وبعث إلي بسلام حار ، وأثنى على خطبة العيد ، وفي الصباح قيل لابنه : أيقظ والدك على صلاة الفجر ، فكان ميتاً .
الإنسان يموت فجأة ، قد ينام ولا يستيقظ ، قد يستيقظ ولا ينام ، قد يذهب ولا يعود ، والإنسان يقرأ كل يوم نعي الآخرين ، هذا عميد أسرتهم ، وهذا الطبيب ، وهذا المهندس ، وهذا العالم ، وهذا الصيدلي ، وهكذا ، وفي أحد الأيام لا بد من أن يقرأ الناس نعينا ، شئنا أم أبينا ، ندخل كل يوم إلى المسجد لنصلي ، وسوف ندخله مرةً ليصلى علينا ، مرةً قرأت كلمة أعجبتني : صلِّ قبل أن يصلى عليك . أعلى أنواع الذكاء أن تتكيف مع الموت بالتوبة والاستقامة وإتقان العبادة :
قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ ﴾
هذا الأجل أجل ، فأحد أسباب النجاح في الحياة الدنيا أن تبدأ من النهاية ، ما هي النهاية ؟ الموت هذا أخطر حدث في حياة الإنسان بل إن الله قدمه على الحياة قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾
( سورة الملك )
دائماً أقول : أدق تعريف جامع مانع للذكاء هو التكيف ، ولأن أخطر حدث سيكون هو الموت ، فأعلى أنواع الذكاء أن تتكيف مع الموت ، تتكيف مع الموت بالتوبة ، والاستقامة ، وإتقان العبادة ، والإنفاق من مالك ، وتربية أولادك ، ورعاية من حولك ، هكذا تستعد للموت ، ودائماً أحب أن أوضح هذا المثل :
إنسان فقير جداً جاءه عرض مغرٍ جداً ، أنك إن نلت الدكتوراه يمكن أن تكون في أعلى منصب ، وفي أجمل بيت ، وتقترن بأجمل امرأة مثلاً ، ولك بيت في المصيف ، وبيت على البحر ، ومركبة فارهة وما إلى ذلك ـ هذا الذي يحلم به الناس دائماً ـ وذهب إلى بلد غربي ليدرس ، فقير جداً ، اضطر أن يعمل في المطاعم ، اضطر أن يكون حارساً ، يعمل ساعات طويلة في البرد والحر ، وقد يعمل عملاً مهيناً أحياناً ، ويدرس في الليل ، ويذهب إلى الجامعة في النهار ، ويسهر إلى ساعة متأخرة لتحضير ما عليه ، وأمضى سنوات طويلة حتى نال الدكتوراه ، وأخذ الشهادة وصدقها من الخارجية والقنصلية ، وما إلى ذلك ، ثم قطع بطاقة العودة وذهب إلى المطار ، ونودي على الركاب أن يتجهوا إلى الطائرة ، ومعه بطاقة الصعود ، فإذا وضع رجله في درج الطائرة هو بحسب وضعه وطموحاته والوعود التي وعد بها هو الآن أسعد إنسان في الأرض ، لأنه حينما وضع رجله على سلم الطائرة مضت مرحلة الشقاء ، مرحلة التعب ، مرحلة الهم ، مرحلة القلق ، مرحلة الجهد الكبير والدخل القليل ، وجاءت مرحلة الغنى والعز والراحة ، وما إلى ذلك . هذا حال المؤمن حينما يأتي ملك الموت . أجل الإنسان قد يُعلم لكن أجل يوم القيامة لا يعلمه أحد إلا الله:
الموت عرس المؤمن ، الموت تحفة المؤمن ، وا كربتاه يا أبتِ ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، التعب انتهى ، الجهد انتهى ، التكليف انتهى ، مجاهدة النفس والهوى انتهت ، معاناة الدعوة انتهت ، خصوم الإيمان انتهينا منهم ، أعداء الدين انتهينا منهم ، كل متاعب الدنيا تنتهي ، فلذلك : ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)﴾
( سورة يس )
قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾
طبعاً آجال الناس تُعلم بعد تنفيذها ، الإنسان مات إذاً عُلم أجله ، تقول له : كم مضى من عمره ؟ يقول لك : 63 سنة ، فالإنسان حينما يموت يُعلم أجله بالدقائق والساعات .
شيء آخر ، حينما يأتيه مرض عضال يُتوقع أن يموت بعد حين وقد يقول الأطباء : بقي له أسابيع ، وقد تأتي توقعاتهم صحيحة ، فالأجل أجل الإنسان يُعلم ، لكن الأجل أجل يوم القيامة لا يعلمه أحد إلا الله . ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾
عنده علمه وحده ، إذاً هناك أجلان ، إذاً هناك يوم مفقود هو الماضي ، ويوم مشهود هو الحاضر ، ويوم مورود هو الموت ، ويوم موعود يوم القيامة ، ويوم ممدود إلى أبد الآبدين ، نحن أمام خمسة أيام ، لكن أخطر هذه الأيام اليوم المشهود ، لأنك في هذا اليوم المشهود يمكن أن تتوب إلى الله ، ويمكن أن تصطلح معه ، أن تنفق من مالك ، ويمكن أن تعمل لآخرتك . إعجاز كتاب الله يشهد أنه كلامه سبحانه :
قال تعالى : ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾
الامتراء هو الشك ، يعني تجادلون من قبيل الشك ، يقول لك بعضهم : من الذي مات ورجع وأخبرنا بما رأى ؟ إله عظيم خلق السماوات والأرض ، وكل هذا الكون يشهد له بعظمته . ﴿ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1)﴾
( سورة الكهف الآية : 1 )
إعجاز هذا الكتاب يشهد أنه كلام الله ، وقد أخبرك الله عز وجل عن مشاهد يوم القيامة ، ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾
بل هل يعقل أن تكون الدنيا من دون آخرة ، هل يعقل أن يكون القوي قوياً ، والغني غنياً ، والضعيف ضعيفاً ، والمظلوم مظلوماً ، والمقهور مقهوراً ، والفقير فقيراً ، والمريض مريضاً ، والصحيح صحيحاً ، وتنتهي الدنيا هكذا ؟! بلا حياة أخرى ؟! إذا أردت أن تتجاوز الآخرة يقفز أمامك آلاف الأسئلة ليس لها جواب ، بل إن بعض العلماء الكبار يرى أن الإيمان باليوم الآخر أصله عقلي وتفصيلاته نقلية ، لأن هذه الحياة لا تستقيم في فهمها من دون يوم آخر تسوى فيه الحسابات ، هؤلاء الطغاة في الأرض يقتلون ، ويهدمون البيوت ، ويستبيحون المحرمات ، ويقتلون المرضى والأطفال وكأنهم يقتلون حيوانات وهم مرتاحون ، وتنتهي الحياة هكذا ؟! أناس يموتون من التخمة ، وأناس يموتون من الجوع ، وحقوق الفقراء عند الأغنياء ، وتنتهي الحياة ؟! أناس قاهرون وأناس مقهورون ، أناس ظالمون وأناس مظلومون ، وتنتهي الحياة من دون تسوية حسابات ؟! ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
( سورة القيامة )
وقال : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
( سورة المؤمنون )
إذا آمنا باليوم الآخر الإيمان الذي أراده الله عز وجل لا بدّ من أن تنعكس كل مقاييسنا:
ما لم نؤمن باليوم الآخر لا نفلح ، إذا آمنا باليوم الآخر الإيمان الذي أراده الله عز وجل لا بد من أن تنعكس كل مقاييسنا ، إذا آمنت باليوم الآخر رأيت الإنفاق هو الذكاء وليس أخذ المال ، رأيت بذل الجهد لخدمة الخلق هو الذكاء وليس أن تستخدم جهود الآخرين ، رأيت أن التواضع هو الذكاء وليس أن تستعلي على عباد الله ، فإذا آمنت باليوم الآخر لا بد من أن تنعكس كل المقاييس التي تقيس بها الأمور : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾
هل هناك جامعة في الأرض من دون امتحانات ؟ ما من مؤسسة في الأرض للخريجين فيها ميزات كبيرة من دون امتحانات ، هل سمعت عن طالب يقدم طلباً يقول فيه : أرجو أن أمنح الدكتوراه ؛ من دون دراسة ، من دون تأليف أطروحة ، من دون مناقشة ، من دون جهد كبير ؟ مستحيل . ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾
بما سيكون بعد الموت ، بحساب دقيق . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الأنعام )
لا يعلم السر إلا الله فهو يعلم ما ظهر وما خفي :
قال تعالى :
﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾
( سورة الكهف )
معنى ﴿ تَمْتَرُونَ ﴾
إذاً تجادلون شاكين في أحقيتها ، أو بدافع من الشك . ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)﴾
( سورة الأنعام )
إله في السماء وهو في الأرض إله أيضاً ، أمرنا بيده ، ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾
الإنسان يكتم أشياء كثيرة عن من حوله ، فأسراره يعلمها الله ، يعلم ظاهره ويعلم باطنه ، يعلم علانيته ويعلم سره ، يعلم أحوال قلبه وخواطره ، إن تكلم الإنسان فالله سميع ، وإن انطوى على همه أو على نية فالله عليم ، وإن تحرك فالله بصير ، إن تحرك فهو بصير ، وإن قال فهو سميع ، وإن سكت فهو عليم ، ويعلم ما لا تعلمون ، علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، قال تعالى : ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾
( سورة طه )
يعلم الذي تسره ، ويعلم الذي يخفى عنك أنت . الحركة في الحياة هي الكسب:
قال تعالى : ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)﴾
الكسب هنا العمل الذي ينتهي بمنفعة ، أو العمل الذي ينتهي بمضرة ، هذا هو كسب الإنسان ، كل إنسان له عمل في الحياة ، بالمعنى المطلق يعني إنسان في حرفته صادق ، ومتقن ، وأمين ، ولا يغش أحداً ، وفي بيته إنسان صالح ، ومعتن ، ورحيم ، وحليم ، فمجموع هذه الشخصية في البيت ، وفي الطريق ، وفي العمل ، وفي الفرح ، وفي الترح ، وفي الحضر والسفر ، وفي كل نشاطات الإنسان هذا إنسان صالح ، وإنسان آخر له موقف مع الناس وله موقف مع ذاته هذا النفاق ، وإنسان سيء مع الجميع هذا الفاجر الذي لا يبالي بسمعته إطلاقاً إذاً :
﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾
يعني الحركة في الحياة هي الكسب ، هناك حركة خيرة ، وحركة شريرة ، حركة تؤدي إلى منفعة ، وحركة تؤدي إلى مضرة ، حركة تؤدي إلى سعادة ، وحركة تؤدي إلى شقاء ، هذا معنى ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾
الكسب هو السعي الذي يسعى فيه الإنسان لمنفعة ، أو يتلافى بها مضرة ، أو ليستحق عليها مضرة . التحليل التوحيدي للأمور يبين أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة :
ثم يقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)﴾
( سورة الأنعام )
ما أكثر العبر وما أقل المعتبرين ، العبر تترى ، أحياناً تجد قصصاً صارخة تبين عدل الله ، وتبين رحمته ، وتبين فضله ، وتبين غضبه أحياناً ، تبين بطشه ، تبين إكرامه ، فهناك عبر لا تعد ولا تحصى ، والله عز وجل يسوقها لعباده كي يعرفوا أنه : ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84)﴾
( سورة الزخرف الآية : 84 )
أن الأمر كله بيده ، وأن الأمر راجع إليه . ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)﴾
( سورة يس )
لكن أنت حينما تحلل الأحداث تحليلاً توحيدياً ، وتبين أن الناس حينما تنزل عليهم المصائب يستحقونها أحياناً لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ، أنت حينما تشرح هذا الشرح هناك أناس يتألمون أشد الألم . ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ (45)﴾
( سورة الزمر الآية : 45 )
التحليل الأرض الشركي مقبول عند أهل الدنيا أما التحليل التوحيدي فغير مقبول:
إذا حللت الأحداث تحليلاً أرضياً وشركياً ، وزيد وعبيد ، وفلان وعلان ، والقوة الفلانية والقوة الفلانية ، التحليل الأرضي مقبول عند المشركين ، والتحليل الأرضي مقبول عند من يئس من الآخرة ، التحليل الأرض الشركي مقبول عند أهل الدنيا ، أما التحليل التوحيدي فغير مقبول ، قد تجري أحداث طاحنة في بلاد مجاورة ، طبعاً هناك آلاف التحليلات لكن حينما تقرأ قوله تعالى : ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
( سورة النحل )
هذا تحليل قرآني لأحداث جسيمة ظهرت ، لذلك المؤمن يرضيه التحليل التوحيدي الإيماني ، بينما الذي لا يؤمن بالآخرة لا يرضيه أبداً التحليل التوحيدي الإيماني بل يبحث عن تحليل شركي أرضي . كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء يكشفها الإنسان عند الموت :
قال تعالى : ﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)﴾
الحقيقة أيها الأخوة أن كل الحقائق التي جاء الأنبياء يكشفها الإنسان عند الموت .
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق )
الحقائق التي جاء بها الأنبياء يعرفها أكفر كفار الأرض عند الموت ، الدليل فرعون الذي قال : ﴿ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾
( سورة الأنبياء )
والذي قال : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾
( سورة القصص الآية : 38 )
حينما أدركه الغرق قال : ﴿ آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
( سورة يونس )
خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:
الشيء المؤلم أيها الأخوة أن خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط ، لا بد من أن تؤمن عند الموت ولكن بعد فوات الأوان . ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾
( سورة الأنعام )
خيارك مع ملايين الأشياء خيار قبول أو رفض ، إلا مع الإيمان خيار وقت ؛ إما أن تؤمن قبل فوات الأوان ، أو أنه لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان . ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)﴾
﴿ فَسَوْفَ ﴾
للاستقبال ، لذلك من أدق تعريفات العقل أن العاقل لا يندم لأن الذي سيأتي توقعه ، الذي سيأتي في المستقبل توقعه فتكيف معه فلم يكن مفاجئاً له .
مثلاً : طالب يعلم علم اليقين أن الأستاذ نزيه جداً ومعطاء في الدرس ، وأن هناك امتحان دقيق ، وتصحيح أدق ، ونجاح بجدارة ، ورسوب بجدارة ، فما درس ، يقول لك : رسب بجدارة ، مثلاً درس ، أمضى كل العام بالدراسة ، فلما جاء الامتحان هو مستعد له ، ليس عنده مفاجأة ، سؤال الامتحان أجاب عنه ، والثاني أجاب عنه ، والمسألة حلها ، والتحليل حلله ، وإكمال الجمل أكملها ، وملأ الفراغات ، وعلاماته تامة ، الطالب الثاني قال له صديقه : الأستاذ من عادته أن يعطي الأسئلة لمن يقدم له هدية قبل الامتحان ، فوجد أنه لا داعي للدراسة ، أمضى العام الدراسي كله في النزهات ، وفي النوادي ، والملاهي ، واللعب ، اعتماداً على وهمه أن الأستاذ سوف يعطي الأسئلة لمن يقدم له هدية ثمينة ، فجاء بالهدية وقدمها إليه فتلقى منه صفعتين وعرف الحقيقة قبل الامتحان بيوم واحد ، هذه القصة كلها ، إنسان علم ما سيكون فتكيف مع ما سيكون ، وإنسان جهل ما سيكون وفوجئ بما سيكون ، فما هو العقل ؟ العقل هو التكيف مع المستقبل ، أو الذكاء هو التكيف . أخطر شيء في حياة الإنسان صحة الرؤيا أو خطأ الرؤيا:
قال تعالى : ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)﴾
أي عندما يرتكب إنسان جريمة لا يمكن لمجرم أن يرتكب جريمة إلا وهو يتوهم أنه سينجو من العقاب ، كل أحلامه بهذا المال الذي سيسرقه من هذا المقتول ، بعد أيام صار في السجن ، بعد عشرين يوماً على حبل المشنقة ، هذا الواقع ، لذلك أخطر شيء في حياة الإنسان صحة الرؤيا ، وأسوأ شيء في حياة الإنسان خطأ الرؤيا ، فأنت حينما ترى رؤيا صافية وصحيحة تفلح في عملك ، من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام : " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتبعاه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ (6)﴾
القرن قالوا : ستون سنة ، سبعون سنة ، ثمانون ، حتى المئة ، مئة عام الناس كلها التقت مع بعضها بعضاً ، نحن في هذه البلدة الطيبة الناس يعرف بعضنا بعضاً ، هذا يموت قبل هذا ، هذا بعد هذا ، لكن في تعارف إما حقيقي باتصال مباشر ، أو فكري وإعلامي ، القرن كما قلت من ستين إلى مئة عام ، يعني الزمن الذي يجمع الناس ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))
[ متفق عليه عن عمران بن حصين ]
العطاء الدنيوي ليس دليلاً على أن الله راضٍ عن هؤلاءالناس :
قال عز وجل : ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ﴾
أحياناً الإنسان يذهب إلى بلاد الغرب ، يقول لك : جنات ، كلها خضراء ، قد يركب مركبة ساعات طويلة ، كل الجبال خضراء ، كل السهول خضراء ، كل الوديان خضراء ، الأنهار ، البحيرات ، الأطيار ، الأسماك ، بلاد جميلة جداً ، قال : ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ﴾
يعني الأمطار من السماء والأنهار والبساتين والجنات : ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ ﴾
العطاء الدنيوي ليس دليلاً على أن الله راضٍ عن هؤلاء .
(( ألا إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يأكُلُ مِنْهَا الْبرّ والْفَاجر ألاَ وإنّ الآخِرَةَ أجلٌ صَادِقٌ يَقْضِي أفواهها مَلِكٌ قَادِرٌ ))
[الطبراني عن شداد بن أوس ]
الله عز وجل يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب :

الدنيا تعطى لمن يحب ، ولمن لا يحب ، أعطاها الله لقارون ، وهو لا يحبه ، قال : ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)﴾
( سورة القصص الآية : 78 )
وقال : ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (81)﴾
( سورة القصص الآية : 81 )
أعطاها لفرعون ، وهو لا يحبه ، لكن الذي يحبهم ماذا أعطاهم ؟ قال : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾
( سورة القصص )
الذين يحبهم أعطاهم العلم . ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
( سورة النساء )
الذين أحبهم أعطاهم الحكمة ، الذين أحبهم أعطاهم السكينة ، الذين أحبهم أعطاهم الأمن ، هذه ثمار الإيمان اليانعة ، أن ترضى عن الله ، أن تكون آمناً في سربك ، معافى في جسمك ، عندك قوت يومك ، أن تكون حكيماً ، أن تكون راضياً عن الله عز وجل ، أن يكون لك سمعة طيبة .

قوة الأمم والشعوب ليست دليلاً على أنها قريبة من الله عز وجل :
إذاً : ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾
أي أن قوة الأمم والشعوب ليست دليلاً على أنها قريبة من الله عز وجل على العكس أحياناً . ﴿ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ﴾
الأمطار الغزيرة بألوف ، يقول لك : 2000 مم ، 1500 ـ 3000 مم في العام ، في بلاد فقيرة 200 ـ 150 ـ 160 . ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ﴾
هناك أنهار غزارتها 300 ألف كم مكعب في الثانية بالأمازون ، وهناك بحيرات ، وجبال خضراء ، وثروات ، وبترول ، وفلزات ، والله عز وجل يقول : ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
( سورة طه )
ما تحت الثرى الثروات . ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾
هذه الباء باء السبب ، يعني بسبب ذنوبهم أهلكناهم : ﴿ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ ﴾
ففساد الأمم عاقبته واضحة جداً .

العفريني
09-22-2011, 05:29 PM
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7)﴾
هذا الكتاب القرآن الكريم الذي أُنزل على قلب سيد المرسلين ، والذي فيه المنهاج القويم ، لو أنهم درسوا ما فيه ، ونظروا في توجيهاته ، وفي أخباره ، وفي تفاصيله لآمنوا ، لكنهم كذبوا .
الآن لو رأوا بأم أعينهم كتاباً ينزل من السماء ، فلما وصل إلى الأرض لمسوه بأيديهم لقالوا :
﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
معنى ذلك أن الذي يريد أن يؤمن أبسط شيء يراه يكفيه للإيمان ، والذي لا يريد أن يؤمن لو رأى المعجزات تلو المعجزات لا يؤمن ، القضية قضية قرار داخلي يتخذه الإنسان ، لو أن الإنسان أراد الحقيقة فإن البعرة تدل على البعير ، والأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟!!
القضية أيها الأخوة أن هذا الكون بوضعه الراهن ، بوضعه القائم من دون خرق لنواميسه هو معجزة ، عينك معجزة ، حواسك الخمس معجزة ، الدماغ معجزة ، ابنك الذي تراه بعينك معجزة ، الطعام الذي تأكله معجزة ، لو أنك نظرت إلى ما في هذا الكون من دون تغيير لنواميسه ، ولا لقوانينه ، من دون خرق لقوانينه هو بحد ذاته معجزة ، فهذا الإعجاز اللامتناهي إن تعامى الإنسان عنه فلن يؤمن بخرق لنواميسه ، ولا بخرق لقواعده ، فلذلك أيها الأخوة ، هذا الذي أراد أن يؤمن لا يحتاج إلى معجزة ، والذي أراد ألا يؤمن لا تنفعه المعجزة . الطريق إلى الله ليس في المعجزات ولكن في اتخاذ قرار إيماني مسبق :
قال تعالى : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7)﴾
إذاً ينبغي أن تطلب الحقيقة ، ينبغي أن تتخذ قراراً داخلياً في البحث عن الحقيقة ، فإن اتخذت هذا القرار فكل شيء في الكون يدل على الله ، من دون خرق للنواميس ، من دون تعطيل للقوانين ، الكون بحد ذاته معجزة ، ثلاثمئة ألف شعرة ، لكل شعرة وريد وشريان ، وعصب وعضلة ، وغدة دهنية وغدة صبغية ، هذا الشعر ، هذا خلق الله ، قلت : في العين في الميليمتر المربع من الشبكة يوجد مئة مليون مستقبل ضوئي ، في المعدة 35 مليون عصارة ، الدماغ فيه 140 مليار خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد ، ماذا أقول ؟! الإنسان من حوين وبويضة في تسعة أشهر صار إنساناً سوياً .
أيها الأخوة ، الطريق إلى الله ليس في المعجزات ، ولكن في اتخاذ قرار إيماني مسبق ، و هذا يفسر آيات كثيرة تأتي على نمط واحد .
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)﴾
( سورة آل عمران الآية : 49 )
أي إن أردتم أن تؤمنوا فهذا آية لكم ، أكثر من آية على هذا النمط ، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
أنت حينما تريد أن تؤمن كل شيء في الكون يدلك على الله ، كأس الحليب ، ما علاقة هذا الكائن البقرة بهذا الإنسان ؟ غذاء كامل للإنسان ، ما علاقة هذا الطعام بأجسامنا ؟ توافق تام مع أجسامنا ، معنى ذلك أن هناك إلهاً عظيماً هو الذي خلق هذا الإنسان ، وخلق له هذه النباتات ، وخلق له هذه البهائم كي يأكل منها .
ما معنى أن تكون الكرة الأرضية وحدها من بين المجموعة الشمسية صالحة للحياة ؟ هذه الكواكب السيارة التي هي المجموعة الشمسية ، بعض هذه الكواكب تصل سرعة الرياح فيها إلى 2000 كم في الساعة ، 2000 كم في الساعة أي لا يمكن أن يبقى شيء على سطح هذا الكوكب ، نحن برياح سرعتها ستمئة كيلومتر مدن بأكملها تطير ، برياح سرعتها مئة كيلومتر يحصل انهدام واقتلاع أشجار ، برياح سرعتها ستمئة كيلومتر لا يبقى شيء في المدينة ، بعض الكواكب السيارة سرعة الرياح فيها ألفَا كيلومتر في الساعة ، بعض الكواكب الهواء كله حول الكوكب ، ثاني أكسيد الكربون غاز سام ، في بعض الكواكب الحرارة 450 درجة فوق الصفر ، بعض الكواكب الحرارة 238 درجة تحت الصفر ، لو استعرضت الكواكب السيارة واحداً وَاحداً لا يمكن لواحد أن تصلح فيه الحياة ، ما معنى أن تكون الأرض وحدها بحجمها ، بنسبة يابستها إلى بحرها ، بهوائها ، بحرارتها ، بليلها ، بنهارها مناسبة تماماً للإنسان ؟ معنى ذلك أن هناك خالقاً عظيماً .
الآن هذه الخلية في رحم الأم تنمو وتنقسم ، وتنمو وتنقسم ، لو لم تكن هناك يد إلهية لنما هذا الجنين ، وأصبح نسيجاً لحمياً متجانساً ، أو نسيجاً عصبيّاً ، أو نسيجاً عظميّاً ، ما معنى أن يكون في هذا الطفل عظام ، وأوعية ، وشرايين ، وقلب ، وجهاز هضم ، ومريء ، ومعدة ، وأمعاء ، وكبد ، وبنكرياس ، ودماغ ، وأعصاب ، وأطراف ، وأصابع ، يد من صنعت هذا ؟! لولا أن النبي والرسول بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر :
أيها الأخوة : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7)﴾
اقتراح آخر من هؤلاء المكذبين :
﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)﴾
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ملَكاً ، وأمرنا أن نغض أبصارنا ماذا يُقال له ؟ أنت ملَك لا تعرف ، هذه شهوة أودعها الله فينا ، لم تودع فيك حتى تنهانا عن هذا ، يجب أن يكون الرسول بشراً ، ولولا أن النبي والرسول بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لولا أنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر ، ثم انتصر على بشريته لما كان سيد البشر ، يريدون نبياً ملَكاً ، الملَك لا يعيش واقع الإنسان ، لا يعيش شهوة الإنسان ، لا يعيش ضغوط الإنسان ، لا يعيش ظروف الإنسان ، ولا عقبات الإنسان ، كل هذه الظروف والعقبات والضغوط والشهوات الملَك لا يعرفها إطلاقاً ، إذاً كيف يكون رسولاً لنا ؟ لكن لو أنه كان ملكاً كيف يرونه ؟ كيف يستمعون إليه ؟ لا بد من أن يكون له شكل كشكلهم ، وحركة كحركتهم ، وجسم كأجسامهم .
الأنبياء لهم مهمتان مهمة التبليغ القولي ومهمة الأسوة العملية :
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)﴾
مستحيل أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام من جنس آخر عندئذٍ تتعطل مهمته الثانية ، الأنبياء لهم مهمتان ؛ مهمة التبليغ القولي ، ومهمة الأسوة العملية ، بل إنني أرى أن مهمة الأسوة العملية أبلغ ألف مرة من مهمة التبليغ القولي ، فأيّ إنسان إذا أوتي فصاحة في اللسان ، وذاكرة قوية ينطق بما ينبغي أن يقول ، ويقول كلاماً رائعاً ، لكن الذي خصّ الله به الأنبياء أنهم في سلوكهم انضباط مذهل ، ما تكلموا كلمة إلا فعلوها ، ليس هناك مسافة أبداً بين أقوالهم وأفعالهم ، فلو أن هذا النبي كان في الأصل ملَكاً ، ثم ألبسه الله شكل الإنسان ، وكان بينهم وتحدث ، فهو قد يؤدي مهمة التبليغ ولكن لا يؤدي مهمة الأسوة ، الله عز وجل يقول :
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾
( سورة الأحزاب )
إذاً لا بد من أن يكون هذا الذي يبلغك ناطقاً بالحق ، مطبقاً للحق ، ربما تقنع من طبيب اختصاصه بأعلى مستوى تنتفع بعلمه ولا يعنيك سلوكه ، قد يكون غير مستقيم ، قد لا يصلي ، قد يشرب الخمر ، لكنك في هذا الموطن أنت بحاجة إلى علمه فقط ، فتأتي طبيباً يعنيك من الطبيب اختصاصه فقط ، فتنتفع بطبيب ، بمهندس ، بخبير ، بمحلل ، بمترجم ، تنتفع بآلاف الأشخاص ، ولا يعنيك ما يفعلون ، إلا أنك لا يمكن أن تنتفع من رجل دينٍ إلا إذا كان مطبقاً لما يقول وإلا تسقط الدعوة ، وهذا الذي يقولونه أحياناً : خذ من أقوالهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، هذا كلام غير صحيح ، لا يمكن أن تحترمهم إذا تكلموا شيئاً وفعلوا شيئاً ، لا يمكن أن تلقي لهم أذناً مصغية إذا رأيت كلامهم في واد وأفعالهم في واد آخر .
إذاً لو لأن الله سبحانه وتعالى جعل الأنبياء والرسل ملائكة ، ثم أعطاهم صورة الإنسان ، وبيان الإنسان ، وألبسهم لبوس الإنسان ، بلغوا الأقوام ، ولكن أعظم شيء في النبي والرسول هو أنه قدوة ، لكنهم فَقَدوا القدوة . الإنسان المنكر إذا طلب معجزة وتحققت ولم يؤمن يستحق الهلاك :
أيها الأخوة الكرام ، الله عز وجل يقول : لا بد أن يكون النبي والرسول من جنسكم ، ومن طبيعتكم ، ومن بني البشر ، وهو بشر كالبشر ، خصائص البشرية موجودة فيه ، إذاً لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر ثم انتصر على بشريته لما كان سيد البشر .
النقطة الدقيقة أن الإنسان المنكر إذا طلب معجزة وتحققت ولم يؤمن يستحق الهلاك ، لذلك : ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)﴾
أحياناً هذا شيء مبسط ، إنسان يطلب من الله شيئاً ، يا رب إن فعلت كذا فأنا تائب إليك ، هكذا بسذاجة ، الله عز وجل يحقق له هذا الشيء ، أنا أقول لكل إنسان تمنى على الله شيئاً، وربط إيمانه بالله ، أو استقامته ، أو توبته بهذا الشيء ، فالله عز وجل تكرماً منه حقق له هذا الشيء ، ولم يتب بعدها ، ولم ينجز وعده بعدها ، فأمامه مصيبة كبيرة ، قياساً على هذه السنة الكبيرة التي هي من سنن الله عز وجل .
الأقوام الذين كفروا لو طلبوا معجزة ، وبنوا إيمانهم على هذه المعجزة ، وتحققت هذه المعجزة ولم يؤمنوا لاستحقوا الهلاك العاجل :
﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ﴾
من سنن الله عز وجل أن هناك معركة قائمة أزلية أبدية بين الحق والباطل :
قال تعالى : ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)﴾
معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية من آدم إلى يوم القيامة ، الله عز وجل شاءت حكمته أن يكون في الأرض مؤمن وغير مؤمن ، ففريق يدعو إلى الله وفريق يدعو إلى الشيطان ، ربانيون وطواغيت ، مؤمنون وكافرون ، أخرويون ودنيويون ، أناس شهوتهم يعبدونها من دون الله وأناس إله عظيم يعبدونه وحده ، فهناك فريقان في كل مجتمع ، هذا النظام أن هناك معركة قائمة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، هذه من سنن الله عز وجل .
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ(113)﴾
( سورة الأنعام )
الله سبحانه وتعالى ميز الإنسان بحرية الاختيار :
قال تعالى : ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾
للتوضيح : لعلكم فهمتم أنه شاءت حكمة الله أن يكون في الأرض كفار ومؤمنون ، لا أقصد أبداً أن الله خلق الكافر كافراً ، لكنني أريد أن أقول : إن الله سبحانه وتعالى ميز هذا الإنسان بحرية الاختيار . ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان )
وقال : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾
( سورة البقرة الآية : 148 )
وقال : ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
وإن الناس بعضهم لم يؤمن فالذي آمن يدعو إلى الهدى ، والذي لم يؤمن يدعو إلى الضلال ، إذاً شيء طبيعي مادام الإنسان في اختيار ، وقد أودعت فيه الشهوات ، وقد أعطي حرية في اختياره أن تنشأ هذه المعركة الأزلية الأبدية بين الحق والباطل . تكذيب الإنسان للحق وسخريته منه تكون سبب هلاكه أحياناً :
الاستهزاء بالرسل شيء قديم ، والسبب أن أنبياء الله جل جلاله معهم منهج ، المنهج فيه ممنوعات ، الدين الذي من عند الله يقيد الإنسان في شهواته ، فأيّ شهوة أودعها فيه مسموح له أن يمارسها في حيز محدود ، أما أن تمارس من دون قيد أو شرط فهذا ليس ديناً هذه إباحية ، الآن يقول لك : فلان إباحي ، يعني ما عنده شيء حرام ، ممكن أن يمارس شهوته من دون قيد أو شرط إطلاقاً ، لا في كسب الأموال ، ولا في علاقته بالنساء ، ولا في أي شيء آخر ، فلذلك الشهوات واسعة جداً ، والمنهج الإلهي يقيد المؤمن في ممارسة شهواته ، فهناك قناة نظيفة لكل شهوة أودعها الله فيك .
لذلك الإنسان حينما يكون حراً في ممارسة الشهوة يفعل ما يشاء ، ثم يأتي إنسان يقول له : أنا نبي ، وهذه حرام لا تفعلها ، ماذا يفعل ؟ هذا الذي ألِف أن يتحرك بلا قيد ولا شرط يأتي إنسان ويقول له : إنه رسول الله ، والزنا محرم ، والربا محرم ، وأكل الخنزير محرم . ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً (43)﴾
( سورة الرعد الآية : 43 )
ردّ الفعل الطبيعي من هؤلاء الكفار المتفلتين على دعوة الأنبياء والرسل التكذيب ، التكذيب معه استهزاء ، التكذيب معه عداء ، التكذيب معه قتل ، أنبياء كثر قتلوا : ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)﴾
حاق أي أحاط ، سخريتهم كانت سبب هلاكهم ، سخريتهم أحاطت بهم ، وأهلكتهم ، ودمرتهم ، والإنسان أحياناً تكذيبه للحق وسخريته منه سبب هلاكه .
من يحارب الحق فهو الخاسر لا محالة :
لما قال الله عز وجل : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)﴾
( سورة التحريم )
امرأتان يقول الله في حقهما : ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾
أي على رسول الله ، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
ما معنى هذه الآية ؟ أي يجب أن تعلم أيها الإنسان أنك إذا كذبت الحق من هو الطرف الآخر ، أنت في النظام المدني أو في بلاد في العالم الثالث لا تجرؤ أن تعتدي على إنسان بصفة رسمية ، لماذا ؟ لأن الدولة كلها وراءه ، أنت حينما تمتنع أن توقع الأذى به تعلم ما المصير ، تعلم أن هناك قوة عظمى لا تستطيع أن تقابلها .
لذلك هذا الذي يسخر من أنبياء الله ، من رسل الله ، من دين الله ، من شعائر الله عز وجل ، لا يعلم أن الله سبحانه وتعالى قد يدمره ، وقد يهلكه بسبب هذه السخرية ، ولاسيما إذا كانت علانية ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾
الآن التاريخ كما يقال يعيد نفسه ، والتاريخ مدرسة ، هؤلاء الذين كذبوا الرسل والأنبياء ما مصيرهم ؟ التاريخ القريب ، لما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم للناس رسولاً الذين كذبوه ، أبو جهل ، أبو لهب ، أين هم الآن ؟ بعضهم يقول : هم في مزبلة التاريخ ، والذين وقفوا معه ، وأيدوه ، ونصروه أين هم ؟ في أعلى عليين ، دائماً إذا حاربت الحق فأنت خاسر لا محالة ، قد يكون لك جولة على الحق كما هو الوضع الآن ، الآن دول عظمى تحارب المسلمين في كل بقاع الأرض ، وبما تملك من أسلحة فتاكة ، قد تنتصر في معارك محدودة ، لكن في النهاية العاقبة لمن ؟ للمتقين ،
﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
ثم تفيد الترتيب على التراخي ، أي أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل ، وكل أفعالك وحركاتك وسكناتك محسوبة عليك ، وهناك عقاب أليم ، وهلاك مبين ، إذاً انظر إلى التاريخ ، كم من قوم حارب المسلمين ؟ الإسلام بقي كالطود الشامخ ، والذين حاربوه عبر التاريخ الإسلامي هم في مزابل التاريخ ، كم حركة أرادت أن تكيد للإسلام ، أين هي الآن ؟!! الله عز وجل لخص لنا كل الحقائق بالقرآن الكريم :
أيها الأخوة ، هذه أيضاً طريق للمعرفة ، التاريخ يعطي حقائق ناصعة ، والإنسان إذا أراد أن يعرف الحقيقة فليأخذها من كتاب الله ، وليعززها بما يجري في التاريخ .
شيء آخر ، لو أن إنساناً عنده وقت فارغ ، وعنده تحليل عميق ، وعنده دراسة اجتماعية دقيقة ، وتابع ما يجري حوله ، يجد أفعال الله في أعلى درجة من الحكمة والعدل والرحمة ، الله عز وجل موجود ، تجد المخلص له معاملة ، الخائن له معاملة ، الصادق له معاملة ، الكاذب له معاملة ، المتقن له معاملة ، لكن نحن في غفلة ، والذي يحصل أيها الأخوة أن معظم الناس مطلعون على آلاف القصص من آخر فصل ، هذا لا يكفي ، لكن لو أنك اطلعت على قصة من أول فصل إلى آخر فصل قد تخر لله ساجداً لعظمة الله ولعدله ، إنسان تطاول ، إنسان بنى مجده على التطاول على الآخرين ، يأتي من يهينه ، إنسان جمع مالاً من حرام ، هذا المال يبدد ويدمر ، فلو أنك تتبعت ما يجري حولك لرأيت منهجاً دقيقاً جداً ، ولكن هذا طريق طويل وشاق ، الله عز وجل لخص لك هذه الحقائق بالقرآن الكريم ، لكن هذه الآية : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾
﴿ ثُمَّ ﴾
يعني على التراخي : ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
الذين كذبوا الحق . ملكية الإنسان محدودة :
الله عز وجل بعدها يقول : ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)﴾
هذا الكون كله لمن ؟ من مالكه ؟ ملكية الله له من أعلى مستوى ، أي خلقاً وتصرفاً ومصيراً ، لاحظ الإنسان قد يملك بيتاً ولا ينتفع به ، هو مستأجر على القانون القديم فرضاً ، يملكه لكن لا ينتفع به ، وقد ينتفع ببيت ولا يملكه ، وقد يملك بيتاً وينتفع به ، ولكن مصيره ليس إليه ، يصدر قانون استملاك ، هذا مثل للتقريب ، ملكية الإنسان محدودة ، إنسان يملك أموال منقولة وغير منقولة ، ما دام القلب ينبض فهذه الأموال له ، وقف القلب في ثانية تحولت كل هذه الأموال لورثته ، لا يملك شيئاً ، فالإنسان مهما كان قوياً فملكيته محدودة .
الآن مهما كان في نعمة فإما أن تزول عنه وإما أن يزول عنها ، أبداً ، إنسان يكون في بيت فخم جداً يفتقر ، يفلس ، يضطر فيبيعه ، يسكن في بيت متواضع جداً حتى يؤدي ما عليه من ديون ، هذه النعمة زالت عنه ، أو أن يموت فيزول عنها ، إذاً ملكية الإنسان محدودة .
لذلك لما سألوا بدويّاً معه قطيع من الإبل : لمن هذه ؟ أجمل كلمة ، وأبلغ كلمة قالها : هي لله في يدي .
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26)﴾
( سورة آل عمران الآية : 26 )
الملك الحقيقي لله ، لك عينان هل تملكها ؟ أبداً ، في أي لحظة هذه النعمة العظمى يفقدها الإنسان ، لك سمع ، لك عقل ، نقطة دم لا تزيد على رأس دبوس تتجمد في بعض الأوعية في الدماغ فيفقد الإنسان ذاكرته كلها ، ويفقد علمه كله ، ما من شيء يملكه الإنسان . رحمة الله تعالى بعباده :
إذاً : ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ ﴾
مالك الملك ، هو خير الوارثين ، إنسان ترك ألف مليون ، أحد الورثة اختل توازنه ، نصيبه تسعون مليوناً ، أغلق محله التجاري ، وتابع معاملات الإرث ، وبراءات الذمة والمالية ، ستة أشهر ، وهو في دوائر الحكومة ، ومات بجلطة في الحمام ، ولم يأخذ قرشاً واحداً ، الله عز وجل خير الوارثين ، أنت لا تملك شيئاً : ﴿ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
الآية دقيقة جداً ، أن يعطى الإنسان مهلة للموت هذه رحمة كبيرة ، أخطأت ، ما دمت حياً ، ما دام القلب ينبض هناك فرصة للتوبة ، ما دمت حياً ، وما دام للعمر بقية ، وما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح ، هذه رحمة الله .
الرحمة الثانية أن الذي ظُلم في الأرض سيأتي يوم تسوى فيه الحسابات ، سوف ينتصر الله له يوم القيامة ، والذي أُخذ ماله في الدنيا يُعوض عنه يوم القيامة ، والتي كان حظها من الرجال سيئاً وكانت صالحة لها يوم القيامة معاملة خاصة ، فأدق كلمة أن هذا اليوم ؛ اليوم الآخر تسوى فيه الحسابات ، هذه رحمة الله عز وجل ، فلذلك الإنسان لولا الإيمان باليوم الآخر لكانت حياتنا جحيماً ، أحياناً أنت ضعيف ولك عدو قوي حاقد عليك ، يتمنى تدميرك ويدمرك ، وأنت لا تفعل شيئاً ، لولا أن هناك حساباً . ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم )
أكبر خسارة للإنسان أن يخسر نفسه :
المشكلة كبيرة جداً إذاً يوم القيامة ، أولاً : ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
أي الحساب يوم القيامة ، ما دمت في الدنيا فالفرصة متاحة كي تتوب ، والفرصة متاحة لتصلح ما كان منك ، فكل شيء قابل للإصلاح ما دام القلب ينبض وهذا من رحمة الله بنا .
الرحمة الثانية أن الإنسان إذا مات ، وكان مظلوماً ، وكان إنساناً فقيراً ما تمتع بالحياة الدنيا ، وثمة إنسان غني ، فهذا الذي كان فقيراً له معاملة خاصة يوم القيامة ، إذاً سيأخذ حقه كاملاً ، بالمناسبة الحياة الدنيا قصيرة جداً ، الآخرة سرمدية ، فإذا ضاع منك شيء في الدنيا تعوض عليه إلى أبد الآبدين .
أيها الأخوة الكرام ، تقتضي رحمة الله أن الإنسان إذا أخطأ ما دام حيّاً فله أن يتوب ، باب التوبة مفتوح ، وهذه رحمة .
الآن كان في الدنيا فقيراً ، أو كان معذباً ، أو كان مريضاً ، هذا عرض ضيق ، لكن الآخرة رحمة إلى مالا نهاية ، فإذا خسر الدنيا وربح الآخرة فهذا خير له ألف مرة من أن يربح الدنيا ويخسر الآخرة ، إذاً هذا من رحمة الله عز وجل : ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
أي يمكن أن تخسر كل شيء ، أما إذا خسرت نفسك فهذه أكبر خسارة . ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
أي الذي لا يؤمن هو الذي خسر نفسه .

العفريني
09-22-2011, 05:30 PM
﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)﴾
﴿ لَهُ ﴾
أي : الكون كله ، الكون وما سواه له ملكاً مطلقاً ؛ خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، وهو مالك الملك ، فأي شيء يُملّك هو مالكه ، وملكية الله مطلقة ، فهذا المعنى يقتضي أن ترجع إليه ، لأنه يملك سلامتك وسعادتك ، يملك رفعتك أو خلاف ذلك ، يملك إسعادك أو شقاءك .
﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ ﴾
الحقيقة أن بعض المفسرين قالوا : له ما سكن وتحرك ، لكن كلمة سكن أشمل من تحرك ، لأن المتحرك لا بد له من طور يكون فيه ساكناً .
هذا القلب الذي هو مظنة الحركة من طور الرحم إلى القبر ، ومع ذلك في حالة سكون بين النبضتين ، فالكلمة الجامعة المانعة الشاملة التي تغطي كل مخلوق أنه سكن ، ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾
الأصل هو السكون والحركة طارئة ، حتى إذا رأيت حركة مستمرة فهي في الحقيقة صور متتابعة ، لكن قدرة العين على اكتشاف الفروق بين الصور ضعيفة في طور معين ، فتبدو الحركة مستمرة ، ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ ﴾
أي : كل شيء سواه له ، هو واجب الوجود ، والكون كله ممكن الوجود .
﴿ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
الزمن طارئ ، الشيء جوهر والزمن طارئ عليه ، فله ما سكن في الليل والنهار ، يعني المكان والزمان ، المكان الأصل فيه السكون فكل شيء له ، والزمن الأصل فيه الظلام والنور طارئ ، ومن آياته : ﴿ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)﴾
( سورة يس )
مطلق العلم مع مطلق المكان والزمان كله ملك لله عز وجل :
قال تعالى : ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)﴾
أي شيء تقوله يسمعك ، فإذا آثرت الصمت يعلم ما في نفسك ، أي مطلق العلم مع مطلق المكان والزمان كله ملك لله عز وجل ، فلذلك كيف يتوازن الإنسان وهو يبعد عن الله ، وأمره كله بيد الله ؟ من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه ، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه ، أمرك بيده ، سلامتك بيده ، رزقك بيده ، سعادتك بيده ، من حولك بيده ، من فوقك بيده ، من تحتك بيده ، أقرب الناس إليك بيده ، أكبر قوة في الكون بيده ، الأمراض بيده ، الفيروسات بيده ، عوامل المرض بيده ،
﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26)﴾
( سورة آل عمران الآية : 26 )
لذلك ماذا يبنى على هذه الحقيقة الخطيرة ؟ يبنى على هذه الحقيقة الخطيرة : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)﴾
ما دام الأمر بيده ، والأمر إليه ، وهو المالك ، مالك كل شيء ، مالك أي شيء سكن ، مالك أي شيء تحرك ، مالك أي شيء في الليل ، مالك أي شيء في النهار ، إن سكت يعلم ما في نفسك ، إن تكلمت يسمع كلامك ، هذا الإله المطلق في ملكه ، وفي علمه ، وفي قدرته ، تتخذ غيره ولياً ؟

(( أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ))
[ورد في الأثر]
الفرق بين كلمة ( فاطر )وكلمة ( خالق ): أيها الأخوة ، من أعجب العجب أن يتخذ الإنسان ولياً غير الله عز وجل :
﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً ﴾
معنى الولي هو الذي يتولى أمرك ، هو الذي تهتدي بتوجيهاته ، هو الذي يحميك من خصومك وأعدائك ، هو الذي يدلك على طريق سعادتك وسلامتك ، هو الذي يرحمك ، هو الذي يغفر لك ، هو الذي يعطيك ، هو الذي يرفعك ، هو الذي يحفظك : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
أي خالق السماوات والأرض ، وربما أضافت كلمة فاطر على كلمة خالق أن الشيء المادي يحتاج إلى خالق ، لكن الكائن الحي يحتاج إلى فاطر ، لك نفس ، لك فطرة ، لك خصائص ، لك قوانين ، هناك سمات عميقة في نفس الإنسان ، هذه من أعطاه إياها ؟ ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾
( سورة الشمس )
أيها الأخوة : ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾
معنى ذلك أن الذي يأكل مفتقر في وجوده إلى الله عز وجل ، فرق كبير بين الذي يأكل والذي لا يأكل ، ﴿ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾
فلما أراد الله أن يثبت للبشر بشرية الأنبياء والمرسلين قال : ﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20)﴾
( سورة الفرقان الآية : 20 )
أدلة من القرآن الكريم عن أن الأمر كله بيد الله وحده :
نحن جميعاً مفتقرون في وجودنا وفي استمرار وجودنا إلى الطعام الذي نأكله ، فضلاً عن ذلك نحن مفتقرون إلى أن نمشي في الأسواق كي نكسب ثمن الطعام ، أنت مفتقر مرتين ، مفتقر إلى الطعام وإلى ثمن الطعام ، إذاً أنت مضطر أن تعمل ، وهذا شأن العبد ، لكن الله سبحانه وتعالى فرد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ﴿ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾
﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
ما بال الناس اليوم يتخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ، يتخذون بعضهم بعضاً أنداداًَ لله عز وجل ، لذلك ما من إنسان يسقط سقوطاً مريعاً كالذي يشرك بالله ، فيتوجه إلى مخلوق ضعيف ، لو توجهت إلى سيد الخلق ، إلى حبيب الحق ، إلى سيد ولد آدم ، إلى قمة البشر ، يقول الله عنه قل : ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (50)﴾
( سورة الأنعام الآية : 50 )
وقال : ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ (188)﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً (21)﴾
( سورة الجن الآية : 21 )
يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188)﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(13)﴾
( سورة الزمر )
خيارك مع الإيمان خيار وقت :
سيدنا الصديق لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى قال قولته الشهيرة :"من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
التفوق مطلوب أيضاً ، علو الهمة من الإيمان ، المسارعة أيضاً مطلوبة ، ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾
قد يُسلم الإنسان بعد فوات الأوان ، وقد يُسلم الإنسان في وقت متأخر من حياته ، ودائماً وأبداً أؤكد أن خيارك مع الإيمان خيار وقت ، فإما أن تؤمن قبل فوات الأوان ، وإما أن تؤمن ولا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان ، أما فرعون الذي قال : ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
( سورة النازعات )
والذي قال : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾
( سورة القصص الآية : 38 )
آمن : ﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ (90)﴾
( سورة يونس الآية : 90 )
ولكن بعد فوات الأوان ، فقال الله له : ﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾
( سورة يونس )
على الإنسان ألا يجعل بين الذنب والتوبة أمداً طويلاً لأنه إذا طال عليه الأمد قسا قلبه :
قضية أن نؤمن بعد فوات الأوان شيء مفروغ منه ، ولكن كل البطولة أن تؤمن قبل فوات الأوان ، أن تؤمن وأنت صحيح ، قوي ، غني ، شاب في مقتبل حياتك ، من أجل أن توقع حركتك بالحياة وفق منهج الله عز وجل ، من أجل ألا يكون الموت أكبر المصائب ، من أجل أن يكون الموت انتقالاً إلى الجنة ، من أجل أن تأتي نعم الدنيا متصلةً بنعم الآخرة : ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
الذي يتمنى أن ينجح فقط في الأعم الأغلب لا ينجح ، الطالب في الامتحانات العامة إذا جعل هدفه فقط النجاح في الأعم الأغلب لا ينجح ، أما إذا جعل هدفه التفوق قد ينجح ، فالإنسان عليه أن يطلب المرتبة العليا لينال المرتبة الدنيا ، هناك ملمح في هذه الآية : ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾
لذلك مما تقتضيه هذه الآية أن الإنسان لا سمح الله ولا قدر إذا وقع في ذنب عليه أن يبادر إلى التوبة ، وألا يجعل بين الذنب وبين التوبة أمداً طويلاً ، لأنه إذا طال عليه الأمد قسا قلبه ، هذه الخاطرة إذا أهملتها تنقلب إلى فكرة ، وإذا أهملتها تنقلب إلى رغبة ، ثم إلى إرادة ، ثم إلى عمل ، ثم إلى عادة ، وإذا انتقلت هذه الخاطرة إلى عادة يصعب تركها ، وهذا حال معظم الناس . ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ (16)﴾
( سورة الحديد الآية : 16 )
في حياتنا أربعة أشياء إن صحت لا نندم على ما فاتنا وإن اختلت واحدة خسرناها كلها :
إذاً : ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾
في هذه الآية ملمح إلى أن الإنسان عليه أن يسارع إلى التوبة ، وإلى الطاعة ، وإلى الصلح مع الله ، وإلى تحسين علاقته بالله عز وجل .
مرة ثانية أؤكد لكم أيها الأخوة أنه في حياتك أربعة أشياء إن صحت فلا عليك إن فاتك من الدنيا شيء وإن اختلت واحدة انعكست على الثلاثة فاختلت معها ، أول هذه الأشياء : علاقتك بالله ، ثانيها : علاقتك بجسمك ، ثالثها : علاقتك بعملك ، رابعها : علاقتك بأسرتك .
إن صحت العلاقة مع الله لعلها تنعكس علاقة طيبة مع جسمك ، ومع عملك ، ومع أسرتك . ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
( سورة الأنعام )
عذاب الله عظيم نراه في الدنيا قبل الآخرة :
نحن نرى في الدنيا قبل الآخرة كيف أن عذاب الله عظيم ، سمعتم ولا شك بهذا الذي جرى في آسيا ، بلاد سواحل هذه البلاد من أجمل بلاد العالم ، في منطقة استوائية دافئة في الشتاء ، أمطارها غزيرة ، جوها لطيف ، حرارتها دافئة ، فيها أجمل منتجعات العالم ، بدقائق أصبح كل ما عليها : ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً (106)لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً (107)﴾
( سورة طه )
هذه الهزة التي ظهرت قبل تقريباً ألف كيلومتر في مكان الحوادث ، قوتها تعادل مليون قنبلة ذرية : ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
ألواح تحركت ، باطن الأرض فيه حمم لزجة عالية الحرارة ، متحركة مندفعة نحو الأعلى ، وفوق هذه الحمم غلاف صخري هذا الغلاف الصخري متصدع ، ألم يقل الله عز وجل : ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12)﴾
( سورة الطارق )
هذا الغلاف متصدع ، فهذه الحمم إذا اندفعت نحو الأعلى هذا الغلاف مؤلف من ألواح ، أستراليا كلها لوح واحد ، آسيا لوح ، لوح آسيا اسمه اللوح الأورانسي ، واللوح الأسترالي ، لما اندفعت هذه الحمم من مركز الأرض نحو الأعلى تباعدت هذه الألواح ، لما رجعت إلى مكانها اقتربت فاصطدمت ، هذه الصدمة تعادل مليون قنبلة ذرية وقعت في المحيط الهادي ، والمحيط هادي ، أي هادي ‍؟ وقع هذا التصادم بين الألواح في قعر المحيط الهادي فدفع الماء نحو الأعلى ، هذا الماء المندفع مشى باتجاه الشمال بسرعة ألف كيلومتر ، وبقي يمشي ساعة ، إلى أن وصل إلى سواحل الهند ، وإندونيسيا ، وسريلانكا ، ووصل إلى سواحل إفريقيا إلى عُمان ، وإلى الصومال ، وإلى بنغلادش ، وإلى سومطرة ، سرعة الموج حينما وصلت إلى البر كانت خمسة وستين كيلومتراً ، وارتفاع الموج أربعون متراً يجتاح الساحل ويأخذ كل شيء ، والخسائر حتى الآن مئة وخمسة وعشرون ألف قتيل ، والمتوقع أن تصل إلى مئتي ألف ، والمتوقع أن يموت مئتا ألف بسبب الأمراض والأوبئة التي أصبحت خطراً أخطر من اجتياح الماء . أدلة من الواقع عن عذاب الله في الدنيا :
قال تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
(سورة آل عمران الآية : 26)
ثلاثة آلاف وستمئة إنسان ماتوا في برجي التجارة في أمريكا فقامت الدنيا ولم تقعد ، وبدأت الحروب ، على أفغانستان حرب ، وعلى العراق حرب ، وحصار اقتصادي ، ومكافحة الإرهاب ، والدنيا قامت ولم تقعد ، بل إن تاريخ الأرض الحديث يقسم إلى قسمين قبل الحادي عشر من أيلول ، وبعد الحادي عشر من أيلول ، لكن هذا الحادث الذي وقع في أمريكا جُيّر إلى العرب والمسلمين ، لذلك أعلنت عليهم حرب عالمية سادسة ، أما المئتا ألف وفيهم تقريباً عشرة آلاف أوربي ، من ألمانيا خمسة آلاف ، من إيطاليا ألف وخمسمئة ، مجموع السياح هؤلاء نخبة المجتمع الأوربي ، أجمل بلاد العالم ، أجمل منتجات العالم ، والأسعار طبعاً غالية جداً ، أماكن ، وسواحل ، ومنتجعات ، ورفاه يفوق حدّ الخيال في المحيط الهادئ ، والشمس ساطعة ، والجو لطيف ، والنساء شبه عاريات ، وجاء بلاء الله عز وجل في دقائق .
الشيء الذي لا يصدق ، وقد سمعت الخبر بأذني أنه لم يُعثر على جثة حيوان واحد ، الإنسان ، وعظمة الإنسان ، ومختبرات الإنسان ، والجامعات ، الإنسان لا يستطيع أن يتنبأ بوقوع هذه الهزة ولا قبل ثانية ، لكن لو كان هناك مراصد بعد ألف كيلومتر لعرفوا بعد أن ظهرت ، أما الحيوانات يعلمون الخطر قبل وقت كافٍ لخروجهم من المنطقة ، والخبر لا يصدق ، لم يُعثر على جثة حيوان واحد ، ليسوا مكلفين ، وما عندهم معاص وآثام . عذاب الله تعالى عقاب للمذنبين وابتلاء للمؤمنين وإنذار للناجين :
أيها الأخوة ، لعل هذا الذي حدث يجسد هذه الآيات : ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
لم يرَ الناس منذ ثلاثمئة عام مثل هذا المد البحري ، هذه الموجة أيها الأخوة يمكن أن تحمل صخرة تزن عشرين طنّاً وترفعها في الهواء وتلقيها بعد خمسين متراً ، أساساً عندما اجتاحت هذه الموجة العظيمة المنتجعات والفنادق أخذت كل من في الفندق وألقته في البحر ، الناجون قلائل جداً ، الناجون بالمئات ، وكل هؤلاء وافتهم المنية ، على كلٍ هذه الموجة عقاب للمذنبين وابتلاء للمؤمنين ، لأنه يوجد مؤمنين ، إندونيسيا مسلمة ، وفيها مؤمنون ، ابتلاء ، وإنذار للناجين ، وهذا التفسير التوحيدي الإلهي لا يتناقض مع التفسير العلمي ، من أمر الألواح أن تتحرك وأن تتصادم ؟ الله عز وجل ، تصادم الألواح سبب ، والله مسبب الأسباب .
ركاب طائرة ، راكب متجه فرضاً من دبي إلى تايوان ليشتري قماشاً يستورده للمسلمين في أيام الحج ، مثلاً ، راكب آخر يذهب إلى هذه البلاد ليرتكب الفاحشة ، تحترق الطائرة ، كل راكب يموت على نيته ، فالمؤمنون كان هذا الهلاك امتحاناً لهم ، والمذنبون كان هذا الهلاك عقوبة لهم ، والناجون كان هذا الهلاك إنذاراً لهم ، ومن السذاجة أن تظن أن تلك المناطق فيها زلازل ، مئة عام أو أقل من مئة عام لم يحدث شيء .
بلادنا منطقة زلازل ، قرأت في التاريخ أن زلزالاً وقع في حلب قضى على مئتين وثلاثين ألف إنسان ، ودمشق جاءها زلزال لم يبقِ فيها شيئاً ، حتى الجامع الأموي هُدم وأعيد بناؤه .
أي مكان في الأرض معرض لزلزال ، أو لهزة ، أو لبركان ، أو لجفاف ، فلذلك المؤمن الناجي عليه أن يصطلح مع الله ، وقد رأيتم قدرة الله بأم أعينكم ، سومطرة جزيرة تفوق مساحة سورية انزاحت ثلاثين متراً ، جزر كثيرة ظهرت لم تكن من قبل ، جزر انشقت نصفين ، أصبحت جزيرتين ، حدث تأثير على حركة الأرض . ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
( سورة غافر )
بطش الله عز وجل شديد ويتجلى باسم الجبار :
الله عز وجل من أسمائه الجميل ، يتجلى على الوردة باسم الجميل ، ويتجلى في الزلزال باسم الجبار . ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13)﴾
( سورة البروج )
الحديث عن الدمار يفوق الخيال ، الحديث عن الضحايا والأرقام فلكية ، آلاف الجثث تفسخت ، المياه ملوثة لا تشرب ، المشكلة الأولى الآن ماء الشرب ، المياه الآن غير صالحة للشرب ، الدواء ، المأوى ، خمسة ملايين مشرد الآن بلا مأوى ، خمسة ملايين .
﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(13)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(14)قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)﴾
مدينة في المغرب اسمها أغادير ، منتجع للأوربيين ، فيها نوادي العورات ، كل أنواع الموبقات التي يندى لها الجبين في هذه المدينة ، حتى إن سكان المدينة ممنوع أن يدخلوا إلى تلك المنتجعات لعظم الفواحش التي فيها ، جاءها زلزال استغرق أربع ثوان أصبحت :
﴿ قَاعاً صَفْصَفاً (106)لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً (107)﴾
( سورة طه )
ومن أغرب ما فيها فندق من أرقى الفنادق في العالم ، ثلاثون طابقاً ، غاص كله في الأرض عدا الطابق الأخير ، وقد كُتب على الطابق الأخير اسم الفندق ، فكان اسم هذا الفندق كالشاهدة على القبر : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾
( سورة البروج )
ليست الدنيا دار جزاء لكنها دار ابتلاء :
أيها الأخوة الكرام ، الناس يخافون من بعضهم بعضاً ولا يخافون الله عز وجل ، هذا الحدث الضخم لعله أزهق أرواح عشرة آلاف إنسان أوربي من نخبة المجتمع ، يعادون من ؟ هل وراءه عمل إرهابي ؟ فعل الله ، الله عز وجل كما يقال بالتعبير المعاصر جيّره له ، لا يستطيع أحد أن ينطق بكلمة ، أما أي حدث آخر يقول : وراءه عمل إرهابي ، الدولة الفلانية هي السبب ، الجهة الفلانية هي المخططة لهذا العمل ، هذا العمل ، كل عمل إرهابي يقع يعزى إلى بلد ، وتتهم مجموعة ، أما هذا الذي حدث فلمن يعزى ؟ إلى الله وحده .
أيها الأخوة ، الحقيقة آية دالة على عظمة الله عز وجل ، وتتبع أخبار هذا الزلزال مما يزيد الخوف من الله ، ويزيد الخشوع لله عز وجل ، طبعاً حتى يكون كلامي دقيق قد يقول أحدكم : هناك مناطق فيها فسق أشد ، في أوروبة وغيرها فساد أشد ، الله عز وجل يقول : ليست الدنيا دار جزاء ، لكنها دار ابتلاء ، قد يبتلى بعضهم بهذا الدمار ردعاً للباقين ، وقد يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين ، إذا قلنا ـ والكلام الدقيق ـ هناك حكمة من وقوع هذا الزلزال ، هو للبعض عقاب ، ولبعضهم الآخر ابتلاء ، ولبعضهم الثالث الذين نجوا إنذار ، وليس معنى هذا أن هؤلاء يستحقون وغيرهم لا يستحق ، لا ، نحن في دار ابتلاء لا في دار جزاء ، فشاءت حكمة الله أن يختار هذا المكان ، وقد يكون مكان آخر ينتظره حدث آخر ، بدليل قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (58)﴾
( سورة الإسراء )
بعض أفعال الله سبحانه تجير لجهة أرضية وبعض أفعاله لا تجير إلا له :
قال تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
هذه الصواعق ، قد تنزل صاعقة تحرق كل شيء في البيت مع أهل البيت ، والصواريخ قصف جوي ، قنابل حرارية ، قنابل عنقودية ، قنابل انشطارية ، قنابل ذكية ، قصف من طرف الدنيا الآخر على الكومبيوتر . ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
الزلازل ، والبراكين ، والألغام : ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
كما في العراق وفلسطين ، كله من فعل الله عز وجل ، لكن بعض أفعاله تجير لجهة أرضية ، وبعض أفعاله لا تجير إلا له : ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
( سورة غافر )
الفوز أن نكون في الدنيا وفق منهج الله عز وجل وأن تكون حركتنا مطابقة لأمر الله ونهيه :
قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
الإنسان الذي لا يخاف الله إنسان ضعيف الإدراك ، ضعيف التوحيد :
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)﴾
( سورة الأنعام )
اسأل نفسك أيها الأخ الكريم : ما مقياس الفوز عندك ؟ بل ما مقياس الفوز في عقلك الباطن ؟ متى تشعر أنك تفوقت ، أو فزت ، أو كنت ناجحاً ، أو فالحاً ، أو ذكياً ، أو عاقلاً ؟ لو فرضنا إنسان مقاييسه مادية ، يشعر بالفوز إذا جاءه دخل فلكي ، أو إنسان يشعر بالفوز إذا تزوج امرأة تروق له ، أو يشعر بالفوز إذا بلغ منصباً راقياً ، أو يشعر بالفوز إذا استمتع بالحياة ، الإله العظيم هو الخبير يقول لك : ﴿ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾
يعني الفوز في الآخرة لا في الدنيا ، من هنا يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " ، الفوز أن ننجو من هذا العذاب الأليم ، من هذا العذاب العظيم ، الفوز أن نكون في الدنيا وفق منهج الله عز وجل ، أن تكون حركتنا مطابقة لأمر الله ونهيه ، الفوز أن نعرفه ، وأن نطيعه ، وأن نتقرب إليه ، وأن يكون عملنا صالحاً ، هذا هو الفوز العظيم ، هذا العذاب العظيم ﴿ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾
قبل ما في الجنة من نعيم مقيم مبدئياً إذا صرف عن الإنسان عذاب النار فهو في فوز عظيم . ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾
( سورة آل عمران )
عطاء الله تعالى لا يمكن أن يكون منقطعاً بالموت فعطاء الله الحقيقي هو العطاء الأبدي :
الحياة الدنيا أيها الأخوة تنتهي بالموت ، والموت يلغي غنى الغني ، وفقر الفقير ، وقوة القوي ، وضعف الضعيف ، وصحة الصحيح ، ومرض المريض ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، الكل سيموتون ، والموت يوحد بينهم جميعاً ، وعطاء الله عز وجل لا يمكن أن يكون منقطعاً بالموت ، فعطاء الله الحقيقي هو العطاء الأبدي ، عطاء الله الحقيقي هو ما بعد الموت ، هذه الدنيا جيفة ، طلابها كلابها . (( الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ))
[أحمد في مسنده والبيهقي عن عائشة عن ابن مسعود ]
لأنها لا تستقر على حال ، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه ، والدنيا متحولة ، وكل إنسان بنعمة في الدنيا عنده قلق عميق ، إما أن يزول عن هذه النعمة بالموت أو أن تزول عنه ، الغني قد يفتقر ، والصحيح قد يمرض ، والإنسان قد يكون في أعلى درجات الصحة ، فجأة ورم خبيث ، انتهى ، ورم بالدماغ انتهى ، فإما أن تزول عنه ، وإما أن يزول عنها ، إذاً لا تصفو لإنسان ، لكنك إذا كنت مع الله عز وجل و جاء الموت ، وا كربتاه يا أبتِ ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه .
المؤمن ألقى الله في قلبه أمناً لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، هذه الآيات : ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(13)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(14)قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ(16)﴾

العفريني
09-22-2011, 05:30 PM
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)﴾
كأن هذه الآية جمعت كل التوحيد ، والدين كله توحيد ، وفحوى دعوة الأنبياء جميعاً هو التوحيد .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء )
(( لكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[ رواه الطبراني عن أبي الدرداء ]
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾
( سورة فاطر )
الشرك هو ضعف التوحيد :
حينما توقن يقيناً يظهر في السلوك أنه لا معطي ولا مانع ، ولا رافع ولا خافض ، ولا معز ولا مذل إلا الله تتجه إليه وحده ، وما لم يكن التوحيد قوياً فلن تتجه إليه وحده ، يكون الشرك ، الشرك هو ضعف التوحيد ، والشرك ليس معناه أن تزعم أن هناك إلهاً آخر ، لا ، حينما تتوهم أن زيداً بإمكانه أن يرفعك ، وأن عبيداً بإمكانه أن يخفضك ، وأن فلاناً بإمكانه أن يعطيك ، وأن علاناً بإمكانه أن يحرمك .
حينما تؤمن إيماناً قطعياً أن المعطي هو الله ، والمانع هو الله ، والخافض هو الله ، والرافع هو الله ، والمعز هو الله ، والمذل هو الله تكون مؤمناً ، عندئذٍ لا تتوجه إلا إلى الله ، ولا تعبأ بغير الله . ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ (72)﴾
( سورة طه الآية : 72 )
سحرة فرعون يخاطبون جبار الأرض . ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾
( سورة طه )
وقال : ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ (72)﴾
( سورة طه الآية : 72 )
أي أن يواجه هؤلاء السحرة جباراً كبيراً لولا اعتقادهم أن الله بيده كل شيء ما قالوا هذا الكلام . لن تذوق طعم الإيمان ولن تقطف ثماره إلا إذا كنت موحداً :
قال تعالى : ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾
( سورة طه )
أيها الأخ الكريم ، لن تذوق طعم الإيمان إلا إذا كنت موحداً ، ولن تقطف ثماره إلا إذا كنت موحداً ، ولن تكون صادقاً معه إلا إذا كنت موحداً ، ولن تكون من منجاة من النفاق إلا إذا كنت موحداً . ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)﴾
كل طموحاتك ، وكل آمالك ، وكل أحلامك الله عز وجل قدير على تحقيقها ، وكل مخاوفك الله عز وجل قدير على أن ينجيك منها .
في القرآن الكريم قصص دقيقة ومعبرة جداً ساقها الله لتكون دروساً لنا :
في القرآن قصص دقيقة ومعبرة جداً ، حينما يصبح الأمل صفراً ، فرعون من ورائهم ، والبحر من أمامهم ، فرعون بقوته ، وجبروته ، وجنوده ، وأسلحته ، وحقده ، وشرذمة قليلون مع سيدنا موسى ، البحر أمامهم ، وفرعون وراءهم ، وقالوا : ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء )
سيدنا يونس وهو في بطن الحوت : ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
سيدنا رسول الله في الغار ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ :
(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ ))
[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]
أهل الكهف في الكهف . إبراهيم في النار . ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾
( سورة الأنبياء )
سيدنا يوسف في البئر ، في الجب ، هذه القصص ليست لأخذ العلم ، ولا لمعرفة الماضي ، ولكن هذه القصص إنما ساقها الله في القرآن الكريم لتكون دروساً لنا ، ليس إلا الله المعطي ، هو المانع ، هو الخافض ، هو الرافع ، هو المعز ، هو المذل ، هو الضار ، هو النافع. كل ما يساق لنا في الدنيا مسٌ أي حالة مخففة جداً من عذاب الله تعالى يوم القيامة :
أيها الأخوة ، الآية تقول : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾
ما معنى ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ ﴾
؟ لاحظ نفسك حينما توصل المكواة بالكهرباء ، ثم تحب أن تمتحن جاهزيتها ، ماذا تفعل ؟ تضع على لسانك شيئاً من لعابك ، وتمس المكواة لأقل وقت ممكن ، وبأضيق مساحة ممكنة ، هذا هو المس .
الزلزال الذي أصاب جنوب آسيا لو أنه انطلق قريباً من اليابسة لأمات ملايين الملايين ، لكنه انطلق بعيداً عن اليابسة بألف وستمئة كيلومتر ، لذلك أصاب من مئة وخمسين ألفاً إلى مئتي ألف تقريباً ، هذا مسّ .
كل ما يساق لنا في الدنيا مس ، أي حالة مخففة جداً ، أحياناً آلام الكلية لا تحتمل ، تأتي نوبات ، آلام الأمعاء لا تحتمل ، تأتي نوبات ، هذا كله مس : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾
حينما تضع أملك في زيد أو عبيد ، حينما تعتمد على مالك ، حينما تعتمد على مكانتك ، حينما تعتمد على جماعتك ، فهذا نوع من الشرك .
الحقيقة أن الإنسان لضعف توحيده يبحث عن جهات قوية تعطيه الأمن ، هذا الإنسان يعالج بطريقة دقيقة ، جهة أمنه تخذله ، الشيء الذي اعتمد عليه يزلزله ، الجهة التي وثق بها تخيب ظنه ، وهذه معالجة إلهية : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾
إنسان توقفت كليته عن العمل وهو غني كبير ، اختار أفضل طبيب ممن يعرف ، فالطبيب أخطأ واستأصل الكلية السليمة ، فأصبح بلا كليتين . الإيمان هو أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء :
أنت حينما تعتمد على جهة أرضية وتثق بها ، وتستغني عن الله عز وجل فلله علاج دقيق ، هذه الجهة القوية تخيب ظنك ، وتحبط مسعاك ، وتنسيك كل الأسباب التي اتخذتها ، ينبغي أن تأخذ بالأسباب ، وأن تتوكل على رب الأرباب ، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
الابن حينما يمرض يجب أن تبحث عن أفضل طبيب ، ويجب أن تطبق أدق التعليمات ، ويجب أن تعطيه الدواء بكل التفاصيل ، لكنك تعتقد اعتقاداً جازماً أن الشافي هو الله ، لذلك تدعو الله عز وجل أن يشفيه ، وقد تتوسل إلى الله بصدقة لعل الله سبحانه وتعالى يأذن لهذا المرض أن يزول ، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، هذا هو الإيمان .
سهل جداً أن تأخذ بالأسباب وأن تنسى الله عز وجل ، إن أخذت بالأسباب واستغنيت عن الله بعقلك الباطن دون أن تشعر فهذا ليس من الدين في شيء ، الغرب أخذ بالأسباب وألهها ، واستغنى عن الله عز وجل ، وفي حالات كثيرة يخيب ظن الغرب بكل الأسباب التي اتخذها ، والشرق لا يأخذ بها ، ولكنه يتواكل على الله ، وهذا طريق غير صحيح ، الذي يأخذ بالأسباب ويؤلهها فقد أشرك ، والذي لا يأخذ بها فقد عصى ، فأنت على طريق دقيق ، عن يمينك وادٍ سحيق ، وعن يسارك وادٍ سحيق ، الوادي الذي عن يمينك ؛ أنت تأخذ بالأسباب وأن تعتمد عليها فتسقط في وادي الشرك ، والوادي الذي عن يسارك ألا تأخذ بها فتسقط في وادي المعصية ، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾
هذا ينقلنا إلى الأخذ بالأسباب ، يجب أن تأخذ بالأسباب ، ويجب أن تتوكل على الله ، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ويجب أن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، والجهة التي تعتمد عليها تخيب ظنك ، وتحبط عملك . الإنسان حينما يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها ويستغني عن الله عز وجل يقع في وادي الشرك :
مثلاً : الطبيب الذي درس اختصاصاً نادراً يظن أنه لن يمرض بهذا الاختصاص ، من أعجب العجب أن هذا الذي اعتمد على علمه ، وظن أنه لن يمرض بهذا الاختصاص الذي هو متفوق فيه لا يمرض إلا بالمرض المختص فيه ، والمهندس الذي ظن أن علمه يقيه أي خطأ في بناء بيته ، أنا مع الإتقان ، ومع الدراسة ، لكن لست مع الشرك .
طبيب في بلاد بعيدة ، وهو محق فيما يقول ، يرى أن الجري أفضل طريق لصيانة القلب من الأمراض ، فكان يجري في اليوم عشرين كيلومتراً ، أقام ندوات على الشاشة ، وكتب مقالات ، وحضر مؤتمرات ، كل يوم يجري عشرين كيلومتراً ، الجري صحيّ وضروري ، لكنه ظن أن الجري وحده يلغي كل الأمراض ، مات وهو يجري وهو في الثانية والأربعين من العمر.
الإنسان حينما يأخذ بالأسباب ، ويعتمد عليها ، ويستغني عن الله عز وجل يكون قد وقع في وادي الشرك ، الآن وقعت مصيبة ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))
[مصنف ابن أبي شيبة عن علي]
هذه الجهة مخيفة ، موقف المؤمن : يخاف منها أم لا يخاف ؟ كلاهما خطأ ، يخاف ولا يخاف ، من أجاب عن هذا السؤال ؟ رب العزة على لسان سيدنا إبراهيم : ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً (80)﴾
( سورة الأنعام الآية : 80 )
هذه الجهة الأرضية لا أخافها إذا أراد الله أن يحميني منها ، أما إذا أراد الله أن تصل إلي ينبغي أن أخافها ، فالأمر بيد الله .
الوضع تماماً كمجموعة وحوش ربطت برزمة محكمة بيد جهة قوية ، فعلاقة الإنسان ليست مع الوحوش ، ولكن مع من يملكها ، فلو أن الذي يملكها أرخى الزمام وصلت إلي ، لو أنه أبعدها عني نجوت منها ، فعلاقتي ليست معها ولكن مع من يملكها . ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
( سورة آل عمران )
لن نصل إلى الله إلا إذا كفرنا بالطاغوت :
وقع مصاب ، الذي أوقعه هو الله عز وجل لحكمة أرادها ، النجاة منه تكون بالعودة إلى الله ، وبالثقة بالله ، وبالأخذ بأسباب إزالته مع الدعاء ، وأحياناً الله جل جلاله يربي عباده المؤمنين ، تقع مشكلة ، فهذا المؤمن يبحث عن حل أرضي ، توهم حلاً في هذه الجهة ذهب إليها فصدته ، توهم حلاً آخر في جهة ثانية التجأ إليها فخيبت ظنه ، توهم حلاً ثالثاً في جهة ثالثة تضعضع أمامها فصدته ، فحينما تتوهم أن هناك جهة في الأرض تنقذك مما أنت فيه ، فالطرق كلها مسدودة ، أما حينما تتجه إلى باب السماء ، وتسأل الله عز وجل تفتح كل الطرق ، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
( سورة الطلاق )
وكلمة : ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
توحي أن كل المخارج الأرضية بدت مسدودة إلى أن تنعقد لك مع الله صلة ، إلى أن تصطلح معه ، إلى أن تؤوب إليه ، إلى أن توحده ، إلى أن تتذلل على أعتابه ، إلى أن تثق به ، إلى أن تكفر بكل من سواه .
لذلك أيها الأخوة ، لن نصل إلى الله إلا إذا كفرنا بالطاغوت ، وما دام عند المسلمين جهة قوية يخافون بطشها ويرجون رضائها ولو على حساب دينهم فالطريق إلى التحرر منها طريق مسدود ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (256)﴾
( سورة البقرة الآية : 256 )
من فضل الله علينا أن هؤلاء الأقوياء بعد الحادي عشر من أيلول أعانونا على أن نكفر بهم ، وهذا أكبر إنجاز تحقق بعد الحادي عشر من أيلول للإسلام ، لم يبقَ في ساحة القيم والمبادئ إلا الإسلام . حينما تشرك تتجه إلى جهة لا تملك شيئاً أما حينما تؤمن تتجه إلى جهة تملك كل شيء :
قال تعالى : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)﴾
لا يمنع حينما أفهم هذه الآية فهماً عميقاً أن أشكر الناس ، من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، لا يمنع أن أعرف قدر الناس ، أن أعرف عطاء الناس ، ولكن هذا من باب العبادة ، أنا مكلف أن أشكر من أسدى إلي معروفاً ، أما أن أعتقد أن هذا المعروف من هذا الإنسان دون أن أفكر أن الله سخره وألهمه وسمح له أن يقدم لي خدمة ، هذا نوع من الشرك ، لذلك قالوا ـ ليس حديثاً ـ : اتق شر من أحسنت إليه ، إن كنت قد أحسنت إليه ونسيت الله عز وجل ، إن أحسنت إليه ، ولم يدخل في حسابك أن الله هو الذي يمنعه عنك ، أو هو الذي ألهمه أن يعطيك فقد أشرك ، لذلك وطن نفسك أن يأتيك شر من هذا الذي أحسنت إليه عن طريق الشرك :
﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
آمالك عند الله ، طموحاتك ، رزقك ، صحتك ، زوجتك ، أولادك ، مستقبلك ، مكانتك ، سمعتك ، راحتك النفسية ، سعادتك ، سكينتك ، طمأنينتك ، رضاك ، كل ما ترجوه عند الله ، لذلك الذنب الذي لا يغفر هو الشرك لماذا ؟ لأنك حينما تشرك تتجه إلى جهة لا تملك شيئاً ، أما حينما تؤمن تتجه إلى جهة تملك كل شيء ، ماذا تريد ؟ تريد صحة ، تريد زواجاً ناجحاً ، تريد رزقاً حلالاً وفيراً ، تريد راحة نفسية ، تريد طمأنينة ، تريد رفعة ، كل الذي ترجوه عند الله، أما إذا اتجهت لغير الله ما عنده شيء إلا أنه يحملك ما لا تطيق . الله فعال ليس خلاقاً فقط :
أقول لكم أيها الأخوة ، أحد أكبر عذابات الدنيا ، قال تعالى : ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء )
من اعتمد على ماله ضل ، أحياناً يتوهم الإنسان أنه بالمال تحل كل المشكلات ، كنت عند طبيب قلب ، وجاءه هاتف من إنسان ثري يقول هذا المتكلم : أي مكان في العالم ، أي مبلغ ، قال لهم : والله لا أمل ، الحالة مستحيلة المعالجة ، من يعتمد على ماله يؤدبه الله تأديباً بحيث يسوق له مشكلة لا تحل بالمال .
مرةً إنسان أظنه مؤمناً ، لكنه أخطأ ، قال : بالمال يحل كل شيء ، وقع في مشكلة فبقي في المنفردة ستين يوماً ، والمال عندئذٍ لا يفعل شيئاً ، أحياناً بصحته ، يأتي خلل بالصحة لا يحل بالمال .
قضية التوحيد أيها الأخوة هي الدين كله ، أنت مؤمن إذا كنت موحداً ، أما إذا اعتقدت أن الله خلق السماوات والأرض فهذا الاعتقاد اعتقده إبليس أيضاً ، هذا الاعتقاد يعتقده كل أهل الأرض الآن ، لا تجد أحداً لا يقول : إن الله خلق السماوات والأرض ، أما حينما تعتقد أن الله فعال ليس خلاقاً كما يتوهمه الغربيون ، عندهم الله خلاق وليس فعالاً ، لا علاقة بالأرض .
الآن مات بالزلزال مئتا ألف ، وقد يصل الرقم إلى ثلاثمئة ألف ، وقد يصل إلى خمسمئة ألف ، والخسائر تقترب من خمسين ملياراً ، ولن تعود هذه البلاد إلى نشاطها السابق قبل عشر سنوات من العمل الدؤوب ، هناك من يعتقد أن لوحان تصادما فكوّنا هذا الزلزال ، الله عز وجل ما له علاقة ، هذا الاعتقاد مطروح ، لذلك : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ (45)﴾
إذا جئت بتفسير توحيدي إيماني يرفضه الناس ، وإن يشرك به يؤمنوا ، أما إذا اكتفيت بتحليل علمي فقط أن لوحان تصادما ، كونا مداً أمواجه أتت على السواحل فدمرت كل شيء ، فقط ، معنى ذلك أن الله خلاق لكنه ليس فعالاً .
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (59)﴾
( سورة الأنعام الآية : 59 )
سقوط ورقة من شجرة لا يعلمها إلا هو فكيف بهذا الزلزال ؟!! التوحيد أن ترى أن يد الله فوق يد البشر :
أيها الأخوة ، قضية التوحيد هي أخطر قضية في الدين ، التوحيد أن ترى أن يد الله فوق يد البشر . ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10)﴾
( سورة الفتح الآية : 10 )
وقال : ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (17)﴾
( سورة الأنفال الآية : 17 )
التوحيد ألا ترى مع الله أحداً ، كل هؤلاء الطواغيت ، وكل هؤلاء المجرمين هؤلاء بيد الله عز وجل ، يحركهم أو يمنعهم ، فالضر بيد الله ، والخير بيد الله ، لكن علماء العقيدة يقولون : لا ينبغي أن تقول الله ضار مع أن من أسماءه الضار ، ينبغي أن تقول الضار النافع ، مثنى مثنَى ، المانع المعطي ، الخافض الرافع ، لماذا ؟ لأنه يضر لينفع ، ويبتلي ليجزي ، ويخفض ليرفع ، ويذل ليعز ، وهذه سياسة الله . امتحن إيمانك بقدر توحيدك لأن التوحيد هو الدين كله :
قال تعالى : ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
( سورة السجدة )
لا تمتحن إيمانك بقدر ما تحفظ من حقائق ، امتحن إيمانك بقدر توحيدك ، والتوحيد هو الدين كله ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، يعني الأخطار كلها بيد الله ، نجاتك وما فيها متوقف على أن الله سبحانه وتعالى يتولى حمايتك ، وطموحاتك كلها بلوغك إياها متوقف على تيسير الله عز وجل ، أنت حينما ترى أن الضر والنفع بيده ، والمنع والعطاء بيده ، والرفعة والانخفاض بيده تتجه إليه ، وهذا المطلوب منك ؛ أن تتجه إليه وحده وأن تكفر بمن سواه ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)﴾
( سورة الأنعام )
لا قهراً مكانياً فوق ، ليس المعنى أنه يقهرهم مكانياً ، يقهرهم لأن كل شيء في الكون يحتاج الله في كل شيء ، كل شيء يحتاجه في كل شيء ، إذاً الأمر بيده ،﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
وسبحان من قهر عباده بالموت ، والإنسان وجد حلاً لكل مشكلات الأرض ، والله هناك حلول قد لا تأتي على البال ، هناك حلول لكل مشكلات الأرض إلا الموت فلا حل له : ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
سبحان من قهر عباده بالموت ! ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
حكيم بأفعاله ، خبير بعباده ، أفعاله فيها حكمة ، فالذي وقع لا بد من أن يقع ولو لم يقع لكان الله ملوماً ، والذي لم يقع لا بد من أن لا يقع ، ولو وقع لكان نقصاً في حكمة الله . التوحيد إذا صحّ في الإنسان صحّ عمله وسلم ونجا :
الله عز وجل قال : ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)﴾
( سورة القلم )
نخبة أغنياء العالم تذهب في هذه الأيام إلى سواحل المحيط الهندي ، وهذه السواحل من أجمل سواحل الأرض ، وحجزوا في أرقى المنشآت السياحية ، وكل المحرمات تُفعل هناك ، كل المتع المحرمة في الشرائع السماوية الثلاث تُفعل هناك ، استدرجوا والرقم يقترب من مئتين وخمسين ألفاً ، نخبة أغنياء العالم والرقم يقترب من مئتين وخمسين ألفاً . ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
أيها الأخوة ، لا بد من توضيح ، ليس كل من هلك في الزلزال مذنب ، التعميم من العمى ، كل إنسان يموت على نيته ، وعلى عمله ، الحديث عن الذين هلكوا في الزلازل يجب أن يكون دقيقاً ، فهذه المصيبة للمذنب عقاب ، وللمؤمن ابتلاء ، وقد يكتب شهيداً ، وللناجي من غير المؤمنين تحذير وإنذار ، هذا كلام دقيق ، لا أحب أن يتورط أحد في أن يصف كل الذين هلكوا في الزلزال بأنهم مذنبون ، هذا الصواب ، لكن : ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17)﴾
( سورة الإسراء الآية : 17 )
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
يحتاجونه في كل شيء ، يحتاجه كل شيء في كل شيء ، وقد قهرهم بالموت ، ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
أي حكيم في أفعاله خبير بعباده .
الآيتان اللتان شرحتا في هذا الدرس تتحدثان عن التوحيد ، والتوحيد إذا صح في الإنسان صح عمله وسلم ونجا ، قد يسأل أحدكم : ما الطريق إلى التوحيد ؟ الطريق إلى التوحيد أن تزداد معرفة بالله ، أن تتعرف إلى الله عز وجل من خلال خلقه ، ومن خلال أفعاله ، ومن خلال كلامه ، فكلامه أي قرآنه طريق إلى معرفته عن طريق التدبر ، وأفعاله طريق إلى معرفته عن طريق النظر ، وخلقه طريق إلى معرفته عن طريق التفكر ، فإذا ازدادت معرفتك بالله ، ثم إذا استقمت على أمر الله ، ورأيت فعل الله كيف أن الأمور تجري لصالح المؤمن ، عندئذٍ يزداد توحيدك ، الدعاء يقوي العقيدة ، أنت حينما تدعوه ويأتي الجواب توفيقاً أو صرفاً عنك ، وهذا الأمر كبير فوق طاقتك توقن أن الله سمعك واستجاب لك وأن الأمر بيده ، فكلما زدت في تعاملك معه ورأيت من آياته الباهرة ازددت توحيداً .

العفريني
09-22-2011, 05:31 PM
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)﴾
أيها الأخوة الكرام ، حينما يرسل الله إنساناً هو رسول للناس ، ويقول لهم : أنا رسول الله ، ومعه منهج فيه أمر وفيه نهي ، ولأن الإنسان حينما يتبع شهوته لا يألف الأمر والنهي ، يألف التفلت والحرية المطلقة ، وهذا شأن المجتمعات حينما تبتعد عن منهج الله ، الكلمة التي تُقال بالعالم الغربي : الحرية .
الحقيقة أن هذه الكلمة لها حدود لا تنتهي ، لكن الواقع يبين أن من معاني هذه الحرية التي يفهمونها أن تفعل كل شيء ، ألا تُسأل ، أن تفعل كل شيء يحلو لك ، هذه ليست حرية إنما هي تفلت ، على كلٍ الإنسان إذا ألف التفلت ، إذا ألف أن يمارس الشهوة بلا قيود ، ولا حدود ، ولا ضوابط ، والشهوات الكبرى كسب الأموال ، ومقاربة النساء ، وما من فساد في الأرض إلا ويرتكز على حرية في كسب الأموال ، وحرية في اقتناص اللذائذ ، ما من فساد في الأرض إلا ويرتكز على حرية ؛ أي إباحية ، أي تفلت من منهج الله عز وجل في كسب الأموال ، وحرية أو إباحية أو تفلت في العلاقة بالجنس الآخر ، هؤلاء الذين ألفوا اقتناص اللذات ، وكسب الأموال المحرمة هؤلاء يرفضون نبوة النبي ورسالة الرسول ، والجواب الأول له :
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً (43)﴾
( سورة الرعد الآية : 43 )
أكبر دليل أن هذا القرآن الكريم كلام الله هو وقوع الوعد والوعيد:
إذا جاءك إنسان ولم يقيدك ، ولم يلزمك بعمل ما ، قد تجامله وقد ترحب به ، لكن حينما يلزمك بشيء يقلل من حريتك فردُّ الفعل الطبيعي أن تكذبه ، لذلك هؤلاء الأنبياء والرسل لا بد لهم من دليل يؤكد نبوتهم ورسالتهم ، ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾
فكيف يثبت هذا الإنسان أنه رسول من عند الله ؟ بل كيف يشهد الله له أنه رسول ؟ الآية تشير إلى أنهم طالبوه أن يشهد الله له ، إذا كان الله هو أرسلك فليشهد أنه أرسلك ، فليعلمنا أنه أرسلك ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾
أي إن أردتم دليلاً على أنني رسول ، إن أردتم شاهداً ، أكبر دليلٍ ، بل أكبر شهادة هي شهادة الله عز وجل : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾
هذه الشهادة التي هي شهادة الله ، وهذه البينة التي كانت من الله ، وهذا الدليل الذي معي إنما هو شهادة الله ، وشهادة الله مركزة في القرآن الكريم : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ ﴾
التسلسل كما يلي : هذا الكتاب كلام الله عز وجل ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، في هذا القرآن دليلان كبيران صارخان على أنه كلام الله ، أول دليل : أن الوعود التي في القرآن والوعيد الذي في القرآن يتحقق ، وتحققه لا يمكن أن يكون إلا عن طريق خالق البشر . قصص كثيرة وردت في القرآن الكريم هي في الحقيقة وقوع الوعد والوعيد:
الله عز وجل قال : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276)﴾
( سورة البقرة الآية : 276 )
أي إنسان يتجرأ على الله ، ويأكل الربا ، أو يُطعم الربا يرخى له الحبل إلى حين ثم يُدمر ، ثم يُتلف ماله ، فتدمير ماله شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلام الله بدليل وقوع الوعيد ، إنسان عمل عملاً صالحاً فعاش حياة طيبة ، الحياة الطيبة التي يحياها المؤمن هي شهادة الله لهذا المؤمن أن القرآن كلامه ، فالحياة الطيبة لا يملكها إلا خالق الإنسان ، ولأنه آمن ونفذ تعليمات الله عز وجل فالله منحه هذه الحياة الطيبة .
أيها الأخوة ، وقوع الوعد والوعيد شهادة الله لهذا الإنسان أنه كلام الله ، هناك قصص كثيرة لا تعد ولا تحصى هي في الحقيقة وقوع الوعد والوعيد ، إذاً أكبر دليل في هذا القرآن على أنه كلام الله أن ما فيه من وعود تحققت إنما هي شهادة الله عز وجل . ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾
( سورة الروم )
طبعاً هذه الآية نزلت قبل أن يغلب الروم ، فلما غلبت الروم وقوع هذا الوعد كان شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه ، وإن أردت أن توسع الموضوع أو أن تضيقه سيان ، لكن أنت لمجرد أن تصطلح مع الله ، وأن تستقيم على أمره تشعر بسعادة ، تشعر بسكينة ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما قال : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾
( سورة الليل )
حينما تصدق أنك مخلوق للجنة ، وتبني حياتك على العطاء ، وتتقي أن تعصي الله تجد أن الأمور جرت لصالحك ، وهذه الأمور جرت من قبل خالق الأكوان . الإشارات التي تسمى إنجازاً علمياً عددها كبير جداً تقترب من ثلث القرآن:
إذاً أكبر دليل من هذا القرآن الكريم على أنه كلام الله هو وقوع الوعد والوعيد ، وقوع الوعد شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه ، ووقوع الوعيد شهادة الله لهذا الإنسان بأن القرآن كلامه . مثلاً : ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾
( سورة مريم )
المسلمون حينما أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، لقوا ذلك الغي ، وهذا الغي الذي هم فيه الآن شهادة الله للبشر أن هذا القرآن كلام خالق البشر ، هذا دليل .
الدليل الآخر : أن الله سبحانه وتعالى أورد في هذا القرآن قريباً من ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ، هذه الآيات الكونية بعضها فيه مفهوم علمي ، وبعضها فيه إعجاز علمي ، معنى الإعجاز أن إشارة قرآنية إلى عظمة الله عز وجل من خلال خلقه لم تكشف إلا في نهاية الزمن ، إلا بعد ألف وخمسمئة عام ، وعندما نزل الوحي مستحيل أن يستطيع مخلوق على سطح الأرض أن يكشف هذه الحقيقة ، فهذه الإشارات التي تسمى إن شئتم سبقاً علمياً ، أو تسمى إن شئتم إنجازاً علمياً ، هذه عددها كبير جداً تقترب من ثلث القرآن .
بعد تقدم علوم الطب اكتُشف أن نوع الجنين يحدده الحوين لا البويضة ، فإذا قرأت القرآن الكريم : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)﴾
( سورة النجم )
بعض الأدلة عن الإعجاز العلمي في القرآن :
حينما نكتشف أن كل شيء يدور في هذا الكون بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة ، ثم تقرأ قوله تعالى : ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)﴾
( سورة يس الآية : 40 )
حينما يكتشف رواد الفضاء أن الفضاء الخارجي مظلم ظلاماً تاماً لانعدام الهواء في الفضاء الخارجي ، وحينما تقرأ قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)﴾
( سورة الحجر )
حينما ارتاد الإنسان الفضاء ، وشعر بضيق صدره كلما علا في طبقات الجو تقرأ قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125)﴾
( سورة الأنعام )
حينما يكتشف أن بين كل بحرين حاجزاً يمنع اختلاط مياه البحر بمياه البحر الآخر ، وأنه تمت بحوث علمية مطولة اكتُشف فيها أن لكل بحر مكوناته ، وطبيعته ، وملوحته ، وكثافته ، وخصائصه ، ثم نقرأ قوله تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾
( سورة الرحمن )
كروية الأرض ودورانها حول الشمس وردت في القرآن الكريم :

حينما يكتشف مؤخراً أن الأرض تدور حول الشمس ، وأن الشمس بالنسبة إلى الأرض ثابتة ، لكن الشمس مع المجموعة الشمسية تتجه إلى نقطة في الفضاء الخارجي ، أما في العين الظاهرة الشمس تدور حول الأرض ، بهذه العين الشمس تشرق وتغرب ، وتشرق وتغرب ، فالمتحرك هو الشمس ، لكن حينما نطلع على آيات القرآن الكريم نجد أن : ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا (38)﴾
( سورة يس الآية : 38 )
الأرض هي التي تدور حول الشمس ، وحينما يكتشف أن الأرض كرة ، وأن الله سبحانه وتعالى أشار إلى هذه الكروية في آيات عديدة ، فقال تعالى : ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (61)﴾
( سورة الحج الآية : 61 )
لا يقبل من شكل هندسي إلا الكرة إذا دارت هذه الكرة حول منبع ضوئي فتداخل النور والظلام ، على هذا الشكل هذه الحادثة لا تكون إلا في الكرة ، أما في المكعب فالضوء يأتي فجأة ، ويغيب فجأة ، إلا في الكرة تتداخل الأشعة مع الظلام في وقت واحد ، والدليل أنه بين الفجر وبين طلوع الشمس في تداخل بين النور والظلام ، وأنه بين المغرب وغياب الشفق الأحمر هناك تداخل بين الضوء والظلام ، ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ (3)﴾
( سورة الرعد الآية : 3 )
ما من شكل هندسي تمد عليه الخطوط إلى مالا نهاية إلا الكرة ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾
وآيات كثيرة جداً في هذا الموضوع . أكبر شهادة لله عز وجل لخلقه أن محمداً بن عبد الله هو رسول الله هو هذا القرآن:
إذاً الآيات المتعلقة بالإعجاز العلمي ، أو بالسبق العلمي التي يستحيل على الإنسان أن يعرفها وقت نزول الوحي هذه الآيات هي شهادة الله لنا جميعاً أن هذا القرآن كلامه ، مادام هذا القرآن كلام الله عز وجل فالذي جاء به رسول الله .
إذاً : يمكن أن نقول إن أكبر شهادة لله عز وجل لخلقه أن محمداً بن عبد الله هو رسول الله هو هذا القرآن . ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾
ألا ترضون أن يكون الله هو الشهيد ؟ يقال : نعم ، وكيف يشهد الله لك يا محمد ؟ يقول : هذا القرآن ، مادامت وعود القرآن تتحقق ، وما دام وعيد القرآن يتحقق ، ومادام في القرآن إشارات علمية يستحيل فهمها وقت نزول الوحي ، بل تفهم الآن بعد تقدم العلم ، وما دام الله عز وجل يقول : ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (53)﴾
( سورة فصلت الآية : 53 )
هذان الدليلان الكبيران وقوع الوعد والوعيد ، وآيات الإعجاز العلمي هي شهادة الله للبشر أن هذا الذي جاء بهذا الكتاب هو رسوله ، إذاً حينما تُسأل ما الدليل القاطع على أن هذا الإنسان الذي اسمه محمد بن عبد الله هو نبي ورسول وليس عبقرياً ومصلحاً ؟ إنه القرآن الكريم . كل شيء في الأرض يدل على الله عز وجل:
التسلسل في الإيمان على النحو التالي :
هذا الكون هو الثابت الأول ، يراه كل الناس ، يراه الكفار ، ويراه المؤمنون ، يراه أهل الأديان كلهم ، هذا الكون المترامي الأطراف ، هناك أرقام تكاد لا تصدق ، مئتان وثلاثون مليار مجرة ، في كل مجرة عدد كبير من المليارات من الكواكب ، هذا الكون ثابت ، يراه الناس جميعاً ، يرون الشمس والقمر ، يرون البحار والأنهار ، يرون الجبال والمنخفضات ، يرون الحيوانات على كثرتها ، يرون الأسماك ، يرون الأطيار ، يرون النبتات ، كل شيء في الأرض يدل على الله عز وجل .
هذا الكون ، هذا الكون لا يستطيع إنكار وجود صانعه إلا الإنسان ، فهل يعقل أن نضع قنبلة في مستودع للحديد والمحصلة طائرة من أحدث الطائرات ، بمحركات ، وأجهزة قياس ، وأجهزة ارتفاع ، وأجهزة تبريد ، ومقاعد وثيرة ؟ أيعقل أن يكون الانفجار منتهياً إلى طائرة ، لو فجرنا مطبعة أيعقل أن تكون المحصلة كتاب فيه حروف ، وفيه فصول ، وفيه أبواب ، وفيه حواشٍ وتعليقات ، وفيه علم ، فهذا الكون هو الثابت الأول ، فأنت بعقلك وحده تستطيع أن تؤمن بوجود الله ، وبأسمائه الحسنى ، في الكون رحمة ، وفي الكون حكمة ، وفي الكون علم ، وفي الكون قدرة ، وقدرة الله عز وجل تجلت قبل أسبوعين بهذا الزلزال الذي قوة تفجيره مليون قنبلة ذرية ، وأن هذا الموج كيف أنه دمر كل شيء ، وشاء الله لهذا الماء أن يكون نعمة فكان ، ويشاء له أحياناً أن يكون نقمة فيكون ، فهذا الكون يشف عن قدرة ، يشف عن علم ، يشف عن رحمة ، يشف عن حكمة ، فبعقلك يمكن أن تكتشف حقيقة الوجود الإلهي ، والكمال الإلهي ، والوحدانية الإلهية ، هذا أول شيء.
بعقلك وحده يمكن أن تكتشف أن هذا القرآن كلام الله من خلال إعجازه ، ومن خلال وقوع الوعد والوعيد ، وبعقلك وحده يمكن أن تكتشف أن الذي جاء بهذا القرآن المعجز هو رسول الله ، إذا ًيمكن أن تؤمن إيمانا علمياً محضاً ، ويمكن أن تؤمن إيماناً عقلياً محضاً ، ويمكن أن تؤمن إيماناً يقينياً محضاً أن الله سبحانه وتعالى موجود وواحد وكامل من خلقه ، ومن كتابه ، ومن هذا الإنسان الذي بعثه الله للبشر جميعاً إنما هو محمد بن عبد الله .
بعد أن ينتهي عقلك من الإيمان بالله عن طريق الكون ، والإيمان بالقرآن عن طريق الإعجاز ، ووقوع الوعد والوعيد ، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عن طريق القرآن ينتهي دور القرآن ، ينتهي دور العقل ، ويأتي دور التلقي ، يأتي دور الوحي ، فكل شيء يعجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به . القرآن الكريم يخاطب الله به كل البشر إلى نهاية الدنيا والله تولى بذاته حفظ هذا الكتاب :
هذا الكلام كله أيها الأخوة يساق في قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾
هذا القرآن ليس لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، وليس لأهل مكة ، وليس لقريش ، وليس للعرب جميعاً ، وليس للذين عاشوا في حياة النبي e ، هذا القرآن لكل إنسان أتى بعد نزوله من القارات الخمس ، هذا القرآن يخاطب الله به كل البشر إلى نهاية الدوران ، ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة ، الله جل جلاله تولى حفظ هذا الكتاب ، تولاه بذاته ، ما معنى تولاه بذاته ؟ أمر أنبياءه السابقين أن يحفظوا الكتب السماوية ، قال تعالى : ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (44)﴾
( سورة المائدة الآية : 44 )
أمر الأنبياء أن يحفظوا كتابه ، كتبه السابقة ، فحفظوها ، ولكن الله لم يتولَ حفظه فأتباعهم لم يحفظوه ، بل غيروها وبدلوها ، لكن الله سبحانه وتعالى لأن هذا القرآن لنهاية الدوران ، ولكل الأمم والشعوب تولى الله بذاته حفظه ، مع هذا التفلت الذي ما بعده تفلت ، مع هذا الفسق والفجور الذي ما بعده فسق وفجور ، العناية بهذا القرآن تفوق حد الخيال ، العناية بكتابته ، بخطوطه ، بطبعاته ، بحفظه ، بمؤسساته ، شيء لا يصدق ، وما من كتاب على وجه الأرض حظي بالحفاظ عليه دقيقاً كما نزل ككلام الله عز وجل ، فالله تولى بذاته حفظ هذا الكتاب . من لوازم حفظ كلام الله حفظ كلام النبي عليه الصلاة والسلام :
لعلماء العقيدة إضافة أخرى ، بما أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام هو بيان وتوضيح لكلام الله فمن لوازم حفظ كلام الله حفظ كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك هيأ الله لهذا الحديث الشريف رجالاً عظاماً أعطاهم ملكات تفوق حد الخيال ، فنقحوا هذا الحديث وبوبوه ، وصنفوه ، وأخرجوه ، وبينوا لنا المتواتر ، والصحيح ، والحسن ، والضعيف ، والموضوعي ، أيضاً أن ينهض رجال كبار ويستخدمون طاقات إنسانية كبرى من أجل الحفاظ على حديث رسول الله e ، هذا أيضاً يندرج تحت باب أن الله سبحانه وتعالى تولى حفظ كلامه . ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾
( سورة الحجر )
إذاً : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾
القرآن الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا الذي بين أيدينا بالتمام والكمال ، قد يقول قائل ما الدليل ؟ أقول لك هذه قضية إيمانية ، لعلي أشرت قبل قليل إلى أنه يمكن أن تؤمن بالله من خلال خلقه عن طريق عقلك ، ويمكن أن تؤمن بالله من خلال كلامه عن طريق التدبر ، ويمكن أن تؤمن بالله عن طريق رسوله ، ولكن قضية أن الله تولى حفظه هذا إخبار من الله عز وجل ، فإذا آمنت بهذا الثابت الأول الكون الذي يدل على الله ، ثم آمنت بإعجاز القرآن الكريم على أنه كلام الله ، وعلى أنه بكل آياته قطعي الثبوت ، قال الله عز وجل في هذا القرآن : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾
( سورة الحجر )
هذه قضية إيمانية ، كما أنك تعالج قضايا متنوعة . القضايا التي غابت عنك عينها و آثارها دليل اليقين بها الخبر الصادق:
هناك قضايا أداة اليقين بها الحواس الخمس فقط ، القضايا التي ظهر فيها عين الشيء وآثاره ، والقضايا التي غابت فيها عين الشيء وبقيت آثاره أداة اليقين بها العقل فقط ، بعرة تدل على البعير ، أقدام تدل على المسير ، ماء يدل على الغدير .
القضايا التي غابت عينها وآثارها دليل اليقين بها الخبر الصادق ، الله عز وجل أخبرنا بقرآنه أنه حفظ هذا القرآن ، فإيماننا بحفظه ، وأن الذي بين أيدينا هو نفسه الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، هذه قضية إيمانية لا تحتمل المناقشة : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى ﴾
الآن الشهادة شهادة عملية ، لك أن تشهد بلسانك ، ولك أن يشهد عليك عملك ، فأنت حينما تخاف من غير الله ، وترجو ما عند غير الله ، وتعتز بغير الله ، وتلجأ إلى غير الله ويكون ولاؤك لغير الله ، ويكون عملك لغير الله ، هذا سلوك عملي هو في الحقيقة شهادة عليك أنك مشرك بالله : ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى ﴾
المؤمن يعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى فعال وحده وأن يد الله فوق أيديهم :
حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً فهذه شهادة منك عملية على أنك لست موحداً ، أنت حينما تغش المسلمين ـ لا سمح الله ولا قدر ـ لماذا غششتهم ؟ لأنه اعتقدت دون أن تشعر أن هذا المال الذي تكسبه من غش المسلمين أكبر عندك من طاعة الله ، فالإنسان حينما يرضي الناس بسخط الله يقدم شهادة من عنده على أنه مشرك ، وحينما يرضي مخلوقاً ويعصي خالقاً يقدم شهادة على أنه مشرك ، قال تعالى : ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ ﴾
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء )
فالمؤمن يتقد بكل قطرة في دمه ، وبكل خلية في جسمه أن الله سبحانه وتعالى فعال وحده ، وأن يد الله فوق أيديهم ، وأنه : ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (17)﴾
( سورة الأنفال الآية : 17 )
الإيمان الحقيقي أن تعلم أن الله فعال لما يريد:
قال تعالى : ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾
( سورة هود الآية : 122 )
بيده مقاليد السماوات والأرض . ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف )
وقال : ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾
( سورة الفتح )
أنت حينما تعتقد هذا الاعتقاد التوحيدي تكون مؤمناً حقاً ، والإيمان لا يرقى إليك بإيمانك أن الله موجود ، وأن الله خالق السماوات والأرض ، ولكن الإيمان الحقيقي أن الله فعال لما يريد . ابدأ بمعرفة الله لا من خلال أفعالهبل من خلال خلقه وكلامه :
قال تعالى : ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
قد ترى حروباً ، واجتياحات ، وزلازل ، وبراكين ، وحروباً أهلية ، وحروباً دولية ، وظلماً في الظاهر ، وإنساناً يُقتل ، وإنساناً يُعذب ، وإنساناً يُهدم بيته ، هذا كله يؤكد أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الفعال ، لكن حينما تبدأ بمعرفة الله من خلال أفعاله أقول لك هذا طريق محفوف بالمخاطر ، ابدأ بمعرفة الله لا من خلال أفعاله بل من خلال خلقه وكلامه، إذا أتقنت معرفة الله من خلال خلقه ثم كلامه عندئذٍ هذا الذي حصَّلته من إيمانك من خلال خلقه وكلامه ينعكس على فهمك لأفعاله : ﴿ قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
لذلك قال تعالى : ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إله آخر ، ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
والشيء المريح وحده هو أن توحد وأن تؤمن . الإنسان حينما يكذب بهذا الدين يخسر نفسه:
أيها الأخوة ، ثم تأتي الآية التي بعد هذه الآية : ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾
أي رسول الله ، ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾
الآية دقيقة جداً ، فما من معرفة أثبت ولا أصدق ولا أسرع من معرفة الأب لابنه ، هل هناك أب على وجه الأرض يسأل ابنه ما اسمك ؟ أم أنت من ؟ مستحيل ، وأقرب معرفة بديهية للإنسان معرفة ابنه ، الأدلة التي جاءت على يد النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن ، وهذا القرآن يمكن أن تعرفه بالفطرة ، ولمجرد أن تقرأه تعلم أنه كلام الله ، ولمجرد أن تقرأ كلاماً مزوراً لا يستأهل منك إلا سخرية ، الآن هناك فرقان الحق ، أنا متأكد وأعني ما أقول أن واحداً في العالم الإسلامي ، واحداً كائناً من كان ، إذا قرأه يشعر بكل خلية في جسمه ، وبكل قطرة في دمه أنه كلام مفترىً على الله ، هناك دليل فطري في القرآن عجيب ، تقرأ كلام الله يقشعر جلدك ، وتشعر أن الذي يتكلم هو خالق السماوات والأرض ، ولا تستطيع جهة في الكون أن تقول كلاماً توهمك أنه كلام خالق الكون ، إلا الله عز وجل .
لذلك : ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾
لأهواء سيطرت عليهم ، ولمصالح خافوا على ضياعها ، أنكروا نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنكروا أن يكون هذا القرآن كلام الله لكنهم في الحقيقة يعرفون رسول الله على أنه رسول الله ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾
وما من تشبيه أبلغ من هذا التشبيه ، معرفة أهل الكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام على أنه نبي ، ومعرفة أهل الكتاب للقرآن أنه كتاب الله لا تبتعد عن معرفة الأب لابنه : ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾
لكنهم حينما لم يؤمنوا به ، وحينما أنكروا نبوة النبي عليه الصلاة والسلام خسروا أفدح خسارة ، ﴿ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾
قد تخسر بيتك لا سمح الله ، وقد تخسر مالك ، ولكنك أنت أهم شيء ، الإنسان قد يخسر ماله كله ، وبعدها يصبح أكبر الأغنياء ، وبعدها يصبح غنياً كبيراً ، ولكن حينما يخسر نفسه خسر كل شيء ، فالإنسان حينما يكذب بهذا الدين خسر كل شيء ، يعني خسر نفسه . الرابح الأول هو الذي ربح نفسه والخاسر الأول هو الذي خسر نفسه:
قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
أي إن لم تؤمن خسرت نفسك ، وإن آمنت ربحت نفسك ، والرابح الأول هو الذي ربح نفسه ، والخاسر الأول هو الذي خسر نفسه . ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (15)﴾
( سورة الزمر الآية : 15 )
التكذيب يوصل إلى الخسارة الفادحة ، الإنسان بيده أشياء كثيرة ، خسر محل تجارة لم تربح ، شريك اقتنص الشركة لكن طاقاته وإمكانياته موجودة ، أما إذا قُتل توقف كل شيء . شيء آخر ، في مرحلة أخرى غير أنك لا تؤمن ، قال : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾
عند الله أي : من أشد الناس ظلماً ؟ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾
كذب بالقرآن ، كذب بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، الآن اخترع شيئاً لم يقع : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾
صار إنساناً لم يؤمن فخسر ، الإنسان فضلاً عن أنه لم يؤمن أورد روايات كاذبة واخترع شيئاً لا أصل له ، هذا أصبح ظالم ، خاسر ظالم .
عندما رتب الله المعاصي تصاعدياً جعل على رأس هذه المعاصي أن تفتري على الله الكذب:
قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾
عندما رتب الله عز وجل المعاصي ترتيباً تصاعدياً بدأ بالفحشاء والمنكر ، ثم بالإثم والعدوان ، ثم بالشرك ، ثم بالكفر ، وجعل على رأس هذه المعاصي الكبيرة :
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾
( سورة البقرة الآية : 169 )
أن تفتري على الله الكذب ، أن تقول مثلاً : إن الله خلق الإنسان في الأصل كافراً جاء إلى الدنيا نفذ مشيئة الله عز وجل ، لأن الله قدر عليه الكفر ، ثم وضعه الله في جهنم إلى أبد الآبدين ، هذا افتراء على الله ، هذا سوء ظن بالله عز وجل ، بل إن عقيدة الجبر فيها إساءة إلى الإيمان بالله عز وجل : ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إِياك أن تبتل بالماء
* * * *
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)﴾
تكاد ترقى هذه الأعمال إلى مستوى الجريمة ، إن لم تؤمن خسرت نفسك ، وخسرت كل شيء ، وخسرت الأبد ، إن افتريت على الله كذباً كنت ظالماً أشد الظلم ، فالإنسان إن لم يؤمن وغطى عدم إيمانه بافتراء على الله وعلى كتابه وعلى رسوله صار خاسراً ظالماً ، لذلك يوم القيامة حينما يسأل يقول :
﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾
يقول الله عز وجل : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

العفريني
09-22-2011, 05:32 PM
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)﴾
أيها الأخوة الكرام ، هذه الآية على إيجازها فيها حقائق خطيرة ودقيقة متعلقة بالإيمان .
كلكم يعلم أيها الأخوة أن أول حاسة تنشأ في الإنسان هي حاسة السمع ، أما حاسة البصر فتكون بعد الولادة ، لذلك أكثر الآيات القرآنية التي ورد فيها السمع والبصر جاء السمع مقدماً على البصر ، إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يشق سمع الإنسان قبل أن يتكون بصره بالضبط ، لذلك الاستماع هي الملكة الأولى في نقل الواقع إلى الإنسان ، أنت ما الذي تراه في بيتك ؟ في الغرفة التي أنت فيها تقف حاسة البصر عند الجدران ، لكن أحياناً تقول : أسمع صوتاً غريباً ، لكن الأذن تستطيع أن تكشف أية حركة في البيت ، بل في كل غرف البيت ، وأحياناً تدخل حشرة أو حيوان صغير تحت السرير ويموت ، ما الذي يكشفه ؟ رائحة الشم ، فمن حاسة البصر ، إلى حاسة السمع ، إلى حاسة الشم .
الأنبياء ألقوا الكلمة ، وفهمها مَن حولهم عن طريق السمع ، لذلك تعد حاسة السمع الأداة الأولى لتلقي الهداية ، ويعد النطق الشفهي الأداة الأولى في تبليغ الدعوة .
الله عز وجل له آيات ظاهرة متجسدة في هذا الكون:
أيها الأخوة ، المشكلة أن الإنسان يرى بعينه آيات الله الدالة على عظمته ، ويسمع بأذنه ما ينطق به الأنبياء ، لذلك : ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ (36)﴾
ما الفؤاد ؟ هو العقل .
﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾
( سورة الإسراء )
إذاً ما زودك الله بحاسة البصر ، وحاسة السمع ، وجهاز الإدراك المتمثل في الدماغ إلا من أجل أن تهتدي إلى الله عز وجل ، ثم ما علمك الله البيان . ﴿ الرَّحْمَنُ (1)عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾
( سورة الرحمن )
إلا ليكون البيان أداة نقل الحق إلى الآخرين ، فصار السمع والبصر والفؤاد ، أنت بالسمع تأتيك المعرفة جاهزة من أفواه الأنبياء إن عاصرتهم ، ومن أفواه صحابتهم ، أو التابعين ، أو من ينوب عنهم من العلماء العاملين الربانيين .
إذاً حاسة السمع تتلقى بها ما تكلم به الأنبياء ، وحاسة البصر تنظر من خلالها إلى ملكوت السماوات والأرض ، فالله عز وجل له آيات ظاهرة متجسدة في هذا الكون ، وله وحي متجسد في هذا القرآن والسنة ، فلذلك إما أن تأتيك المعرفة جاهزة عن طريق الأنبياء أو أصحابهم أو من ينوبون عنهم ، وإما أن تتفكر في خلق السماوات والأرض . الحقيقة واحدة إما أن تأتيك عن طريق الوحي أو عن طريق التأمل:
قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾
( سورة ق )
المعارف إما أن تأتيك جاهزة فتتفكر فيها وتبحث ، وتنقلها إلى أفكار متبناة ، أنت إما أن تأتيك المعرفة جاهزة تتفكر فيها ، والدليل : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
( سورة سبأ الآية : 46 )
إن جاءتك المعرفة جاهزة عليك أن تتأمل فيها ، وإن فكرت في خلق السماوات والأرض وصلت إلى الحقيقة التي ينبغي أن تبحث عنها ، يعني الحقيقة واحدة إما أن تأتيك عن طريق الوحي ، وإما أن تأتيك عن طريق التأمل ، إما أن تأتيك عن طريق وحي السماء ، وإما أن تأتيك عن طريق التأمل .
لكن الحقيقة التي تأتي عن طريق التأمل قد يعتورها الخطأ ، لأن العقل قد يخطئ، أما الحقيقة التي تأتيك عن طريق الوحي لا يمكن أن يعتورها الخطأ ، بالضبط كما لو أن عندك مذياع ، وأردت أن تفككه ، وأن تدرك تفاصيل صنعته ، قد تحذف صماماً منه فينقطع الصوت ، فأنت تتوهم أن هذا الصمام للصوت ، لكن قد يكون لتصفية الصوت ، وقد يكون على طريق الصوت ، فلما نزعته انقطع الصوت ، فمعرفتك التجريبية التأملية قد يعتورها الخطأ ، أما إذا التقيت بمن اخترع هذا الجهاز وأعطاك بياناً توضيحياً لخصائص كل صمام فحقيقة المخترع لا يمكن أن يعتورها الخطأ .
لذلك الحق واحد ، فإما أن تصل إليه ببحثك ، ودرسك ، وتفكرك ، وتجريبك ، وإما أن تصل إليه عن طريق تصديق الوحي . خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط :
أيها الأخوة ، أخطر قضية في الموضوع أنك إذا عرفت الحقيقة عن طريق التجربة ، والتأمل ، والتفكر ، والبحث ، قد تأتي المعرفة الصحيحة متأخرة ، وقد تأتي بعد فوات الأوان ، بالضبط ، كما لو أنك رأيت في الطريق كرة وتوهمتها قنبلة ، فأنت في شك بين أن تكون كرة وبين أن تكون قنبلة ، لو أتيت بخبير الألغام وقال لك : إنها قنبلة ، حفظت نفسك ، أما لو أردت أن تجرب هذا بنفسك ، وأمسكتها ، وتأملتها ، وتفحصتها ، وقلبتها فانفجرت تدرك لأقل من ثانية إنها قنبلة ، ولكن لم يبقَ في الحياة ثانية تنتفع بهذه الخبرة .
هذا الكلام مفاده أن الإنسان بعد فوات الأوان قد يكتشف الحقيقة ، ولكن يكتشفها ولا ينتفع بها ، كفرعون تماماً حينما أدركه الغرق قال : ﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾
( سورة يونس )
هذا الكلام ينقلنا إلى شيء آخر ، ما من إنسان على وجه الأرض ولاسيما الكفار إلا ويعرفون الحقيقة عند الموت ، الحقيقة التي جاء بها الأنبياء . ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق )
إذاً خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط ، إما أن تؤمن في مقتبل العمر فتنتفع في هذا الإيمان استقامةً وإقبالاً وعبادةً ، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان وعندئذٍ هذا الإيمان لا ينفع . ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً (158)﴾
( سورة الأنعام الآية : 158 )
الفرق بين الدعوة الشفهية والدعوة المكتوبة :
إذاً أول حاسة لتلقي الحق هي السمع ، ثم تأتي حاسة البصر ، ترى الآيات ، ترى الشمس ، القمر ، الليل ، النهار ، ترى البحار ، الأنهار ، الأطيار ، الأسماك ، ترى الطعام والشراب ، ترى أولادك الذين هم بين يديك ، إذاً أنت عن طريق السمع تصل إلى الحقيقة بشكل مبسط ، لذلك أنبياء الله عز وجل استخدموا الدعوة الشفهية .
الآن هناك دعوة شفهية ودعوة مكتوبة ، لكن ما الفرق بينهما ؟ الدعوة المكتوبة من ينتفع بها ؟ من يقرأ ويكتب فقط ، فإذا اكتفيت بالدعوة المكتوبة فقد قلصت المنتفعين بها إلى أصغر دائرة ، وكل مجتمعات المسلمين ، فالذي يقرأ ويكتب قلة وليسوا كثرة ، بل الذي يقرأ ممن يحسن القراءة أيضاً قلة ، هناك من لا يقرأ ولا يكتب ، فحينما اقتصرت الدعوة على الكتابة كان حيزها قليلاً ، لذلك قالوا : إما أن تؤلف الكتب ، وإما أن تؤلف القلوب ، تأليف القلوب أعمق أثراً ، وأقل أمداً ، لكن تأليف الكتب أقل أثراً ، وأطول أمداً .
من هو الإمام الغزالي لولا إحياؤه ؟ كان في درسه أربعمئة عمامة ، فلما توفاه الله عز وجل انتهى هذا الدرس ، وانتهت هذه الدعوة ، ما الذي أبقاه حياً إلى الآن ؟ كتاب الإحياء مثلاً ، من هو القرطبي من دون تفسيره ؟!!
لذلك الأَولَى ممن يجد في نفسه قدرة على العطاء أن يجمع بين تأليف القلوب وبين تأليف الكتب ، تأليف القلوب أعمق أثراً ، وأقل أمداً ، بينما تأليف الكتب أقل أثراً ، وأطول أمداً . ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾
الصورة وخطرها على أطفالنا :
الآن ـ وهذه حقيقة ينبغي أن أدلي بها ـ العولمة العالمية لم تعتمد على الكلمة المنطوقة بل اعتمدت على الصورة التي تشمل كل إنسان ، وتستطيع العولمة الغربية أن تغسل أدمغة أهل الأرض عن طريق الصورة ، لذلك أخطر شيء على أولادنا وشبابنا الشاشة ، هذه الشاشة لا تهاجم الدين أبداً ، لكن تريك رجل الدين بوضع غير مقبول ، لا من حيث صحته ، ولا من حيث بيته ، ولا من حيث أولاده ، يمكن أن تشوه هذه الصورة بأبشع صورة .
لذلك الصورة أكبر خطر ، على من ؟ على أولادنا ، يمكن أن تنقل للجيل الصاعد كل الأفكار الكافرة والإلحادية ، وكل الأنماط الإباحية عن طريق فلم الكرتون ، اعتماد الصورة الآن السلاح الأكثر تأثيراً في العالم الإسلامي ، الصورة ، هذا سماه العلماء " التفجير من الداخل " ، إعطاء صورة قاتمة للمسلم ، والآن الحرب على المسلمين على قدم وساق ، وتعتمد في الدرجة الأولى على الإعلام ، الإعلام سيف مسلط على رقاب المسلمين ، ممكن طفلة صغيرة في بلد عربي لا ترتدي الحجاب تأتيها رصاصة فترديها قتيلة من مسلم متشدد ، هذا الخبر يُعرض مئة مرة ، يصبح المسلم مجرم ، بنت بريئة لطيفة صغيرة في السن ، وادعة ، فيأتي من يقتلها لأنها بلا حجاب .
الحقيقة الآن أن هناك معركة من أشد المعارك عن طريق الإعلام ، فلا يمكن أن تربي الجيل ثم تسلمه للإعلام ، ومن يُسلم الجيل للإعلام كأنما يُسلم الجيل إلى جهتين ، الأولى إباحية ، والثانية إلحادية ، لأن الطرح العقدي طرح إلحادي ، والطرح السلوكي طرح إباحي في معظم وسائل الإعلام التي تأتي عن طريق هذه الصحون ، الطرح العقدي طرح إلحادي ، والطرح السلوكي طرح إباحي ، فالذي يسلم أولاده للإعلام المستورد كمن يسلم أولاده لأستاذين الأول ملحد والثاني إباحي ، وهذا الذي أوهن القوة الفاعلة في المجتمع الإسلامي . ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾
الفرق بين سمع واستمع ، قد يسمع الإنسان عرضاً ، شيئاً في الطريق ، تمشي في الطريق ، ومحل تجاري يفتح المذياع على أغنية ، أنت استمعت إليها شئت أم أبيت ، العين لها جفن ، الله عز وجل أمرنا بغض البصر ، أداة الغض هي الجفن . ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (30)﴾
( سورة النور الآية : 30 )
لكن الأذن مفتوحة دائماً ، لذلك أهل الكهف : ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11)﴾
( سورة الكهف )
طبعاً أجفانهم مغلقة ، فهم مقطوعون عن عالم الصورة ، لكن آذانهم مفتوحة ، إذاً هم مع الأصوات التي حولهم ، فلئلا يزعجوا ضرب الله على آذانهم بحيث منعهم عن أن يتلقوا الأصوات الخارجية . هناك من يستمع إلى حديث الرسول لا ليفهمه أو ليهتدي به ولكن ليكون نقطة ضعف في الإسلام:
قال تعالى : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾
﴿ مَنْ ﴾
للتبعيض ، يستمع إليك لا ليؤمن ولكن ليقنص ، هناك إنسان قناص يستمع إليك ليرى المثالب والعيوب ، يستمع إليك ليرى نقاط الضعف ، يستمع إليك ليبحث عن طريقة يرد بها الحق .
أيها الأخوة الأكارم ، هناك من الطرف الآخر من يقرأ القرآن لا ليهتدي به ، يقرأ القرآن ليقتنص ما يتوهمه عيباً في نظم القرآن فيذيعه على الناس نقداً لاذعاً للقرآن ، هناك من يستمع إلى حديث رسول الله لا ليفهمه ولا ليهتدي به ولكن ليكون نقطة ضعف في الإسلام ، فهذه الآية دقيقة جداً ، تصور الطرف الآخر ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾
لا يستمع إلا ليقتنص المثلبة المتوهمة ، أو الخطأ المتوهم ، أو نقطة الضعف المتوهمة ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾
لكن الله عز وجل في أصل تصميم الإنسان قال : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً ﴾
أتمنى على الله عز وجل أن أُمكّن من توضيح المعاني الدقيقة من هذه الآية ، أنت حينما تنطلق من بيتك لتشتري أداة توقف فيضان مستودع المياه في بيتك ، هذا الفيضان الذي أتلف أكثر ما في البيت من أثاث بسبب أداة معطلة في هذا المستودع ، تنطلق أنت إلى السوق لتشتري هذه الأداة ، وأنت منطلق لا ترَى شيئاً إلا من يبيعك هذه الأداة ، صحيح هذا الكلام ؟ قد ترى في محل تجاري باقات ورود جميلة جداً ، لا تعنيك أبداً ، قد ترى في محل آخر هدايا أو قطع كريستال رائعة جداً لا تراها إطلاقاً ، لا ترَى إلا محلاً تجارياً يبيعك هذه الأداة التي توقف بها فيضان مستودع الماء ، فهذا الإنسان أعمى عن كل شيء ، وأصم عن كل شيء ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :
(( حُبُّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمّ ))
[أبو داود من حديث أبي الدرداء ، وروي من حديث معاوية بن أبي سفيان ]
هذا الإنسان من الطرف الآخر الذي يجلس في مجلس رسول الله لا ليهتدي أبداً ، ولا ليستمع أبداً ، يجلس ليقتنص ، ليبحث عن نقطة ضعف ليذيعها في جماعته . الإنسان البعيد عن الله والغارق في الملذات لا يفقه من القرآن شيئاً وكأنه بلغة أعجمية :
قال تعالى : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً ﴾
الأكنة جمع كنان ، والكنان هو الغطاء .
أنا سافرت إلى بلاد كثيرة ، في بعض البلاد لا يمكن أن أفهم حرفاً واحداً من لغتهم ، ولا الأرقام ، فلو أنني استمعت إلى محاضرة بتلك اللغة هل أفقه بالمئة خمسة منها ؟ ولا واحداً بالمئة ، ولا واحداً بالمليون ، ولا حرف ، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾
( سورة الشعراء )
افتراضاً أو جدلاً ، لو أن هذا القرآن نزل بلغة أخرى ، بلغة أعجمية ، والذي أنزل عليه القرآن باللغة الأعجمية ، قرأه على مجتمع مكة ، هل يفقهون شيئاً ؟ الآن أنت اجلس بين أخوين من تركيا ، هل تفهم حرفاً واحداً من كلامهم ؟ بين أخوين من إيران هل تفهم حرفاً واحداً ؟ قال : ﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾
دققوا الآن : ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾
( سورة الشعراء )
لو أن إنساناً عربياً قُحاً بعيداً عن الله عز وجل ، غارقاً في ملذاته وشهواته ، وقرأ القرآن لا يفقه منه شيئاً وكأنه بلغة أعجمية ، ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
لذلك قال تعالى : ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى (44)﴾
( سورة فصلت الآية : 44 )
وقال : ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾
( سورة الإسراء )
الذي لا يفقه القرآن لا يريد إلا الدنيا لأن الذي يحب الشيء يجعله أعمىً وأصماً عن الحق:
قال تعالى : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً ﴾
الشهوات المستعرة في نفوسهم كانت حجاباً بينهم وبين القرآن ، فما فهموا شيئاً .
سؤال دقيق : لماذا يجلس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أناس فهموا هذا القرآن وفاضت أعينهم من الدمع ، وأناس لم يتأثروا به إطلاقاً ما السبب ؟ هنا المشكلة ، الجواب عن هذا السؤال هو مفتاح هذه الآية ، هذا الذي تفكر في خلق السماوات والأرض ، وآمن بآيات الله الدالة على عظمته ، أولاً حينما يتلو القرآن الكريم يتصور أنه نزل من عند الخالق فهو يصغي إليه ، أما هذا الذي لم يتفكر في خلق السماوات والأرض أصلاً ، ما تفكر إلا في حظوظه ، وشهواته ، وأهوائه ، ونزواته ، ومصالحه ، هذا لا يفهم شيئاً ، لذلك أيها الأخوة أنا سأضع بين أيديكم هذه الحقيقة :
السبب في أن زيداً يفهم ، وعبيداً لا يفهم ، في أن فلاناً بكى من شدة التأثر ، وأن فلاناً بعيد بعد الأرض عن السماء عن أن يبكي ، السبب أن الأول طلب الحقيقة ، والثاني ما طلبها ، بالضبط تماماً كآلة تصوير من أعلى مستوى ، الآن هناك آلات احترافية ثمنها يزيد على مليوني ليرة ، هذه الآلة الاحترافية الغالية جداً تمثل إنساناً أراد الشهوة وما أراد الهدى ، كهذه الآلة ، هو ذكي جداً ، لكن ليس فيها الفيلم ، فعلى عظمة الآلة ، ودقتها ، ودقة عدستها وخصائصها المذهلة ، والتقريب والتبعيد لكن ليس فيها فيلم تنطبع عليه هذه المشاهد .
الذي لا يفقه القرآن معنى ذلك أنه لا يريد إلا الدنيا ، لأن الذي يحب الشيء يجعله أعمىً وأصماً عن الحق ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾
يستمعون إليك لينتقصوا ، يستمعون إليك ليكشفوا بعض الضعف ، يستمعون إليك لينتقدوك ، يستمعون إليك وشهوة السيطرة والكفر متمكنة في قلوبهم ، لأنهم كذلك شاءت حكمة الله ، وشاءت عدالته أن يكون حجاباً بينهم وبين هذا القرآن . الكفر يجعل قلوب الكفار مغلفة:
قال تعالى : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً ﴾
كأن آذانهم سُدت ، وأن قلوبهم مغلفة . ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88)﴾
( سورة البقرة الآية : 88 )
كفرهم جعل قلوبهم مغلفة : ﴿ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾
لأن خطيب مسجد في بلاد المغرب قال : هذا الزلزال لعله تأديب من الله عز وجل للمذنبين ، وما تكلم إلا الحق ، قال : لعل بعض الذين أصابهم كانوا مذنبين ، قامت مظاهرات ، ونشأت فتنة ، لأن الإنسان يرفض الحق ، يريد تفسيراً أرضياً . ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ (45)﴾
( سورة الزمر الآية : 45 )
أما إذا ذكر الذي دونه : ﴿ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)﴾
( سورة الزمر الآية : 45 )
إذاً هنا الآية لماذا زيد يفهم ، وعبيد لا يفهم ؟ لماذا زيد يبكي ، وعبيد لا يبكي ؟ يتململ ، أحياناً يأتي الإنسان ليستمع إلى خطبة ولا يعنيه من هذه الخطبة إلا أنه نفذ أمر أبيه ، لذلك يطول عليه الوقت بشكل مريع ، أما الذي جاء ليتعلم يمضي الوقت كلمح البصر ، فلذلك الوقت يثقل ويخف ، دقيقة الألم ساعة وساعة اللذة دقيقة ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً ﴾
الكافر لا يقبل أن توجه الحدث توجيهاً توحيدياً لا يقبل إلا التوجيه الأرضي الشركي :
الآن : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾
أحياناً آيات ، زلازل ، فيضانات ، أبنية أصبحت مع الأرض ، إلا مسجداً ، يقول لك : الإسمنت كان قوياً جداً ، لا يقبل أن يقول : إن الله أبقاه لرسالة منه لعباده ، يقول لك : هذا مبني بالإسمنت المسلح ، وكان هناك إسراف فلم يتأثر ، لا يقبل أن توجه الحدث توجيهاً توحيدياً ، لا يقبل إلا التوجيه الأرضي الشركي ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً﴾
بالمقابل : ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ (83)﴾
( سورة المائدة الآية : 83 )
من شدة التأثر ، وشدة الخشوع ، فلذلك هذا الذي يصلي فلا يتأثر ، ويقرأ القرآن فلا يتأثر ، ويذكر الله فلا يتأثر ، فعنده مشكلة كبيرة جداً ينبغي أن ينتبه إليها ، لكن بعد ذلك الله عز وجل عمم قال : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بها ﴾
كزلازل ، ومد بحري ، وصواعق ، وحروب أهلية . ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
تعريف الأسطورة :
قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(25)﴾
الأسطورة يعني قصة سطرت على ورق مكتوبة ، يعني قصة غريبة ، نادرة ، غير معقولة ، خرافية ، فيها توهم ، شيء مكتوب في كتب الأقدمين ، مثلاً : الأرض يحملها ثور فإذا نقلها من قرنٍ إلى قرن تزلزلت ، هذه أسطورة ، شيء مضحك ، يعني من هذه الأساطير هناك عدد لا يعد ولا يحصى ، والمؤمن عليه أن يجري جرداً لتصوراته العقدية ، خرافات أحياناً ، أوهام ، ترهات ، أباطيل ، أما المؤمن الصادق فيجري مسحاً لكل ما يتصوره عن الدين ، فإذا كان لكل شيء دليل من الكتاب والسنة قبله ودعا إليه ، أما من غير دليل يرفضه ، مرة ثانية :
﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾
أيها الأخوة ، الآن المشكلة ، يقول الله عز وجل : ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)﴾
هؤلاء الذين جلسوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتنصوا ما يتوهمونه أخطاء إذا خرجوا من عنده
﴿ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ ﴾
يبتعدون عن رسول الله وعن منهجه ، وعن هدايته ، وينفرون الناس منه ، ارتكبوا جرمين ، الجرم الأول أنهم ضلوا ، والثاني أنهم أضلوا ، في ضال مضل ، وفي فاسد مفسد . أشقى البشر قاطبةً الذي يستخدم إمكاناته وطاقاته في سبيل ردِّ الحق :
قال تعالى : ﴿ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾
الإنسان حينما يكون أداة إضلال فهو أشقى البشر قاطبةً ، وحينما يضع نفسه في خندق معادٍ للحق فهو أغبى الخلق قاطبة ، لأنه لا يعرف من هو الطرف الآخر .
في موازين القوى في الدنيا لا يستطيع مواطن أن يتهجم على دولة كبيرة جداً ، وبيدها كل شيء ، وبإمكانها أن تسحقه في ثانية ، يكون جاهلاً وأحمقاً ، ليس هناك توازن ، أما إنسان مخلوق ضعيف كن فيكون ، زل فيزول ، سمعه ، وبصره ، ودماغه ، وقدراته ، وحركاته ، وسكناته بيد الله ، ثم يجلس في خندق معادٍ للحق ؟ كيف ؟ أشقى بني البشر من كانوا في خنادق تعادي أهل الحق ، قد تكون مقصراً ، الله عز وجل يعينك على نفسك ، قد تكون مذنباً ، أما أن تنصب نفسك عدواً للحق ، عدواً لأهل الحق ، هذا هو أشقى البشر قاطبةً الذي يستخدم إمكاناته وطاقاته في سبيل رد الحق . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36)﴾
( سورة الأنفال الآية : 36 )
وقال : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ (12)﴾
( سورة آل عمران الآية : 12 )
آية واضحة . إذا كنت في خندق معادٍ للحق يجب أن تعلم أنك خاسر لا محال:
قال تعالى : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)﴾
( سورة التحريم )
ما معنى هذه الآية ؟ امرأتان انتقدتا النظام ، دولة كبيرة جداً ، ممكن أن تستنفر قوى البرية والبحرية والجوية ، وقوى الأمن من أجل امرأتين ، في الآية ملمح دقيق جداً ، هو أنك إذا وضعت نفسك عدواً للحق أو في خندق مضاد للحق يجب أن تعرف من هو الطرف الآخر ؟ الطرف الآخر قوي جداً ، فهذا الذي ينصب نفسه عدواً للحق يريد إطفاء نور الله عز وجل .
الآن دققوا : لو أن واحداً رأيتموه بأعينكم يقف باتجاه الشمس وينفخ عليها لعلها تنطفئ ، فاحتمال انطفاء الشمس بنفخة من إنسان في الأرض بينه وبين الشمس 156 مليون كيلومتر ، ولسان اللهب مليون كيلومتر ، وهي متقدة لخمس مليارات عام قادم احتمال منعدم ، والحديث عن الشمس يفوق حد الخيال ، إنسان وقف باتجاه الشمس ونفخ من فمه نفخة فلعلها تنطفئ ، هذا كلام مقبول ؟ قال تعالى : ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (8)﴾
( سورة النور الآية : 32 )
إذا كان إطفاء الشمس مستحيلاً فكيف بإطفاء نور الله عز وجل في كل الكون ؟ لذلك إذا كنت في خندق معادٍ للحق يجب أن تعلم أنك خاسر لا محال ، وإذا نقل إليك أمر إلهي أو خبر إلهي يجب أن تتلقاه وكأنك تنظر إليه . ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
( سورة الفيل )
من الذي رأى ؟ ما أحد رأى ، لكن مادام خبراً من عند الله يجب أن تأخذه ، وكأنك تراه ، المعنى الثاني : ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ (1)﴾
( سورة النحل الآية : 1 )
معناه لم يأتِ بعد ، لكن إذا أخبر الله عن شيء يجب أن تستخدم الفعل الماضي وكأنه وقع فعلاً ، هذا هو الإيمان . الآيات التالية تبين أن من أراد الهدى يهتدي ومن لم يرده لا يهتدي :
أيها الأخوة الكرام ، هذه الآية والتي بعدها تفسر لماذا يتأثر زيد ولا يتأثر عبيد ، لماذا يهتدي فلان ولا يهتدي فلان ؟ لأن الذي اهتدى أراد الهدى والذي لم يهتدِ لم يرد الهدى ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
وقال : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان )
وقال : ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)﴾

العفريني
09-22-2011, 05:32 PM
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)﴾
أيها الأخوة الكرام ، من قواعد اللغة أن ( لو )تُعرب حرف امتناع لامتناع ، امتنع شيء لامتناع شيء آخر ، لو جئتني لأكرمتك ، امتنع إكرامي لك لأنك لم تأتِ ، أما (لولا)فهي حرف امتناع لوجود ، لولا المطر لهلك الزرع ، امتنع هلاك الزرع لوجود المطر، هذه من بديهيات اللغة .
إلا أنه في هذه الآية تأتي ( لو )من دون جواب ، لو جئتني لأكرمتك ، لو فعلت كذا لكافأتك ، لو تجنبت كذا لنجوت من هذا الألم ، هنا :
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
أين الجواب ؟
الحقيقة في حذف الجواب ملمح دقيق جداً ، وهو أن الله بهذا الحذف أشار إلى أن اللغة أحياناً تكون عاجزة عن وصف الواقع ، اللغة في بعض الأحيان بكل إمكاناتها ، وبكل مفرداتها ، وبكل تراكيبها ، وبكل مؤكداتها تعجز عن وصف الواقع ، قد يقول لك أحدهم : رأيت شيئاً لا يوصف ، يقول لك أحدهم : اللغة عاجزة عن تعبير ما في نفسي . كأن اللغة بكل مفرداتها لا يمكن أن تنقل لنا الصورة التي يكون عليها الكفار يوم القيامة من الذل :
كأن الله سبحانه وتعالى يقول لنا : هؤلاء الطغاة ، هؤلاء المجرمون الذين طغوا ، وبغوا ، واستكبروا ، واستعلوا ، ألم يقل فرعون ؟ ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24 ﴾.

( سورة النازعات )
ألم يقل فرعون ؟ ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾
( سورة القصص الآية : 38 )
هؤلاء الأقوياء الذين استهانوا بحياة البشر ، وبكرامة البشر ، يقول الله عز وجل: يا محمد ، لو ترى وضعهم يوم القيامة ، تصور إنساناً طاغية ، يمكن أن يفني نصف شعبه ، وضع في يديه القيد ، تصور حاله ، تصور مشاعره ، تصور ذله ، تصور قماءته ، تصور خضوعه ، ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
أحياناً مجرم يسطو على البيوت ، ويأخذ الأموال ، ويرهب الناس ، إلى أن يقع في أيدي العدالة تجده ذليلاً لا يستطيع أن ينظر إليك ، خافض الطرف ، الآية دقيقة جداً ، أن هذا الذي يطغى ، هذا الذي يستعلي ، هذا الذي يتغطرس ، هذا الذي يتكبر ، هذا الذي يدعي الألوهية ، هذا الذي يقول كما قال فرعون : ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
هذا الذي يقول : ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
قوم عاد حينما قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً (15)﴾
( سورة فصلت الآية : 15 )
ليس بعيداً عنكم ما يقوله أقوياء الأرض الآن ، ما يتبجحون به ، ما يرددونه ، ما يهددون به ، الفراعنة كثيرون ولكل عصر فرعون ، ولكل عصر وحيد القرن ، هؤلاء أيها الأخوة : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
لو ترى خزيهم ، لو ترى ذلهم ، لو ترى خوفهم ، لو ترى خضوعهم ، لو ترى صغارهم ، لو ترى تضعضعهم ، كأن اللغة بكل مفرداتها لا يمكن أن تنقل لنا الصورة التي هم عليها ، فالذي أتيح له أن يتابع التاريخ الحديث حينما يقع الطاغية بيد خصومه ، وحينما يبالغ الخصم في فحص حامضه النووي ، وحينما يبالغ الخصم بفتح فمه ليرى أسنانه ، هذا ذل ما بعده ذل . بلاغة الآية التالية في حذف الجواب :
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
أيها الأخوة ، الآية فيها بلاغة ما بعدها بلاغة ، بلاغة الآية في حذف الجواب ، الآن أحياناً تقول : رأيت شيئاً لا يصدق ، تقول أحياناً : رأيت شيئاً لا يوصف ، تقول أحياناً : اللغة عاجزة عن الوصف ، درسنا في علم اللغة ، بل في فقه اللغة ، أو ما يسمى فلسفة اللغة أنه في أحيانٍ كثيرة من سلبيات اللغة أنها عاجزة عن نقل الصورة الحقيقية ، الآن في البرمجة العصبية يقولون : إن النص المكتوب لا ينقل من الواقع إلا 6 % فقط ، إذا رافقه صوت يضاف إليه 35 % ، فإذا أضيفت له الصورة يصل إلى 100 % ، لكن رأيت أن بعض الأهوال في بلد عربي في جنوبه ، وقد دامت فيه الحروب الأهلية 40 عاماً ، قلت : والله إن النص المكتوب ، والنص المسموع ، والنص المرئي لا يساوي 10 % من الواقع الذي رأيته، أحيانا اللغة تعجز عن نقل الصورة الحقيقية .
في اللغة تعبيرات كثيرة تستخدم أسلوب العجز عن الوصف كأسلوب للوصف ، هذه الآية بلاغتها في حذف الجواب ، لعلي أنقل لكم آيةً مشابهة : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9)عَبْداً إِذَا صَلَّى (10)﴾
( سورة العلق )
أين الجواب ؟ انظر إلى أحواله ، هذا الذي ينهى عبداً إذا صلى انظر إلى مواثيقه، إلى عهوده ، إلى استقامته ، ليس مستقيماً ولا يفي بالعهد ، ولا ينجز الوعد ، مادي ، دنيء ، شهواني ، يخون ، ينافق ، يكذب ، يحب ذاته ، لشدة النقائص التي فيه ، لكثرة العيوب التي تلبس بها ، لشدة الحقارة التي تغطيه من رأس إلى قدمه الله عز وجل حذف الأوصاف كلها ، قال : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9)عَبْداً إِذَا صَلَّى (10)﴾
( سورة العلق )
لأسلوب الحذف طريق إيجابي أيضاً :
لهذا الأسلوب طريق إيجابي أحياناًُ ، تلقى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سدرة المنتهى تجليات من الله عز وجل ، تجليات مسعدة ، يا ترى هذه التجليات مسعدة فقط ، فيها نور ، فيها معرفة ، فيها قرب ، فيها سعادة ، فيها إطلالة كبيرة على الكون ، فيها كمال لا ينتهي ، قال : ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)﴾
( سورة النجم )
هذا أسلوب آخر ، ﴿ إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
ليس هناك تفاصيل ، أحياناً تقول لأحدهم : آه لقد أصابني ما أصابني ، ماذا أصابك ؟ إذا قال لك : لقد أصابني ما أصابني ، تظن مصيبته مرضاً عضالاً ، تظنه فقراً مدقعاً ، تظنه سجناً مديداً ، تظنه شقاء أُسرياً ، لقد أصابني ما أصابني ، ﴿ إذ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
لو ترى حالهم يا محمد ، لو ترى ذلّهم ، لو ترى تضعضعهم ، لو ترى ندمهم ، لو ترى حسرتهم ، لو ترى عظمة خسارتهم ، لو ترى ندمهم ، كأن اللغة لا يمكن أن تعبر عن حال هذا الإنسان الذي خسر الأبد .
والله أيها الأخوة ، والله الذي لا إله إلا هو لو أن الإنسان في الدنيا أصابته كل أنواع المصائب من دون استثناء ، ووصل إلى القبر ناجياً فهو الرابح الأول ، ورد في بعض الآثار القدسية : (( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن ، وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها ، سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
[ورد في الأثر ]
كل إنسان مؤمن فيه خير مبتلى :
أيها الأخوة الكرام ، لا تحزنوا على ما فاتكم حينما يكشف الله لكم حكمة الذي ساقه إليكم ، كل إنسان مبتلى ، كل إنسان مؤمن فيه خير مبتلى ، أما الذي شرد عن الله شرود البعير تنطبق عليه الآية الكريمة : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
( سورة الأنعام )
استنباطاً من هاتين الآيتين ، إذا رأيت الله يتابعك ، ويؤدبك ، ويعاتبك ، ويعاقبك، ويشدد عليك ، ويضيق عليك ، ويحاسبك على الخاطر ، إن رأيت الله يعاملك هذه المعاملة فاستبشر ، فإنك تنطبق على الخير ، ولو لم تكن كذلك لما أدبك ، ولما عاقبك ، بل تركك تستمرئ هذا الطريق الذي ينتهي إلى الهلاك ، فخير لنا ألف مرة أن نكون في العناية الإلهية المشددة من أن نكون قد أخرجنا من هذه العناية .
طالب يدرس في الجامعة ، ويعدّ نفسه لمنصب رفيع ، ولدخل كبير ، ولمكانة اجتماعية كبيرة ، إذا شكا لك ضيق الوقت ، وكثرة الواجبات ، وصعوبة متابعة الدروس ، وقسوة الأساتذة ، وثقل الوظائف ، والدوام الطويل ، والأعمال التي يكلف بها الطالب مِن قِبل أستاذه وقد لا يجد وقتاً لها ، إذا شكا لك هذا الطالب هذه الشكاوى المتعددة ، وقال لك آخر لا يقرأ ولا يكتب : أنا ما عندي مشكلة أبداً ، أنام إلى الظهر ، ثم أتمطى ، ثم آكل ، ثم أذهب إلى السينما ، ثم أعود لألعب الورق مع رفاقي حتى منتصف الليل ، يجب أن تعلم أن هذا الثاني خارج الحسابات كلها ، هذا الذي يقول لك : أنا ما عندي مشكلة هو نفسه مشكلة .
إن لم تشعر أنك مكلف بمعرفة الله وطاعته ، ونيل رضوانه فأنت خارج الحسابات . أحاديث من السُّنة الشريفة تبين أن الرخاء مؤقت والشقاء مؤقت :
أيها الأخوة ، هذا الملمح الكبير ملمح حذف الجواب في الآية : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
لو ترى حالهم ، لو ترى ذلهم ، لو ترى ندمهم ، لو ترى حسرتهم ، لو ترى خنوعهم ، لو ترى خوفهم ، لو ترى تقصيرهم ، ورد في بعض الأحاديث : (( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة ، حتى يقول : يا رب ، لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))
[ أخرجه السيوطي عن جابر رضي الله عنهما ]
أخواننا الكرام ، حالة الندم التي تعتري الإنسان حينما يغادر الدنيا وكان ساهياً لاهياً لا توصف ، حتى إنه في بعض الأحاديث : " أن الإنسان الشارد عن الله إذا رأى مكانه في النار بعد أن وافته المنية يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا " . بل إن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديثه يقول : ((المؤمن إذا رأى مكانه في الجنة عند النزع يقول لم أرَ شراً قط ))
[ورد في الأثر]
ينسى كل المتاعب ، والذي كان في أعلى مرتبة ، وكان في أبهى زينة ، وكان في أجمل بيت ، يركب أجمل مركبة ، إذا وافته المنية ، ورأى مكانه الآخر في العالم الآخر يصيح صيحة ، ويقول : لم أرَ خيراً قط . من أدق خطب النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشدة ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي))
[ أخرجه الديلمي عن ابن عمر ]
الرخاء مؤقت والشقاء مؤقت .
كل مخـــــلوق يمـــــوت ولا يبقَى إلا ذو العزة والــجبروت
* * *
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
* * *
وإن كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يـــــوم على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنــــازة فـــــــاعلم أنك بعدها محمول
* * *
حالة الندم لا توصف عند من خسر شيئاً من الدنيا فكيف بمن خسر الآخرة ؟
صدقوا أيها الأخوة ، ما رأيت أعقل ممن أعد لساعة الموت ما تستحق ، أحياناً إنسان يعزي في إنسان رآه أين دفن ، ثم دخل إلى بيته في التعزية ، مسافة كبيرة جداً ، بيت واسع ، وازنه مع قبر ، ونحن جميعاً مصيرنا إلى القبر ، واقرأ كل النعوات ، وسيشع إلى مثواه الأخير ، ماذا تسمي بيتك إذاً ؟ مثوى مؤقت . ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴾
هذه حالة الندم التي لا توصف ، الإنسان أحياناً يعمل في التجارة ، يشتري صفقة لا يربح منها شيئاً ، يبذل من أجلها جهوداً جبارة لسنوات عديدة ، ولا يجد ربحاً ، يصدر صوتاً خارجاً من أعماق أعماقه ، يا ليتني لم أشترِ هذه الصفقة ، لأنه لم يربح ، فكيف إذا خسر ؟ فكيف إذا عمل سنوات طويلة ، وحقق خسارة كبيرة ؟ هذا هو الندم أيها الأخوة ، الندم لا يوصف ، الإنسان يخسر بيتاً ، أحياناً يخطب فتاة مناسبة جداً ، يتردد بالقرار ، يذهب إليهم موافقاً ، يقولون والله خطبت ، وانتهى الأمر ، يبقى سنوات والحسرة تملأ قلبه ، أحياناً يفرط بتجارة ، ببيت ، بزوجة ، بمنصب أحياناً ، يرتكب حماقة أحياناً ويطلق زوجته ، وهي جيدة جداً ، يندم ندم لا يوصف ، فكيف إذا خسر الأبد ؟ فكيف إذا خسر الآخرة كلها ؟!! ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾
( سورة الفرقان )
في الآيات التالية يخبرنا الله عز وجل عن حال أهل النار :
أيها الأخوة الكرام : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)﴾
هذا الكلام يتلى علينا الآن ، نحن أحياء ، والفرص كلها مفتوحة ، بإمكانك أن تتوب ، وأن تستغفر ، وأن تصلي ، وأن تقرأ القرآن ، وأن تعمل الصالحات ، وأن تنفق الأموال ، وأن تدعو إلى الله ، وأن تطلب العلم ، وأن تكون باراً بوالديك ، وأن تربي أبناءك ، كله ممكن ، مادام في العمر بقية كله ممكن .
في هذه الآيات يخبرنا الله عز وجل عن حال أهل النار :
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لََيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
نحن أحياء الفرص كلها مفتوحة أمامنا ، فرص التوبة والعمل الصالح ، والتزام درس العلم ، وطلب العلم مفتوح أمامنا . ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)﴾
الله عز وجل هو العليم يخبرنا أنه لو أرجعناهم إلى الدنيا لعادوا إلى المعاصي والآثام ، لأنهم لم يعرفوا الواحد الديان ، لو أنهم عرفوه لأطاعوه ، لكنهم ما عرفوه في الدنيا، فلو عادوا إلى الدنيا لأخذتهم الدنيا ، وسيطرت عليهم شهواتهم .
﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (106)﴾
( سورة المؤمنون الآية : 106 )
أمثلة من الواقع عن أشخاص أكرمهم الله بالإنذار المبكر فلم يستفيدوا منه :
قال : ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾
الإنسان دائماً تحت التعذيب يتكلم الحقيقة أما إذا رفع التعذيب عنه عاد إلى كفره ، أوضح مثل : ركاب سفينة عصاة ، فجار ، هاج البحر واهتزت وكأنها ريشة ، وكانوا على وشك الغرق ، يا رب ، يا رب ، أقسم لي أحد كان في طائرة ، وقد دخلت في غيمة مكهربة ، واهتزت ، وكادت أن تسقط ، فيها خبراء ملحدون ، عادوا إلى فطرتهم ، وقالوا : يا رب ، أنقذنا ، ملحدون ، بعد إن حطت الطائرة على الأرض عادوا إلى إلحادهم : ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾
ركب رجل سيارته في دمشق في طريق صاعدة قليلاً ، والإشارة حمراء وقف ، فإذا به يهوي على المقود ، وقد أصابته جلطة ، أو جُلطة ، الصواب جُلطة بالضم ، وإلى جانبه زوجته ، ومن غرائب الصدف ، وراءه صديقه ، فصاحت الزوجة ، فجاء الصديق ، وحمل صديقه ، وأخذه إلى مستشفى ، إلى العناية المشددة ، هذا بعد أن صحا من غفوته ، وشعر بدنو أجله ، طلب مسجلة وكاسيت ، طلب مسجلة وشريطاً ، وقال ، هو أكبر إخوته ، واغتصب ثروة أبيه ، وحرم إخوته من حصصهم : المحل الفلاني ليس لي هو للورثة ، البناء ليس لي هو للورثة ، صرح بكل الأموال غير المنقولة والمنقولة التي اغتصبها من إخوته ، بعد يومين شفي من مرضه ، لأن الجُلطة بعد أخذ الدواء أحياناً تذوب وتتلاشى ، عاد إلى نشاطه وقوته ، قال : أين الشريط ؟ أعطوه إياه فكسره ، جاءت القاضية وتوفي بعد ثمانية أشهر ، لقد رحمه الله بالإنذار المبكر فلم يستفد منه .
لذلك الإنسان يجب أن يصحو من غفلته وأن يستقيم على أمر الله عز وجل ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾
الإنسان غير المؤمن عاش الدنيا فقط ويذوب ندماً عندما تُكشف له الحقائق عند الموت :
هم يرون : ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)﴾
هم مع الواقع ، الواقع فيه صحة ، ودخل ، وفيه مركبة ، ونساء جميلات ، وسهرات ماجنة ، واختلاط ، وغناء ، وكل الشهوات ، ودخله كبير ، يعيش هذا الواقع ، لكن غفل عن المستقبل ، من هو العاقل ؟ هو الذي يعيش المستقبل ، من هو الغبي ؟ هو الذي يعيش الواقع ، من هو الأغبى ؟ هو الذي يعيش الماضي ، كنا وكنا ، يظل يتغنى بهذه الأمة ، دعك من التغني ، وقم وتحرك ، وأسهم في نصرة هذا الدين العظيم ، فلذلك أخطر حدث مستقبلي هو الموت ، وهذا الموت قدر كل إنسان ماذا أعددت له ؟ كل نشاطك ومكانتك ، وبيتك ، وهيمنتك ، ومكتبك ، ومراكبك ، وبيوتك ، وأملاكك المنقولة وغير المنقولة منوطة بميلي وربع قطر الشريان التاجي ، إذا سد هذا الشريان ، ولم تتحرك وقت انسداده بشكل صحيح كتب على النعي : المرحوم فلان ، كان إنساناً صار مرحوماً ، صار خبراً ، قال الله :
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ (44)﴾
( سورة المؤمنون الآية : 44 )
كل هيمنتك ، وقوتك ، ومالك ، وحجمك المالي ، وممتلكاتك ، وسلطتك ، مبنية على سيولة الدم ، فإذا تجمد الدم في أحد الأوعية انتهت الحياة ، ساعة يقول لك : سكتة قلبية، ساعة سكتة دماغية ، ساعة خثرة بالدماغ ، ساعة تشمع في الكبد ، ساعة فشل كلوي ، تنوعت الأسباب والموت واحد ، ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾
لذلك الإنسان غير المؤمن عاش الدنيا فقط ، متى يذوب ندماً ؟ حينما تكشف له الحقائق عند الموت ، والدليل : ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق )
أنا أؤكد لكم أن أكفر كفار الأرض عندما يأتيه ملك الموت يصدق بكل ما جاء به الأنبياء ، ولكن بعد فوات الأوان أيضاً . الأمور بيد الله دائماً ولكن تكون خافية عن الغافلين :
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)﴾
أخواننا الكرام ، في الآية السابقة ملمح :
﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾
الإنسان بفطرته يؤمن أن الأمر بيد الله لأن المصائب أحياناً تأتي عقاباً ، لكن حتى يستمد راحة موهومة يدعي خلاف ذلك ، يخفي إيمانه بأن الله بيده كل شيء ، ويعلن شركه ، الأمر بيد زيد ، أو عبيد ، أو فلان ، أو علان ، وظروف صعبة ، ونحن ما لنا علاقة ، الصهيونية العالمية سببت لنا هذه المشاكل ، يعزي دائماً أخطاءه وحماقاته إلى جهات موهومة ، لكن عندما يأتيه ملك الموت ، هذا الذي كان يخفيه عن الناس ظهر صارخاً ، من أدق المعاني في قوله تعالى : ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾
( سورة الشورى )
بيد من كانت ؟ هي بيد الله سابقاً ولاحقاً ، ولكن في الدنيا يرى الشاردون الأمر بيد هذه القوة ، وذاك القطب ، وفلان ، بيد وحيد القرن فرضاً ، هو يقصف المدن ، ويقيم الحصار الاقتصادي ، هكذا يظن الناس . ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)﴾
( سورة الزمر )
بدا لهم أن الأمر بيد الله وحده ، لذلك الأمور بيد الله ولكن كانت خافية عن الغافلين ، أما المؤمن فيراها في الدنيا بيد الله ، أما يوم القيامة فالذي كان يتوهمه الناس يصبح حقيقة صارخة : ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ﴾
الله تعالى لم يدع وسيلة لهداية الكفار إلا أعطاهم إياها ومع ذلك لم يؤمنوا :
الحقيقة الثانية : أن الله لم يدع وسيلة لهدايتهم إلا أعطاهم إياها ، ومع ذلك لم يؤمنوا : ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)وَلَوْ تَرَى ﴾
الطريقة السابقة يا محمد :
﴿ إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ ﴾
أذلاء . ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (94)﴾
( سورة الأنعام الآية : 94 )
الطغاة في العالم يحركون أساطيل ، يحركون مئات الطائرات ، يحركون قنابل ذرية أحياناً ، يفرضون قرارهم على كل الخلق ، لكن يوم القيامة ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
العقيدة المناسبة للمتفلِّت أخلاقياً أنه ليس هناك يوم آخر :
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ﴾
أليس هذا الدين بحق ؟ أليس هذا القرآن بحق ؟ أليس تحريم الزنا حق ؟ دولة إسلامية تطمح أن تدخل في السوق المشتركة لا تُقْبَل إلا إذا صرحت أن الزنا ليس جريمة ، سلوك طبيعي ، كأن تشرب كأس ماء ، أليس الزنا جريمة ؟ أليس الربا جريمة ؟ كل شيء الله حرمه ، وكل شيء الله ذكره ، هذه الحقائق يراها الإنسان عند الموت : ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)﴾
( سورة ق )
ويراها يوم القيامة ثانية : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا ﴾
مع القسم : ﴿ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾
الباء باء السبب ، يعني بسبب كفركم بهذا الدين وبهذه العبادات وبهذه التشريعات: ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)وَلَوْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)﴾
(قد)حرف تحقيق ، هؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله ، الذي كذب بلقاء الله ، ويكذب ليفعل ما يشاء ، مادامت شهوته تتحكم فيه ، العقيدة المناسبة للمتفلِّت أخلاقياً أنه ليس هناك يوم آخر ، الآن لا نجد إنساناً متفلتاً إلا ويعتقد أن هذه هي الآخرة ، من مات ورجع الآن ؟ يريحه أن يكذب باليوم الآخر .
العقل السليم لا يقبل أن تنتهي الدنيا بلا حساب والقرآن يؤكد ذلك :
طالب لا يدرس إطلاقاً تصدر إشاعة أن الامتحان سيتأخر شهراً ، أو نظراً للظروف العصيبة قد يدمج الامتحان مع العام القادم ، الكسول يصدقها فوراً من دون دليل ، هذه مريحة له ، وأي فكرة تريح الإنسان من عذاب نفسه أو من الندم يتشبث بها ، يسمع من درس علم ـ لا يدقق ـ أن النبي e يشفع لأمته ، لا يفهم من الدين غير الشفاعة ، مريحة هذه الشفاعة ، وإذا قرأ الحديث : (( شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ))
[ رواه أبو داود والترمذي والبيهقي عن أنس ]
يطير عقله فرحاً ، صار عنده مجال يفعل الكبائر الآن ، الإنسان يصدق شيئاً يريحه دائماً .
الآن اشترى واحد سيارة ، وقال له واحد : سيصدر قرار يخفضون فيه الجمرك مئة بالمئة فقط ، لا بمئتين وخمسين بالمئة ، يقول لك : غير معقول ، لمَ كذّب الخبر ؟ لأن الخبر لو كان صادقاً يزعجه ، والذي لم يشترِ يصدقه ، تذيع خبراً أنت واحد يصدقه مئة بالمئة ، والثاني يكذبه مئة بالمئة ، أنت تلحق راحتك النفسية ، فلذلك : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾
الذي كذب بلقاء الله ، أولاً أيها الأخوة ، اسمعوا هذه الكلمات : مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون في الدنيا غني وفقير ، وقوي وضعيف ، وصحيح ومريض ، وظالم ومظلوم ، وتنتهي الدنيا ولا شيء بعد الدنيا ، لا بد من أن تسوى الحسابات ، مستحيل إنسان يهدم سبعين ألف بيت فوق أصحابها ، ويتصدر المؤتمرات ، وهو في أقوى مركز ، وأن يموت ، ولا شيء بعد الموت ، مستحيل أن يقصف الناس بالقنبلة الحارقة ، ويبيد عشرة آلاف إنسان في ثوانٍ وتنتهي الحياة ولا شيء عليه ، مستحيل أن تلقى قنبلة على اليابان تزهق أرواح ثلاثمئة ألف إنسان في ثلاث ثوانٍ ، وتنتهي الحياة ، ولا شيء بعد الموت ، هذا شيء يتناقض مع الكون كله ، هذا الكون ينطق بعظمة الخالق ، والعدل من كمال الخالق ، لذلك أحد العلماء ينفرد أنه يعتقد أن الدليل على الآخرة ليس نقلياً فحسب بل هو عقلي ، يعني العقل السليم لا يقبل أن تنتهي الدنيا بلا حساب ، والقرآن يقول ذلك : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
( سورة المؤمنون )
الله تعالى لم يخلقنا عبثاً بل خلقنا ليحاسبنا :
أنت تجرب الدواء على شعب ضعيف ، وتبعث بخبراء لتعرف نتائج هذا الدواء ، إذا كان مسرطناً تمنعه في بلدك ، وإذا كان غير مسرطن تسمح به ، هؤلاء حقل تجارب ، وتموت ولا شيء عليك ؟ مستحيل ، تبعث باخرة كلها مواد غذائية ، وربعها مواد غذائية ، وثلاثة أرباع نفايات ذرية ، وتلقيها بسواحل بلد متخلف ويتضاعف السرطان عشرة أضعاف ، وتموت ولا شيء عليك ؟ تقتنص سبعمئة ألف فتاة كل سنة ساذجات ، ويعملن في الدعارة في بلاد الغرب ، وتأخذ عشرين ضعفاً من أجورهن ، وأنت مرتاح ، ولا شيء عليك مستحيل ، الإنسان حينما يتوهم أن الإنسان يموت ، ولا يحاسب يكون كتلة غباء . ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ (116)﴾
( سورة المؤمنون )
تعالى الله أن يخلقكم عبثاً ، آية ثانية : ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
( سورة القيامة )
مستحيل ، هؤلاء الذين دخلوا وسرقوا خلال ساعات ألقي القبض عليهم ، والأموال عادت فيما سمعت إلى أصحابها ، ممكن أن يسرق عدة ملايين ، شكراً ، مستحيل ، في النظام الأرضي مستحيل ، عند الملك العادل يكون ذلك ؟ الاعتداء على أي مخلوق كائناً من كان يحاسب الإنسان عليه حساباً عسيراً :
لذلك يا أيها الأخوة عدّ للمليون قبل أن تظلم نملة ، عدّ للمليون قبل أن تدوس على نملة ، لأن ملك الملوك بطشه شديد ، لوحان اصطدما بالزلزال قوتهما الانفجارية مليون قنبلة ذرية ، شيء مخيف ، مدن بأكملها ، جزر اختفت ، قطع بحرية تلاشت ، قواعد نووية غرقت اصطدم لوحان ، الله كبير جداً ، عد للمليون قبل أن تعصي ، عد للمليار قبل أن تعتدي على مخلوق . ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ ، فِي هِرَّةِ رَبَطَتْهَا ، فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا ، وَلاَ هِيَ أرْسَلَتْهَا تَأَكلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
بربكم فما قولكم بما فوق الهرة ؟ على هرة الله سيحاسبها ، واحد غني كبير ببلد عربي مات ، وأولاده قلقون عليه ، فبلغهم أن أول ليلة أصعب ليلة بالقبر ، فسألوا واحداً فقيراً جداً يموت من الجوع ، تأخذ عشر جنيهات وتنام مع أبينا أول ليلة بالقبر ، وافق وتمدد إلى جانبه ، جاء الملكان ، ووجدا اثنين ، وهذه جديدة عليهم ، هذا من خوفه حرك قدمه ، قال له : الثاني طيب وليس ميتاً ، تعال نبدأ به ، أجلسوه وكان يلبس كيس خيش من فقره مفتوحاً من أعلاه ويظهر رأسه منه ، ومن الطرفين تظهر يداه ، وربطه بحبل من فقر ، بدؤوا بالحبل من أين جلبتها ؟ وجدا أنه أخذها من بستان ، تركوا البستان ، كيف دخلت إلى البستان ؟ ضربوه ضرباً مبرحاً ، الآن كيف دخل للبستان ، ثم كيف أخذ الحبل ، من أين أتى بهذا الكيس ؟ خرج في اليوم الثاني باكراً ، وقال لهم : الله يعين أباكم . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
أنا والله لا أحب أن أروي مناماً أبداً لكن للاستئناس ، لي قريب أعتقد أن له خالة أو عمة يحبها حباً جماً ، ماتت ، حسب ما قال لي ثمان سنوات يراها بحالة صعبة بالمنام ، تحترق ، بعد هذا رآها بحالة طيبة ، لابسة أبيض ومبتسمة ، سألها : ما الذي حصل ؟ قالت له : الحليب يا بني ، فدقق ، هي خالة امرأة أب ، عندها أولادها وأولاد زوجها ، كانت تعطي أولادها كأس حليب وتعطي أولاد زوجها كأساً نصفه حليب ونصفه ماء .
عد للمليون قبل أن تعصي الله ، لكن عد للمليار قبل أن تعتدي على مخلوق كائناً من كان ، ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
الله عز وجل يعرض علينا شريط أعمالنا في الدنيا :
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حََسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)﴾
حدثني إنسان ببلد شرقي بأوربا ، ارتكب مخالفة ، فلما جاؤوا به للتحقيق ، أسرع طريقة للتحقيق ، أروه فيلماً وهو يرتكب المخالفة ، انتهى الكلام .
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)﴾
( سورة الإسراء )
الله عز وجل يعرض لك شريط أعمالك ، قالوا : هو ملون أيضاً ، من وقت ولادتك إلى وقت الوفاة ، ليس فيه مناقشة ، الله عز وجل يعرض عليك شريط أعمالك التي عملتها الدنيا . إذاً : ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾
هذه الأحمال سوف تسوءهم ، الكذب ، والنفاق ، والغش ، والتدليس ، وأكل المال الحرام ، ومعاونة الظلام ، هذا كله سوف يدفعون ثمنه . ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾

العفريني
09-22-2011, 05:34 PM
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)﴾
أيها الأخوة الكرام ، الحقيقة أن( قد) حرف تحقيق ، فإذا جاءت قبل فعل ماضٍ يكون حرف تحقيق ، يعني خسارة هؤلاء محققة ، ماذا خسروا ؟ خسروا الأبد ، خسروا الجنة التي خلقوا لها ، خسروا أعظم ثمرة من ثمار الإيمان وهي السعادة الأبدية ، لذلك :
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾
المشكلة أن الإنسان حينما يؤمن أن الدنيا هي كل شيء يستغني عن طاعة الله ، أما حينما يؤمن أنه خُلق للآخرة تراه منطلقاً إلى طاعة الله ، الآية الكريمة : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
( سورة الليل )
إن صدق بالحسنى تجده يتقي أن يعصي الله ، وإن صدق بالحسنى تجد حياته كلها مبنية على العطاء ، خُلق ليعطي . الحياة الدنيا أساسها العمل أما الحياة الأخروية فمبنية على التكريم :
أخواننا الكرام ، أنت حينما تؤمن أن قيمتك في الحياة الدنيا فيما تعطي لا فيما تأخذ ، لكن الإنسان الغافل الشارد يبني مجده على ما أخذ لا على ما أعطى ، حصلت كذا وكذا ، ثروتي كذا وكذا ، حجمي المالي كذا وكذا ، بإمكاني أن أفعل كذا وكذا ، فقيمة الإنسان من منظور الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ، قيمة الإنسان فيما يعطي ، لذلك ترى المؤمن يسعد إذا أسعد الآخرين ، يسعد إذا قدم خدمات للآخرين ، يسعد إذا اعتنى بعباد الله أجمعين ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾
فلما كذب بلقاء الله ، فلما كفر بالحسنى استغنى عن طاعة الله . ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾
( سورة الليل )
هو الأصل إما أن تؤمن بالحسنى أي الجنة ، أنك مخلوق لها ، وإما أن تكذب بالحسنى ، وتؤمن بالدنيا فقط ، وقد لا ننتبه بأن الحياة التي نعيشها نحن نسميها اقتباساً من القرآن الكريم حياةً دنيا ، معنى دنيا أي منخفضة ، ولا نعبأ بالحياة التي تقابلها ، وهي العليا الحياة العليا ، الحياة الأخروية مبنية على التكريم . ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا(35)﴾
( سورة ق الآية : 35 )
أساسها التكريم ، والحياة الدنيا أساسها العمل . ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
( سورة الانشقاق )
إن كان العطاء يسعدك فأنت من أهل الآخرة وإن كان الأخذ يسعدك فأنت من أهل الدنيا :
الحياة الدنيا أرادها الله أن تكون حياة عمل ، حياة تجربة ، حياة ابتلاء ، حياة امتحان ، حياة غرائز ، ومعك منهج ، والمنهج يحول بينك وبين أن تلبي هذه الغرائز ، فهناك صراع ، ومجاهدة ، وتكليف ، أشياء ذات كلفة ، فالحياة الدنيا أساسها بذل الجهد ، والأوامر تكليفية ، أي ذات كلفة ، والحياة الأخرى أساسها الإكرام . ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾
( سورة الحاقة )
وقال : ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾
( سورة ق )
لذلك أيها الأخوة ، أنت حينما تؤمن بالحسنى أي بالحياة الآخرة ، أي أنك مخلوق للآخرة ، تتقي أن تعصي الله ، بل وتبني حركتك اليومية على العطاء ، يسعدك أن تعطي ؛ أن تعطي من مالك ، من وقتك ، من جهدك ، من خبرتك ، من علمك ، من كل شيء تملكه ، تعطي وتسعد بالعطاء ، ودقق : إن كان العطاء يسعدك فأنت من أهل الآخرة ، وإن كان الأخذ يسعدك فأنت من أهل الدنيا .
إذاً لأنه صدق بالحسنى اتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، أما إن صدق بالدنيا وكذب بالحسنى استغنى عن طاعة الله ، ليس هناك داعٍ ، كذب بالحسنى ، يبنى على تكذيبه بالحسنى أنه بخل واستغنى ، بنى حياته على الأخذ ، وشهد الله أيها الأخوة أن هؤلاء البشر على كثرتهم ـ ستة مليارات ـ وعلى تنوع انتماءاتهم ، وألوانهم ، وأجناسهم ، ومذاهبهم ، ونحلهم ، وطوائفهم ، واتجاهاتهم ، وأطيافهم كما يقال الآن ، وكل التقسيمات الأرضية هي تقسيمات لا معنى لها ، التقسيم الإلهي قسمان ﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
ولن تجد نموذجاً ثالثاً ، من أي إقليم ، من أي بلد ، في أي عصر ، في أي مصر ، في أي عنصر ، من أي لون ، من أي جنس ، من أي عرق ، من أي مذهب ، من أي طائفة ، صدق بالحسنى فاتقى أن يعصي الله وبنى حياته على الخير ، كذب بالحسنى فاستغنى عن طاعة الله وبنى حياته على الأخذ ، فلذلك : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ ﴾
الآخرة ، كذبوا بالدار الآخرة ، كذبوا بجنة عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، لكن متى المشكلة ؟ إنسان قد يستمتع بوهم مريح ، لكن متى المشكلة ؟ حينما يكتشف الحقيقة . البطولة في العاقبة :
لو أن إنساناً يحمل بالتعبير التجاري شيكاً بمليون دولار ووجده مزوّراً ، هو لا يعلم أنه مزور ، هذا الشيك بمليون دولار يعطيه شعوراً بالغنى ، شعوراً بالتفوق ، شعوراً بالسيطرة ، شعوراً بأنه يفعل ما يريد ، يشتري ما يشاء ، لكن متى المصيبة الكبيرة ؟ حينما يكتشف أنه مزور ويزج به في السجن ، هنا المصيبة ، فلذلك البطولة لا أن تضحك أولاً ، أن تضحك آخراً ، من ضحك أولاً ضحك قليلاً وبكى كثيراً ، البطولة في العاقبة ، قال تعالى : ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾
( سورة الأعراف )
(( ألا يا رُبّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رُبّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رُبّ مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رُبّ مهين لنفسه وهو لها مكرم ))
[ أخرجه ابن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]
العاقبة في الدار الآخرة ، من أجمل ما قاله الإمام علي رضي الله عنه : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " ، تقول : إنسان يملك تسعين ملياراً ، بيل غيت صاحب مايكرو سوفت ، وإنسان قيل : يملك عشرة مليارات ، وقيل : يملك أربعة مليارات ، بثوانٍ معدودة أصبح خبراً بعد أن كان بشراً ، أليس كذلك ؟ ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾
( سورة آل عمران )
لا ينفعه بعد الموت إلا أعماله الصالحة ، إذاً ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾
الخسارة التي لا تعوض أن تخسر الآخرة وتخسر لقاء الله عز وجل :
أنت حينما تؤمن بلقاء الله ، دقق : كل حركة بكل دقيقة تربطها بلقاء الله ، الآن سأكذب ، لكن الله حرم عليّ الكذب ، فإذا كذبت لن أكون في مرضاته ، لا يكذب ، إن آمنت بلقاء الله ، أنت لاحظ إنساناً يكتب ، ويعلم أن كل كلمة يتكلمها محاسب عليها وسوف يُسأل ، وسوف يحقق معه ، كلما كتب كلمة يتصور هذه الكلمة تعد مأخذاً عليّ ، هل أحاسب عليها ؟ لأنه آمن بإنسان في الأرض قوي يحاسبه فقط ، الآن انضباط الناس عجيب في الأرض ، ينضبط انضباطاً يفوق حد الخيال ، لأنه إنسان ، إنسان بشر ، لكنه قوي ، وبإمكانه أن يوقع به أذىً شديداً ، إذاً ينضبط ، يطبق الأمر بحذافيره ، يبتعد عن الذي نهي عنه بحذافيره ، هذا مع بشر ، فكيف مع خالق البشر ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾
لكن هذه الخسارة متى تكتشف ؟
محل تجاري له مستودع كبير ، ولهذا المستودع بابان ، والبضاعة إلى السقف ، فالذي سُرِق من باب خلفي لا يستخدم إلا قليلاً ، سرق بضاعة بالملايين ، كشف الأمر بعد حين ، العبرة عند المفاجأة ، عندما يوقن الإنسان أنه كان مخطئاً . ﴿ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾
( سورة القصص )
وقال : ﴿ آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (91)﴾
( سورة يونس )
وقال : ﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾
( سورة الفرقان )
﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾
إذاً الخسارة الحقيقية ، الخسارة التي لا يمكن أن تتلافاها ، هناك خسارات في الدنيا تعوض ، لكن الخسارة التي لا تعوض أن تخسر الآخرة ، أن تخسر لقاء الله عز وجل . المؤمن آمن بساعة اللقاء لذلك حياته كلها متكيفة مع ساعة اللقاء :
قال تعالى : ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾
أخواننا الكرام ، دائماً وأبداً العاقل هو الذي لا يفاجئ ، والأقل عقلاً هو الذي يفاجئ ، والأقل الأقل عقلاً هو الذي يصعق عندما يأتيه خبر غير متوقع ، فهذا الإنسان المؤمن آمن بساعة اللقاء فكل حياته متكيفة مع ساعة اللقاء ، كالطالب تماماً لحظة الامتحان لن تغادر ذهنه إطلاقاً ، فإذا جاءه صديق فهو أمام خيارين ، إما أن يستقبله وأن يرحب به وأن يمضي معه ساعاتٍ وساعات ، والصديق غير مكلف بامتحان ، أو أن يعتذر منه ، كلما رأى أنه سيضع وقتاً يعتذر ، لأن ساعة الامتحان لن تغادر ذهنه إطلاقاً .
أحد الطلاب الأوائل في الشهادة الثانوية أجرى معه بعض الصحفيين حواراً ، سأله : إلامَ تعزو نيلك الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية ؟ فأجابه إجابة رائعة ، قال : لأن لحظة الامتحان لم تكن تغادر ذهني ولا لثانية بالعام كله ، لحظة الامتحان لم تكن تغادر ذهنه ولا ثانية في العام كله ، والمؤمن كذلك ، سوف ألقى الله ، هل في هذا العمل ما يغضب الله ، هل في هذا الأخذ ما يغضب الله ، هل في هذا العطاء ما يغضب الله ؟ هل في هذه الصلة ما يغضب الله ؟ هل في هذه القطيعة ؟ هل في هذه المودة ما يغضب الله ؟ ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (22)﴾
( سورة المجادلة الآية : 22 )
مودته محسوبة ، وابتسامته محسوبة ، وصلته محسوبة ، وقطيعته محسوبة ، وبره محسوب ، ومنعه محسوب ، كل هذه التفاصيل تنطلق من أنه سوف يلقى الله ، وسوف يسأله عن هذا العمل . ابدأ من النهاية فالبدء من النهاية يجعلك تنضبط وفق منهج الله :
أيها الأخوة ، اُسأل كثيراً أسئلة متعلقة بالحياة اليومية ، والتجارة ، والبيع ، والشراء ، والموظفون يسألونني حول تطبيق النظام ، وقد يكون هناك من يتأذى بسجن ، أو بضبط كبير ، فماذا أجيبهم ؟ أقول له : هيئ جواباً لله عز وجل ولا تعبأ بأحد ، بطولتك لا أن تهيئ جواباً لمن كان أعلى منك من بني جلدتك ، ينبغي أن تهيئ جواباً لله عز وجل ، والله يعلم كل شيء .
إذاً العاقل لا يفاجئ بشيء ، العاقل لا يفاجئ لأنه بدأ من النهاية ، وفي البرمجة العصبية اللغوية قاعدة رائعة ابدأ من النهاية ، النهاية الموت ، ابدأ من الموت ، فأي عمل حينما تلقى الله لا تستحي به فافعله ، وأي عمل حينما تلقى الله تستحي به لا تفعله ، لذلك ورد في بعض الأحاديث :
(( إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ ))
[ رواه البخاري عن أبي مسعود البدري ]
إن لم تستحِ من الله ، ابدأ من النهاية ، النهاية هو الموت ، والموت تراه كل يوم ، الأغنياء يموتون ، والأقوياء يموتون ، والفقراء يموتون ، والضعفاء يموتون ، والأصحاء يموتون ، والمرضى يموتون ، ابدأ من النهاية فالبدء من النهاية يجعلك تنضبط وفق منهج الله.
أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام دعانا كثيراً إلى تذكر الموت : (( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّاتِ ))
[ رواه الحسين بن حريث عن أبي هريرة ]
مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات .(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي في الألقاب عن سهل بن سعد ؛عن جابر ٍ]
كل إنسان حينما يأتيه الموت يؤمن بكل ما جاء به الأنبياء فالقضية قضية وقت :
فرعون آمن ، لكن بعد فوات الأوان ، ويجب أن تعلموا علم اليقين أننا جميعاً ، وأن كل البشر ، وأن كل الكفار ، وأن كل الملحدين ، وأن كل الوثنيين ، وأن كل إنسان على وجه الأرض حينما يأتيه الموت يؤمن بكل ما جاء به الأنبياء ، فالقضية قضية وقت ، إما أن تؤمن اليوم ، أو أن يؤمن الإنسان عند فراق الدنيا : ﴿ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾
لذلك قال تعالى : ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾
( سورة التكاثر )
أنت في نعمة الأمن ، ماذا فعلت في هذه النعمة ؟ أنت في نعمة الكفاية ، أنت في نعمة الصحة ، أنت في نعمة الفراغ .(( اغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))
[ رواه الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس ]
﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾
الآية الكريمة أيها الأخوة : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
( سورة المؤمنون )
وقال :
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
( سورة القيامة )
الإنسان لم يخلق عبثاً بل سيحاسب على كل ذرة :
تدخل جامعة والأقساط بمئات الألوف ، قاعات المحاضرات ، والمكتبات ، والمهاجع ، والمطاعم ، ولا يوجد امتحان آخر السنة ؟! كل هذا العطاء بلا امتحان ؟! يكفي أن تقول : يرجى منحي الدكتوراه ، هل تمنح ؟ هل في الأرض جامعة تفعل هكذا ؟ لذلك أن يُخلق الإنسان عبثاً هذا من سابع المستحيلات ، وأن يُخلق سدى هذا من سابع المستحيلات . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
عند بعض العلماء أيها الأخوة أنه ما من قطرة دم تراق إلا ويحملها إنسان ، إلا دم الذي يموت بحد شرعي يتحمله الله جل جلاله ، أما أن تقتل مئة شخص بقصف ، بعد هذا تقول : كان هذا خطأ في المعلومات ، هؤلاء الذين ماتوا سوف يتحمل الذين أخطؤوا في تصويب الأهداف دمائهم كلها : ﴿ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾
أحيانا يرتكب الإنسان خطأ ماليّاً وعليه حجز ، وعليه محاكمات ، وعليه سجن ، يقول لك : لا أنام الليل ، فكيف إذا كان الخطأ مع خالق الأكوان ، وتعلقت بهذا الخطأ حقوق ، كيف إذا كنت ظالماً بنيت مجدك على أنقاض الناس ، كيف إذا بنيت غناك على فقرهم ، ﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾
أحيانا الإنسان يتكلم كلمة ويندم عليها أشد الندم ، ولا يعلم إذا ما كان سيحاسب عليها أو لا يحاسب ، لا ينام الليل ، هي كلمة ، يحمل أوزارها ، أحياناً هناك فقر ، هناك قهر، هناك أمراض نفسية ، هناك تحول نساء للدعارة ، هناك انهيار بيوت ، هناك شقاق زوجي ، هناك عقوق والدين ، كله بسبب الفقر أحياناً ، فهذا الذي يبني ثروته على أنقاض الناس ، يستمتع بالمال الوفير ويشقى الناس بالحرمان الشديد هل هذا ينجو من عذاب الله ؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام حينما سأله أحد الأعراب ، وهو رجل جاء ليتعلم ، فانتهى إلى قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنِ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
فقال : يكفني هذا وانصرف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(( انصرف الرجل وهو فقيه ))
[أبو داوود والنسائي وابن حيان والحاكم عن عبد الله بن عمر ]
مثقال ذرة ، كله محسوب . الذنوب أنواع :
أيها الأخوة : ﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾
أي أن هذا الحمل الثقيل الذي حملوه بأخطائهم ، وذنوبهم ، ومعاصيهم سوف يسوءهم ، بالمناسبة المخالفات التي هي حق لله عز وجل يسهل مغفرتها ، أما المخالفات التي هي من حقوق العباد فيصعب أن تغفر إلا أن تؤدى ، أو أن الذي ظلمته يسامحك ، حقوق العباد مبنية على المشاححة ولا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة ، بينما حقوق الله مبنية على المغفرة ، فذنب يُغفر وهو ما كان بينك وبين الله ، وذنب لا يُغفر وهو الشرك بالله ، وذنب لا يترك يُغفر إذا أديته أو سامحك الذي له حق عليك . أيها الأخوة ، يقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا ﴾
هذا أسلوب في القصر والحصر ، يعني الحياة الدنيا لهو ولعب فقط ، ولا شيء غير ذلك ، ما هو اللعب ؟ يذهب الإنسان إلى الثلج ، يضع على مركبته شكل دمية من الثلج ، وهو يضع الثلج على شكل دمية ، ألا يعلم علم اليقين أن هذه سوف تنقض بعد حين ؟ هذا هو اللعب ، يعني عمل عابث ، عمل سوف ينقض ، بناء سوف ينقض ، أحياناً يصنعون على شاطئ البحر من الرمل أشخاصاً ، أحياناً كل عمل في الدنيا بلا هدف متعلق بالآخرة لا قيمة له إطلاقاً ، هذا اللعب ، يعني عمل عابث .
أيها الأخوة ، بادئ ذي بدء يجب أن نُعرِّف اللعب ، نحن أحياناً نبني جامعة ، هذه الجامعة بنيت لتبقى ، وأهداف نبيلة وراء بنائها في أن نخرج قادة للأمة ، علماء ، أطباء ، أدباء ، مربين ، فأحياناً نبني بناءاً ليبقى ، وأحياناً يقام سيرك مثلاً ، هذا البناء مؤقت ، خيمة ، بعد حين يتحول لبناء آخر ، فأن تبني ثم أن تهدم في هذا لعب ، أوضح مثل دمية الثلج ، أو دمية الرمل ، بنيت لتنقض ، لعب يعني عمل غير هادف ، أدق كلام عمل بلا هدف يعني عبث . المفهوم الحقيقي للعب :
الآن طفل صغير يشتري سيارة صغيرة ، يحركها على قطع الأثاث ، يرافقها صوت ، وهو منغمس في لذة ما بعدها لذة ، لكن أباه يراه أنه يلعب ، وهذا نوع من اللعب ، أما حينما يكبر ويصبح شخصاً مهمّاً ، وتقدم له صوره عندما كان صغيراً ، كيف كان يحرص على هذه اللعبة ؟ وكيف كان يقاتل أخاه من أجلها ؟ وكيف كان يبكي والدموع تنهمر إذا أخذت منه ؟ وهو في مركز كبير يضحك ويقول : هذا لعب ، تعريف اللعب أنه عمل بلا هدف ، تعريف اللعب أنه ينتهي بنقيضه ، تعريف اللعب أنك تراه صغيراً حينما تتجاوزه .
الآن لو وسعت الموضوع : الدنيا كلها لعب ، بالنهاية هناك موت فالقوي يموت ، والضعيف يموت ، نحمل شهادات ، نطبع بطاقات نُعرِّف بأنفسنا ، نبني بيتاً فخماً ، جاءنا زائر نريه البيت ، غرف البيت ، مرافق البيت ، ألَّفت كتاباً تطلع الناس عليه ، هناك حركة لكن كلها تنتهي عند الموت ، لو ابتعدنا عن الآخرة ، تصور دنيا بلا آخرة لعب بلعب ، ميزات ، فكلما اطلع على آلة يقول لك : هذه فيها ذاكرة ، هذه تقف حينما لا تستعملها آلياً ، فكل إنسان عنده آلة أو عدة آلات ، ويتحدث عن الخصائص حديث ممتع ، لكن في النهاية هذا الذي اشتراه ينساه ، ثم يمله ، المعنى الصغير في اللعب عمل الأطفال ، أو عمل الكبار عند العبث واللهو ، أما اللعب بالمفهوم الحقيقي الدنيا كلها لعب ، حينما تحذف الآخرة ، وتحذف الإيمان بالله ، وتحذف الحياة الأبدية ، وتلغي الجنة والنار ، الحياة الدنيا من دون فكر إيماني ، من دون هدف كبير ، لعبٌ ولعب .
وصلنا إلى القمر ـ خيراً إن شاء الله ـ وكلفت الرحلة خمسة و عشرين مليار دولار ، واضطربت ميزانيات معظم الدول ، لأنه استطاع إنسان أن يضع قدمه على سطح القمر ، وضع العلم الفلاني ، ركز هذا العلم على تراب القمر ، هؤلاء المعذبون في الأرض ماذا استفادوا ؟ هؤلاء الفقراء ، هؤلاء المرضى ، هؤلاء الشعوب الجائعة ، ماذا استفادت من أن يطأ الإنسان القمر برجله ؟ نوع من اللعب أيضاً ، لكن اللعب مكلف ، لعب كلّف أرقاماً فلكية، يقول لك رحلة إلى القمر ، الآن يُفكر برحلات سياحية للقمر ، مبالغ فلكية ، لعب ، وإذا ذهبت إلى القمر فهو لا يصلح للحياة ، بذلة الرائد كلفت 17 مليوناً لأنه ليس في القمر هواء ، وإذا لم يكن فيه هواء فليس فيه أمواج صوتية ، تحتاج إلى أجهزة بث ، وأجهزة استماع ، وبذلات لكن لعب بلعب ، أنا لا أقلّل من قيمة الكشف العلمي إطلاقاً ، أما في النهاية أنا حينما أعيش بلا هدف عملي لعب بلعب ، يعني حركة كبيرة جداً ومظاهر ، لكن لا تنتهي بإسعاد الإنسان . في النهاية الحياة لعب بلعب فيها أشياء ومبالغات تفوق حدّ الخيال :
أنت أحياناً يمكن أن تطوف حول الأرض في ساعة واحدة ، طائرة أسرع من الصوت ، يقول : من بيتك إلى المطار ساعة ، وحول الأرض ساعة ، ومن المطار إلى بيتك ساعة ، قطعت المسافات بزمن قياسي ، حسناً ما النتيجة ؟ ما الذي حصل ؟ تقدم تقني كبير جداً ، اتصالات ، فضائيات ، إنترنيت ، كمبيوتر ، حواسيب ، آلات تصوير رقمية ، أجهزة تفوق حد الخيال .
أنا كنت في بلد الثلاجة ؛ كل مكان فيها فيه حساس الكتروني ، فأنا سآتي بمثل واحد ، طبعاً مكان للفواكه ، مكان للأجبان ، مكان للحوم ، مكان للعصير ، مكان للبيض ، سنأخذ مثلاً البيض ، هذه الثلاجة فيها تلفزيون ، وفيها إنترنيت ، يمكن للسيدة أن تتابع برنامجاً تلفزيونيّاً في أثناء الطبخ ، فلو أن حساسات مكان البيض أشارت إلى أنه استهلك ثلاثاً الثلاجة تخبر السوبر ماركت وتدفع ثمن البضاعة من بطاقة صاحب البيت ، ويطرق الباب ، وتأتي البضاعة ، وأنت لا تشعر ، خدمات أصبحت إلى هذا المستوى ، وبعد هذا ؟ إذا أنت اشتريت ، ماذا حصل ؟ لعب ، وثمن الثلاجة ثمن فلكي كبير جداً ، لأن كل نواقص الثلاجة يتم باتصال عن طريق الإنترنيت ، عن طريق الثلاجة نفسها ، ويعطى رقم بطاقة صاحب البيت ، وتأتي البضاعة إلى البيت بحسب النقص التي شعرت به الحساسات الالكترونية ، أليس هذا لعباً ؟
يمكن أن تجلس على كرسي يقدم لك دلكاً آلياً ، خيراً إن شاء الله ، ويمكن أن تستحم بحمام يعطيك ماء بقوة شديدة ، قال : هذا دلكٌ أيضاً ، في النهاية الحياة لعب بلعب ، فيها أشياء ومبالغات تفوق حد الخيال .
عندما قال الله : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ ﴾
مرة ثانية عمل غير هادف ، عابث ، عمل ينتهي بنقيضه .
هذه الناقة من أجل السباق ، الجِمال التي تعد للسباق في دول الخليج لا تأكل إلا الفستق الحلبي ، والعسل ، والكاجو ، وجبة الجمل الواحدة تطعم أهل قرية ، فلان سبق ، ماذا حصل ؟! تجد الشيء العجيب ، الدنيا كلها هكذا ، كرة القدم لعب أليس كذلك ؟ سباق الخيول ، سباق السيارات ، صعود الجبال ، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ ﴾
الفرق بين اللهو واللعب :
اللهو : هنا السؤال ، اللهو أخطر من اللعب ، اللعب عمل عابث ، أما اللهو عمل عابث يضاف إليه أنه يصرفك عن واجب أساسي .
طالب في الصيف تعلم شيئاً عابثاً ، لعب الشطرنج فرضاً ، أذهب ثماني ساعات، لكن لعب الشطرنج في الشتاء وعنده فحص بكالوريا ، هذا لعب مضاف إليه اللهو ، اشتغل بالخسيس عن النفيس .
إله عظيم خالق الأكوان يصف لك الدنيا وصفاً جامعاً ، مانعاً ، بليغاً ، قاطعاً ، قال لك : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾
عمل غير هادف ينتهي بنقيضه تحتقره بعد حين ، إما أن يكون عمل الصغار هكذا ، والأصح من ذلك أن عمل الكبار هكذا أيضاً : ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
أما الدنيا مع الإيمان فليست لعباً ، تطلب العلم ، تعمل الصالحات كي يرضى الله عنك ، الحقيقة أن الدنيا مع الإيمان رائعة ، وقتك ثمين لا تنفقه إلا بالطاعة ، في طلب علم ، في أمر بالمعروف ، في نهي عن المنكر ، في خدمة ، في تخفيف الأعباء عن الناس ، في حل مشكلات ، فكل هذه الأعمال من أجل أن يرضى الله عنك والسعادة من عند الله تأتي ، فإذاً العمل العابث هو الدنيا من دون إيمان ، الآن مثلاً :
طالب طب يريد أربعة أشياء ، يريد سيارة ، وعيادة ، وعروساً ، وعيّاناً ، أي مريضاً ، يريد مريضاً يعطيه أجره ، وعروساً ، وسيارة ، وعيادة ، صار طبيباً لامعاً ، وأمّن بيتاً ، ومركبة ، وعروساً ، ثم ماذا ؟ الموت بعد هذا ، لو كنت أغنى أغنياء الأرض ثم ماذا ؟ الموت ، لو كنت أقوى إنسان ثم ماذا ؟ الموت .
طائرة كبيرة جداً ، غرفة نوم ، وغرفة جلوس ، ويخت في البحر لقضاء إجازة بكاملها ، وأرقام تفوق حد الخيال ، وبيت يفوق في مساحته حد الخيال ، والإنسان في ثانية صار خبراً بعد أن كان شخصاً مهماً جداً ، هذه الحياة لعب ولهو ، فاللعب عمل عابث بلا هدف ، ينتهي بنقيضه ، تستصغره بعد حين ، أما اللهو فهو عمل عابث بلا هدف ، ينتهي بنقيضه تستصغره بعد حين ولكنه يشغلك عن عمل جليل ، فالذي يلهو بالخسيس عن النفيس يعد من أكبر الخاسرين ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾
إيمانك باليوم الآخر وانسجامك معه يقلب الدنيا من لعب ولهو إلى عمل جاد مثمر ونافع :
طبعاً أنا حينما أذكر هذه الأمثلة لا أقصد إنساناً إطلاقاً ، قد يكون الإنسان محسن وله أعمال طيبة ، أنا أقصد أن الحياة تنتهي بالموت ، والموت نصيب كل إنسان من دون استثناء : ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
نحن خُلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ، فإذا جئت إلى الدنيا وكان في ذاكرتك هذه الجنة فكل أعمالك ليست لعباً ولا لهواً ، إنما هي أعمال هادفة جادة .
إذاً ما الذي يلغي أن تكون الدنيا لعباً ولهواً ؟ أن تؤمن بالله ، فإذا آمنت بالله عز وجل أصبحت الدنيا ثمينة جداً ، لأنها مزرعة الآخرة ، ولأن كل أعمالك فيها أعمال صالحة تستحق من الله الثواب والجزاء ، ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾
الأبدية ، ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
معنى ذلك العقل يأمرك أن تسعى للآخرة ، وما من ركنين من أركان الإيمان قرنا معاً كالإيمان بالله واليوم الآخر ، فلذلك : إيمانك باليوم الآخر وانسجامك مع اليوم الآخر يقلب الدنيا من لعب ولهو إلى عمل جاد مثمر ونافع ، هذا هو الفرق ، الغرب يتمتع بالحياة بشكل مخيف ، ومع ذلك يأتي الموت فينهي كل شيء ،

العفريني
09-22-2011, 05:35 PM
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾
أيها الأخوة الكرام ، تحدثت في درسٍ سابق عن حقيقة اللعب وعن حقيقة اللهو ، وبينت أن العمل العابث الذي لا جدوى منه في المستقبل ، والذي ينطوي على نقيضه في الدنيا هو لعب ، والمثل الواضح : حينما تذهب إلى الثلج ، الأطفال يصنعون دمية من الثلج ، هذه يصنعونها ، ويعتنون بشكل وجهها ، لكن بعد حين إما أن تذوب ، وإما أن تنهار ، كذلك على شاطئ البحر ، هذا أوضح مثل للعب ، عمل لا جدوى منه في المستقبل ليس له أثر مستقبلي ، ينطوي على نقيضه ، وحينما تبتعد عنه يصغر في عينيك .
ضربت مثلاً آخر ، طفل أحياناً يلهو بمركبة صغيرة ، يمررها على الأثاث ، ويحدث صوت مع تمريرها ، وكأنها محرك ، فإذا أُخِذت منه بكى بكاءً شديداً ، فإذا صورناه بهذه الحالة ، فلما أصبح راشداً ، وله مقام في المجتمع ، وأريناه هذه الصور يستصغر عقله حينما كان في هذه السن .
لكن لو تعمقنا أكثر لوجدنا أن الدنيا كلها لعب ، ماذا يجدي سباق السيارات أحياناً؟ ماذا يجدي سباق الهجن ؟ سباق الخيل ؟ إلا إذا كان موظفاً لهدف نبيل ومروءة ، أما لمجرد السباق ، ماذا يجدي أن يهيج الناس من أجل إدخال كرة في مرمى ؟ ماذا يجدي أن يصعد الإنسان إلى القمر وشعوب تموت من الجوع في أطراف الأرض ؟ لذلك لو تعمقنا أكثر لوجدنا أن كل عمل ولو بدا عظيماً إن لم يكن موظفاً للسعادة الأبدية فهو لعب .
حينما يؤمن الإنسان بالآخرة إيماناً حقيقياً كل حركاته وسكناته في الدنيا مرتبطة بذاك الهدف :
متاحف في أوربة فيها تماثيل من صنع فنانين كبار ، شيء لا يصدق في أبهائها ، وتماثيلها ، يأتي السائح فيؤخذ بهذه التماثيل ، ماذا فعلنا ؟ أيّ عمل لا يوظف للسعادة الأبدية فهو لعب ، أي عمل لا يوظف للدار الآخرة فهو لعب ، الدليل : ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص الآية : 77 )
لكن أيها الأخوة ، أنا مضطر أن أوضح ؛ أحياناً الأب إذا أخذ أولاده إلى نزهة بعد مدة طويلة من الدراسة المضنية ، وملأ قلوبهم بالفرح ، وآنسهم ، ومتن علاقتهم به ، وأكرمهم فهذا عمل متعلق بالآخرة ، ليس لعباً ، أنت حينما ترتدي ثياباً أنيقة لأنك مسلم وتمثل هذا الدين ، ثيابك نظيفة ، تعتني بهندامك ، هذا ليس لعباً لأن له أثراً في مكانة المسلم ، أنت حينما ترتب محلك التجاري ، لأن اسمك مسلم ، فإذا كان في المحل فوضى ، وغبار ، وأشياء لا لزوم لها تؤخذ عنك فكرة سيئة ، فأنت حينما تعتني بمحلك التجاري ، وببيتك ، وبهندامك ، وحينما تمتّن علاقتك بأهلك وبأولادك هذا ليس من اللعب ، هذا من عمل الآخرة .
لذلك أنت حينما تؤمن إيماناً حقيقياً ، وحينما تؤمن بالآخرة إيماناً حقيقياً ، كل حركاتك وسكناتك في الدنيا مرتبطة بذاك الهدف .
أبين هذا بمثلٍ : إنسان ذهب إلى بلد غربي لينال دكتوراه ، ويعلق أهمية لا حدود لها على هذه الشهادة ، في عودته إلى بلده يحمل هذه الشهادة العليا ، وفي زواجه ، وفي شراء بيته ، الهدف الأول في هذا البلد نيل الدكتوراه ، علة وجوده في هذا البلد نيل الدكتوراه ، الآن عنده حركة يومية ، كل تصرفاته الجزئية مربوطة بهذا البلد ، الآن أراد أن يستأجر بيتاً ، يفكر ، يجب أن يختار موقعاً قريباً من الجامعة لأن هدفه نيل الدكتوراه ، ويجب أن يكون الوقت المستهلك في الانتقال للجامعة قصيراً ، أراد أن يقتني مجلة ، يختارها متعلقة باختصاصه ، أراد أن يصاحب صديقاً ، يختاره متقناً للغة حتى يتعلم منه المحادثة ، يختار أن يأكل ، يختار أكلة خفيفة تعينه على الدراسة ، والحديث طويل ، كل حركاته وسكناته في هذا البلد مربوطة بهدف كبير . هكذا المؤمن لأنه آمن بالله ، واختار الدار الآخرة . لا تصح حركتك في الدنيا إلا إذا عرفت سرّ وجودك فيها :
الآية تقول : ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
يمكن أن نجري مسابقات علمية وعسكرية فقط لأنها تدعم أهدافَ الأمة ، كي يكون المقاتل قويّاً يحتاج إلى تدريبات ، نقيم مسابقات ، أما المسابقات لاختيار أفضل مغنية مثلاً فهذا لعب ، لا علاقة له بالدار الآخرة .
أنت حينما تعرف الهدف تكون جميع الوسائل في خدمة الهدف ، وتأخذ قيمة الهدف مادام الهدف نبيلاً ، هذه الوسائل المؤدية إلى هذا الهدف تأخذ قيمة الهدف . ﴿ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾
( سورة التوبة : الآية : 120 )
اللعب حركة فيها نقيضها ، ولا هدف لها ، ولا أثراً مستقبلياً لها ، وتنتهي بانتهائها ، وتستصغرها بعد حين ، هذا هو اللعب ، أما اللهو فأخطر من اللعب . لو أن طالب أقام في العطلة الصيفية أشياء مؤقتة كي يستمتع بها ، لكن لو أنه انشغل بهذه اللعب والفحص على الأبواب ، نقول : هذا فضلاً على أنه لعب فهو لهو لأنه صرفه عن هدف نبيل بشيء خسيس ، حينما تنصرف بالشيء الخسيس عن الشيء النبيل فهذا لهو . ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (9)﴾
( سورة المنافقون الآية : 9 )
القصة كلها أن تعرف سر وجودك وغاية وجودك ، ولا تصح حركتك في الحياة إلا إذا عرفت سر وجودك ، وغاية وجودك ، كالذي ذهب إلى مدينة في الغرب ، ونام في الفندق أول ليلة ، واستيقظ وسأل : أين أذهب ؟ نسأله نحن : لماذا جئت أنت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، فلا تصح حركتك في هذا البلد إلا إذا عرفت الهدف من وجودك فيه ، كما أنه لا تصح حركتك في الدنيا إلا إذا عرفت سر وجودك فيها ، لماذا أنت في الدنيا ؟ العبادة علة وجودنا :
قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات )
العبادة علة وجودنا ، الآن يُبنى على هذه الحقيقة الدقيقة الحركة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾
( سورة النساء )
المكان الذي يحول بينك وبين عبادة الله التي هي سر وجودك ينبغي أن تغادره ، وإلا كان المصير إلى النار .
أيها الأخوة الكرام ، المشكلة أن الإنسان حينما يسافر يجد حياة مريحة جداً ، يجد جَمالاً أخّاذاً ، حاجات متوفرة بشكل لا يصدق ، كل شيء مُيسر ، إلا أن الشيء الذي لا يُحتمَل أنك لا تستطيع أن تضبط من حولك في هذه البلاد ، فحينما تخسر أولادك تخسر كل شيء ولم تربح شيئاً ، فالمكان الذي يمنعك أن تعبد الله ينبغي أن تغادره ، والمكان الذي يغري أولادك أن يعصوا الله ينبغي أن تغادره ، لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً (6)﴾
( سورة التحريم الآية : 6 )
المكان الذي يحول بينك وبين أن يكون أولادك في طاعة الله ينبغي أن تغادره :
البنت التي وُئِدت في الجاهلية تُسأل : ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾
( سورة التكوير )
لكن الله يقول : ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (191)﴾
( سورة البقرة الآية : 191 )
أما التي تنشأ في بلد متفلت ، ولها صاحب ، ولا يستطيع الأب أن يعنفها بحسب القوانين النافذة فهذه موءودة ، والله الذي لا إله إلا هو أخ كريم جاء من بلد بعيد ، وحدثني عن صديق له سمة إسلامية ، قال له : ماذا أفعل ؟ ابنتي فوق في غرفتها ومعها صديقها ولا أستطيع أن أفعل شيئاً ، إن عنّفتها وقّعت تعهداً في مركز الشرطة ألاّ أعود إلى ذلك لأنه سلوك غير حضاري ، هذا الصديق الذي خلا بابنته جاء بدعوة من ابنته ، أنت إنسان غير حضاري . إذاً المكان الذي يحول بينك وبين أن يكون أولادك في طاعة الله أيضاً ينبغي أن تغادره ، ومعنى : ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ (97)﴾
( سورة النساء الآية : 97 )
إما ضعف قمعي وإما ضعف نفسي ، قد يضعف الإنسان أمام الشهوات ، فهو في هذا المكان مستضعف ، وقد يضعف أمام قوة قاهرة . ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ (97)﴾
( سورة النساء الآية : 97 )
العقل أن تبدأ من النهاية أي الموت :
لذلك أكبر شيء مهم في الدين أن تعرف لماذا أنت في الدنيا ؟ وما حقيقة الكون ؟ وما حقيقة الحياة الدنيا ؟ وما حقيقة الإنسان ، من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ من هنا يكون المؤمن عاقلاً ، لأنه عرف سر وجوده وغاية وجوده ، وتكيف مع أخطر حدث في حياته ألا وهو الموت : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾
هناك كتب كثيرة ، من هذه الكتب كتاب قصص العرب ، من أربعة أجزاء ، والحقيقة أنه ممتع جداً ، لكن هناك موعظة أن الأقوياء في هذا الكتاب ماتوا ، وأن الضعفاء ماتوا ، وأن الأذكياء ماتوا ، وأن المغفلين ماتوا ، وأن أصحاب الوسامة ماتوا ، وأن أصحاب الدمامة ماتوا ، وأن كل مخلوق في هذا الكتاب تحت أطباق الثرى ، وهذا المجلس بعد مئة عام لا يبقى فيه واحد منا موجوداً ، بين مقبرة الشيخ محي الدين والباب الصغير ، كلنا ، هذه مقابر دمشق وفيها شواهد ، وإذا نزل واحد فوقنا يجدون جمجمة وعظمتين ، أليس كذلك ؟
هذا الكلام الواقعي ، فماذا أعددنا لهذه الساعة التي لا بد منها ؟ هذا هو العقل ، ابدأ من النهاية .
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾
الفرق الشاسع بين الدنيا والآخرة :
بربكم مثل بسيط جداً ذكرته كثيراً : لو خيّروك بين أن تركب مركبة فاخرة ربع ساعة ، وبين أن تعطى دراجة نارية لك طوال الحياة ، ماذا تختار ؟ الدراجة ، هذه مدى الحياة ، وهذه مؤقتة ، حسناً لو كان الاختيار بين أن تركب هذه المركبة ربع ساعة أو أن تركب هذه الدراجة ربع ساعة ؟ تختار المركبة ، أما إذا خيّروك أن تركب هذه الدراجة ربع ساعة ، وأن تقتني هذه المركبة الفارهة مدى الحياة هل تتردد ثانية ؟ هذه الدنيا والآخرة . ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
( سورة الضحى )
وقال : ﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾
( سورة الأعلى )
هل يوجد أوضح من هذا ؟ ﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾
(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ :
﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾))
[ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ]
ليس في الجنة أمراض ، ولا متاعب ، ولا اغتيالات ، ولا هموم ، ولا فقر ، ولا قلق ، ولا تهديد ، أما في الدنيا فالأمراض والمتاعب لا تنتهي . ﴿ وَمَا لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾
( سورة ق )
(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
أدلة من القرآن والسُّنة تبين أن الدنيا إذا قيست بالأبد فهي لاشيء :
هذه الحياة الأبدية إلى ما شاء الله ، أكبر رقم في الدنيا إذا قيس بالأبد فهو صفر ، يمكن أن تعيش خمسة آلاف مليون سنة ، ممكن ، لأنَّ كل ما سوى الله ممكن ، الله عز وجل واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود ، ممكن أن تعيش خمسة مليارات سنة ، ممكن أن تعيش خمسة آلاف مليون مليار سنة ، لكن قيمة هذه الدنيا كلها إزاء الآخرة صفر ، أي أخ درس الرياضيات من بديهيات الرياضيات أن أكبر رقم أنا عبرت عنه بواحد في الأرض ، وأصفار إلى الشمس ، 156 مليون كم ، لا كل من الكيلومترات أصفاراً ، كل ميليمتر صفر ، واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس ، اسألوا علماء الرياضيات ، كل ميليمتر صفر ، 156 كم من الأصفار ، هذا الرقم ضعه صورة وضع في المخرج 8 ، القيمة صفر ، لذلك : ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26)﴾
( سورة الدخان )
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ]
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾
ما الحياة الدنيا إلا تفاخر ولعب ولهو وزينة :
لذلك هذا كلام لكل الأخوة الكرام : (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[ أخرجه الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
دخل صحابي على رسول الله e ، وهو من أفقر الصحابة ، فالنبي e هشّ له وبشّ ، قال : (( أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل ، قال : أو مثلي ؟ قال نعم يا أخي ، خامل في الأرض علم في السماء ))
[ ورد في الأثر]
لذلك : (( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
الحياة الدنيا تعريفها لعب ولهو ، وفي آية وزينة : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20)﴾
( سورة الحديد الآية : 20 )
تفاخر ، تكاثر ، زينة ، لعب ، لهو ، إذا قال الله : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا ﴾
يعني أن في الآية حصراً وقصراً ، وليست غير ذلك ، لذلك ورد في بعض الأحاديث : (( خذ ما تشاء من الدنيا ، وخذ بقدره هماً ))
[الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
(( من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر ))
[البزار من حديث أنس وضعفه ابن حبان ]
الله عز وجل يواسي سيدنا محمد في الآية التالية على تكذيب الكفار له :
قال تعالى : ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)﴾
هو الرسول ، سيد الخلق وحبيب الحق ، من شدة كماله ورحمته بالخلق فهو أرحم الخَلق بالخَلق ، فحينما يُكذَّب يتألم أشد الألم ، فالله سبحانه وتعالى يواسيه :
﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
إذاً الإنسان مخيّر ، فإذا صدّق الحق واتبعه كسب الدنيا والآخرة ، وإذا كذّب الحق ولم يتبعه خسر الدنيا والآخرة ، وطريق الإيمان بالله آياته الدالة على عظمته ، والدليل : ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
والآيات العلامات ، هناك آيات كونية دالة على عظمة الله ، وهناك آيات تكوينية ـ أي أفعاله ـ دالة على عظمة الله ، وهناك آيات قرآنية ـ أي كلامه ـ دالة على عظمة الله . ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾
أي يا محمد لا تحزن لأنّ شأن المرسلين أن يكذبوا ، لكن هناك نقطة دقيقة وهي عن الجامعة ، الجامعة الكبرى لا يعني أن كل الطلاب ينجحون ، أبداً ، لكن الجامعة الكبرى أن تأتي النتائج متوافقة مع المقدّمات ، حينما ينجح المتفوق ولا ينجح الكسول فهي جامعة عظيمة ، لذلك أن يكون الإنسان مخيَّراً ، وأن يمنح الإنسان مقوّمات التكليف من كون دال على عظمة الله ، ومن عقل يعد أحد أسباب معرفة الله ، ومن فطرة تعد سبب معرفة الله ، ومن شهوة كقوة محركة ، ومن اختيار كثمن لعمل الإنسان ، ومن شرع كطريق واضح يسير فيه .
يجب أن تؤمن أن من سنن الله عز وجل المعركة بين الحق والباطل :
أيها الأخوة ، حينما يكون الإنسان مؤمناً ، وحينما يتفوق في الدنيا بإيمانه عندئذٍ يحقق الهدف من وجوده ، فالنبوات بعض أتباع الأنبياء ، أو بعض الذين التقى بهم الأنبياء يصدقونهم ، وبعض الذين التقى بهم الأنبياء يكذبونهم ، فالعبرة أن يكون مصير المُكذب مصيراً معيناً ، وأن يكون مصير المصدق مصيراً معيّناً ، إذاً هناك عدل في الكون .
يا محمد لا تتألم ، ولا تحزن إذا كذبك قومك ، فهذا شأن الأنبياء من قبل : ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾
يجب أن نؤمن أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، هكذا أراد الله عز وجل ، وكان من الممكن أن يجمع الله الكفار كلهم في قارة واحدة ، والمؤمنين في قارة ثانية ، وليس هناك تواصل بينهما ، لكن لم تعد هناك جنة ، لو كان الكفار في بلد بعيد ، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وجاء بالرسالة ، وجاء بالقرآن فذاب الناس محبة له خضعوا له ، وليس هناك بدر ، ولا أحد ، ولا خندق ، ولا نفاق ، ولا أعداء ، لكن لم تعد هناك جنة .
﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (4)﴾
( سورة محمد الآية : 4 )
يجب أن تؤمن أن من سنن الله عز وجل المعركة بين الحق والباطل ، الأعداء لهم دور مهم جداً ، الأعداء يدفعونك إلى طلب العلم إذا كذبوا دينك ، قد يأتي مؤلف ويقول : هذا الدين خرافة ، والدين أفيون الشعوب ، مثلاً ، وقد يأتي إنسان مبطل ويقول : هذا القرآن من كلام محمد ـ e ـ النقطة الدقيقة أن الله سمح بذلك لدفعِ المؤمنين إلى تمكين إيمانهم ، ما الذي يحصل في النهاية ؟ أن عمالقة الشر ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله . ﴿ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36)﴾
( سورة الأنفال الآية : 36 )
يمكن أن نشكر القوة الغاشمة لأنها أعانتنا على أن نكفر بها ونؤمن بالله :
الطرف المناوئ له فضل كبير ، نحن على مستوى ما يجري في العالم أنا أرى ، وأتمنى ، وأعتقد أن هذه الهجمة الغير معقولة على الإسلام والمسلمين لصالح المسلمين لأنها توحدهم ، ولأنها توقظهم ، ولأنها تدفعهم إلى التمسك بدينهم ، ولعل هناك خيرات حِسان لا يعلمها إلا الله من نتائج هذه المعركة ، ومن قبل ما جرى في الحادي عشر من أيلول هناك قوة عظمى خطفت أبصار أهل الأرض ، وطمع كل إنسان أن يُسمح له بزيارة هذه البلاد ، وكأن هذه البطاقة الخضراء بطاقة إلى الجنة الخضراء ، وأن هذه القوة الكبيرة العملاقة الغنية القوية التي طرحت قيماً رائعة يُحبها الإنسان كحريته ، وما شاكل ذلك من قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والعولمة وغيرها ، هذه القيم خطفت أبصار أهل الأرض ، وتعلق الناس بهذه الجهة القوية ، ورأوها بديلاً للدين ؛ هي الحضارة والتفوق ، فلما ظهرت وحشيتهم أصبحت قوة غاشمة ، ليس غير ، وبقي الإسلام عملاقاً في نظر الناس .
لذلك الكلمة الدقيقة ، أنه يمكن أن نشكر هذه القوة الغاشمة ، لأنها أعانتنا على أن نكفر بها ، وما لم نكفر بها فالطريق إلى الله ليس سالكاً : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا(256)﴾
( سورة البقرة الآية : 256 )
إذاً الله عز وجل يخفف عن نبيه الكريم فيقول : ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى ـ لانتهاء الغاية ـ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾
الله عز وجل لا يتخلى عنا ، وأرانا بعض الآيات ، هذه القوة العملاقة الطاغية ، لوحان اصطدما فكانت قوة تصادمهما مليون قنبلة ذرية . الحكمة من إثبات التهم التي اتهم بها النبي الكريم في القرآن :
أخواننا الكرام ، بربكم إذا قال الكفار والمشركون : إن محمداً e مجنون ، أو ساحر ، أو كاهن ، أو شاعر ، لماذا أثبت الله هذا في القرآن ويتلى إلى يوم القيامة ، ما الحكمة ؟ سبّ أحدهم إنساناً بسباب مؤذٍ هل من الحكمة أن تروج هذه الكلمة بين كل الناس ؟ هذا الذي وقع ، جميع التهم التي اتهم بها النبي عليه الصلاة والسلام قد أثبتها الله في القرآن ، وهذا كتاب يُتلى إلى يوم القيامة ، فما الحكمة ؟
الحكمة : أنْ يا أيها الدعاة إذا نالكم أذى فلكم في هذا النبي الكريم أسوة حسنة ، هل يعقل أن يذهب النبي الكريم إلى الطائف مشياً على قدميه ، وهناك يستهزأ به ، ويُكذّب ، ويناله الأذى حتى سال الدم من قدميه الشريفتين ، أيضاً هذا درس للدعاة ، أنك إذا تحملت في سبيل الدعوة مضايقة وعذاباً فلك بهذا النبي أسوة حسنة ، والآخرة تسوى فيها الحسابات ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾
هؤلاء الذين حاربوا النبي أين هم الآن ؟ هؤلاء صناديد قريش ، زعماء قريش ، أين هم الآن ؟ هم في مزبلة التاريخ ، والنبي الكريم الذي كان ضعيفاً مستضعفاً يمر على عمار بن ياسر ، وهو يعذب ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا أنْ يقول : (( صبراً آل ياسر ! فإن مصيركم إلى الجنة ))
[الحارث والبغوي في مسند عثمان وابن منده ]
كان ضعيفاً ، بالمناسبة ، لو كان النبي e قوياً لآمن كل من في الجزيرة في ثانية واحدة خوفاً منه ، كالأقوياء تماماً ، إذا أعطوا توجيهاً ينفذ بشكل غير معقول ، لكن أراده الله أن يكون ضعيفاً ليكون الإيمان به قيماً ، الإيمان به له ثمن كبير ، لأنه آمن : ﴿ وَمَا قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21)﴾
( سورة الجن )
وقال : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188)﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
هذا الإنسان جعله ضعيفاً ليثمن الإيمان به ، آمن به وهو ضعيف : ﴿ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يتخلى الله عن المؤمنين ، ولكن علينا أن نصبر . إن عصينا وصبرنا فالمصير إلى القهر أما إن أطعنا وصبرنا فالنتيجة هي النصر :
قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (120)﴾
( سورة آل عمران الآية : 120 )
إن عصينا وصبرنا فالمصير إلى القهر ، أما إن أطعنا وصبرنا فالنتيجة هي النصر : ﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾
هذا قانون إلهي . ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾
( سورة غافر )
وقال : ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)﴾
( سورة الأنعام )
قضية الإيمان بالله في نفس الإنسان لا في الآيات :
هنا نقطة دقيقة جداً ، أسأل الله أن يوفقني إلى شرحها : ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
الإنسان حينما يريد أن يؤمن فالبعرة تدله على البعير ، والأقدام على المسير ، والماء على الغدير ، وإذا لم يرد أن يؤمن يكون بوكالة ( ناسا )الفضائية ويرى المجرات كل يوم ، يكون بالمجهر الإلكتروني ويرى الخلية ، ولا يؤمن ، معنى ذلك أن الإنسان الذي رفض أن يؤمن لو رأى المعجزات إلى نهاية الدوران لا يؤمن ، والذي أراد أن يؤمن فهذا الكون من دون خرق للمعجزات يكفي للإيمان بالله ، فالقضية في نفس الإنسان لا في الآيات ، النبي عليه الصلاة والسلام بسبب رحمته وحرصه على هداية الخلق يسعى ، قال تعالى : ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾
جعل إيمانهم قسرياً ، وبربكم لو أراد رئيس الجامعة أن ينجح جميع طلاب كلية الطب ، فطبعَ أوراق الإجابة عليها الإجابة التامة والعلامة مئة على مئة ، فقط اكتب وامشِ ، كلهم ينجحون ، ما قيمة هذا النجاح ؟ لا قيمة له إطلاقاً لا عند رئيس الجامعة ، ولا عند إدارتها ، ولا عند الناس ، ولا عند الطلاب ، فالهدى القسري سهل ، لكن لا يسعِد . أراد الله تعالى أن يكون الإيمان اختيارياً لأنه سيكون ثمن جنة عرضها السماوات والأرض:
الله عز وجل أرادنا أن نأتيه راغبين ، طائعين ، مختارين ، محبّين : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾
أراد الله أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة محبة ، علاقة اختيار ، علاقة مبادرة شخصية ، لو أن الله أراد أن يؤمن الناس جميعاً لآمنوا ، لكن أراد أن يكون الإيمان اختيارياً ، لأنه سيكون ثمن جنة عرضها السماوات والأرض ، فالنبي عليه الصلاة والسلام من حرصه على قومه قال الله تعالى له : ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
هذه قوانين الله عز وجل ، وأنت حينما تريد أن تؤمن فلا تحتاج إلى معجزة ، هذا الكون بوضعه القائم يكفي ، حسبكم الكون معجزة ، وإن أردت ألا تؤمن ترى زلزال آسيا ، وترى آيات لا تنتهي ، وغرق التيتانيك ، وسقوط كولومبيا ، وسقوط المتحدي ( تشالنجر )، ترى آيات دالة على عظمة الله ولا تؤمن .
بالمناسبة ، أغلى آلة تصوير إذا لم يكن فيها فيلم لا قيمة لها ، وأقل آلة تصوير مع الفلم فيها فائدة ، فالفائدة أن تبحث عن الحقيقة ، فإن أردت الحقيقة كل شيء في الكون يدلك على الله ، وإن أردت أن تتجاهل الحقيقة فلو كنت في كل مراكز العلوم والجامعات والمجاهر والتلسكوبات لا تؤمن : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾
الهدى قرار داخلي تتخذه ، فإن اتخذته فكل شيء يدلك على الله ، وإن لم تتخذه فلو رأيت نفقاً في الأرض ورأيت منه الطرف الآخر للأرض ، أو سلماً إلى السماء فلا تؤمن.

العفريني
09-22-2011, 05:42 PM
﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾
الذي يستمع في القرآن الكريم يعني أن يطبق ، وما لم تطبق فلست مستمعاً .
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (4)﴾
( سورة التحريم الآية : 4 )
علامة إصغائكما إلى الله التوبة ، فما لم تتحرك ، ما لم تتخذ موقفاً ، ما لم تستجب ، ما لم تصل ، ما لم تقطع ، ما لم تعطِ ، ما لم تمنع ، ما لم تغضب ، ما لم ترض ، ما لم تتخذ موقفاً من سماعك للحق ، فكأنك لم تستمع للحق ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾
أي إنما علامة استجابة الذين يسمعون أنهم يستجيبون ، إنما علامة سماع الذين هم يسمعون أن يستجيبوا للحق .
أيها الأخوة الكرام ، لا يمكن أن تقول لإنسان : على كتفك عقرب شائلة ، ويبقى هادئاً مرتاحاً مبتسماً ، ويلتفت إليك ويقول لك : أشكرك على هذه الملاحظة ، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافئك عليها ، حتماً لم يسمع ما قلت له ، ولو سمع ما قلت له لمّا تكلم ولا كلمة ، بل ارتعدت فرائصه ، وخلع معطفه ليبعد العقرب عنه ، أليس كذلك ؟
مستحيل أن تدرك ولا تنفعل ، مستحيل أن تنفعل ولا تتصرف ، مستحيل أن تنفعل ولا تتحرك ، الله عز وجل يصف الذين يدَّعون السماع ولا يطبقون بأنهم لا يسمعون . الاستجابة تكون بالإيجاب أما الذي لا يستجيب فهو عند الله ميت :
أيها الأخوة ، فرق كبير بين يستجيب وبين يُجيب ، قد تسأل أحداً مبلغاً من المال فإذا قال لك : لا ، لقد أجابك ، لكن أجابك بالنفي ، أجابك بالسلب ، أجابك بغير مرادك ، أما حينما تسأل أحداً مالاً ، ويستجيب لك ، أي يعطيك المال ، فالاستجابة شيء ، والإجابة شيء آخر ، الإجابة قد تكون سلباً أو إيجاباً ، لكن الاستجابة لا تكون إلا إيجاباً ، فلذلك : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24)﴾
( سورة الأنفال الآية : 24 )
الاستجابة تكون بالإيجاب أما الذي لا يستجيب فهو عند الله ميت ، الدليل :﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى ﴾
أي والذين لا يستجيبون ، لأنهم لم يستمعوا حقيقةً هم عند الله موتى .
وليس من مات فاستراح بميت إنما الميت مــيت الأحياء
* * * *
وقد قال الله عن هؤلاء الشاردين : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ (21)﴾
( سورة النحل الآية : 21 )
وقد قال عنهم أيضاً : ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
( سورة فاطر )
الخطورة أن يموت قلب الإنسان ، أن يكون قلبه مغلفاً ، أن يكون سمعه فيه وقر، أن يكون القرآن عليه عمىً ، هذه حالة مرضية خطيرة مهلكة ، ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾
خيارك مع الإيمان خيار وقت :
إذاً إذا دعاك خالق السماوات والأرض ، دعاك إلى أن تعبده كي تسعد بعبادته في الدنيا والآخرة ، إذا دعاك إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وجعل الكون كله دليلاً على وجوده وكماله ووحدانيته ، وجعل منهجه متوافقاً مع حاجاتك الأساسية ، من حاجة إلى الأمن وإلى الكفاية ، وإلى السلامة ، وإلى السعادة ، فإذا استجبت فقد حققت الهدف الذي من أجله خلقت ، وإن لم تستجب ، بمعنى أنك لم تستمع السماع الذي أراده الله عز وجل ، فأنت عند الله ميت ، ﴿ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾
لكن هذا الذي يموت بعد أن يموت يعرف الحقيقة . ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق )
لكن متى عرف الحقيقة ؟ بعد فوات الأوان ، ولا قيمة لهذه المعرفة إطلاقاً ، إذاً : معنى ذلك أن خيارك مع الإيمان خيار وقت ، ليس غير ، لأن أكفر كفار الأرض حينما أدركه الغرق قال :﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
( سورة يونس )
متى ؟ بعد فوات الأوان ، يعني شيء لا بد منه ، إما أن يكون وأنت في ريعان شبابك ، أو أن يكون بعد فوات الأوان .
(( اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ))
[رواه الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس ]
أحمق أهل الأرض الذي يوقع الأذى في بني البشر ويظن أنه سينجو من عقاب الله :
إما أن تؤمن في الوقت المناسب ، أو أن يكون الإيمان لا جدوى منه لأنه جاء بعد فوات الأوان ، ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾
( سورة الغاشية )
وقال : ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
لن تجد على وجه الأرض إنساناً أغبى من الذي لا يدخل المسؤولية يوم القيامة في حساباته ، هذا أحمق أهل الأرض الذي يوقع الأذى في بني البشر ويظن أنه سينجو من عقاب الله . ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم )
في الآخرة يأتي الإنسان ربه فرداً ليس له شيء إلا عمله الصالح :
أنت في الدنيا حولك جمع غفير يؤيدونك بإشارة منك ، هذا في الدنيا فقط ، أما في الآخرة : ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (94)﴾
( سورة الأنعام الآية : 94 )
انظر الآن ، قد تعتدي دولة كبرى طاغية ، فكل من له مصلحة معها يؤيدها ، ويعينها على باطلها ، وعلى ظلمها ، وعلى عدوانها ، في الأرض هناك تكتلات ، وقد يكون التكتل على باطل ، هذا في الأرض ، ولكن في الآخرة يأتي الإنسان ربه فرداً ، ليس له شيء إلا عمله الصالح .
إذا وقعت عين الأم على ابنها يوم القيامة تقول : يا بني ، هل من حسنة منك أرجو ثوابها ؟ قال : يا أمي ، ليتني أستطيع ذلك ، إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين ، قالت : يا بني ، ألم يكن لك صدري سقاءً ، وبطني وعاءً ، وحجري غطاءً ، قال لها : ليتني أستطيع ذلك . ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ (101)﴾
( سورة المؤمنون الآية : 101 )
انتهت كل علائق الأرض ، لذلك أغبى أغبياء أهل الأرض هؤلاء الذين يبطشون، ويقتلون ، ويهدمون ، ويظنون أنهم لن يحاسبوا : ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾
معجزة النبي معجزة مستمرة فكلما تقدم العلم كشف عن جانب كان غائباً عن الناس :
قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)﴾
( سورة الأنعام )
لأنه بلغهم أن أنبياء الله السابقين جاؤوا بمعجزات حسية ، فسيدنا إبراهيم ألقي في النار ولم يحترق ، وسيدنا موسى جعل عصاه ثعباناً مبيناً ، وهكذا ، وفاتهم أن هؤلاء الأنبياء إنما بعثوا إلى أقوامهم فحسب ، لذلك كانت معجزاتهم حسية ، لأقوامهم فقط ، فيؤمن بها من رآها ، ومن لم يرها قد يؤمن وقد لا يؤمن ، لكن غاب عنهم أن النبي e خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولكل البشر أجمعين ، وأن كتابه آخر الكتب ، لذلك لا بد من أن تتحد معجزته بمنهجه ، واتحاد المعجزة بالمنهج هي أن في القرآن آيات كثيرة فيها إشارات تعد سبقاً علمياً ، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب من عظمة هذه الإشارات ، وهذا دليل قطعي أبدي سرمدي مستمر على أن هذا القرآن كلام الله ، لذلك غاب عنهم أن معجزة النبي e أبلغ من أية معجزة، إنها ليست كتألق عود الثقاب تتألق ثم تنطفئ فتصبح خبراً يصدقه من يصدقه أو يكذبه من يكذبه ، إن معجزة النبي e معجزة مستمرة ، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب كان غائباً عن الناس ، مثلاً حينما يقول الله عز وجل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً (26)﴾
( سورة البقرة : 26 )
بعوضة ذُكرت في كتاب الله ؟ في وحي السماء ؟ في منهج الله عز وجل ؟ بعوضة ! خلق البعوضة آية من آيات الإعجاز العلمي :
قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً (26)﴾
( سورة البقرة : 26 )
ما قيمة هذا المخلوق الهين على الناس ؟ وقد أشار النبي إلى ذلك ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[الترمذي عن سهل بن سعد ]
بعوضة ذُكرت في سورة البقرة ، فلما اخترع المجهر الإلكتروني الذي يكبر أربعمئة ألف مرة ووضعت البعوضة تحته ، تبين أن في رأسها مئة عين ، وفي فمها ثمانية وأربعين سناً ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان ، ومع البعوضة أجهزة لا تملكها الطائرات ، جهاز استقبال حراري ترى الأشياء لا بأشكالها ، ولا بأحجامها ، ولا بألوانها ، ولكن بحرارتها ، وحساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية ، ومعها جهاز تحليل دم فما كل دم يناسبها ، ينام أخوان على سرير واحد ، يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض ، والثاني لم يصب بشيء ، معها جهاز تحليل للدم ، ولكي يسلك الدم في خرطومها الدقيق لا بد من أن يتميع ، معها جهاز تمييع دم ، ولئلا تقتل في أثناء امتصاص الدم معها جهاز تخدير ، فمن جهاز استقبال حراري رادار ، إلى جهاز تحليل ، إلى جهاز تمييع ، إلى جهاز تخدير .
أما خرطومها لما وضع تحت المجهر الالكتروني تبين أن له ست سكاكين ، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع ، وسكينان تلتئمان على شكل أنبوب امتصاص الدم ، وتبين في أرجل البعوضة مخالب كي تقف على سطح خشن ، ومحاجم على أساس تفريغ الهواء كي تقف على سطح أملس . إذاً : هذه الآية من آيات الإعجاز العلمي ، هذا متى عُرِف ؟ بعد اكتشاف المجهر الالكتروني ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (3)﴾
( سورة الملك الآية : 2 )
ليس معنى التفاوت بالحجم ، بين البعوضة والحوت الأزرق مسافة كبيرة جداً ، الحوت الأزرق فيه ما يقدر بخمسين طنّاً من اللحم ، وخمسين طنّاً من العظم ، وخمسين طنّاً من الدهن ، وتسعين برميلاً من الزيت ، ويرضع وليده ثلاثمئة كغ في كل رضعة ، ثلاث رضعات في اليوم ، وطنّاً من الحليب ، فهناك تفاوت كبير بين البعوضة وبين الحوت ، لكن معنى الآية : ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾
في إتقان الصنعة ، نحن كبشر نصنع صناعة متقنة جداً وصناعة رخيصة للاستهلاك الخفيف قطعة للمنزل ، أما قطعة الصناعة من مواد أولية عالية جداً ، لكن الله تعالى يقول : ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾
معجزة نبينا محمد هي الكتاب الذي أنزل عليه وهو القرآن الكريم :
إذاً : قضية أن تأتي النبي e آية حسية هذه قضية متعلقة بالأنبياء السابقين ، الذين جاؤوا لأقوام محدودين ، والمعجزة لهؤلاء فقط ، أما أن يأتي نبي لكل الأمم والشعوب ، ولآخر الزمان ، وكتابه آخر الكتب ، فلا بد من تلازم بين المعجزة وبين المنهج ، الإنجيل شيء ، وسيدنا عيسى أحيا الميت شيء آخر ، التوراة شيء ، وسيدنا موسى جعل البحر طريقاً يبساً شيء آخر ، أما النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم معجزته هي كتابه ، المعجزة في القرآن الكريم . ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)﴾
أراد الله العلاقة بينه وبين العباد علاقة حب ، وعلاقة ود ، وعلاقة اختيار ، وعلاقة طواعية ، وعلاقة مبادرة شخصية ، ما أرادها علاقة قهر وسيطرة ، ولو أراد الله أن يخضع الناس جميعاً له لجعلهم أمة واحدة ، إذاً : إن الله عز وجل قادر أن ينزل آية تجبر الناس على الإيمان ،
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
أنّ هذا الإيمان القسري لا يسعد صاحبه .
تماماً كما لو أن رئيس جامعة أراد أن ينجح كل الطلاب ، قضية سهلة جداً ، يوزع أوراق الامتحان مطبوع عليها الإجابة التامة ، والعلامة مئة من مئة ، لكن يكلف الطالب كتابة اسمه ، لكن هذه الدكتوراه لا تساوي شيئاً لا عند رئاسة الجامعة ، ولا عند المجتمع ، ولا عند صاحبها ، لا قيمة لها إطلاقاً ، فأن تقول : ألا يستطيع رئيس الجامعة أن ينجح جميع الطلاب ؟ بلى ، ولكن هذا النجاح لا قيمة له إطلاقاً ، هذه معنى قوله تعالى : ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَة مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَة وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
النمل من آيات الله الدالة على عظمته :
ثم يقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)﴾
( سورة الأنعام )
أيها الأخوة الكرام ، أريد أن أشرح لكم هذه الآية من خلال بحث علمي عن مجتمع النمل ، فالنملة حشرة اجتماعية راقية ، موجودة في كل مكان وفي كل وقت وزمان ، بل إن أنواع النمل تزيد عن تسعة آلاف نوع ، وبعض النمل يحيا حياة مستقرة في مساكن محكمة ، هذا المجتمع المدني للنمل ، وبعض النمل يحيا حياة الترحال كالبدو تماماً ، هذا مجتمع البدو عند النمل ، وبعضهم يكسب رزقه بجده وسعيه بمجتمع حضاري ، وبعضهم يكسب رزقه بالعدوان والسيطرة ، هذا إرهابي .
النمل حشرة ذات طبع اجتماعي فإذا عُزلت عن أخواتها ماتت ، ولو تهيأ لها غذاء جيد ، ومكان جيد ، وظروف جيدة ، فهي كالإنسان ، إذا عزلته في مكان بعيد عن الضوء والصوت والساعة والزمن والليل والنهار عشرين يوماً فقد توازنه ، واختل عقله .
تُعلم النملة الإنسان درساً بليغاً في التعاون ، فإذا التقت نملة جائعة بأخرى شبعى تعطي النملة الشبعى للجائعة خلاصات غذائية من جسمها ، ففي جهازها الهضمي جهاز ضخ تطعم به غيرها من جياع النمل ، ومعها جهاز مص لتأكل ، الإنسان مص فقط لا يضخ شيئاً ، لذلك قال r : (( ليس المؤمن الذي يبيت وجاره إلى جنبه جائع ))
[ رواه علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة ]
أيها الأخوة ، لقد رصد العلماء طرق معيشة النمل ، وأدهشهم عملها الجاد الدؤوب في تحصيل أرزاقها ، والتعاون ، وتوزيع الوظائف فيما بينها بكل دقة وجدية ، فللنمل ملكة كبيرة الحجم ، مهمتها وضع البيض ، وإعطاء التوجيهات ، ولها مكان آمن في مساكن النمل ، لها قصر ، وهي على اتصال دائم بكل أفراد المملكة . بعض من مهام النمل :
الإناث العاملات عند النمل لها مهمات متنوعة ، من هذه المهمات : تربية الصغار ، وهذا يشبه عندنا قطاع التعليم ، وفي النمل عساكر لها حجم أكبر ، ولها رأس صُلب ، كأن عليه خوذة ، وهذا يشبه قطاع الجيش في حراسة المملكة ، وحفظ الأمن ورد العدوان ، ومن مهمات العاملات : تنظيف المساكن والممرات ، وهذا يشبه قطاع البلديات ، ومن مهماتها سحب جثث الموتى من المساكن ، ودفنها في الأرض ، وهذا يشبه مكاتب دفن الموتى ، ومن مهماتها أيضاً جلب الغذاء من خارج المملكة ، وهذا يشبه قطاع المستوردين ، ومن مهماتها زرع الفطريات ، وهذا يشبه قطاع الزراعة ، ومن مهمات العاملات تربية حشرات تعيش النمل على رحيقها ، وهذا يشبه قطاع مربي الماشية .
إن للنمل نظاماً دقيقاً لمعاشه ، فله قائد يوجهه ويأمره ، وله مساكن يعيش فيها ، وهذه المساكن مقسمة إلى غرف معيشة ، ومستودعات لتخزين المُؤَن ، ولها دهاليز معقدة عليها حراسة مشددة على مدار الساعة ، ويجتمع في تلك المساكن قرى كاملة كأنها مستعمرات تصل بينها طرق ومسالك ، حيث تهتدي بها إلى سطح الأرض .
يعمل النمل في قراه بموجب انضباط مدهش وصارم للغاية ، وبإشراف النمل الذي كبرت رؤوسه ، وعظمت خراطيمه ، دققوا الآن في تفسير قوله تعالى : ﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾
يبني النمل المدن ، ويشق الطرقات ، ويحفر الأنفاق ، ويخزن الطعام في مخازن وصوامع ، وبعض أنواع النمل يقيم الحدائق ، ويزرع النباتات ، وبعض أنواعه يشن حروباً على قبائل أخرى ، هذه تعرفونها ، من أجل الحرية طبعاً ، قال الله عز وجل : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾
هناك نوع من النمل يبني بيوته فوق الأرض ، من أوراق الأشجار وأغصانها ، ويكثر هذا تحت شجر الصنوبر ، أو ينحت هذه البيوت في الأشجار العتيقة كما يتخذ الإنسان من الجبال بيوتاً ، ومع أن النمل لا يملك الآلات والعدد فإنه يبني أبراجاً في غاية الدقة والإحكام ، مستعيناً بمقص فمه الحاد ، حيث يمضغ ما يقصه حتى يصبح كالعجين ، ولعل ما بناه القدماء المصريين في مساكنهم وأهراماتهم كان تقليداً للنمل .
يبقى صغار النمل في الديار لحفر الحجرات ، تحفر هذه الصغار الحجرات ، وتبني السراديب ، وتنمو وهي فيها ، بالإضافة إلى وجود المربيات ، وبعض النمل مسؤول عن الحراسة ، والتنظيف ، وحفظ وترتيب المُؤَن التي يحضرها النمل العامل ، وهو يأبى كل الإباء أن يتطفل عليه لمعرفة نظامه العجيب في الحياة . بعض الغرائز التي أودعها الله في النمل :
وقد وجد العلماء أن النمل حينما يغادر قريته يرسل في كل مسافة معينة مادة كيمائية لها رائحة حتى يستطيع التعرف إلى طريق عودته ، عندما يمشي يحدث نقاط فيها مواد كيمائية ، حتى تكون هذه المواد علامات في طريق العودة ، وأنه أحدهم حينما أراد إزالة هذه المادة لم يستطع النمل الاهتداء إلى طريق عودته ، وإذا رأت النملة شيئاً مفيداً لا تقوى على حمله نشرت حوله بعض الرائحة ، وأخذ منه قدراً يسيراً ، وكرت راجعة إلى أخواتها ، وكلما رأت واحدة منهن أعطتها شيئاً مما معها كي تدلها على مكان هذه الوجبة الدسمة ، حتى يجتمع على ذلك الشيء جماعات منها يحملونه ويجرونه بجهد وعناء ، متعاونين على نقله ، علماً بأن للنمل قوى عضلية بالنسبة إلى حجمه تزري بقوة أعظم المصارعين والرياضيين .
كما وجد العلماء أن النملة ـ دققوا الآن ـ ينشر عند موته رائحة خاصة تنبه بقية الأفراد على ضرورة الإسراع بدفنه ، عندما تموت النملة ، قبل أن تموت ترسل إشارة ورسالة : أن تعالوا ادفنوني ، وعندما قام أحد العلماء بوضع شيء من هذه المادة على جسم نملة حية سارع باقي النمل إلى دفنها ، معه نص ، انتهى ما في مجال ، أرسلت نص ، أن تعالوا وادفنوني ، أنا لست ميتة ، أبداً ، فدفنوها .
النمل من الحيوانات والحشرات القليلة التي أودع الله فيها غريزة ادخار الغذاء ، فهو يحتفظ بالحبوب في مسكنه الرطب الدافئ تحت الأرض دون أن يصيبها تلف ، ويتفنن النملة في طرق الادخار بحسب أنواعه ، فهو يقطع حبة القمح نصفين ، حتى لا تنبت ويقشر البقول لئلا تنبت من جديد ، أو يتركها أسابيع في تهوية وحرارة معينة ، ويسمح لها بعد ذلك بالإنبات ، فتنمو .
الموضوع أيها الأخوة موضوع دقيق جداً ، الله عز وجل أثبت لها المعرفة قال : ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾
( سورة النمل )
هذه معرفة ، ولغتها لغة كيماوية ، وللنملة مخ صغير ، وخلايا عصبية ، وأعصاب لتقدير المعلومات ، وخرائط كي تهتدي بها إلى مواقع الغذاء .
للنملة أيضاً رأس ووسط وذيل اسطواني ، ولها ستة أرجل تقدر بها على الجري السريع ، ولبعضها أجنحة للوثوب ، لها خمسة أعين ، عينان مركبتان على جانب الرأس مكونة من أعين بسيطة تعد بالمئات ، وهي ملتئمة الوضع والتركيب والترتيب ، حيث ترى وكأن لها عين واحدة ، والثلاث العيون الباقية موضوعة على شكل مثلث يعلو العينين المركبتين ، وهي أعين بسيطة لا تركيب فيها . النمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله :
أيها الأخوة ، النملة تملك نوعاً من التصرف العقلاني وهي من أذكى الحشرات ، وهي ترى بموجات ضوئية لا يراها الإنسان ، ولغة النمل كيماوية لها وظيفتان : التواصل والإنذار ، فلو سحقت نملة فإن رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات ، إذا كان هناك خطر يمكن لجماعة النمل القضاء عليه ترسل رسالة استغاثة ، أما إذا كان الخطر أكبر من طاقة جماعات النمل ترسل رسالة تحذير ليبتعدوا ، عندها ثلاث رسائل : تعالوا ادفنوني ، أو ابتعدوا ، أو اقتربوا .
للنمل جهاز هضم مدهش ، فيه فم ومري ومعدة وأمعاء ، وجهاز مص ، كما قلت قبل قليل ، وضخ ، ويَعرف النمل بعضه بغير علامة ، والتودد موجود بين أهل القرية الواحدة فقط ، ما عدا ذلك فعداء مستحكم ، حيث يمكن أن تنشب الحروب بين عدة قرى من النمل فتنتظم في صفوف قتالية ، وتحدث المعارك ، ويقع القتلى والجرحى ، ويتخذ النمل المنتصر الأسرى ليجعلهم خدماً في قراه ، ويقوم بدفن موتاه في مقابر خاصة ، كما ينظف أرضه من جثث أعدائه حتى قيل أن النمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله ، وقد يصبح النمل قوة مزعجة مهلكة شديدة الخطر على الإنسان نفسه ، حيث يمكن أن يقوض دعائم المساكن الخشبية حتى تتداعى عروشها ، أو يكون مستعمرات في دور الكتب حيث يقوم بإتلاف الورق أكلاً وتمزيقاً ، سيدنا علي كرم الله وجهه يقول : " انظروا إلى النمل في صغر جثتها ، ولطافة هيأتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها ، وتعدها في مستقرها ، تجمع في حرها لبردها، وفي وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوسقها ، لا يغفلها المنان ، ولا يحرمها الديان ولو في الصفا الوابد ، والحجر الجامد ، ولو فكرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجو من شراشيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجباً ، ولقيت من وصفها تعباً ، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر ، لا إله إلا هو ، ولا معبود سواه " .
أردت من هذا البحث أيها الأخوة أن أبين معنى قوله تعالى : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ـ والنملة دابة ـ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾
ثمة عالم وضع في عش طائر بيضة ليست منه ، فلما فقست ورآها ليست منه قتل زوجته ، لأنها خانته .
الغربان يأكلون أحياناً جوز الهند ، ولها غلاف خشبي قاسٍ جداً ، يصعدون إلى أعالي السماء ، ويلقونها ، تنكسر في الأرض ، يكون حول هذه الجوزة مئات الغربان ، هناك عُرف أنّ هذه من حق الذي صعد إلى أعالي السماء وألقاها من هناك ، ليس هناك خطف ولا سرقة . الفرق بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :
طبعاً هذه المعلومات أيها الأخوة مفادها أن هؤلاء المخلوقات : ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)﴾
هذا النظام البديع ، وهذه القدرات الفائقة ، وهذا التعاون المدهش ، وهذا التنسيق ، وهذا التخصيص ، بمجتمع النمل شيء لا يصدق ، لكن هذا كله بأمر تكويني ، أما الإنسان إذا صدق ، وأتقن عمله فهذا بأمر تكليفي ، وفرقٌ كبير بين الأمر التكويني وبين الأمر التكليفي ، عندما ينجح طالب بالامتحان بجهده ، ودراسته ، وتعبه ، وبحثه ، وقراءته ، وحفظه ، وتجاربه شيء ، وعندما يتلقى ورقة الامتحان مكتوب عليها الجواب شيء آخر .
هذا النظام البديع ، وهذه الدقة والتنسيق بالوظائف ، وهذا القيام بالواجبات على أعلى درجة هذا بأمر تكويني ، أما الإنسان حينما ينشئ مجتمعاً راقياً في أمانة وصدق وعفاف فهذا إنسان مكلف ، ويستحق الجنة على هذا الالتزام ، فرق كبير بين انضباط الإنسان لأنه إذا انضبط بأمر تكليفي ، وبين انضباط الحيوان بأمر تكويني ، لأنه لا أجر له ، الحيوان غير مكلف ، أما الإنسان فمكلّف .

العفريني
09-22-2011, 05:42 PM
﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(40)﴾
والآية التي قبلها :
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)﴾
أيها الأخوة ، كما أن في عالم المادة هناك نور وظلام ، كذلك في عالم الإيمان ، هناك إنسان يرى وهناك إنسان أعمى ، وإذا وسعنا الدائرة هو أصم عن سماع الحق ، أبكم لا ينطق به ، أعمى لا يرى .
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ (21)﴾
( سورة النحل الآية : 21 )
مثل الرجل المؤمن وغير المؤمن كمثل الحي والميت ، ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
( سورة فاطر الآية : 22 )
تعريف الحياة والموت في عالم الإيمان :
أحد العلماء الغربيين ، وهو من كبار علماء الفيزياء يقول : كل من لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، عليمة هي أعلم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون ، فهو إنسان حي ولكنه ميت ، هذا المعنى ذكره بعض الشعراء :
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
***
قد تجد إنساناً يتمتع بأعلى درجة من الحيوية والنشاط والشباب ، ولكنه عند الله ميت ، وقد تجد إنساناً طُرِحتْ عليه الأمراض وهو حي في أعلى درجات النشاط الإيماني .
يا أيها الأخوة ، الحياة والموت في عالم الإيمان معرفة الله والغفلة عنه ، الحياة والموت في عالم الإيمان اتصال بالله وانقطاع عنه ، الحياة والموت في حياة الإيمان عمل صالح وعمل سيئ ، إقبال وإعراض ، استقامة وانحراف .
الإنسان له وجود مادي يشبه في هذا الوجود بقية المخلوقات ، وله وجود إنساني هذا الوجود يعني أن يؤمن ، وأن يعرف ربه ، وأن يعرف سر وجوده ، وغاية وجوده ، وأن يتحرك وفق ما خلق له ، فلذلك ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ﴾
لهم آذان موسيقية رائعة ، يستمعون إلى الموسيقى وإلى الغناء ، ويفرقون بين المغنين والمغنيات ، الأحياء منهم والأموات ، ولكنهم صم عن سماع الحق ، ولهم لسان طليق ، أدباء وشعراء ، ينطقون بالشعر والغزل ، وما إلى ذلك ، ولكنهم بكم عن أن ينطقوا بكلمة الحق ، يتواطئون مع الكفار والمشركين ، فيصمت لسانهم عن النطق الحق ، معنى قوله تعالى : ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾
أي لا يستمع إلى الحق . ثلاث طرق سالكة لمعرفة الله :
قال تعالى : ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)﴾
( سورة البقرة )
معنى صم أي : لا يستمع إلى الحق ، جعل الشهوة حجاباً بينه وبين الله ، وحبك الشيء يعمي ويصم ، جعل شهوته ومصلحته وملذته ونزوته وغرائزه حجاباً بينه وبين الله ، أصم لا يستمع الحق ، ولو وصلت موجات أصوات الحق إلى طبلة أذنه لكنه لا يستمع ، لأنّ علامة استماعه مبادرته إلى التطبيق ، علامة استماعه للحق أن يترجم هذا السماع إلى سلوك، وإلى انضباط ، وإلى التزام ، وإلى عمل طيب . ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾
لأن الطريق الوحيد إلى معرفة الله آياته ، والدليل : ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)﴾
( سورة الجاثية الآية : 6 )
لا سبيل إلى معرفة الله إلا من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية ، ثلاث طرق سالكة لمعرفة الله ، أن تتفكر في آياته الكونية ، وفي آياته القرآنية ، وفي آياته التكوينية هم ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾
وعمي ، أي ﴿ فِي الظُّلُمَاتِ﴾
وشتان بين ألا تملك عيناً ، أو أن تكون في مكان مظلم ، النتيجة واحدة ، يستوي المبصر مع الأعمى إذا كان المبصر في مكان مظلم ، لأن العين لا ترى إلا من خلال وسيلة وهي الضوء ، إذاً هو لا يرى الحقائق رؤية ذاتية ، ولا يصغي إلى الحق ، وجاءه من إنسان ، ولا ينطق به ، ولو كان النطق به ضرورة . ﴿ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
الحقيقة أنّ مشيئة الله مرتبطة بأعمال الإنسان . المقدمات لها نتائج :
قال تعالى : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)﴾
( سورة النحل )
وقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)﴾
( سورة المنافقون )
ما دام هناك فسق ، أو ظلم ، أو كفر ، فهذا الإنسان بعبارة يذكرها العلماء تحصيل حاصل ، فحينما أغلق الباب الخارجي للمسجد فهذا الباب لا معنى له ، ولو كان مفتوحاً ، ما دمت قد أغلقت الباب الخارجي فسواءٌ أغلقته أم لم أغلقه فالمحصلة واحدة ، إذاً الذي جعل شهوته حجاباً بينه وبين الله فهو أصم أبكم أعمى ، هو اختار الشهوة ، إذاً جعل الشهوة حجاباً بينه وبين الله وكأنه أراد الضلالة .
للتقريب : كل بلد لها نظام معيّن ، لو أن بلداً ما نظامها أن الإنسان لا يعيَّن في وظيفة مرموقة إلا بشهادة عليا ، ليس رائجاً في هذا البلد إلا الوظائف مثلاً ، فعندما يُعرِض الشاب عن الدراسة باختياره وبإصراره فكأنما اختار أن يكون فقيراً ، أو مشرداً ، أو ليس له عمل ، مادامت القناة الوحيدة الصالحة للوظيفة شهادة عليا ، وما دام الشاب أعرض باختياره وبإصراره عن سلوك طريق العلم ، فكأنه أراد أن يكون بلا عمل ، وأن يكون فقيراً كلاً على الناس ، بالضبط كما يختار إنسان السرقة والجريمة ، وحينما يقبض عليه ويعدم كأنه اختار أن تنتهي حياته بالإعدام ، اختياره هذا ، كل مقدمة لها نتيجة ، المقدمات لها نتائج ، أنت إذا اخترت المقدمة أوصلتك حتماً إلى النتائج ، هذا من باب البلاغة ، ﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾
الإنسان هو الذي شاء الشهوة ، شاء الزنا ، شاء الربا ، شاء السرقة ، شاء أن يخرج عن منهج الله ، وشاء أن يخرج عن مبادئ فطرته ، والنتائج حتمية ، هذه المقدمات لها هذه النتائج فالذي يختار المقدمة هو حكماً اختار معها النتيجة ، ﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾
ومن يشاء أن يكون تحت مظلة الله عز وجل ، أن يكون في حركته في الحياة وفق منهج الله ، من شاء أن يطلب العلم ، ومن شاء أن يعمل به ، ومن شاء أن يكون عمله صالحاً يبتغي به وجه الله ، شاء الهداية ، وشاء أن يكون على صراط مستقيم ، هذه الآية تفيد أن في الكون قوانين ، المقدمات لها نتائج . ما من عقيدة شلَّت الأمة وجعلتها في مؤخرة الأمم كعقيدة الجبر :
مرة التقى طبيب بإنسان يدخن ، قال له : أنت ينتهي بك الدخان إلى الجلطة ، أقسم لي بالله أنه بعد ستة أشهر ـ هو طبيب قلب ـ جاءه هذا الإنسان ، وقد أصيب بجلطة في قلبه ، الطبيب لا يعلم الغيب ، لكن يعلم المقدمات والنتائج ، هذا السلوك ينتهي إلى كذا ، أقسم لي طبيب آخر جراح قلب ، قال لي : والله من ثماني سنوات ، وأنا أجري كل يوم عملية قلب ، أقسم بالله ـ مع تأكيد القسم ـ أنه ما أجرى عملية قلب مفتوح إلا لمدخن ، فإذا كان إنسان يبالغ في التدخين ، وقال له الطبيب : أنت اخترت الجلطة ، لأنه هو اختار مقدمة لهذه النتيجة ، هذا المعنى بالذات ، اختار مقدمة ، والمقدمة تنتهي إلى هذه النتيجة ، فهذا معنى قوله تعالى : ﴿ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(39)﴾
أقول لكم أيها الأخوة ، وأعني نفسي أيضاً ثم إياكم : إياكم أن تتهموا أن الله يجبر عباده على معصيته ، حاشى لله .
﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾
( سورة الأعراف )
ما من عقيدة شلَّت الأمة وجعلتها في مؤخرة الأمم كعقيدة الجبر :
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إيّاك إياك أن تبتل بالماء
***
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
آيات من القرآن الكريم عن عظمة الله سبحانه :
ذكرت هذا التعقيد لئلا يتوهم متوهم أن الله قال : ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْه﴾
لماذا أضله ؟ إله عظيم . ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾
( سورة سبأ )
إله عظيم : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
( سورة الزلزلة )
إله عظيم يقول : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجد )
إله عظيم يقول : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
( سورة القلم )
إله عظيم يقول : ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
( سورة القصص )
إله عظيم يقول : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
( سورة الجاثية )
علينا فهم الآيات كما أراد الله عز وجل :
قال تعالى : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾
( سورة البقرة الآية : 148 )
وقال : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان )
وقال : ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا (148)﴾
( سورة الأنعام الآية : 148 )
لا ينبغي أن نفهم هذه الآيات على غير ما أراد الله عز وجل ، ﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾
بمعنى من مشى في أسباب الضلالة فالنتيجة محققة ، ومن مشى في أسباب النجاة والفلاح فالنتيجة محققة ، وفي عالمنا الدنيوي ، في المجتمع المدني ، مواطن مستقيم لا يخالف القوانين ويدفع الضرائب ، حر طليق ، مواطن يخالف القوانين ويقترف الجرائم ، في السجن ، في المجتمع المدني ، هل يعقل أن نقول : إن الدولة أرادته أن يكون في السجن ، الدولة لا تفعلها ، نقول له : هو في السجن ، لأنه ارتكب جريمة قتل ، إذاً هو في السجن ، إذاً : ﴿ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
الآية التالية تبين أن الإيمان في الأصل فطري :
الآن هناك آية تؤكد أن الإيمان في الأصل فطري ، تصور فريقاً من الخبراء من بلد في الماضي كان يؤمن بأنه لا يوجد إله ـ هم ملحدون ـ ركبوا طائرة ، ودخلت في غيمة مكهربة ، فاختل توازنها ، وكادت تسقط ، فإذا بكل هؤلاء الخبراء الملحدون يقولون : يا الله ، معنى ذلك أن الإيمان فطري ، وهذا المعنى ورد في القرآن كثيراً ، أيّ إنسان مهما بدا فاسقاً فاجراً منحرفاً حينما يأتيه الخطر يقول : يا الله ، إذاً يقول الله عز وجل : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾
أي أرأيتم أنفسكم ، سمعت أنه في بلد مسلم أصابه زلزال ، فالمساجد عقب الزلزال ، الحرم والصحن في الأوقات الخمس ممتلئة ، معنى ذلك أنهم علموا أن هذا الزلزال عقاب لهم على فسقهم ، وانحرافهم ، وفجورهم ، فهناك إيمان فطري ، فهذا الذي يدعي أنه إنسان علماني ، وإنسان موضوعي ، وإنسان يؤمن بالعلم فقط ، والدين خرافة، والدين ضبابيات ، والدين غيبيات ، والدين عادات وتقاليد ، حينما يشعر أن فيه ورم خبيث ، والتقرير أمامه ، يا رب ، لا إله غيرك ، اختلف وضعه ، ما أجمل أن تكون صحيحاً قوياً معافى ، وأن تقول : يا رب ، هذه بطولتك ، أيّ إنسان كائناً من كان عقب المصيبة يخضع لله لكن هذا خضوع المضطر ، أما إذا كنت حراً وأنت صحيح ، قوي ، غني ، معافى ، شاب ، لا تشكو شيئاً ، يا رب ليس لي غيرك ، فخضوعك لله وأنت قوي ، صحيح ، شاب ، بطولة ، لكن كل إنسان بعد الورم الخبيث ، وبعد تشمع الكبد ، وبعد الفشل الكلوي ، يقول : يا رب ، طبعاً يا رب ، لأنه لا إله غيره ، هذا صبر المكره ، فما أجمل الإنسان أن يعرف الله وهو في الرخاء ، ما أجمله أن تأتي بيته وأنت صحيح معافى . علينا أن نعرف الله في الرخاء لا بعد الشدة :
والله أيها الأخوة ، أنا اطلعت على إخوة كثيرين ، هم طيبون ، لكن إقبالهم على الله بدأ بعد المصيبة ، على كل حال جيد ، لأنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .
كان أحدهم إنساناً شارداً عن الله شروداً بعيداً ، جاءته أزمة قلبية وهو في ريعان القوة ، والغنى ، والعلاقات ، والاتصالات ، فأُدخل إلى المستشفى في العناية المشددة ، وغلب على يقينه أنه ميت ، ولن يعود إلى البيت ، فناجى ربه ، وقال : يا رب ، أتحب أن ألقاك بلا ثياب ، أعطني مهلة ، فلعلي أتوب إليك ، الله عز وجل أعطاه مهلة ، وذاق طعم القرب ، يقول لي : في ساعة من ساعات المناجاة ، قلت : يا رب ، كل هذه السعادة بسبب هذا المرض الذي ألمَّ بي ؟‍ وكان سبب توبتي إليك ، لمَ لم يكن هذا المرض قبل عشر سنوات ؟!!
أحياناً الله يتدخل تدخّلاً لصالح العبد ، يكون غافلاً ، شارداً ، ساهياً ، لاهياً ، الدنيا أخذته ، المال يعبده من دون الله ، يعبد شهوته من دون الله ، فإذا جاء ما يحول بينه وبين شهوته يتوب ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (54)﴾
( سورة سبأ )
حينما يحال بينه وبين شهوته يعلم أن الله حق ، أنا أتمنى على إخوتي الكرام ، وأخاطب نفسي معهم أن نعرفه في الرخاء ، فالموقف مشرف أن تعرفه في الرخاء ، لا أن تعرفه عقب الشدة ، على كلٍ بعد الشدة لو عرفته وتبت إليه جيد جداً ، لكن شتان بين من عرفه في الرخاء ، وبين من عرفه بعد الشدة ، ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾
أرأيتم أنفسكم ، ﴿ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
هذا هو الإيمان الفطري .
الإيمان أيها الأخوة ، الإيمان واقع لا محال ، لكن قد يقع بعد فوات الأوان ، ولا قيمة له إطلاقاً ، أنا أؤكد لكم أنه ما من إنسان على وجه الأرض الستة آلاف مليون عند الموت يؤمنون بما جاء به الأنبياء ، قولاً واحداً ، ولكن هذا الإيمان لا ينفعهم ، إذاً خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط . إن كنت مفتقراً إلى الله وأنت في الرخاء تكن أقوى الناس :
قال تعالى : ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)﴾
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾
وحده ، التوحيد فطري مغروس في أعماق الإنسان ، لكن لا يظهر إلا عند الشدة ، أما في الرخاء تقول : زيد وعبيد ، وفلان وعلان ، وحجمي المالي كبير ، وخبرتي المتراكمة ، وأنا ابن عائلة ، وأنا كذا ، هذا كله في الرخاء ، تأتي الشدة ، يا رب ، لا إله غيرك ، فأنت إن كنت مفتقراً إلى الله وأنت في الرخاء تكون أقوى الناس ، إن افتقرت إلى الله وأنت في الرخاء تكون أعلم الناس ، إن افتقرت إلى الله وأنت في الرخاء تكن أغنى الناس ، تكون أحكم الناس إن افتقرت إلى الله وأنت في الرخاء ، فكل إنسان يفتقر إلى الله في الشدة . ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)﴾
ثمة أمم فسقت ، وفجرت ، وأشركت ، وكفرت ، بل وأنكرت وجود الله أصلاً ، لأن هذه الأمم مدعوة إلى الله عز وجل ، وخلقت لتعرفه ، وخلقت للجنة ، لم يخلق الله مخلوقاً إلا للسعادة .
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾
( سورة هود الآية : 119 )
هذه الأمم التي أرسل الله إليها البأساء والضراء لأنها شردت عن الله عز وجل ساق لها هذه العلاجات التربوية . سياسة الله عز وجل مع خلقه أربع مراحل :
كلكم يعلم أيها الأخوة أن الله عز وجل سياسته مع خلقه أربع مراحل ، أول مرحلة هي أجمل مرحلة ، وأسلم مرحلة ، وألطف مرحلة ، يدعوك دعوة بيانية تسمع درساً ، تسمع خطبة ، تقرأ كتاباً ، تسمع شريطاً ، تسمع موعظة ، تسمع نصيحة ، وأنت صحيح ، معافى ، قوي ، غني ، ليس عندك مشكلة ، هذه الدعوة البيانية ، هذه ألطف دعوة ، وأكمل دعوة ، وأنعم دعوة ، فالموقف الكامل منها أن تستجيب لله . ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24)﴾
( سورة الأنفال الآية : 24)
كي تعيش الحياة التي خلقت من أجلها ، كي يحيا قلبك ، كي تحيا نفسك ، كي تحيا بقربك من الله ، فالإنسان لم يستجب ، ما دام لم يستجب يخضعه الله لتربية ، أو لإجراء آخر ، يسوق له شدة ، هذا يسمى التأديب التربوي . ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
( سورة السجدة )
في الدعوة البيانية ينبغي أن تستجيب ، وفي التأديب التربوي ينبغي أن تتوب ، ما تاب الإنسان ، ولا استجاب ، فعندنا مرحلة ثالثة لكنها خطيرة ، الإكرام الاستدراجي ، يعطيه الدنيا ، كما تشاء ، أموال ، وصحة ، ومكانة ، وشبكة علاقات ، ما شكر ! بقي آخر حل ، القصم ، الدعوة البيانية ، أكمل موقف منها الاستجابة ، التأديب التربوي أكمل موقف فيه التوبة ، الإكرام الاستدراجي أكمل موقف فيه الشكر ، فهو لا استجاب ولم يتب ولم يشكر . ما دامت الشدائد التي تحيط بنا حوافز إلى الله ومادام هناك بقية حياة فهذه البقية نعمة :
قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
( سورة الأنعام )
تسمعون عالَم غني ، قوي ، متغطرس ، متكبر ، يكيل بمليون مكيال ، وأقوياء ، وأغنياء ، وأذكياء ، وحياتهم مرفهة ، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
مال ، نساء ، بلاد جميلة خضراء ، غطرسة ، كبر ، هذه الثالثة الإكرام الاستدراجي ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
فنحن ما دمنا في العناية المشددة ، وما دامت الشدائد التي تحيط بنا حوافز إلى الله ، مادام هناك بقية حياة ، بقية خوف من الله ، بقية رحمة ، بقية إنصاف ، بقية صدق ، بقية أمانة ، بقية عفة ، بقية محبة ، فهذه البقايا نعمة لأن ثمة حياة .
الآن الطبيب ينظر إلى مريض ، يظنه مات ، يمسك النبض ، يدقق ، ليس فيه حركة ، كل واحد منا يضع يده على مكان شريان يشعر بالنبض ، فالطبيب يضع يده على شريان في المعصم ، لا حركة ، قد يكون القلب نبضه ضعيف جداً ، يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه ، إذا ظهر عليها بخار ماء فهو يتنفس ، ليس ثمة بخار ماء يأتي بمصباح شديد ، يفتح عينه ، ويضيء المصباح ، إذا كانت الحدقة صغرى فهناك ردود فعل ، لا الحدقة صغرت ، ولا المرآة انطبع عليها بخار الماء ، وليس هناك نبض ، يقول : عظم الله أجركم ، ميت ، هكذا الوضع ، ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾
هذا التأديب التربوي ، الأكمل : ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)﴾
بطولتنا ألا نصل مع الله إلى طريق مسدود :
الزلزال الذي حصل في شرق آسيا ، أيّ طرحٍ أن هذا عقاب من الله ، وتأديب ، وهذه السواحل فيها فسق ، وفجور ، وفيها ثمانمئة ألف غلام للفجور بهم ، وفيها كل أنواع المعاصي التي تحرمها الشرائع الثلاث ، لا يرضى أن يكون هذا الطرح إلا أن يكون اصطدام لوحين مسبب هذه الكارثة ، أيّ طرح توحيدي سماوي مرفوض ، وأي طرح شركي أرضي مقبول ، فلذلك : ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
أنا سمعت أن الذين ـ والعياذ بالله ـ يتعاطون الحشيش يشترون قطعة غالية جداً يأخذها أحدهم فيشعر أنه يحلق في الأجواء ، أي صوت عنيف يطير له ، فجأة هذا الإنسان عندما يكون بعيداً عن الله يكون غنياً وقويّاً ، والأمور كلها بين يديك ، والملذات ، والشهوات تأتيه مصيبة ، ويجد نفسه في قبضة الله عز وجل . نحن بطولتنا أيها الأخوة ، ألا نصل مع الله إلى طريق مسدود .
كل إنسان يموت على نيته :
قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
للتوضيح ، وقد ذكرت هذا مراراً ، ما كل من هلك في زلزال آسيا غير مؤمن ، كل إنسان يموت على نيته ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
(( إن الله تعالى إذا أنزل سطوته على أهل نقمته فوافت آجال قوم صالحين فأهلكوا بهلاكهم ، ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم ))
[البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها ]
هذا موضوع ثانٍ ، التعميم من العمى ، ما كل إنسان أهلك بزلزال ليس مؤمناً ، قد يكون هناك مؤمنون ، قد يكون هناك غير مؤمنين ، مصيبة واحدة لبعضهم عقاب ، ولبعضهم امتحان ، ولبعضهم ترقية . دائماً دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان :
قال تعالى : ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾
هذا الظلم مرتعه وخيم ، والله عز وجل يقول :
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ (12)﴾
( سورة آل عمران الآية : 12 )
لكن دائماً دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان ، يخاطب الله نبيه e . ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (46)﴾
( سورة يونس الآية : 46 )
معنى ذلك حتى النبي الكريم ، وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، قد لا يمتع عينيه بنصر الله عز وجل ، نحن مؤمنون وصابرون ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا ويحفظ بلادنا من كل مكروه .

العفريني
09-22-2011, 05:43 PM
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)﴾
أيها الأخوة الكرام ، من توفيق الإنسان في الدنيا أن يفهم حكمة ما أودع الله فيه من أجهزة ، أودع فيه عينين ، ولساناً ، وشفتين ، وأذنين ، أودع فيه عقلاً ، أو فكراً ، هذه الأجهزة التي أودعها الله فيه ينبغي أن يعلم لماذا أودعت فيه ؟ ينبغي أن يرى بعينه آيات الله الدالة على عظمته ، وينبغي أن يصغي بأذنيه إلى الحق إذا تلي عليه ، وينبغي أن يُحكم محاكمته لمعرفة سر وجوده ، وغاية وجوده ، هذه الحظوظ ، حظ السمع والبصر والفكر أدوات معرفة الله عز وجل ، ومعرفة الله عز وجل سر السعادة الأبدية .
أيها الأخوة ، نحن في فرصة لا تتكرر لسعادة إلى أبد الآبدين ، لكن الذي غفل عن هويته عن أنه إنسان مخلوق أول أودع الله فيه هذه الأجهزة كي تكون أدوات بين يديه لمعرفة الله عز وجل ، هذا الذي يرى بعينيه ما لا يرضي الله ، ويصغي بأذنيه إلى الباطل ، ويعمل تفكيره في غير ما خلق له .
مثلاً : أنا حينما آتي بآلة تصوير ملوَّنة ، يمكن أن أستخدمها في تصميم أغلفة الكتب والتقاويم ، وأشياء لا تعد ولا تحصى ، ويمكن أن أستخدمها أيضاً فأجمع منها ثروة طائلة ، أما أن أستخدمها في تزوير العملة عندئذٍ ينتهي بي المصير إلى السجن ، أنا حينما أُسجن لأنني استخدمت آلة تصوير ملونة في تزوير العملة أقول : أنا استخدمت الآلة لغير ما صنعت له ، صنعت للتصاميم ، للأشياء الموافقة للقوانين ، أما حينما أستخدم هذه الآلة للتزوير فإنه ينتهي بي المصير إلى السجن .
حينما تعبد الله كأنك تراه فأنت في أعلى درجات العبادة :
الآن السؤال : ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾
( سورة البلد )
عين ؛ والله الذي لا إله إلا هو ، تحار العقول في دقة صنعها ، ذكرت مراراً أن أعلى آلة تصوير على الإطلاق صنعت حتى الآن الرقمية ، وأعلى آلة تصوير يقتنيها مصور محترف في الميليمتر المربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي ، بينما في العين التي هي من صنع الله في الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي ، العين البشرية السليمة تميز بين ثمانية ملايين لون ، لو أن كل لون درج ثمانمئة ألف درجة لميزت العين السليمة بين درجتين ، والحديث عن المطابقة ، وعن أن القرنية تتغذى بالحلول ، والله لا أذكر من دقائق العين إلا واحداً بالمليار ، ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾
أيعقل أن تكون هاتان العينان من أجل أن ترى بهما عورات المسلمين ؟ أم من أجل أن ترى بهما دقيق صنع الله عز وجل ! فالله عز وجل زودنا بعينين . شيء آخر ، الذي أعطاك العينين لترى بهما ألا يراك ؟ ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)﴾
( سورة البلد )
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾
الذي خلق لك العينين ألا يراك ؟ وأعظم إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، هذا الإيمان ، أنت حينما تعبد الله كأنك تراه فأنت في أعلى درجات العبادة ، فالله عز وجل يقول : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾
يعني هذه اللغة التي تفضل الله بها علينا حيث قال الله عز وجل : ﴿ الرَّحْمَنُ (1)عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2)خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾
( سورة الرحمن )
بكلمة يستجيب الناس لك ، تصوَّر دولة ليس فيها لغة ، فإذا أردت أن أنقل للناس شيئاً ما الوسيلة ؟ لو أردت أن أمنع التجول أحتاج إذا كان عندي سبعة عشر مليون إنسان أحتاج إلى سبعة عشر مليون شرطي ليدفعهم إلى البيوت ، لكن ببلاغ لا يستغرق دقيقة لا ترى أحداً في الطرقات ، ما هي أداة الاتصال بينك وبين الناس ؟ هذه اللغة . من تكريم الله للإنسان أنه علمه البيان :
من تكريم الله للإنسان أنه علمه البيان ، تعبر عن أفكارك ، تعبر عن مشاعرك ، تطلع على أفكار الآخرين ، على مشاعرهم ، تتعلم الخبرات التي تراكمت عبر الأجيال ، تتعلم العلوم التي كشفتها بقية الأمم عن طريق الترجمة ، فضل الله علينا باللغة فضل كبير . ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)﴾
( سورة العلق )
الله عز وجل جعل لنا عينين ، وجعل لنا أذنين ، متكلم واحد يسمعه الآن ملايين مملينة ، الملايين المملينة يقفون على ما قال بشكل مباشر ، فقضية اللغة من أدق تعاريفها أنها أداة اتصال بين أفراد النوع ، أداة اتصال ، وأداة تعبير ، وأداة مشاركة ، وأداة يرقى بها الإنسان ، كل إنسان حصَّل العلم جمع علمه في كتاب ، هذه الثقافة تراكمت ، ما قاله الإمام القرطبي قبل ألف عام نقرأه اليوم من خلال اللغة ، ولولا اللغة لما حفظ علم ، ولا انتفع منه إطلاقاً .
إذاً ، هذا الذي أعطانا الفكر ، وأعطانا السمع ، وأعطانا العينين ، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نؤمن به ، وإذا آمنا به سعدنا بقربه في الدنيا والآخرة ، فأنت حينما تكشف علة وجودك في الدنيا أن الله سبحانه وتعالى خلقك كي تعرفه ، وإن عرفته عرفت كل شيء ، وإن فاتك فَاتك كل شيء ، أنت حينما تعلم أن هذه الحياة الدنيا فرصة ذهبية لا تتكرر لنيل سعادة أبدية لا توصف تعمل لهذه الفرصة . ( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : } فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ { ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
علينا أن نستعمل الفكر والجوارح فيما خلقت له :
الله عز وجل يقول : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾
الأصم أبكم ، هذا الطفل ينشأ في بيئة يفهم بعد حين كل شيء ، وينطق بكل شيء ، الإنسان يسمع ويرى ، السمع نافذة على العالم الخارجي ، والرؤية نافذة على العالم الخارجي ، والفكر هو الذي يتلقى هذه الصور وتلك الأصوات ، ويحللها ويفهمها ، لذلك قال تعالى : ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾
( سورة الإسراء )
الذي أتمنى أن يكون واضحاً أيها الأخوة أنه ينبغي أن تستعمل الجوارح فيما خلقت له ، وينبغي أن تستعمل الفكر الذي أودعه الله فيك فيما خلق له ، في دماغ الإنسان مئة وأربعون مليار خلية سمراء استنادية لم تُعرف وظيفتها بعد ، وعلى سطح الدماغ أربعة عشر مليار خلية قشرية تتمّ فيها عمليات تفوق حد الخيال ، تتم المحاكمة في ناصية الرأس ، وهناك مركز للسمع ، والبصر ، والشم ، والمحاكمة ، والاستنباط ، تتم عمليات فكرية في الدماغ تفوق حد الخيال ، في بعض المقالات العلمية أنهم فتحوا دماغ إنسان ، وأعطوا منطقة الذاكرة تياراً كهربائياً ضعيفاً جداً فالذكريات التي كانت قبل ثلاثين عاماً تذكرها ، فلما رفعوا شدة التيار انقلبت الذكريات إلى صور أمامه ، ولا يزال الدماغ عاجزاً عن أن يفهم ذاته حتى الآن وهو أعقد جهاز في الإنسان .
أيها الأخوة ، حينما يتفضل الله تعالى علينا بالسمع والبصر ، عندك ذاكرة لا يزيد حجمها على حبة العدس يمكن أن تستوعب ستين مليار صورة خلال عمر معتدل متوسط . الله سبحانه وتعالى لكرامة الإنسان عنده منحه بعض صفاته :
ذكرت قبل ذلك أن الله سبحانه وتعالى لكرامة الإنسان عنده منحه بعض صفاته ، فالإنسان فرد لا يتكرر ، علامة فرديته أن قزحية عينه لا يمكن أن يشبهه فيها إنسان على وجه الأرض ، لذلك استخدمت هذه الخاصة في الإنسان الآن لما يسمى مكافحة الإرهاب ، فإذا دخلت إلى مطار في بلاد الغرب أول شيء تؤخذ صورة لقزحية العين ، وتوضع على الجواز ، عندئذٍ لا يمكن لهذا الجواز أن يزور ، الآن صنعت أقفال لا تفتح إلا على قزحية العين ، هناك إنسان واحد على الأرض يستطيع فتح هذا القفل ، وهو صاحب القفل ، يضع عينيه عليه ويفتحها ، فأنت فرد في قزحية العين ، لا يمكن أن يشبهك إنسان آخر على وجه الأرض في شكل قزحية العين ، وأنت فرد في نبرة الصوت ، لك نبرة صوت تتميز بها من بين الستة آلاف مليون ، وأنت فرد في رائحة الجلد ، وحديث بعض النساء لنصح بناتهن يوم الزفاف : " والماء أطيب الطيب المفقود " ، لأن لكل جلد رائحة زكية ، فإذا نظفت جلدك فلجلدك رائحة مقبولة ، ورائعة ، لكن بشرط أن تكون نظيفاً ، وعلى أساس هذه الرائحة تعمل الكلاب البوليسية ، لأن الكلب أودع الله فيه حاسة شم تفوق حاسة الإنسان بمليون ضعف ، لذلك إن أعطيته حاجة لامست جلد إنسان مطلوب يبحث عنه من بين مئات الألوف ، ويهتدي إليه بمسافات بعيدة جداً ، فرائحة جلد الإنسان هوية ، ونبرة صوته هوية ، وقزحية عينه هوية، وبصمته هوية .
أحد المجرمين الذي أدمن على الإجرام أجرى عملية ونزع جلد إبهاميه ، وضع مكانهما جلداً من رجليه ، بعد شهرين ظهر على الجلد الذي زُرع خطوط بصمته السابقة .
حدثني أخ محامٍ ، قال لي : في أيّ عَقدٍ مهمٍّ احرص على أن يبصم الطرف الآخر ببصمته على العقد ، قلت له : لماذا ؟ قال : لأن التوقيع يُقلّد ، والادعاء بأن هذا التوقيع ليس توقيعي قائم ، والمحاكمة قد تستمر عشر سنوات ، للتأكد من التوقيع ، بينما بصمة الإنسان لا تقلَّد ، عرضوا بصمة على مئة ألف بصمة ، والبصمة فيها تقريباً مئة علامة ، لا يمكن أن تتشابه من البصمتين سبع علامات ، وإن توافقت سبع علامات بين البصمتين فهما لإنسان واحد ، وأنت فرد في بصمتك .
الآن هناك شيء اسمه الزمرة النسيجية ، لذلك الإنسان حينما يزرع كلية ، ويرفضها الجسم هذا لتباعد الزمرتين ، وليس على وجه الأرض إنسان يشبهك في زمرتك النسيجية ، هذه غير الزمرة الدموية ، كل إنسان له زمرة نسيجية .
أنت فرد في بلازما الدم ، السائل التي تسبح فيه الكريات الحمراء ، أنت بهذا أيضاً فرد ، فلكرامتك عند الله منحك صفة الفردية ، وهي صفتك . لكرامتك عند الله سمح الله لك أن تشرع وأن تبتدع :
إذا قرأنا الحديث الشريف يمكن أن نفهم هذا الحديث في ضوء هذه المعطيات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ))
[البخاري والنسائي عن أبي هريرة ]
فأنت المخلوق الأول ، أنت المخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض ، وأن هذه الدنيا دار عمل وليست دار أمل ، ودار تكليف لا دار تشريف ، وأنت فرد حينما سمح الله لك أن تشرع من خلال نصوص قرآنية ظنية الدلالة سمح الله للعلماء الكبار أن يستنبطوا أحكاماً فقهية فرعية من نصوص كلية . إذاً : لكرامتك عند الله سمح الله لك أن تشرع .
لكرامتك عند الله أيضاً سمح لك أن تبتدع ، الآن توصلوا إلى وردة سوداء ، إلى نبات هجين ، أساساً معظم النباتات التي نأكلها بذورها أجريت عليها تعديلات وراثية ، نأخذ من هذا النبات مقاومته للبرد ، ومن هذا النبات محصوله الغزير ، ومن هذا النبات العطاء المستمر ، نجمعها في نبات واحد ، إذاً سمح للإنسان أن يبدع من خلال الجينات .
من يصدق أن في الإنسان تقريباً ثلاثين ألف جينة ، وكل جينة مؤلفة من حروف في بويضة المرأة وحوين الرجل ، وفي النواة في معلومات مبرمجة ، حروفها تقترب من آلاف الملايين ، تم اكتشاف ثلاثين جيناً حتى الآن ، وهناك تسعة آلاف مرض تعود أسبابها إلى الجينات ، وأن الذي كان يقال في العالم الغربي من أن المنحرف جنسياً له جينات خاصة كلام سقط تحت الأقدام ، وثبت بالبحوث الدقيقة أنه لا علاقة بين الجينات وانحراف الإنسان ، إنما هو من فعله واختياره .
إذاً : السمع ؛ والله لا تزال الأذن من عجائب خلق الله للإنسان ، كيف يفرق الإنسان بين النغم والضجيج ؟ قد تضع تحت باب الغرفة قطعة زجاج ، فإذا فتحت الباب تكاد تخرج من جلدك من انزعاجك من هذا الصوت ، وقد تقف أمام شلال كشلالات نياغارا ، فلا تتأذى بهذا الصوت ، هذا صوت ماء ، خرير مقبول عند الإنسان ، حتى الآن السر في التفريق بين النغم والضجيج مجهول ، ما في الأرض الآن آلة تكبر الصوت ، وتخمد الصوت كغشاء الطبل ، إن كان الصوت ضعيفاً كبره ، وإن كان قوياً خففه ، وأنت لا تعلم ، غشاء طبل ، وقناة سمعية ، ما الفرق بين أن تأتيك الأصوات وأن تفهمها ؟ لو جلست بين اثنين يتحدثون الفارسية مثلاً ، تأتيك الأصوات فقط ، لكن لو جلست بين اثنين يتحدثون العربية تأتيك الأصوات والمعاني والأفكار والمشاعر ، في أي مكان تفهم الكلام . بطولة الإنسان أن يستخدم جوارحه لما خلقت له :
هناك شيء دقيق في الأذن ؛ اجلس مع صديق حميم في الغرفة ، وضع على النافذة آلة تسجيل ، وأدر معه حديثاً حميماً عميقاً لساعة ، ثم اسأله : ماذا سمعت من أصوات في الطريق ؟ لا يسمع شيئاً ، مع أن هناك أصوات سيارات ، وبائع وقود سائل ، وصوت ارتطام ، ما هذه الأذن التي تصطفي لك ما أنت بحاجة إليه ، وبقية الأصوات لا تسمعها أبداً ؟ افتح المسجلة ، كل هذه الأصوات التي سجلتها لم تسمعها ، ما هذه الدقة في الصنع ؟ قال تعالى : ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (88)﴾
( سورة النمل الآية : 88 )
وقال : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ (78)﴾
( سورة المؤمنين الآية : 78 )
صنعت الأذن كي تتلقى بها الحق ، وصنعت العين كي ترى بها آيات الله الدالة على عظمته ، وقدم لك الدماغ أو الفكر من أجل أن تعرف الله عز وجل ، فكل بطولتك أن تستخدم هذه الجوارح لما خلقت له ، إذاً الآية : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)﴾
النعم التي أنعم الله علينا بها لا تقدر بثمن :
حينما قال الله عز وجل : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26)﴾
( سورة الملك الآية : 26 )
من يملك عينيه ؟ لي صديقُ صديقٍ جاء من فرنسا يحمل أعلى شهادة ، وتولى منصباً رفيعاً جداً ، تزوج بامرأة ، وأتى معه بامرأة من فرنسا ، وسكن بأرقى أحياء دمشق ، وكان متألقاً إلى أبعد الحدود ، فجأة فَقَدَ بصره ، فمن باب المجاملات بقي في بيته شهرين أو ثلاثة يأتيه الموظف بالبريد ، يقرأه له ، ويأخذ توجيهاته ، بعد حين سُرح ، يروي لصديقه ما يلي ، يقول : والله ، أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس ، وليس علي إلا معطف ، وأن يرد الله إلي بصري ، فالذي يملك العينين فهما نعمتان لا تقدران بثمن ، والذي يملك الأذنين فهما نعمتان لا تقدران بثمن ، والذي يملك عقلاً فهو نعمة .
مرة كنا في حفل في غوطة دمشق ، حفل عيد مولد نبوي ، إنسان فقَدَ عقله ، رفع صوته بالسباب والشتائم ، وسبّ الدين ، وسبّ مَن في المجلس ، ألغى كل هذا الحفل ، فلما انصرفنا ، قلت : يا رب ، ما الحكمة من وجود هذا الإنسان المختل ؟! قلت : من أجل أن نعرف نعمة العقل ، الذي أعطاه الله عز وجل عقلاً يتكلم الكلام المناسب ، يسكت في الوقت المناسب ، يغضب في الوقت المناسب ، يحلم في الوقت المناسب ، يربي أولاده بطريقة حكيمة ، هذه نعمة لا تقدر بثمن ، فالله عز وجل يلفت النظر إلى نعمة السمع والبصر ونعمة العقل .
بالمناسبة ، الدماغ يمكن أن نسميه فكراً ، أما العقل فقد يكون في القلب لا في المضخة الصنوبرية ، لا ، في قلب النفس ، لقوله تعالى : ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا (179)﴾
( سورة الأعراف الآية : 179 )
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾
يصدفون أيْ ينصرفون عن الحق إلى غيره . (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق يشكر سواي، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري ، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بالعبد من الأم بولدها .))
[ورد في الأثر]
جهاز المناعة المكتسب في جسمنا فيه ست فرق :
أيها الإنسان ، ما دام الحديث عن آيات الله الدالة على عظمته في خلق الإنسان فهل تعلم أن في جسمك جيشاً بكل ما في الكلمة من معنى ؟ هذا الجيش اسمه جهاز المناعة المكتسب ، فيه ست فرق :
الفرقة الأولى : سلاح الإشارة ، كيف تتواصل ، الفرقة الأولى مع الثانية مع الثالثة مع الرابعة مع الخامسة مع السادسة ، عن طريق فرقة سلاح الإشارة .
الفرقة الثانية : فرقة الاستطلاع أو الاستخبارات ، إذا دخل جرثوم إلى الجسم ذهبت إليه ، وأخذت شفرته الكيماوية ، فقط ، وترجع إلى فرقة ثالثة تصنع فيها الأسلحة في العقد الليمفاوية ، في هذه العقد تصنع الأسلحة ، هذه العقد تملك ذاكرة عجيبة ، فإذا صنعت سلاحاً مضاداً لجرثوم ، وشفي هذا الإنسان عن طريق هذا السلاح المضاد تودع خصائص هذا السلاح في ملف ، فلو عاد الجرثوم بعد سبعين عاماً ، الملف جاهز ، ولولا هذا الملف لما كان من جدوى من التلقيح إطلاقاً ، ما التلقيح ؟ نعطي الطفل جرثوم الكوليرا ، العقد الليمفاوية تصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم ، ويحفظ في ملف خاص ، فإذا عاد الجرثوم بعد سبعين عاماً ، الملف جاهز والسلاح جاهز ، فالفرقة الأولى إشارة ، والثانية استطلاع ، والثالثة تصنيع أسلحة ، والرابعة فرقة المقاتلين .
الفرقة الأولى : سلاح الإشارة ، الفرقة الثانية : سلاح الاستطلاع والاستخبارات، الفرقة الثالثة : مؤسسة معامل الدفاع ، الفرقة الرابعة : المشاة والمقاتلون ، الفرقة الخامسة : فرقة سلاح الهندسة ، لتنظيف أرض المعركة من جثث القتلى . جهاز المناعة المكتسب يقويه الحب والأمن ويضعفه الخوف والقلق :
أحيانا يحدث ورم داخله سائل أبيض في الجسم ، هذه نتائج المعركة ، الشيء الذي لا يصدق أنه إلى جانب القلب غدة بحجم حبة الحمص اسمها التيموس ، إلى عقدين من الزمن أجمعت كتب الطب أنها غدة لا وظيفة لها ، هذا يدرس في الجامعات ، ثم اكتشف أن هذه الغدة التي اسمها التيموس هي أخطر غدة على الإطلاق في الإنسان ، ما هي هذه الغدة ؟ هي مدرسة حربية ، الفرقة الرابعة فرقة المقاتلين ، عنصر قوي معه سلاح فتاك ، لكنه جاهل، سماها العلماء الغدة التائية الهمجية ، فإذا دخلت إلى هذه المدرسة الحربية تعلمت من هو الصديق ومن هو العدو ، تمكث هذه الكريات في هذه الغدة التيموس سنتين ، تتعرفان إلى كل العناصر الصديقة وإلى كل العناصر العدوة ، ولا بد من امتحان ، ما الامتحان ؟ تعطى هذه الكرية عنصر صديق ، فإذا قتلته ترسب وتُقتل ، وإذا لم تقتله تنجح وتتخرج ، ثم تعطى عنصراً عدواً ، فإذا لم تقتله ترسب وتقتل ، وإن قتلته تنجح وتتخرج ، الآن هذا الجيل الأول الذي تلقى التعليم يعلم الأجيال اللاحقة إلى نهاية العمر ، وعندئذٍ تنتهي مهمة هذه المدرسة ، وتغلق أبوابها وتضمر .
في سن الستين ، أو السبعين ، أو الخمسين ، تنشأ حالة اسمها خرف مناعي ، يضعف التعليم ، فتنشأ في الجسم حرب أهلية ، يعني هذه العناصر القوية التي معها سلاح بدل أن تقاتل أعداء الجسم الجراثيم تقاتل العناصر الصديقة ، لذلك الأطباء عدُّوا سبعة أمراض تتأتى من هذه الحرب الأهلية ، منها التهاب المفاصل الحاد ، هذا مرض سببه حرب أهلية في الجسم لضعف التعليم .
أيها الأخوة ، جهاز المناعة المكتسب هذا الجهاز إدارته خارج الجسم ، عناصره في الجسم ست فرق ، لكن في فرقة اكتشفت عام سبعة وستين اسمها فرقة المغاوير ، الكومندس ، هذه الفرقة تستطيع أن تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر وأن تلتهمها ، هذه الفرقة وفي أحدث بحث عن الخلايا السرطانية في الجسم أن كل إنسان من بني البشر فيه مليارات الخلايا السرطانية ، لكن يوجد على كل خلية قامع يقمعها أن تؤذي صاحبها ، ما الذي يفك القامع عنها ؟ أربعة أشياء : الشدة النفسية ، الخوف ، القلق ، الحقد ، لذلك التوحيد صحة ، الموحد لا يخاف ، الموحد لا يحقد ، الموحد لا يقلق . ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51)﴾
( سورة التوبة الآية : 51 )
لذلك هذا الجهاز يقويه الحب والأمن ، ويضعفه الخوف والقلق . المؤمن واثق من نصر الله ولو تأخر قليلاً :
هذه الخلايا السرطانية على كل خلية قامع يقمعها ، فالشدة النفسية التي تتأتى من الشرك بالله ، والآية : ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء )
إن الله عز وجل يقول : ﴿ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾
( سورة هود الآية : 123 )
وقال : ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
( سورة الشورى )
الشدة النفسية أخطر شيء على جهاز المناعة ، وكم من إنسان تلقى نبأ سيئاً فأصيب بمرض خبيث ، ضعف جهاز المناعة يعني الخلية السرطانية تتحرر من قامعها عن طريق الشدة النفسية ، والشدة النفسية سببها الشرك .
النبي عليه الصلاة والسلام علّمنا ؛ إنسان كل من في الجزيرة ضده ، أهدر دمه ، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، تبعه سراقة ، قال له : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ما هذا الحل ؟! يعني أنا سأصل ، وسأؤسس كياناً إسلامياً ، وسأحارب أكبر دولة وقتها ، وسأنتصر عليها ، وسوف تأتيني غنائم كسرى إلى المدينة ، ويا سراقة لك سوار كسرى ، فالمؤمن واثق من نصر الله ولو تأخر قليلاً . ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران )
أنا أقول لكم أيها الأخوة : الآن أخطر شيء يدمرنا أن ننهزم من الداخل ، أن نقنط من رحمة الله ، أن نقول : انتهينا ، أعداؤنا أقوياء جداً وبيدهم كل شيء ونحن انتهينا ، لا إنما نحن ممتحنون ، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
الذي يفك هذا القامع أيضاً ذرة البترول ، الذي يعمل بمشتقات البترول ولا ينظف يديه كثيراً ، ويأكل بيديه ، فإذا وصل إلى جوفه بعض هذه المواد البترولية ربما هذا يسبب ضعفاً في جهاز المناعة .
أيضاً البلاستيك مع الحرارة والحمض والقشط كما يقال ، إما أن يصل إلى جوفك بحركة ميكانيكية عن طريق السكين والكيس ، أو بالحمض مع البلاستيك ، أو بالحرارة مع البلاستيك ، ثم الإشعاع النووي ، أربعة أشياء تضعف القامع التي تقمع الخلية السرطانية . الحب والأمن من ثمار الإيمان :
أيها الأخوة ، هذا خلق الله ، جهاز المناعة المكتسب ، استمعوا لهذه الحقيقة ، يقويه الحب ، ويقويه الأمن ، والحب والأمن من ثمار الإيمان . ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
( سورة الأنعام )
الأمن لهم وحدهم ، والله الأخطار التي تنتظر المسلمين لا تعد ولا تحصى ، والله التهديدات التي يهدد بها الأقوياء العالم الإسلامي لا تعد ولا تحصى ، والأسلحة التي يملكها أعداؤنا يصعب تصورها من شدة فتكها ، ومع ذلك الله عز وجل يطمئننا أن الأمر كله بيده ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾
( سورة الزخرف )
وقال : ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف )
وقال : ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10)﴾
( سورة الفتح الآية : 10 )
وقال : ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (17)﴾
( سورة الأنفال الآية : 17 )
نحن في أمس الحاجة إلى التوحيد وإلى أن نرى أن يد الله تعمل وحدها في الكون :
نحن الآن أيها الأخوة في أمسّ الحاجة إلى التوحيد ، إلى أن نرى أن يد الله تعمل وحدها في الكون : ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (59)﴾
( سورة الأنعام الآية : 59 )
ما تسقط من قنبلة يعلمها من باب أولى ، ما دامت ورقة زيتون إذا سقطت يعلمها الصاروخ والقنبلة والزلزال بيده ، سيدنا موسى حينما كان في صندوق دققوا في هذا الكلام : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)﴾
( سورة القصص الآية : 7 )
ما هذا الكلام ؟ لمن هذه القصة ؟ لنا ، صندوق في نهر من يحركه ؟ الله جل جلاله ، من ساقه إلى شاطئ قصر فرعون ؟ من جعله يقف أمام غصن ؟ من ألهم امرأة فرعون أن تأتي إلى شاطئ القصر ؟ من جعل هذا ؟
وجد أحدهم نفسه فجأة في بطن حوت ، في ظلمة بطن الحوت ، وفي ظلمة أعماق البحر ، وفي ظلمة الليل ، في ظلمات ثلاث ، الأمل كم بالنجاة ؟ ولا واحد بالمليار . ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
القصة انتهت ، جاء القانون الذي قلبها إلى قانون : ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
إن اتقينا ربنا وصبرنا فالتقوى والصبر طريقنا إلى النصر :
فرعون بقوته العسكرية المخيفة ، وبحقده الدفين ، وبلحاقه لموسى وأصحابه والبحر أمامهم ، النجاة احتمالها كم ؟ صفر . ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء )
نحن أيها الأخوة في أمسّ الحاجة إلى الثقة بالله ، ولكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، إن اتقينا ربنا وصبرنا فالتقوى والصبر طريقنا إلى النصر ، وإن عصينا وصبرنا فهي الطريق إلى القبر ، الحال مؤلم ، نعصي ونصبر ، ونصبر تجاوزاً مقهورون ، أما حينما نتقي ونصبر هو طريق النصر . الآية أيها الأخوة : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)﴾
يصدفون عن الحق ، لذلك ما أكثر العبرَ وما أقلّ المعتبرين ، نحن بأمسّ الحاجة في هذه الظروف العصيبة التي يكيد لنا أهل الأرض ، لا ليضعفونا ، بل ليستأصلونا ، أقول لكم بكل صراحة : نحن أمام حرب عالمية ثالثة موجهة ضد المسلمين ، ينبغي أن نستعد بالإيمان ، وبالعمل ، وبالتعاون ، وبالتضامن ، فلعل الله سبحانه وتعالى يحبط مسعاهم

العفريني
09-22-2011, 05:44 PM
﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾
كما يتوهم بعض الجهلة أن المصائب تأتي عشوائياً ، والعوام لهم كلمة ؛ أن الرحمة خاصة والبلاء يعم ، وهذا الكلام لا أصل له في الدين ،
﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾
قد يأتي بغتة كما قال عليه الصلاة والسلام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]
أحياناً يأتي البلاء فجأة ، خثرة بالدماغ تسبب شللاً ، ترك منصبه ، وتجارته ، وبيته ، ونشاطاته ، وسفره ، واستمتاعه بالحياة ، انتهى كل شيء ، أحياناً حادث ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾
هناك عذاب بينك وبين الله ، وهناك عذاب مهين تحت سمع البشر ونظرهم ، ولعل الله أحياناً يكرّم عبده المؤمن بتأديبه بينه وبينه ، بين الله وبين المؤمن ، مثلاً : كيف يؤدَّب المؤمن ؟ بالحجب أحياناً ، له مكانته ، وله سمعته ، وله احترامه بين الناس ، ولكن يصلي فلا يشعر بشيء ، يقرأ القرآن فلا يتأثر ، يذكر الله فلا يبكي ، يُكسر بالتعبير المألوف يُضام ، هذا تأديب بينك وبين الله ، لكن أحياناً الإنسان يُفضح على رؤوس الأشهاد ، يُشهر به ، يصبح قصة : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ (44)﴾
( سورة المؤمنين الآية : 44 )
مستحيل أن يهلك من كان مع الله :
لي تشبيه لطيف : الحياة مسرح ، هناك خشبة مسرح ، ومقاعد للمشاهدين ، فالإنسان إذا كان مستقيماً له مع المشاهدين مقعد ، يرى المسرح وما عليه من مشكلات ، ومن أزمات ، ومن فضائح ، ومن قهر ، لكن إن لم يكن الإنسان مستقيماً جُرّ إلى خشبة المسرح ، وصار قصة بين الناس ، لذلك بعض العارفين بالله يقول : " اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك ، اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك ، اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك ، اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منه " .
لذلك : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يهلك من كان مع الله ، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51)﴾
( سورة التوبة الآية : 51 )
معية الله تعني الحفظ ، والنصر ، والتأييد ، والتوفيق . ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾
( سورة غافر )
أدلة من القرآن الكريم تبين أن الله سبحانه وتعالى لن يضيع عملك الصالح :
وقال : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
( سورة الجاثية )
وقال : ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾
وقال : ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾
( سورة سبأ)
هذه قواعد ، الله عز وجل يقول : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (27)﴾
( سورة إبراهيم الآية : 27 )
هذا كلام خالق البشر ، في أي مكان كنت ، في أي بلد ، في أي نظام ، بلد متخلف أو متقدم ، بلد قمعي أو غير قمعي ، بلد فقير أو بلد غني ، من أي فئة كنت ، من أي طائفة كنت ، من أي شريحة كنت ، من أي طبقة كنت ، في أول الزمان ، في آخر الزمان ، يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى لن يضيع عملك الصالح . ﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
( سورة الطور )
هذه أكبر ضمانة ، هذه الآيات ، ﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
أدلة من الحياة اليومية عن انتقام الله سبحانه وتعالى من الظالم :
زارني طبيب ، وقصّ علي قصة ملخصها : أن امرأة جاءته مع زوجها تشكو ورماً خبيثاً في صدرها ، لكن هذا الورم متقدم جداً في مراحله الأخيرة ، فغضب هذا الطبيب ـ لإخلاصه ـ من زوجها ، قال له : لو جئتني قبل أشهر عديدة ، قبل سنة ، احتمال الشفاء كبير جداً ، الآن وصل إلى أقصاه ، قال لي : قلت له : أنت مجرم في حق زوجتك ، قالها بينه وبين الزوج ، قال له : لا ، نحن عند فلان ، ولنا عنده سنة وزيادة ، ولم يقل : إنه ورم خبيث ، قال : إنه التهاب ، ثم همس في أذني أن طالب الطب يعرف أنه ورم خبيث ، ولكن أراد هذا الإنسان أن يستبقيه عنده ليبتزّ ماله ، فأوهمه أنه التهاب ، ويعطيه أدوية التهاب وكورتيزون ، وهكذا ، قال لي : الزوج فجأة وقع على الأرض ، كأنه طفل ، وناجى ربه ، قال له : يا رب إذا كنت موجوداً فانتقم منه ، ربط انتقامه بوجوده لا بعدله ، موجوداً ، يقسم هذا الطبيب أنه جاءه بعد إحدى عشر شهراً شاب لطيف ، قال لي : دخل العيادة متهالكاً ، قال له : من الأخ ؟ قال له : أنا زميلك فلان ، الطبيب نفسه ، وقد أصيب بورم خبيث في صدره أقسم بالله ، قال لي : بحسب خبرتي الطبية كأن هذا الورم بدأ من إحدى عشر شهراً ، من يوم دعا هذا الزوج عليه ، الله كبير .
أيها الأخوة ، إنسان آخر ذهب إلى مطار دمشق ، أراد أن يظهر براعته في قيادة السيارات ، فكان هناك جرو صغير على طرف الطريق ، وفي أيام الشتاء ، والطريق المعبد أكثر دفئاً من التراب ، ولونه أكثر دكنة من لون التراب ، ويمتص أشعة الشمس أكثر ، فاستطاع هذا السائق الماهر أن يقص يدي هذا الكلب الصغير دون أن يميته ، ببراعة في القيادة فائقة ، وأطلق ضحكة هستيرية ، يقول الذي معه : في السبت القادم بعد أسبوع ، في المكان نفسه تعطلت مركبته ، ويحتاج إلى تبديل عجلة ، قال لي : رفع المركبة على الرافعة ، وفك العجلة ، ففسدت هذه الرافعة ، فوقعت السيارة على العجلةِ ، والعجلة على يديه ، فهرستا من الرسغ ، فأخذ إلى المستشفى ، ولا بد من قطع يديه ، وقطعت يداه إلى الرسغين ، كما فعل بالجرو قبل أسبوع ، الله كبير . الأنبياء الكرام ابتلاهم الله عز وجل ولكن ابتلاء الأنبياء ابتلاء كشف :
كلما ازددت معرفة بالله ازددت خوفاً منه ، ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾
الآن دققوا ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾
لا بد من ذكر هذه الحقيقة أيها الأخوة ، كل واحد منا وصل إلى سمعه ألف قصة من فصلها الأخير ، والقصة من فصلها الأخير لا معنى لها إطلاقاً ، فلان دُهس ، فلان انتحر، فلان مرض ، لكن كل واحد منا أيضاً عنده عدة قصص يعرفها من أول فصل حتى آخر فصل ، يُدهش لعدل الله ، يُدهش لحكمته ، يُدهش لقوته ، يُدهش لانتقامه أحياناً .
أنا أنصح نفسي وأنصحكم أيضاً أن تقيس القصص الكثيرة التي تعرفها من فصلها الأخير ، والقصص التي تعرفها من كل فصولها ، كل هذه القصص التي تعرفها من آخر فصل والتي لا معنى لها تُقاس على عدة قصص تعرفها من أول فصل حتى آخر فصل ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾
﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾
لكن طبعاً أتمنى عليكم ألا تفهموا كلامي معمماً ، والتعميم من العمى ، الأنبياء الكرام ابتلاهم الله عز وجل ، لكن ابتلاء الأنبياء ابتلاء كشف ، لا تظهر كمالاتهم إلا بالمصائب أحياناً ، بالطائف ظهر من هو النبي ، والمؤمن يُبتلى ليزداد قرباً من الله ، وليزداد رفعة عند الله ، أما الحديث عن القوم الظالمين فموضوع آخر ، أنا إذا ذكرت أن المصائب تنال الظالم ، بمعنى أن هذا الإنسان خرج عن منهج الله ، وتطاول على عباد الله ، وبنى مجده على أنقاض الخلق ، عندئذٍ استحق عقوبة الخالق : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)﴾
( سورة الأنعام )
القرآن الكريم نذير لأن فيه مشاهد من يوم القيامة :
الإمام القرطبي رحمه الله تعالى حينما قرأ قوله تعالى : ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ (37)﴾
( سورة فاطر الآية : 37 )
الله تعالى يقول : ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
ما النذير ؟ قال : القرآن الكريم هو النذير ، لأن فيه مشاهد من يوم القيامة ، مصير الإنسان إما إلى جنة يدوم نعمها ، أو إلى نار لا ينفذ عذابها ، فالقرآن نذير ، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكر في أحاديثه الصحيحة أن المؤمن يرى مقامه في الجنة عندما يأتيه ملك الموت ، فيقول : لم أرَ شراً قط ، وينسى كل المتاعب التي عاشها في الحياة ، وأن الذي يموت على غير الإيمان ، ويرى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، فكما أن القرآن بما فيه من مشاهد يوم القيامة يُعد نذيراً ، كذلك كلام النبي عليه الصلاة والسلام يعد نذيراً .
شرح أكثر من ذلك ، فقال : سن الأربعين نذير ، ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾
فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، والإنسان إذا سافر إلى مكان ومضى ثلثا الوقت تتغير خطته بعد ثلثي الوقت ، يقطع بطاقة العودة ، يشتري الهدايا ، يفكر في العودة ، إذاً من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، لذلك من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار .
وقال القرطبي أيضاً : سن الستين نذير ، وصل إلى ما قبل النهاية العظمى ، معترك المنايا بين الستين والسبعين .
أخواننا الكرام ، بربكم ، سؤال محرج ، هل يمكن أن نستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما لا نهاية ؟! مستحيل ، هناك بوابة خروج ، أحياناً تأتي من الكبد ، أحياناً من المعدة ، أحياناً من الدماغ ، أحياناً خثرة ، أحياناً فشل كلوي ، أحياناً أزمة قلبية ، أنواع الأمراض لا تعد ولا تحصى ، هذه الأمراض التي سماها النبي مرض الموت ، ويسمى الآن بوابة الخروج ، كيف يخرج الإنسان من الدنيا ؟ بمرض ، أو بحادث ، لذلك الحديث الذي يقسم الظهر : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِياً ؟ أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً ؟ أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً ؟ أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
المصائب أيضاً من النذير :
سؤال واضح ، كما قلت قبل قليل : مستحيل أن نستيقظ كل يوم كاليوم السابق ، في يوم من الأيام سيكون هناك طارئ جديد في حياتنا ، طارئ على الجسم جديد لم يكن ، يبدأ بمراجعة الطبيب ، بتحاليل ، بتصوير ، بعملية جراحية ، بعد هذا ينتهي بنعي ، إذا كان مرض الموت طبعاً ، ولو كان نبيّاً ، ولو كان صالحاً ، هذه بوابة الخروج ، وأيّ مرض آخر غير مرض الموت له دواء ، لكل داء دواء ، كلام واضح ، فصار النذير القرآن الكريم ، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام ، وسن الأربعين ، وسن الستين .
الآن الشيب : " عبدي كبر سنك ، وانحنى ظهرك ، وضعف بصرك ، وشاب شعرك ، فاستحي مني ، فأنا أستحي منك " .
لحكمة بالغةٍ بَالغةٍ بالغَة الإنسان بعد الخمسين أو الستين يشكو من متاعب كثيرة، متاعب في معدته ، متاعب في حركته ، في عظامه ، في مفاصله ، يضعف بصره ، يضع طقم أسنان في فمه ، كأن هذه التبدلات رسائل لطيفة من الله : أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا ، فهل أنت مستعد له ؟ تجد الإنسان حينما يأتي الموت وقد عانى من متاعب الحياة ما عانى ، صدِّقوا ما أقول : يشتاق إلى لقاء الله عز وجل ، أما إذا كان في أعلى درجة من الصحة والنشاط ويؤخذ فجأة قد يكون هذا الانتقال صعباً عليه . إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شــنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لمن يحب مطيــع
* * *
ثم إن المصائب من النذير ، لفت نظر ، الأمور كلها على ما يرام ، فجأة في البيت مشكلة ، مشكلة في الصحة ، في العمل ، مع الابن ، في العلاقات العامة ، مع رئيسه في العمل ، هذه المصيبة أيضاً رسالة من الله ، الآن تستخدم كلمات جديدة ، يقع انفجار يقولون : هذه رسالة وصلت ، الرسالة دائماً شفهية أو كلامية ، الآن هناك مصطلح في الأخبار ، يُعد تفجير بناء رسالة من جهة إلى جهة ، الرسالة وصلت ، إذاً المصيبة أحياناً رسالة من الله ، أن يا عبدي قد قرب اللقاء . المرسلون يبشرون المؤمن وينذرون غير المؤمن :
من معاني النذير موت الأقارب ، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾
المرسلون يبشرون المؤمن ، وينذرون غير المؤمن ، الآن : ﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا﴾
لا تتوهموا أن إيماناً بلا عمل ينفع ، في مئتي موضع في كتاب الله : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ ﴾
أي آمن وطبق ، آمن وانضبط ، آمن وأعطى ، آمن واتقى ، آمن وتحرك ، آمن ووقف موقفاً مشرِّفاً ، ما لم يكن هناك موقف ، وحركة ، والتزام، وانضباط فالإيمان لا قيمة له إطلاقاً ، ﴿ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ ﴾
أيها الأخوة ، دققوا في هاتين الكلمتين ، والله الذي لا إله إلا هو لا تعدلهما السماوات والأرض ، ﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
أنت الآن هنا ، وهذا المستقبل ، وهذا الماضي ، ﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾
في المستقبل ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على ما فات ، لا يخشى مما هو آت ، ولا يحزن على ما فات ، ماذا بقي من سعادة الدنيا ؟ لذلك قال تعالى : ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾
( سورة طه )
في الآية الثانية : ﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
اجمع الآيتين من يتبع هدى الله عز وجل ـ دقق ـ لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، في أي وقت كنت ، في أي مكان ، في أي زمان ، أنت في رعاية الله ، وعناية الله ، وحفظ الله ، وتوفيق الله ، ونصر الله ، وتأييد الله .
أريد أن أقول كلمة : أصحاب الأخدود الذين أحرقهم الملك الظالم الذي ادّعى الألوهية انتصروا أم لم ينتصروا ؟ أنا أقول لكم : انتصروا ، مع أنهم حُرقوا ، انتصروا نصراً مبدئياً كما قال عنه العلماء ، نصر مبدئي ، ماتوا على الإيمان ، قد تكون ضعيفاً في عصر معين ، ما بيدك شيء ، والكافر قوي ، ويقهر هذا الضعيف ، لكن أتمنى أن أوضح فكرة ، هذه الدنيا مهما امتدت ، ومهما طالت ، ومهما قوي الإنسان فيها ، ومهما اغتنى فيها ، ومهما تحكم بأهلها ، ومهما علا شأنه في الأرض فلا بد من أن يموت ، وأن كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، وأن الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ، وأن العمر مهما طال فلا بد من نزول القبر . الدنيا قيمتها أمام الآخرة صفر فهي ليست مقياساً :
الفرق بين الدنيا والأبد فرق بين لا شيء وكل شيء ، إنسان يعيش ستة وثمانين عاماً ، ما شاء الله ! قيمة هذا الأمد الطويل بالنسبة إلى الأبد صفر ، فإذا كان الإنسان في الدنيا لم يأخذ حقه ، كان مقهوراً ، مظلوماً ، أحرق ملك أصحاب الأخدود ، والآن في بلاد المسلمين تأتي قنبلة فتميت مئة شخص ، هذا اسمه نصر مبدئي ، بلد محتل يأتي قصف فيموت إنسان مؤمن مستقيم فرضاً ، عقيدته صحيحة ، مات على الإيمان ، الأكمل أن ننتصر نصراً تقليديّاً فنسترجع الأرض ، ونقهر من احتل أرضنا ، نتمنى ذلك ، لكن إن كان الدين مفتوحة أبوابه على مصارعها ، أقوى مثل أصحاب الأخدود ، أثنى الله عليهم ، وقد حُرقوا ، أنا لا أقول لكم أن نستسلم ، لكن أنت حينما ترى أنك ضعيف لا تملك شيئاً ، ماذا تفعل ؟ اجهد أن تقوي المسلمين ، أما إذا قُهرت وكنت على حق فأنت من أهل الجنة ، وأنت منتصر نصراً مبدئياً ، هذا المعنى : ﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
إذاً : الدنيا قيمتها أمام الآخرة صفر ، لذلك هي أحقر من أن تكون عطاء أو إكراماً لإنسان ، بل هي أحقر من أن تكون عقاباً ، الدليل أن الله يعطيها لمن لا يحب أحياناً ، أعطاها لفرعون الذي قال : ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
( سورة النازعات )
وأعطاها لفرعون الذي قال : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾
( سورة القصص )
وأعطاها لقارون الذي قال : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)﴾
( سورة القصص الآية : 78 )
وأعطاها أيضاً لسليمان الحكيم ، أعطاها لعبد الرحمن بن عوف ، إذاً : مادامت الدنيا قد أعطيت لمن يحب الله ولمن لا يحب إذاً فهي ليست مقياساً على الإطلاق . (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
إذا هان أمر الله علينا هُنّا على الله :
أنت حينما تحكم علاقتك بالله ، وحينما تخطب ود الله ، فأنت عند الله كبير جداً ، ولو كان عملك في المجتمع في الدرجة الدنيا ، قد يكون حاجباً لكن قلامة ظفره تعدل ألف إنسان كبير غني قوي عاصٍ فاسق . ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13)﴾
( سورة الحجرات الآية : 13 )
(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ـ أحد أصحابه الفقراء ـ قال : أو مثلي ! قال : نعم ، خامل في الأرض علم في السماء .))
[ ورد في الأثر]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[الطبراني عن أبي هريرة ]
أنا لا أقول هذا الكلام استسلاماً ، لا ، أقوله تطميناً لمن اختار الله له أن يكون ضعيفاً مستضعفاً ، ما بيدك شيء ، والله الآن لا نملك شيئاً ، جميعاً ، العالم الإسلامي بأكمله بكل إمكاناته ، هذا الواقع لا يملك شيئاً ، نملك أن يزداد إيماننا ، وأن يزداد تعاوننا ، وأن يزداد عطاؤنا ، وأن نربي أولادنا ، وأن نقيم الإسلام في بيوتنا ، وفي أعمالنا ، وأن نؤكد وحدتنا ، وتعاوننا ، وأن نفوت على أعدائنا كل خططهم الجهنمية ، هذا نملكه .
لذلك هذا الوقت عصيب جداً ، أقول وأعيد : إنها حرب عالمية ثالثة معلنة على الإسلام ، هدفها إفقار المسلمين ، ثم إضلالهم ، ثم إفسادهم ، ثم إذلالهم ، ثم إبادتهم ، وهذه حقيقة مُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح ، والله موجود ، وفعال ، وهو الغفور الودود ، ذو العرش المجيد . ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾
( سورة هود )
لكن إذا هان أمر الله علينا هُنّا على الله . لا تستطيع قوة مهما طغت وبغت أن تفسد على الله هدايته لخلقه :
أخوتنا الكرام ، كلمة من القلب إلى القلب ، مستحيل وألف مستحيل أن تستطيع قوة مهما طغت وبغت أن تفسد على الله هدايته لخلقه ، هذا الإسلام شيء لا يكاد يصدق ، كلما قمعته يزداد قوة ، أوضح مثل أنك إذا أردت أن تطفئ النار بالزيت ماذا يحصل ؟ تزداد النار اشتعالاً .
لذلك الآن أكبر دين في العالم في النمو هو الإسلام ، لكن ما الذي حصل ؟ الذي حصل أنه قبل الأحداث الأخيرة كان الغرب قد خطف أبصار أهل الأرض ، عالم غني قوي ، ذكي ، جميل جداً ، جامعات ، قيم ، أقول لكم ، وأنا واقعي : رائعة جداً ، الحرية غير سهلة ، الحرية ، الديمقراطية ، حقوق الإنسان ، العولمة ، العولمة احترام جميع الأديان ، هذه كلها قيم مطروحة هناك ، لذلك الغرب خطف أبصار المسلمين ، وصار الذي معه بطاقة خضراء green card)) كأنه دخل إلى الجنة ، بعد الأحداث الأخيرة هنا الإنجاز ، بعد الأحداث الأخيرة سقط الغرب كحضارة ، وبقي قوة غاشمة ، أليس كذلك ؟ لم يبقَ على الساحة الآن إلا الإسلام ، على ساحة القيم والمبادئ لم يبقَ إلا الإسلام ، وهذه فرصة لا تعوض ، هذا الوقت وقت المسلمين ، لأن في الإسلام خلاص العالم ، العالم كله محتاج إلى الإسلام ، لأن كل النظم الوضعية أصبحت في الوحل ، ولم تحقق للإنسان لا سعادته ولا سلامته ، فلهذا الأنظار جميعاً تتجه إلى المسلمين ، أما المسلمون أمامهم خيار صعب ، لا يستطيعون أن ينشروا دينهم إلا بشروط ثلاثة ؛ أن يحسنوا فهمه أولاً .
واحد أراد أن يسلم في مصر ، فالتقى بشيخ تقليدي ، أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر حتى خرج من جلده ، ورفض الإسلام ، هذا التعقيد غير معقول ، فالتقى بشيخ جليل الإمام محمد عبده ، فقال له : الماء الذي تشربه توضأ منه ، انتهى الأمر .
نحن الآن بحاجة إلى تبسيط الدين ، لا يكون الدين ألغازاً ، وأحاجي ، ومتاهات وأراء ، واجتهادات ، وأدلة ، وأدلة مناقضة حتى يستسلم الإنسان ، ما هذا الدين ؟! الدين كالهواء يجب أن تستنشقه ببساطة ، هذا هو الدين ، الدين لا يستطيع أحد في الأرض أن يحتكره ، لا جماعة ، ولا فئة ، ولا مذهب ، ولا طائفة ، ولا عصر ، ولا مصر ، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء ، هذا الدين ، فلذلك لا بد من تبسيطه ، ولا بد من عقلنته ، ولا بد من تطبيقه . على المسلمين أن يُحسنوا فهم دينهم وتطبيقه وعرضه حتى ينتصروا :
العالم الذي التقى بالجالية البريطانية الإسلامية ، قال : أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب ، على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين ، لأن في الإسلام خلاص العالم ، ولكن بشرط ـ الآن دققوا ـ أن يُحسن المسلمون فهم دينهم ، وأن يحسنوا تطبيقه ، وأن يحسنوا عرضه ، هكذا .
مرة كنت في أمريكا ، وجاءني سؤال من أخت كريمة ، قالت لي : أنا طبيبة ، وأنا أضطر أن أصافح الأطباء في المستشفى ، وحينما لا أصافحهم أقع في حرج شديد ، فما الحل ؟ بل ما حكم مصافحة المرأة للرجل ؟ طبعاً الجواب واضح ، حرام ، لقول النبي : (( إِِّني لاَ أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))
[الترمذي والنسائي عن أميمة بنت رقيقة ]
لكن أردت أن أنقل لها هذا الحكم بطريقة أخرى ، قلت لها : الملكة إليزابيث لا يصافحها إلا سبعة رجال ، لعلو مقامها في القانون البريطاني ، وكذلك المرأة المسلمة لا يستطيع مصافحتها إلا سبعة من محارمها بحكم القانون القرآني ، فقبلت هذا الجواب .
أنت أحياناً بحاجة إلى عرض جيد ، مرة قال لي أحدهم : معقول أن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل ؟ ما هذا الظلم ؟ قلت له : ما قولك مليار وثلاثمئة مليون إنسان في الأرض يدخلون في ثاني أكبر عبادة في الإسلام بشهادة امرأة واحدة ، كيف ؟ إذا رأت امرأة مسلمة الهلال ، وأبلغت القاضي الشرعي ، وكان في اتفاق بين كل المسلمين في الأرض أن يصوموا في يوم واحد ، يصوم مليار وثلاثمئة مليون في الأرض بشهادة امرأة واحدة .
إنسان ترك مئة مليار مثلاً ، جاءه مولود بعد موته ، ومات من توه ، فإذا قال : واع ، يأخذ المبلغ كله ، أو ثلاثة أرباعه ، وإذا لم يصدر منه صوت لا يأخذ شيء ، من التي تشهد أنه خرج منه صوت أو لم يخرج ؟ القابلة ، تتحول مئات الملايين بشهادة امرأة واحدة .
أما جريمة جنسية ، والله عز وجل أعطى المرأة الحياء والخجل لا نكلفها عقود معينة مالية ، قضايا بعيدة عن اهتمامها ، الشرع لما كلفها أن تكون وحدها مسؤولة في الشهادة ، فلما عرضت هذا الكلام صار مقبولاً .
مشكلتنا الآن أن هناك حرباً على الدين ، عندما تقول : تطبيق الحكم الإسلامي ننسى الإسلام كله إلا قطع اليد فقط ، فقط ؟ ننسى الإسلام كله ، العدل ، التضامن ، التعاون ، إلا قطع اليد .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً متعاونين ، وأن نكون على قلب واحد وأن نتحرك حركة وفق منهج الله ، فلعل الله أن ينصرنا إن شاء الله عز وجل ، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

العفريني
09-22-2011, 05:45 PM
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)﴾
في هذه الآية مجموعة علاقات .
المعنى الأول لـ :
﴿ آيَاتِنَا ﴾
أنها آياتنا الكونية الدالة على عظمة الله عز وجل ، والتفكر في خلق السماوات والأرض أحد أسرع الطرق إلى الله ، وأحد أوسع الأبواب إلى الله، والله عز وجل يقول : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
( سورة آل عمران )
أنت أمام آيات كونية عليك أن تتفكر فيها ، وما ذكر الله في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية كونية إلا لتكون موضوعات للتفكر ، أو لتكون منهجاً يضعه الإنسان أمام عينيه كي يسير على منواله . كما أنك مكلف أن تتفكر في خلق الله أنت مكلف أيضاً أن تنظر في أفعاله :
لله تعالى آيات تكوينية هي أفعاله ، خلقه آيات ، وأفعاله آيات ، فأحياناً أفعاله تدل على عدله ، وأفعاله تدل على أن كل البشر في قبضته ، وأفعاله تدل على رحمته ، وأفعاله تدل على حكمته ، وأفعاله تدل على قوته ، وأفعاله تدل على غناه ، فأنت بين آيات كونية عليك أن تتفكر فيها ، وبين آيات تكوينية عليك أن تنظر فيها ، قال تعالى : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾
( سورة الأنعام )
إذاً أنت كما أنك مكلف أن تتفكر في خلق السماوات والأرض مكلف أن تنظر في أفعال الله عز وجل ، فقد يُعز أناساً ، ويُذل أنساناً . ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
( سورة آل عمران )
والله عز وجل : ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)﴾
( سورة البروج )
إله في السماء وإله في الأرض ، ما يقع شيء في الكون إلا بعلمه ومن خلاله ، أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ، فكما أنك مكلف أن تتفكر في خلقه أنت مكلف أن تنظر في أفعاله .
لكن أيها الأخوة ، لا بد من توضيح في هذا الموضوع ، وهو أنه يتناهى إلى سمعك مئات القصص من فصلها الأخير ، وهذه القصص من فصلها الأخير لا تعني شيئاً ، لكن أحياناً بحكم شدة اتصالك بشخص ما ومعرفته في كل أحواله ترى القصة من بدايتها إلى نهايتها ، وكأن عدل الله صارخ فيها ، وكأن رحمته أيضاً واضحة ، وحكمته واضحة ، هذه القصة التي يمكن أن تتفكر فيها ، فالقصة التي تعرف بدايتها ونهايتها فيها دلائل على أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى لا تقدر بثمن ، والقصص كثيرة جداً . الكون قرآن صامت والقرآن كون ناطق والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي :
أخواننا الكرام ، هناك قصص صارخة ، لدرجة أنك يقشعر جلدك حينما ترى فعل الله في الظالم ، لذلك من هو أغبى إنسان على وجه الأرض ؟ هو الذي يتحرك ولا يُدخِل حساب الله في حساباته ، لا يُدخل انتقام الله ، ولا يُدخل بطش الله ، ولا يُدخل عدل الله في حساباته اليومية ، قصص لا تعد ولا تحصى ، ولو أن الإنسان عنده وقت ليتابع ما يجري لكانت هذه القصص تشفّ عن كتاب وسنة ، لذلك هذا الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، قال تعالى : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
نحن الآن في التاريخ هؤلاء الذين ناصبوا رسول الله العداء ، ونكلوا بالمؤمنين ، وتفننوا في إيذائهم ، وماتوا ، هم في مزبلة التاريخ ، هؤلاء الذين وقفوا مع رسول الله e وكانوا ضعافاً مستضعفين ، وتحملوا كل شيء في سبيل الدعوة أين هم الآن ؟ في أعلى عليين ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
هؤلاء الذين وقفوا كصلاح الدين الأيوبي في وجه الفرنجة بأكملهم ، دول عديدة بجيوشها ، ومكرها ، وقوتها ، استطاع هذا البطل أن يردهم جميعاً .
إذاً أيها الأخوة ، هناك آيات كونية عليك أن تتفكر بها ، وهناك آيات تكوينية هي أفعال الله ، عليك أن تنظر فيها ، ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
وهناك آيات قرآنية عليك أن تتدبرها ، والحقيقة أن هذه الآيات الثلاث هي الطرق التي من خلالها تتعرف إلى الله عز وجل . البشر رجلان :
يقول الله عز وجل : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾
التكذيب أيها الأخوة إما تكذيب لفظي أو تكذيب عملي ، وأنا أقول لكم : إن التكذيب العملي أخطر بكثير من التكذيب اللفظي ، لأن الذي يكذب بلسانه تحاوره ، تأتيه بالدليل ، تقنعه ، أما الذي يعترف بلسانه أنه هناك آخرة ، لكن لا تجد في عمله ما يثبت ذلك إطلاقاً ، ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾
علاقات مركبة في هذه الآية ، الإنسان حينما يُكذب بآيات الله ، يجد نفسه في طريق الفسق ، لو أنه آمن بآيات الله لخاف من وعيد الله ، في النهاية البشر على اختلاف انتماءاتهم، على اختلاف ألوانهم ، وأجناسهم ، ومللهم ، ونحلهم ، وطوائفهم ، وألوانهم ، البشر رجلان ؛ رجل آمن بالله ، وآمن أنه مخلوق للجنة فاتقى أن يعصيه ، وبنى حياته على العطاء ، ورجل لم يؤمن بالله ، بل آمن بالدنيا فقط ، حينما لم يؤمن بالله ، ولم يؤمن باليوم الآخر ، وآمن بالدنيا فقط ، يجد نفسه مستغنياً عن طاعة الله . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾
( سورة الليل )
الحقيقة أن هناك رجلين ، إنسان آمن ، وأطاع ، وأعطى ، وإنسان لم يؤمن ، فاستغنى عن طاعة الله ، وأخذ ، وتكاد هذه الصفة تكون حداً فاصلاً بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يبني حياته على العطاء ، وغير المؤمن يبني حياته على الأخذ ، واسأل نفسك سؤالاً محرجاً : ما الذي يسعدك ، أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تأخذ فهذه بادرة ليست طيبة ، أما إذا كان يسعدك أن تعطي فهذه علامة صدقك وإيمانك باليوم الآخر ، ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ ﴾
تكذيب الآيات يحملهم على الفسق ، والفسق من شأنه العدوان .
الآن تزوج أحدهم امرأة ، المؤمن مستقيم ، له امرأته ، أما غير المؤمن فيتطلع إلى أعراض الآخرين ، فإذا اعتدى على أعراضهم يستحق العذاب من الله عز وجل ، المؤمن يكتفي بماله الحلال ، بينما غير المؤمن يعتدي على أموال الآخرين فيستحق العذاب من الله ، والآية واضحة جداً : ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا ﴾
والباء باء السبب ، ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
إذاً : المعنى يؤمن بالآيات ، فيستقيم ، فيسلم ، ويسعد ، يكذب بالآيات ، فينحرف ويفسق ، فيعاقب في الدنيا والآخرة ، هذا معنى الآية : ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾
أربع آيات تحدد مقام النبي e :
قال تعالى : ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)﴾
( سورة الأنعام )
أخواننا الكرام ، هذا النبي الكريم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ماذا طرح علينا؟ نفسه ، ماذا قال عن نفسه ؟ قال : أنا أعلم الغيب ؟ لا ، قال : عندي خزائن الله ؟ لا ، قال : أنا أمنح وثائق لدخول الجنة ؟ لا ، أمنع من دخول النار ؟ لا ، طرح نفسه نبياً ، مبشراً ، ونذيراً .
أيها الأخوة ، دققوا ، بعد القرآن ليس هناك من كلام ، قال تعالى : ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
فأيّ إنسان على وجه الأرض يدعي أنه يعلم الغيب فهو كاذب ، واركل كلامه بقدمك ، لأن سيد الخلق وحبيب الحق قال : ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
انتهى الأمر ، قال : لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً ، من ؟ سيد الخلق ، وحبيب الحق ، رسول الله ، سيد ولد آدم ، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً ، والأبلغ من ذلك : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188)﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ﴾
فلا أن أملك لكم من باب أولى ، البند الرابع : ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
( سورة الأنعام )
أربع آيات تحدد مقام النبي e ، لا أعلم الغيب ، ولا يملك للناس نفعاً ولا ضراً ، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ، وهو يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم ، وأيّ إنسان يدعي خلاف ذلك أقول لكم بهذه العبارة بالذات : اركل بقدمك كلامه ، أيّ إنسان يدعي أنه يعلم الغيب ، أيّ إنسان يدعي أنه يستطيع أن يفعل شيئاً ينفعك به أو يضرك ، الله عز وجل وضح مقام النبي e ، له مقام عند الله لا يعلمه إلا الله ، أما هو فقد طرح نفسه نبيّاً ، رسولاً مُبلِّغاً عن الله عز وجل ، أما أن نتوهم أن هذه الشيخ ، أو أن هذا الولي يحل مشكلات الأرض ويمنع الأذى ، وينجب للعقيم ولداً ، وييسّر للإنسان التائه رشداً ، هذه شطحات ما أنزل الله بها من سلطان ، وهذا نوع من الشرك . لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر :
أيها الأخوة : ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾
أيعقل أن يرسل الله لعباده البشر رسولاً ملَكاً ؟ لو كان كذلك لقال الناس له : أنت لست بشراً ، نحن نعاني ما نعاني من الشهوات ، أما أنت فلست كذلك ، لم يكن كلامه حجة عليهم بل لكان كلام من أرسل إليهم أقوى من كلامه ، لذلك اسمعوا هذه الحقيقة ، لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، الشهوات التي أودعت فينا أودعت فيه ، والضعف البشري الذي أودع في الإنسان مودع فيه ، قال :
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلَا لِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ ))

[أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ]
هذه حقيقة أيها الأخوة ، فلذلك الآية الكريمة : ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
هل فكر أحدكم لماذا أراد الله أن يكون النبي e ضعيفاً ؟ لو أرسل نبياً قوياً ففي العالم أقوياء ، بإشارة ملايين مملينة تتحرك ، بإشارة لو كان النبي e كهذا القوي ، وبعثه الله لهؤلاء الناس ليؤمنوا به ، وبرسالته ، لوجدت الخَلق جميعاً آمنوا به إيمان نفاقٍ ، وإيمان خوف ، لا إيمان قناعة ، ولا إيمان رقيّ ، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون النبي e ضعيفاً ، يمشي رسول الله ، ويرى آل ياسر يُعذبون ، ولا يستطيع أن ينقذهم ، يقول :
(( صبراً يا آل ياسر ، فإن مصيركم إلى الجنة ))

[ رواه الطبراني عن عثمان بن عفان ]
يقول عنه أهل مكة : إنه مجنون ، هل تستطيع أن تقول عن إنسان قوي الآن : إنه مجنون ؟‍ أتبقى سليماً ؟‍ مجنون ، وكذاب ، وشاعر ، وكاهن ، كل التهم ألصقت به ، وكُذب في الطائف ، وسخر منه ، وضُرب . حكمة الله أن يكون النبي e ضعيفاً :
ما حكمة الله أن يكون النبي e ضعيفاً ؟ ليكون الإيمان به عظيماً ، آمنت به وليس معه دنيا يعطيك منها شيئاً ، آمنت به ولا يستطيع أن يحميك من أعداء الدين ، هذا الإيمان الحق ، هذا الإيمان الذي لا تشوبه شائبة ، هكذا أراد الله أن يكون أنبياؤه ضعافاً ، ضعيف لا يستطيع أن يدافع عنك ، ولا يستطيع أن يعطيك شيئاً ، ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾
أنا بشر :
(( اللهم إنما أنا بشر ، أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ))

[ رواه الطبراني عن ابن الطفيل ]
لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، فلذلك الإنسان حينما يؤمن بالله ، ويضبط شهواته وفق منهج الله يكون فوق الملائكة ، الإنسان هو المخلوق الأول ، لكن المشكلة أن هذا الإنسان إما أن يكون فوق الملائكة ، أو يكون دون أحقر حيوان ، الدليل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾
( سورة البينة )
على الإطلاق ، هناك آية أخرى : ﴿ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾
( سورة البينة )
الإنسان إما أن يسمو ويكون فوق الملائكة وإما أن يسفل فيكون دون الحيوان :
الإنسان إما أن يسمو ويكون فوق الملائكة ، وإما أن يسفل فيكون دون الحيوان ، وهذا الذي يجري في العالم من قتل ، ومن تدمير ، ومن اغتصاب ، ومن نهب للثروات ، ومن سحق للإنسان ، هذا الذي يجري من قِبَل إنسان ما عرف الله ، وما عرف سر وجوده ، ولا غاية وجوده ، يرى أنه إذا بنى مجده على أنقاض الشعوب ، ودمرهم من أجل أن يعيش من حوله في أعلى درجة من الرفاهية ، هؤلاء الطغاة في العالم هم أشقى خَلق الله قاطبة ، لأنهم ما عرفوا سر وجودهم ، ولا غاية وجودهم .
شعوب بأكملها تئنّ من ظلم الأقوياء ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى حينما قال : ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
( سورة الفجر )
ما قال : طغوا في بلدهم ، طغوا في البلاد ، في كل البلاد . ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)﴾
( سورة الفجر )
تتميز عاد بأن الله حينما أهلكها ذكّرها بأن الله أشد منها قوة :
ما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة ، إلا عاداً حينما أهلكها قال : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً (15)﴾
( سورة فصلت الآية : 15 )
تتميز عاد بأن الله حينما أهلكها ذكرها بأن الله أشد منها قوة ، وحينما نستمع إلى غطرسة الأقوياء واستكبارهم واستعلائهم ، ثم يأتي زلزال يتصادم فيه لوحان ، فتكون قوة هذا التصادم تساوي مليون قنبلة ذرية فتعرف من هو الله ، والإنسان مهما يكن قوياً فهو في قبضة الله عز وجل ، لذلك : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6)إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7)الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾
( سورة الفجر )
وقال : ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
( سورة الشعراء )
وقال : ﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾
( سورة العنكبوت )
وقال : ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾
( سورة النجم )
معنى ذلك أن هناك عاداً ثانية ، جاء أحدُهم من بلاد بعيدة جداً ، سُئل : أين كنت؟ قال : جئت من عاد الثانية . انتصر النبي الكريم على بشريته فكان قمة البشر :
إذاً : ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾
إنه بشر ، يرضى كما يرضى البشر ، ويغضب كما يغضب البشر ، بشريته انتصر عليها فكان قمة البشر ، فأنت إما أن تنهزم أمام بشريتك ، أو أن تنتصر عليها ، إذا تحكمت فيك شهواتك انهزمت أمامها ، وإذا سيطرت على شهواتك انتصرت عليها ، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام في طرحه نفسه على قومه قال :
﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
لا تطالبوني بما لا أستطيع ، أنا بشر ، أنا مبلغ ، أنا مبشر ، أنا منذر فقط ، أنا ضعيف ، ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
هناك موعظة تكتب على ظفر : " اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع " ، ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
يقول لك المثقف الآن : أنا لا أرى أن هذا الحكم الشرعي يصلح لهذا الزمان ، هو لأنه محور العالم ، هو منظّر ، هو مرجع ، عقله هو الحكم ، فلذلك :
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند ؟
***
من أنت ؟ أنت بشر ضعيف ، هناك خالق عظيم أنزل هذا القرآن على نبيه الكريم، ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾
إنسان له عينان حادتان ـ بالبصر يرى كل شيء ـ وإنسان أعمى هل يستويان ؟ هل يستوي الظلام مع النور ؟ هل يستوي من أحيا الله قلبه بالإيمان مع إنسان قلبه ميت بالشهوات ؟ ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
آيات من الذكر الحكيم تبين استحالة الاستواء في المعاملة عند الله بين المحسن والمسيء :
قال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾
( سورة القلم )
وقال : ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (61)﴾
( سورة القصص الآية : 61 )
وقال : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (21)﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 )
أخواننا الكرام ، لو أن الله عز وجل عامل المحسن كالمسيء ، والصادق كالكاذب ، والرحيم كالقاسي ، وعامل المنصف كالجاحد ، هذا الاستواء في المعاملة لا يتناقض مع عدل الله فحسب ، بل يتناقض مع وجوده ، يجب أن تؤمن أن الله لا يتخلى عنك ما دمت مؤمناً ، وأقول لكم هذه العبارة أرددها كثيراً : زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، الله عز وجل قال : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (97)﴾
( سورة النحل الآية : 97 )
المؤمن كالحي وغير المؤمن كالميت ويستحيل أن يستويان :
قال سبحانه : ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾
( سورة طه )
وقال : ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾
( سورة البقرة )
هل يستوي حيّ مع ميت ؟ إنسان حيوي نشيط ، يتكلم بحديث لطيف ، يؤنس بابتسامة ، جميل الصورة ، أنيق الثياب ، حديثه رائع ، أعماله طيبة ، هذا هل يستوي مع جثة هامدة تخاف منها ؟ المؤمن كالحي ، وغير المؤمن كالميت ، هل يستوي بيت معمور مع بيت خرب ؟ هل يستوي حي مع ميت ؟ هل يستوي من كان في نور ساطع ومن كان في ظلمة دامسة ؟ لا يستويان . إذاً : ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾

العفريني
09-22-2011, 05:48 PM
﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)﴾
أيها الأخوة الكرام ، لأن الله سبحانه وتعالى قال :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)﴾
( سورة البقرة )
الذي أغلق سمعه وبصره ، أغلق سمعه عن سماع الحق ، وجعل على بصره غشاوة عن رؤية الحق ، هذا لا سبيل إلى هدايته ، لأنه قرّر أن لا يؤمن ، وقد قال بعض المفكرين : لم أجد أشد صمماً من الذي يريد ألا يسمع . ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً (43)﴾
( سورة الرعد الآية : 43 )
إذاً : الإنسان حينما يبحث عن الحقيقة ، حينما يحاسب نفسه ، حينما يسأل : من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ حينما يبحث عن سر وجوده ، لماذا أنا في الدنيا ؟ ماذا يراد مني ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما الذي يرضي الذي خلقني ؟ حينما يبحث الإنسان عن إجابات لأسئلة كبيرة ، هذا أنذره يا محمد ، هذا ينتظر أن يستجيب لك . آيات تؤكد أنه يستحيل أن تعرف الحقيقة وأنت لا تطلبها :
الذي يبحث عن شهوته فقط هذا جعل على بصره غشاوة وجعل في أذنيه وقراً ، والقرآن كما قال الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى (44)﴾
( سورة فصلت الآية : 44 )
وقال : ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾
( سورة الإسراء )
وقال : ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾
( سورة الشعراء )
إذاً يستحيل أن تعرف الحقيقة وأنت لا تطلبها ، يستحيل أن تضع يدك على الحق وأنت لا تبحث عنه ، وهذا المعنى الدقيق تؤكده آيات كثيرة : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)﴾
( سورة آل عمران الآية : 49 )
قد يقول أحدكم : أنا أؤمن بالآيات أما إذا كنتُ مؤمناً من قبل أنتفع بهذه الآيات ، ما معنى هذا الكلام ؟ معنى هذا الكلام أنه ما لم تتخذ قراراً بمحض اختيارك في البحث عن الحقيقة فلن تنتفع بالحقيقة ، فلذلك أنا أشبه الإنسان الذي لا يفهم الحقيقة بآلة تصوير غالية جداً التقطتَ بها أجمل المناظر ، ولكن هذه الآلة ليس فيها فيلماً يستقبل هذه الصور . الله عز وجل تولى هداية كل باحث عن الحقيقة :
بعض المسلمين يريد أن يقول : إن هؤلاء الذين اخترعوا هذه المنجزات حتماً هم في الجنة ، من جعلك وصياً على البشر ؟ هو أراد الثروة فقط ، أراد الشهوة فقط ، أراد التفوق في الدنيا فقط ، لماذا تحمِّله ما لا يطلب ؟ لماذا تقحمه فيما لا يريد ، لست وصياً على أحد ، تقييم العباد من شأن خالق العباد ، استرح وأرح ، نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، لذلك يقول الله عز وجل : ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ ﴾
أي بالقرآن ، ﴿ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾
قال بعض أصحاب النبي رضوان الله تعالى عليهم : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " أي بحثنا عن الحقيقة فوصلنا إليها ، من هذا يتضح أن الله عز وجل حينما قال : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾
( سورة العنكبوت )
أنت حينما تسأل : يا رب أين الحق ؟ يتولى الله أن يهديك إليه ، هذا الطلب العميق ، هذا الطلب تنطوي عليه ، الله عز وجل تولى هدايتك ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾
( سورة الليل )
الله عز وجل تولى هداية كل باحث عن الحقيقة ، فلذلك مما يطمئن الإنسان قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ (23)﴾
( سورة الأنفال الآية : 23 )
لا تقلق على البشر ، لو أن إنساناً في أطراف الدنيا طلب الحقيقة لساقه الله إليها ، أو لساقها إليه ، هذه حقيقة مقطوع بها ، لأن الله تولى هداية الخلق ، هو خلقهم ليسعدهم ، خلقهم ليهديهم إليه ، خلقهم ليدفعهم إلى بابه ، خلقهم ليكونوا سعداء في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾
( سورة هود الآية : 119 )
معنى التوحيد :
لا تصغوا إلى من يقول : الله عز وجل خلقنا ليعذبنا ، هذا كلام الشيطان ، هذا كلام مرفوض ، الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، خلقنا ليهدينا إليه .
" إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض علي منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها ، وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها " .
[ورد في الأثر]
إذاً أيها الأخوة ، ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾
هؤلاء يصغون إليك ، هؤلاء يرجى أن يستجيبوا ، هؤلاء يرجى لهم أن ينجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾
هذا هو التوحيد ، هم يعلمون علم اليقين أن الله وحده هو الذي يحفظهم ، وأنك مهما كنت قوياً ومهما كنت غنياً فلا ينفعك غناك ولا قوتك عند الله عز وجل ، لا ينفعك إلا استقامتك وإتباعك للحق ، لذلك الله عز وجل وحده لا منجى منه إلا إليه .
نعوذ برضاك من سخطك ، لا منجى منه إلا إليه ، ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ ﴾
يتولى أمرهم ، ﴿ وَلَا شَفِيعٌ ﴾
يشفع لهم ، لذلك يوم القيامة يأتي الناس فرادى ، أما في الدنيا فيتواطئون ، ويتآمرون ، ويدعمون بعضهم على باطل . المؤمن وقَّاف عند كتاب الله تعالى :
ذكرت اليوم أن بيتين من الشعر يفسران تناقضات العالم اليوم :
قتلُ امرئ في غابة جـريمة لا تغتفر
وقـتلُ شعب مسلم مـسألة فيها نظر
***
الناس يتواطئون مع القوي ، يخافون بطشه ، أو يرجون ما عنده ، فيضعون تحت أقدامهم قناعاتهم ، لكن يوم القيامة يأتي الناس فرادى ، كل إنسان سوف يأتي ربه فرداً ، لا معين ، ولا نصير ، ولا ولي ، وقد ورد في بعض الآثار " أنه قد تقع عين الأم على ولدها يوم القيامة ، تقول : يا بني ، قد جعلت لك بطني وعاءً ، وصدري سقاءً ، وحجري غطاءً ، فهل من حسنة يعود خيرها علي اليوم ؟ يقول : ليتني أستطيع ذلك يا أماه ، إنما أشكو مما أنت منه تشكين " .
لذلك : ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾
هذه النفس اللوامة ، هذه النفس التي تقلق لذنب ألمت به ، هذه النفس التي تحاسب ذاتها ، هذا الذي يتحرك حركة عشوائية ، هو دابة عند الله عز وجل ، أما المؤمن فوقّاف عند كتاب الله ، النفس اللوامة تحاسب نفسها حساباً عسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً ، لذلك رأس الحكمة مخافة الله ، كلما ازددت علماً بالله ازددت خوفاً منه ، لأنك تعرف عن عدالته شيئاً كثيراً ، تعرف أنه الحق ، وأنه العدل ، وأن الناس يوم القيامة تسوى حساباتهم ، يؤخذ للمظلوم من الظالم ، ولو يعلم الظالم في الدنيا كم سيأخذ المظلوم من الله لما ظلمه .
مرةً قال أحدهم لشخص : لقد اغتبتني ، قال : ومن أنت حتى أغتابك ؟ من أنت ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي ، لأنهم أولى بحسناتي منك .
الظالم لو علم يوم القيامة ما سيأخذ هذا المظلوم من الله لظن أنه سيظلمه في الدنيا . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
(( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
لو أن شاة قرناء نطحت شاة جلحاء بلا قرون لأُخِذ حقها يوم القيامة ، لو أن إنساناً اصطاد عصفوراً ـ دققوا ـ لغير مأكلة ، للتسلية ، لأن هوايته الصيد ، أتى يوم القيامة له دوي تحت العرش ، يقول : يا رب ، سله لمَ قتلني ؟ العبرة أن تكون عند الله مرضياً :
والله أيها الأخوة ، لو يعلم الناس ماذا ينتظرهم من حساب دقيق لعدوا للمليار قبل أن يظلموا مخلوقاً ، شعوب تُقتل بأكملها ، في آخر الزمان ظلم لا يعلمه إلا الله ، أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم :
(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ جَوْراً وَظُلْماً ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] .

أيها الأخوة ، هذا الذي يخاف أن يُحشر إلى الله فيسأل ، هذا مظنة خير ، يا محمد، توجّه لهذا الإنسان ، وقد قال الله عز وجل :
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)﴾
( سورة الأعلى )
لقد أسمعت لو ناديت حيـاً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكنك تنفخ في رمـادِ
***
المؤمن يرى أن الأمر بيد الله وحده ، وأن كل الناس لو أثنوا عليك ولم تكن عند الله مرضياً فلا قيمة لثنائهم ، ولو أن الناس جميعاً غضبوا عليك ولم تكن عند الله مغضوباً لما أثّروا عليك إطلاقاً ، العبرة أن تكون عند الله مرضياً . ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾
( سورة القمر )
سبب نزول الآية التالية :
أيها الأخوة ، الآن في هذه الآية التالية : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)﴾
( سورة الأنعام )
زعماء قريش ، سادة قريش ، عليةُ القوم في قريش ، لما رأوا أن الذين حول النبي e فقراء ، من دهماء الناس ، ومن سُوقتهم ، من المستضعفين ، وهناك مصطلح جاهلي من الصعاليك ، يعني الإنسان الفقير ، إنساناً في الدرجة الدنيا في المجتمع ، لا يأبه له ، لا يفتقد إذا غاب ، ولا يعرف إذا حضر ، أشعث أغبر ذو طمرين ، مدفوع بالأبواب ، لما رأى سادة قريش ، وزعماء قريش ، وكبراء قريش ، الأقوياء ، الأغنياء ، الذين أتاهم الله مالاً ، وجاهاً ، وشأناً ، وقوةً ، رأوا ضعافاً حول النبي e من أراذل القوم ، أي من فقرائهم . ﴿ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27)﴾
( سورة هود الآية : 27 )
أبوا أن يجلسوا في مجلس النبي e ، وقالوا : يا محمد ، إن أردت أن نأتيك فينبغي أن تطرد هؤلاء ، لأننا لا نجتمع وإياهم في مكان واحد ، أو لأن اجتماعنا بهم يزري بنا ، ويذهب هيبتنا ، نحن في مستوى رفيع ، وهم في مستوى وضيع ، فيا محمد ، إن أردت أن نأتيك فاطرد هؤلاء ، ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾
فلما أبى النبي e ذلك ، هؤلاء أرادوا وجه الله عز وجل ، أعطوه حلاً وسطاً ، إن أردت أن نأتي إليك فاجعل لنا وقتاً ولهم وقتاً ، إن خرجنا من عندك فاسمح لهم بالدخول إليك ، النبي عليه الصلاة والسلام لشدة حرصه على هداية الخلق ، ولأنه تصور وهو أحب الخلق جميعاً أن هؤلاء الكبار إذا أسلموا كل أتباعهم سيُسلمون ، فكأنه مال إلى أن يقبل حلهم الوسط ، أن يكون لهؤلاء الكبراء مجلس ولهؤلاء الضعفاء والفقراء مجلس آخر ، لكن جاء العتاب الإلهي . عتاب الله عز وجل نوعان :
يجب أن نعلم علم اليقين أن عتاب الله عز وجل نوعان ، عتاب لك ، وعتاب عليك ، ما معنى عتاب لك ؟
لو أن أباً رأى ابنه يدرس ، ويدرس ، ويدرس حتى وصل في الدراسة إلى درجة أنه لم ينَمْ ، يعتب عليه ، يقول له : يا بني ، ينبغي أن تنام قليلاً ، ينبغي أن تتلطف بجسمك ، هو مطيتك ، هو يعتب عليه أم يعتب له ؟ يعتب له ، وثمة فرق كبير ، أما لو رآه لا يدرس إطلاقاً ، يضيع وقته ، يمشي في الطرقات ، يهمل واجباته المدرسية ، يعتب عليه ، فإذا عتب الله على النبي صلى الله عليه وسلم فهو يعتب له ، فلشدة حرص النبي e على هداية قومه ، لحرصه الكبير على أن يأخذ بيدهم إلى الله ، لطمع النبي e أن هؤلاء الكبار إذا أسلموا لَحِقهم في الإسلام أتباعهم ، من هنا بدا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل العرض الثاني ، ولكن الله عتب له ، وقال : يا محمد دعك منهم ، لا خير فيهم ، اشتغل لهؤلاء الفقراء ، لهؤلاء الذين يريدون وجه الله عز وجل .
لذلك نحن في الدنيا أخواننا الكرام من حركة الحياة ظهرت قيم اصطلح الناس عليها في الدنيا ، الغني يُعظم ولو ارتكب أخطاء كبيرة ، والقوي يُعظم ، والذكي يُعظم ، والوسيم يُعظم ، والصحيح يُعظم ، الذكاء ، والوسامة ، والصحة ، والقوة ، والغنى ، هذه قيم البشر اصطلح الناس على أن يقيّموا بعضهم بها ، ولكن القرآن الكريم لم يعتمد هذه القيم ، اعتمد قيماً أخرى ، قال تعالى : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (11)﴾
( سورة المجادلة الآية : 11 )
وقال : ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
( سورة النساء )
وقال : ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا (132)﴾
( سورة الأنعام الآية : 132 )
قيمتان لا ثالث لهما ، قيمة العلم وقيمة العمل ، هذه القيم التي اعتمدها القرآن الكريم في الترجيح بين الخلق ، لذلك ينبغي أن نقول : لا يمكن أن تنهض أمة إلا إذا اعتمدت قيم القرآن ، أما قيم الحسب والنسب ، وقيم المال والغنى ، وقيم القوة والبطش ، فهذه قيم لم يعتمدها القرآن ، ولم يقبلها . ابتغوا الرفعة عند الله :
قال تعالى : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾
يريدون وجه الله ، يريدون ذاته ، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، يريدون ما عنده من نعيم مقيم ، يريدون رضوانه ، يريدون قربه ، يريدون أن يرضى عنهم ، هؤلاء لو كانوا بالمقياس الأرضي في الدرجة الدنيا من السلم الاجتماعي هم عند الله في أعلى مكان ، وفي أعلى مرتبة لذلك : ابتغوا الرفعة عند الله . (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ ، لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
واللهِ مرة كنت في مؤتمر في المغرب ، وهذا المؤتمر في فندق من أرقى الفنادق هناك ، استمعت صباحاً إلى صلاة جهرية ، إلى صلاة فجر من مستخدَم في الفندق ، وقد آتاه الله صوتاً شجياً ، صلى الفجر بصوت مرتفع ، واستمعت إليه ، جاءني خاطر ، قلت : لعل هذا الإنسان الذي لا يؤبه له في هذا الفندق الذي فيه كبراء القوم أن تكون قلامة ظفره عند الله تعدل ألف رجل من كبراء الدنيا .
الفرق بين الكفار والمؤمنين كما وردت في القرآن الكريم :
أخواننا الكرام ، مقاييس الدنيا لا يعبأ الله بها ، لذلك آتى قارون المال وهو لا يحبه ، وآتى فرعون الملك وهو لا يحبه ، فماذا آتى الأنبياء ؟ آتاهم العلم والحكمة . ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾
( سورة القصص )
لذلك يقول الله عز وجل : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9)﴾
( سورة الزمر الآية : 9 )
والله عز وجل يقول : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
ويقول الله عز وجل : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾
( سورة القلم )
ويقول : ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
( سورة القصص )
وقال : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (21)﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 )
الدنيا مزرعة الآخرة فمن عرف ربه واستقام على منهجه وسعى إلى مرضاته فهو الفائز :
أنا أتمنى أن هذا المؤمن المطيع لله أن تكون معنوياته في أعلى درجة ، هو عبد لله صالح . ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران )
ينبغي ألا نعجب لا بأموالهم ولا بأولادهم ، هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل وتغطرسوا ، واستعلوا ، واستكبروا ، ونظروا بازدراء إلى المؤمن ، ينبغي ألا نعبأ لا بقوتهم، ولا بجبروتهم ، ولا بأموالهم ، ولا بما عندهم من إنجازات حضارية ، ينبغي أن نعلم علم اليقين أن هذه الدنيا مزرعة الآخرة ، فمن عرف ربه ، واستقام على منهجه ، وسعى إلى مرضاته فهو الفائز ، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب )
وقال : ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾
( سورة آل عمران )
إذاً يا محمد ، أنت اجتهدت لحرصك على هداية الخلق ، اجتهدت أن هؤلاء الكبراء لعلهم يسلمون ، لعلهم يؤمنون ، لأنهم كبراء لعل من حولهم يقلدونهم ، ولكن لا تعبأ بهم ، احرص على هؤلاء الضعاف ، على هؤلاء الفقراء ، هم يبتغون وجه الله عز وجل . دع تقييم الناس لله وحده لا تحاسَبُ عنهم ولا يحاسبون عنك :
أحياناً الغني إن أراد أن يستمع إلى الحق يضيف إلى متعه متعة روحية ، هو لا يغيّر ولا يبدّل ، ولا يدع المعاصي والآثام ، لكن يريد أن يضيف إلى أمجاده أنه في عقد قران ابنته دعا فلاناً ، وألقى كلمة ، قد يكون ماله حراماً ، وقد تكون علاقاته ليست كما ينبغي ، الإنسان ما لم يستجب لله عز وجل ولرسوله فلا شأن لهذا الإنسان ولو كان غنياً أو قوياً .
مرة أقيم عرس في فندق كبير ، وكلف بضع عشرات من الملايين ، وقد وزع الخمر ، وجيء بالراقصات ، إلى ما لا نهاية من المعاصي والآثام ، وعلى بطاقة الدعوة كُتِبَ " الطيبون للطيبات " !! ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾
إن عليك إلا البلاغ ، أنت لست مكلفاً أن تحاسبهم ، لأن هناك من يقول : إن هؤلاء الضعاف مظلومون ، لجؤوا إليك كي تحل مشكلاتهم ، من يعلم ذلك ؟ قد يأتي إنسان إلى مسجد ، فيقول إنسان خصم له : ما جاء إلا لينتفع ، من قال لك ذلك ؟ أنت شققت على صدره ؟ تعلم الغيب ؟ تعلم ما أخفاه الله عن كل الخلق ؟ لا تكن وصياً على الخلق ، دع تقييم الناس لله وحده ، لا تحاسَبُ عنهم ، ولا يحاسبون عنك ، لا تُحاسَب عنهم لأن الله أمرك أن تقيِّم الناس بالظاهر والله يتولى السرائر . كلمة فتنة ليست مذمومة لذاتها بل مذمومة لنتائجها :
أيها الأخوة ، قال تعالى : ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)﴾
( سورة الأنعام )
الله عز وجل منح إنساناً صحة وابتلى إنساناً بالمرض ، الصحيح يفتن بصحته والمريض يفتن بمرضه ، الصحيح يفتن بصحته فيشكر الله على نعمة الصحة ، والمريض يفتن بمرضه فيصبر ، ابتلى إنساناً بالغنى وإنساناً بالفقر ، كلمة فتنة ليست مذمومة لذاتها ، بل مذمومة لنتائجها ، فتنة أي امتحان ، قال تعالى يخاطب سيدنا موسى : ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً (40)﴾
( سورة طه الآية : 40 )
امتحنت فنجحت ، فالإنسان ممتحن في شيئين ؛ ممتحن فيما أوتي ، وممتحن فيما زُوِيَ عنه ، إن كان غنياً فهو ممتحن بالغنى ، وإن كان فقيراً فهو ممتحن بالفقر ، وإن كان قوياً فهو ممتحن بالقوة ، وإن كان ضعيفاً فهو ممتحن بالضعف ، فأنت ممتحن فيما زُوِيَ عنك وممتحن فيما أوتيتَ ، ممتحن مرتين ، فلذلك الغني قد ينجح في الامتحان وقد لا ينجح ، والفقير قد ينجح وقد لا ينجح ، فالعبرة ليست في الامتحان بل في النتيجة ، ربما نجح الفقير في امتحان الفقر ولم ينجح الغني في امتحان الغنى ، فاستحق الفقير جنة عرضها السماوات والأرض ، واستحق الغني الذي لم ينجح في امتحان الغنى عذاباً أليماً إلى أبد الآبدين ، فالعبرة ليست في نوع الفتنة بل في نتيجة الفتنة ؛ النجاح ، ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾
إذاً نحن ممتحنون فيما زُوِيَ عنا ، وفيما منحنا إياه ، من هنا من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغاً لِي فِيمَا تُحِبُّ ))
[ الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ]

العفريني
09-22-2011, 05:48 PM
﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)﴾
أيها الأخوة ، لهذه الآية اتصال بآيات سابقة ، حيث قال الله عز وجل في آية سابقة :
﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)﴾
( سورة الأنعام )
لما أبى زعماء قريش أنْ يجلسوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين الضعاف الفقراء ، ورأوا في هذا الجلوس المشترك ما يخدش أو ما يقلِّل من قيمتهم أبوا على النبي e أن يحضروا ما دام هؤلاء الفقراء في مجلسه ، ثم اقترحوا عليه أن يكون لهم يوم وللزعماء يوم ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لاجتهاد منه وبطمع أن يسلم هؤلاء الكبار ، ولهم أتباع كثر ، فكأنه فكّر في أن يوافق ، فجاء التوجيه الإلهي : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾
الآية السابقة جاءت لتعزز مكانة هؤلاء الذين استصغرهم زعماء قريش :
طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام معصوم في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، لكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة تُرِك له هامشٌ ضيق جداً للاجتهاد ، فإن أصاب أقرّه الوحي على ذلك ، وهذا الاجتهاد يمكن أن يكون وسام شرف له ، فرق كبير بين أن تجلس مع من يحبك ومع من يؤمن بك ، وبين أن تجلس مع خصم لدود وقح ، لا يعبأ بك ، ولا برسالتك ، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام اختار الأصعب ، اختار الأصعب طمعاً في هداية الخلق ، فاجتهاده وسام شرف له ، وإذا عتب الله عليه عتب له ولم يعتب عليه ، وفرق كبير بين أن يعتب الله له وأن يعتب عليه ، لكن الوحي وحي السماء هو الحق المطلق ، فالله عز وجل نهاه عن أن يجعل لزعماء قريش يوماً ولهؤلاء الفقراء الضعفاء يوماً ، فقال : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
لكن في هذه الآية التي بين أيدينا يقول الله عز وجل : هؤلاء الضعاف ، هؤلاء الفقراء ، هؤلاء الذين يبتغون وجه الله ، لعل قلامة ظفرهم تساوي آلافاً مؤلفة من الأقوياء الأغنياء ، جاءت الآية لتعزز مكانة هؤلاء الذين استصغرهم زعماء قريش ، قال : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾
بآياتنا الكونية ، بآياتنا القرآنية ، بآياتنا التكوينية ، هؤلاء الذين أرادوا أن يعرفوا الله ، هؤلاء الذين أرادوا أن يصلوا إلى الله ، هؤلاء الذين ابتغوا وجه الله ، هؤلاء الذين آمنوا بآيات الله ، آمنوا بعظمته ، آمنوا بعدله ، آمنوا برحمته ، ابتغوا رضوانه ، هدفهم طاعته ، هدفهم نيل رضوانه ، قال : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾
هذا وسام شرف لهم ، سلام مِن الله عليكم ، أنت في مكان عليٍّ ، لذلك أيها الأخوة لا تعبأ بمرتبتك الاجتماعية ، فقد تكون في الدرجة الدنيا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
لا تظنن أنك لو كنت في الدرجة الدنيا من السلم الاجتماعي ليس لك عند الله شأن، لا ، ربما كانت قلامة ظفر مؤمن مغمور إذا غاب لم يفتقد ، وإذا حضر لم يعرف ، أفضل من ملايين من البشر الشاردين التائهين ، ﴿ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾
لذلك ابتغوا الرفعة عند الله . الله عز وجل هو السلام وإذا عرفته هداك سبل السلام :
قال تعالى : ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾
( سورة الواقعة )
الذي كان في قمم الحياة الدنيا صار في حضيضها ، والذي كان في حضيضها صار في قممها ، ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾
العبرة أن تكون مؤمناً إيماناً صحيحاً ، مستقيماً على أمر الله ، محسناً إلى خلق الله ، ليس عندك مواقف مزدوجة ، سريرتك كعلانيتك ، وسرك كجهرك ، وخلوتك كجلوتك ، ولا تضمر حقداً ، ولا غشاً ، ولا مكراً ، ولا حسداً لأحد ، تأتي الله عز وجل بقلب سليم . ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء )
لذلك هذه الآية تُسري عن هؤلاء المؤمنين الضعاف ، ترفع من شأنهم ، تعلي قدرهم : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾
أنتم في سلام ، أنتم في عين الله ، أنتم في حفظه ، أنتم في توفيقه ، أنتم في محبته ، أنتم في ظلال الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله ، ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾
والله عز وجل هو السلام ، ومنه السلام ، ويدعو إلى دار السلام ، وإذا عرفته هداك سبل السلام ، حياة المؤمن لا بد أنْ تكون متميزةً أشد التميز عن حياة غير المؤمن ، هو سلام ، ويدعو إلى السلام ، أنت في سلام معه ، وفي سلام مع خلقه ، وفي سلام مع نفسه ، وفي سلام في بيتك ، وفي سلام في عملك، وفي سلام في كل علاقاتك ، لأن الله إذا كان معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ الله عز وجل لحكمة منه يخاطبنا بقيمنا :
قال تعالى : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
الذات الإلهية لا تحتاج أن تكتب ، الكتابة للبشر ، إنك إن عقدت عقداً شفهياً تشعر بقلق ، فإذا وثقت هذا العقد بنص موقع ومصدق من جهة رسمية تنام مرتاح البال ، لأن من شأن البشر أن ينقضوا عهودهم ، فإذا كنت دقيقاً في معاملتك أبرمت كل عقودك كتابة ، لكن الله عز وجل هل من قوة تجبره على خلاف ما يريد ، إرادته مطلقة ، لكن الله يطمئننا ، هو يخاطبنا على قدر عقولنا ، نحن إذا اشترينا بيتاً ومعنا عقد موثق ، أو حكم محكمة أقوى ، أو في السجلات الرسمية وثيقة خضراء أقوى وأقوى ، هذا شأن البشر ، والله عز وجل لحكمة منه يخاطبنا بقيمنا ، يخاطبنا بما نظنه أقوى ، فلذلك يقول الله عز وجل : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾
الحقيقة كلمة ﴿ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾
تنقلنا إلى أناس يؤمنون بالغرب ، يؤمنون بالمادة ، يؤمنون بالمال فقط ، يؤمنون بالسلطة فقط ، يؤمنون بالقوة فقط ، هؤلاء ضلوا سواء السبيل ، الله عز وجل موجود وواحد وكامل وبيده كل شيء . ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84)﴾
( سورة الزخرف الآية : 84 )
وقال : ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف )
قال : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾
أنت في سلام . ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51)﴾
( سورة التوبة )
لم يقل : علينا ، ﴿ لَنَا ﴾
تفيد الملكية ، لن يصيبنا في المستقبل إلا ما كتب الله لنا ؛ أي من الخير ، من راحة البال ، من الطمأنينة ، من السعادة ، من البشر . حال من شرد عن الله عز وجل :
أخواننا الكرام ، هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل في قلوبهم من الخوف ، ومن القلق ، ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم .
إذا كنت في كل حال معــي فعن حملي زادي أنا في غنـى
فأنتم هو الحق لا غيركــم فيا ليت شعري أنا من أنـا
* * *
كن مع الله تر الله معــــك واترك الكل وحاذر طمعـــك
وإذا أعطاك من يمنعــــه ثم من يعطي إذا ما منعـــك
* * *
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنابنـــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنـا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل واخلص لنا تلق المسرة والهنا
وسلم الأمر لنا في كل ما يكن فما القرب والأبعاد إلا بأمرنـا
* * *
يقف هذا العبد يوم القيامة ، يقول فيا خجلي منه إذا هو قال لي :
أيا عبدنا ما قرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى
أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً
وتنظر ما به جـاء وعدنـــا
* * *
لذلك أيها الأخوة ، هؤلاء الفقراء الضعاف ، يقول الله لنبيه الكريم : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ﴾
هؤلاء الذين رفض كفار قريش أن يجلسوا معهم ، هؤلاء الذين ازدراهم زعماء قريش ، هؤلاء الذين استنكف هؤلاء الأعلام في قريش أن يكونوا معهم في مجلس واحد . مشاعر القهر والحقد والإحباط هذه المشاعر ليست مشاعر المؤمنين :
قال تعالى : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
الله عز وجل رحيم ، وكلمة ( رحيم )كلمة واسعة جداً ، تبدأ من أنه يرحمك بصحتك ، بل ويرحمك بزوجتك ، ويرحمك بأولادك ، يرحمك بحرفتك ، بمهنتك ، يرحمك بعلاقاتك ، يرحمك بأن يلقي في قلبك السكينة ، يرحمك بأن يلقي في قلبك الرضا ، يرحمك بأن يلقي في قلبك السعادة ، يرحمك بأن يطمئنك أن الأمر بيده وحده ، مشاعر القهر والحقد والإحباط هذه المشاعر ليست مشاعر المؤمنين . ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
( سورة المعارج )
المصلي لا يرى الأقوياء إلا وحوشاً قد قيدت بأزمة+ بيد الله عز وجل ، فعلاقة الإنسان العاقل المؤمن ليست مع الوحوش بل مع من يملكها ، بدليل أن الله عز وجل يقول : ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
أعراض الإعراض عن الله عز وجل :
علاقتك ليست مع الوحوش ولكن مع من يملكها ، فإذا رضي عنك الذي يملكها أبعدها عنك ، وإذا لم يرضَ عنك الذي يملكها قربها إليك ، هذا هو التوحيد ، التوحيد ليس معه قهر ، ولا إحباط ، ولا قلق ، ولا انسحاق ، ولا شعور باليأس ، كل هذه المشاعر هي أعراض لمرض واحد ، هو إعراض عن الله عز وجل ، أعراض الإعراض ، ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
هذه كتابة ذاتية ، وحيث ما وردت كلمة ( على )مع ذات الله عز وجل تفيد الإلزام الذاتي . ﴿ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6)﴾
(سورة هود الآية : 6 )
حيثما جاءت كلمة ( على )مع الذات الإلهية لا تفيد الإلزام الخارجي ، ليس فوق الله أحد ، تفيد الإلزام الذاتي . ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾
( سورة الليل )
أي أن الله عز وجل ألزم نفسه بهداية الخلق . ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)﴾
( سورة هود )
ما شرعت التوبة إلا لأن الإنسان قد يخطئ :
قال تعالى : ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة ، وألزم نفسه برحمة العباد ، وألزم نفسه بكل خير ، فكلمة ( على )وكلمة( كتب )، الكتابة الذاتية ، و ( على )الإلزام الذاتي ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث الصحيح القدسي :
(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً ، فَلَا تَظَالَمُوا ))
.
[مسلم عن أبي ذر]
لكن البشر ليسوا كذلك ، هم يستبدون ، ويطلبون من الدول الضعيفة ألا تستبد ، هم يستبدون بحق النقض في مجالسهم ، ويطلبون من الدول الفقيرة ألا تكون مستبدةً ، نحن لسنا مع الاستبداد قطعاً ، لكن هم مستبدون ، (( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً ، فَلَا تَظَالَمُوا ))
إذاً معنى : ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
أي كتابة ذاتية ، تطميناً للعباد الذين يتوهمون أن الشيء المكتوب أشد قوة من الشيء الموعود من دون كتابة ، هؤلاء الضعاف ، هؤلاء الذين يبتغون وجه الله ، قد تزلّ قدمهم أحياناً ، المؤمن مذنب تواب :
(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))
[الترمذي عَنْ أَنَسٍ]
ما شرعت التوبة إلا لأن الإنسان قد يخطئ ، فهؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله ، وهؤلاء الذين كتب الله على نفسه الرحمة لهم : ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً﴾
أي عمل عملاً يسوءه في المستقبل ، قد يرضيه في الحال ، الإنسان إذا أقبل على معصية قد يتوهم أنها ستمنحه لذة ، لكن بعد هذه اللذة تكون الكآبة ، ويكون البعد ، ويكون الجفاء من الله عز وجل ، لذلك المؤمن إذا وصل إلى الصلة بالله عز وجل لا يضحي بها بمخالفة تقطعه عن الله عز وجل . البطولة أن تحترم ذاتك :
إذاً : ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً﴾
أي عملاً يسوءه ، الأعمال الصالحة تسعده ، الأعمال الصالحة كلما تذكرها أقبل على الله ، الأعمال الصالحة تجعله محموداً عند الله ، ومحموداً عند الناس ، ومحموداً عند نفسه ، والأعمال السيئة إن لم يعلم بها الناس تجعل صاحبها ينهار من الداخل ، هذا عذاب الفطرة ، هذا عذاب الضمير ، هذا الشعور بالذنب ، هذا الشعور بالنقص هذا مركب النقص .
لذلك البطولة أن تحترم ذاتك ، قد تستطيع أن تفعل شيئاً لا يرضي الله ، ولا يرضي الناس ، لكن لا أحد يعلم به إطلاقاً ، لكن لفطرتك العالية تشعر بانهدام داخلي .
مرةً في فندق في ألمانيا كُتب على بعض الأَسِرّة أنه " إن لم تنم طوال الليل ، وتقلبت قلقاً فاعلم أن العلة ليست في فُرشنا ، إنها وثيرة ، ولكن العلة في ذنوبك ".
أسعد الناس هو الذي ينام وليس في عنقه شيء ، لا حق مادي ولا حق معنوي ، قد يكون بيته متواضعاً ، ودخله لا يكفي ، لكن البطولة أن تنام مرتاح البال ، ليس هناك إنسان تعلق حقه بك ، أن تنام ولم تبنِ مجدك على أنقاض الناس ، ولم تبنِ غناك على فقرهم ، ولا حياتك على موتهم ، ولا أمنك على خوفهم ، ولا عزك على ذلهم ، ومعظم الذين يصلون إلى مراكز عالية بسرعة كبيرة في الأعم الأغلب يكون هذا الوصول على حساب قيمهم ، وعلى حساب مبادئهم .
هؤلاء : ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً ﴾
أي عملاً يسوءه ، يسوءه إذا علمه الناس ، ولإيمانهم أن الله مطلع عليهم يسوءهم إذا اطلع الله عليه ، وهو يطلع عليه دائماً ، فإن توهم أن الناس لم يعلموا إطلاقاً يسوءه لأن نفسه قد فطرت فطرة سليمة عالية ، فتحاسبه أشد الحساب . ما معنى بجهالة ؟
الحقيقة أن الإنسان الجاهل لا يعني أنه ليس عنده معلومات ، عنده معلومات كثيرة جداً لكن كلها ليست صحيحة ، هذا هو الجاهل ، يقول الشاعر في الجاهلية :
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدَعني أبادرها بما ملكتْ يدي
* * *
البطولة أن تأتي تصوراتك مطابقة لمنهج الله عز وجل ولمقاييس القرآن الكريم :
هناك أناس كثيرون يقولون : أنت الآن شاب ، افعل كل شيء من أجل أن تستمتع بشبابك ، غداً تتوب ، هذا الذي يدعو إلى المعصية ، هذا الذي يدعو إلى المتعة ، محرمة كانت أو مشروعة ، هذا جاهل ، هذا الذي يدعو إلى معصية ، أو إلى تفلت ، أو إلى اختلاط، أو إلى ممارسة شهوة محرمة ، هذا جاهل ، هو يرى أنه يسعد بذلك ، والحقيقة أن السعادة شيء واللذة شيء آخر ، السعادة نفسية تنبع من الداخل ، يملكها كل إنسان ، متنامية تنتهي إلى الجنة ، بينما اللذة خارجية تأتي من الخارج ، تحتاج إلى أموال ، وإلى وقت ، وإلى جهد ومتناقصة ، وتعقبها كآبة ، ﴿ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ﴾
يعني بتصور غير صحيح ، هذا الذي يتوهم أنه كلما استمتع بالملذات المحرمة كان أذكى ، وكان أعقل ، وهناك أناس كثيرون يرون المعصية مغنماً ، والانحراف عن الطريق الصحيح تحرراً ، والانغماس في الملذات تمتعاً ، وكسب المال الحرام شطارة ، هؤلاء الجهلة ، ليس معنى جاهل أنه لا يعلم ، لا يعلم معلومات غير صحيحة ، إذا توهم الإنسان أنه كلما أكثر الملح في الطعام انخفض ضغطه ، هذا جاهل أم عالم ؟ هذا جاهل ، يحب الملح الكثير فيكثر منه ، ويقول : لا ، الملح يسهم في تخفيض الضغط ، مثلاً ، هذا جاهل ، كل إنسان يتوهم أنه إذا غش الناس يزداد ربحه ، لكن بعد حين ينفض الناس عنه ، البطولة أن تأتي تصوراتك مطابقة لمنهج الله عز وجل ، البطولة أن تأتي قيمك قيم القرآن الكريم ، البطولة أن تأتي مقاييس الفوز عندك كما مقاييس القرآن الكريم . ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب )
وقال : ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾
( سورة آل عمران )
إذاً : ﴿ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ﴾
فالبطولة أن تصحح تصوراتك ، وأن تصحح مقاييسك ، وأن تصحح منطلقاتك ، وأن تصحح أهدافك ، كي تأتي أهدافك ومنطلقاتك وتصوراتك ومقاييسك وفق منهج الله عز وجل ، وإلا فهذا هو الجهل ، بالتعبير الدارج الجاهل ليس وعاءه فارغاً من المعلومات ، سيتفجر معلومات ، لكن كلها غلط ، كل تصوراته غلط ، مثلاً فتاة جاهلة ، تتوهم كلما تبرجت ، وأظهرت مفاتنها ، وتفلتت ، وصاحبت أي شابٍّ ، ودخلت في أمكنة لا ترضي الله يكون زواجها قريباً ، بينما المؤمنة ترى أنها بقدر استقامتها وطاعتها لله يعدها الله بزوج صالح يملأ حياتها سعادة ، فحينما تبتغي أمراً بمعصية تكون جاهلاً ، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى . إذا كانت التوبة علماً وحالاً وعملاً عندئذٍ تكون التوبة نصوحاً :
أخواننا الكرام ، هذا الإنسان الذي زلت قدمه ، وعمل سوءً بجهالة ، أي بتصور خاطئ ، هناك معنى آخر للجهالة .
كان في ظرف ما كان ينوي أن يعصي الله إطلاقاً ، لكن لظرف طارئ ضعفت نفسه فعصى الله ، طبعاً هذا يتضح كيف ؟ إنسان أراد أن يسافر إلى بلد بعيد في الشرق ليرتكب الفاحشة ، وسأل وخطط ، وأخذ العناوين ، ووصل إلى بعض المعلومات ، وأزمع السفر ليرتكب الفاحشة ، هذا لم يفعل السوء بجهالة ، لكن إنساناً كان في سفر ، وجد في ظرف ، وصار في خلوة ، وضعفت نفسه ، فزلت قدمه ، هذا الثاني غير الأول ، لم يكن ينوي أن يعصي الله عز وجل .
لذلك العلماء يفرقون بين من يعصي الله عن قصد وعمد وتخطيط ، ومن يعصي الله عز وجل عن ضعف وغلبة ، لذلك أن تعصيه استكباراً ، وتخطيطاً ، وعامداً ، ومخططاً شيء ، وأن تعصيه في لحظة ضعف ، ثم تبكي كثيراً ، وتتوب إلى الله عز وجل ، هذا شيء آخر .
إذاً الآية : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
التوبة أيها الأخوة تعني أن هناك علماً ، وحالاً ، وعملاً ، هناك علم أن هذه معصية ، هذه مخالفة ، هذه كبيرة ، هذه صغيرة ، لو طلبت العلم لعرفت المعاصي والآثام ، والفحشاء والمنكر ، والإثم والعدوان ، والكفر والشرك ، والنفاق والإلحاد ، والفجور والذنب ، فلا بد لها من علم ، وإن كنت صادقاً فيما تعلم فلا بد من أن يرافق التائب ندم شديد ، الحال علم وعمل ، أما العمل فينقسم إلى ثلاثة اتجاهات ، أن تعقد العزم في الحاضر على ألا تعود ، وأن تنوي ألا تفعل هذا في المستقبل ، وتنوي أن تصحح ما مضى ، إصلاح لما مضى ، وترك فوري في الحاضر ، وأن تعقد العزم على ألا تفعل هذا الذنب في المستقبل ، فإذا كانت التوبة علماً وحالاً وعملاً ، بعضه يتجه إلى الماضي بالإصلاح ، وبعضه يتجه إلى الحاضر بالإقلاع ، وبعضه يتجه إلى المستقبل بالعزم على ألا تعود ، عندئذٍ تكون التوبة نصوحاً ، والله عز وجل يحب أن نتوب إليه . ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ (27)﴾
( سورة النساء الآية : 27 )
الله عز وجل غفور رحيم بعد التوبة والإصلاح :
الله عز وجل أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا ، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))
[مسلم َعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
قد ورد في الأثر : "أن يا داود ، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم ، لتقطعت أوصالهم من حبي ، هذه إرادتي للمعرضين فكيف للمقبلين ؟ " إذاً : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)﴾
هذه الآية أيها الأخوة دليل على عكس ما يتوهم معظم الناس ، افعل ما بدا لك ، والله غفور رحيم ، الله عز وجل غفور رحيم بعد التوبة وبعد الإصلاح .
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾
( سورة النحل )
المغفرة محو الذنب :
قال تعالى : ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
( سورة الحجر )
وقال : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾
( سورة الزمر )
إذاً : هذا الذي يتوهم أن القضية سهلة جداً ، أن تتوب توبة نصوحاً قضية سهلة جداً ، أما أن تتوهم أن الله غفور رحيم من دون توبة ، ومن دون استقامة ، ومن دون ندم ، ومن دون إصلاح لما مضى ، ومن دون ترك للذنب فوراً ، ومن دون أن تعقد العزم على ألا تعود له فهو واهم وخاطئ . ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)﴾
المغفرة محو الذنب ، والرحمة العطاء ، تخلية وتحلية ، تطهير وتعطير ، مسح الذنب ، ثم العطاء .

العفريني
09-22-2011, 05:49 PM
﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)﴾
أيها الأخوة الكرام ، الحقيقة أن هذه الآية تبين أن الله سبحانه حينما يبيّن وحدانيته، وحينما يبيّن أن الأمر بيده ، وحينما يبيّن أن سر إرسالك أيها الإنسان إلى الدنيا ، وحينما يبيّن ماذا بعد الموت ، وحينما يبيّن أن هذه الدنيا ممر وليست مقراً ، هذا القرآن الكريم وهذه السنة المطهرة فيها تبيان وتوضيح لسر وجودنا وغاية وجودنا ، فهو بيان إلهي لكل شيء ، هذا القرآن وتلك السنة قد قدمتا للإنسان تفسيراً عميقاً لحقيقة الكون والحياة والإنسان ، ومن أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ وماذا قبل الوجود ؛ وجود الإنسان ؟ وماذا بعد الموت ؟ بعد كل هذه التوضيحات ، فالذي غفل عن ربه ، واتبع هوى نفسه ، صار تقييمه سهلاً ، مع التوضيح يمكن أن تبين ، فالذي يقرأ ما في القرآن وما في السنة يكتشف أين هو من الكتاب والسنة ، الذي يقرأ لماذا أنت في الدنيا ، وهو يسعى لجمع المال فقط ، يكتشف خطأه ، والذي يقرأ عن ثمار الإيمان ، وحينما يبتعد عن الإيمان ، ويعاني ما يعاني يكتشف السبب .
إذاً أنت حينما ترى الوضع الأمثل ، تكتشف حالك ، لذلك التدبر غير التفسير ، أنت حينما تقرأ القرآن قد تبحث عن تفسير الآيات ، لكن التدبر أن تقيّم نفسك في ضوء كل آية ، حينما يذكر الله عز وجل أن المؤمن إذا ذكر الله وجِل قلبه ، فهل يَجِل قلبك إذا ذكرت الله ؟
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ (135)﴾
( سورة آل عمران الآية : 135 )
على الإنسان أن يتعلم كي يقيِّم نفسه ويعرف أين هو من الدين :
أنت حينما تقرأ أوصاف المؤمنين هل تفكر أن تقيّم نفسك في ضوء هذه الآيات ؟ ما دام الله يوضح لك صفات المؤمنين وصفات المنافقين وصفات الكافرين ، يبيّن لك حال أهل الجنة وحال أهل النار ، هذه التوضيحات والتبيينات ينبغي أن تقودك إلى تقييم نفسك ، ومستحيل أن تقول : إنني قرأت القرآن ، ورأيت وصف المؤمنين ، ولا يخطر على بالك لثانية واحدة أن تقيّم نفسك من خلال هذه الآيات ، إذاً السبيل الخطأ سبيل الضلال ، سبيل الإجرام متى يتضح ؟ حينما نفصل الآيات .
بشكل تقريبي : لو أنك لا تتقن اللغة العربية إطلاقاً ، وقُرِأ أمامك نص صفحة فيه خمسون غلطة ، لأنك لست متتبعاً لدقائق اللغة تقول : ما شاء الله ، تثني على هذه القراءة ، وعلى القارئ ، وعلى النص ، أما حينما تدرس دقائق اللغة العربية تكتشف الأغلاط كلها ، متى استطعت أن تكتشف الأغلاط ؟ حينما أتقنت اللغة العربية ، متى تستطيع أن تكتشف خطأ الإنسان ؟ حينا تتقن أحكام الفقه ، متى تستطيع أن تكتشف الخطأ العقائدي عند الإنسان ؟ حينما تعرف العقيدة السليمة ، متى تستطيع أن تكشف صواب العمل أو خطأه ؟ حينما تعرف الحكم الشرعي في هذا الأمر ، فلذلك قبل كل شيء ينبغي أن تعلم ، ينبغي أن تعلم كي تقيّم نفسك بادئ ذي بدء ، وقالوا : ما لم تحدد المشكلة فلا تستطيع حلها ، أين أنت من الدين ؟ وأنت في أحد أحياء دمشق تدخلها أول مرة ، لا تعرف أين أنت من دمشق ، في شمالها ، في جنوبها ، في شرقها ، في غربها ، في أحيائها الغنية ، الفقيرة ، القديمة التقليدية ، أم الحديثة ، لا تعرف ، أما إذا ذهبت إلى جبل قاسيون ، وأطللت على دمشق كلها ، وعرفت شمالها من جنوبها ، وشرقها من غربها ، ثم نزلت إلى الشام ، إلى دمشق ، تعرف أين أنت منها ، النقطة الدقيقة ينبغي أن تعرف أين أنت من الدين ، لأن معظم الناس يدّعون الإيمان وهم ليسوا مؤمنين ، يدعون القرب من الله وهم بعيدون عن الله عز وجل ، يدعون أنهم على صواب وهم على غير صواب ، والآن هناك كلام شائع ، أن إيماني في قلبي ، الفتاة تفعل كل شيء ، تظهر كل مفاتنها ، لا تصلي ، تبرز كل ما عندها من جمال لمن في الطريق ، وتدعي أن إيمانها بالله كبير ، وأن إيمانها في قلبها ، وأنها لا تؤذي أحداً ، فكل إنسان يفصّل الدين كما يشاء ، هذه مشكلة ، الدين لا يفصّل تفصيلاً ، الدين توقيفي . حينما يطلع الإنسان يصغر لكنه يصغر ليكبر :
القصة في هذه الآية أنه يجب أن تتعلم كي تعرف من أنت ؟ وهناك كلام يقوله الشباب أحياناً : مع أننا لا نصلي لكن إيماننا أكبر من إيمان من ينتقدنا ، كلام في كلام ، أنت حينما تقرأ كلام الله ، وتقرأ سنة رسول الله e ، وتعرف الأحكام الشرعية ، وتطّلع على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى سيرة أصحابه الكرام تعرف من أنت ، والإنسان حينما يطلع يصغر ، لكنه يصغر ليكبر ، لو أن إنساناً عنده آلة حياكة صُنِعَتْ عام 1936، تنسج لوناً واحداً بجهد جهيد ، وادَّعى أنها أعظم آلة في العالم ، لأنه محدود ، لو رأى الآلات الحديثة بخمسة ألوان ، تقدم كمية فَلكية بشكل آلي ، وأنت مرتاح ، لا تقول عندئذ : إنها أعظم آله ، أنت حينما تطَّلع على أفعال الصحابة الكرام ، تطّلع على عمق إيمانهم ، تطّلع على بطولاتهم ، تطّلع على تضحياتهم ، تطّلع على محبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام يمكن أن تصغر ، لكنك تصغر من أجل أن تكبر .
مرة رجل من كبار أغنياء البلدة الطيبة أراد أن ينشئ مسجداً في حي فقير ، وكله مخالفات ، وليس ثمة مسجد ، فكلّف أحد أخواننا الكرام أن يبحث له عن أرض مناسبة ، وبحث له عن هذه الأرض ، وسعرها مناسب جداً ، ومساحتها مناسبة ، واتجاهها مناسب ، وجاء بهذا المحسن كي يريه إياها على الواقع ، فكتب شيكاً بمليوني ليرة جزءاً من السعر؛ السعر ثلاثة ملايين ونصف ، فالذي باع الأرض مستخدَم في مدرسة ، آذن ، وعنده ثمانية أولاد ، ودخله أربعة آلاف ، وقد ورث هذه الأرض من شهر ، أراد أن يبيعها ليشتري بيتاً ، فلما قدم له الشيك بمليوني ليرة سأل : أين بقية المبلغ ؟ فقال له المحسن الكبير الذي يملك مئات الملايين : بقية المبلغ تأخذه عند التنازل في الأوقاف عن هذه الأرض ، قال : لماذا التنازل ؟ قال : لأنها ستكون مسجداً ، انتفض هذا الإنسان وقال له : أنا أبيع أرضاً لتكون مسجداً ، أنا أولى أن أقدمها إلى الله منك ، فقدم مبلغ الشيك ، يقول هذا المحسن الكبير : والله في حياتي ما شعرت أنني صغير كهذا الموقف ، إنسان دخله أربعة آلاف ، وعنده ثمانية أولاد ولا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض التي ورثها من شهر ، ويستحي أن يبيعها لتكون مسجداً . الحكمة من تفصيل الآيات أن تستبين سبيل المجرمين :
أنت حينما تطّلع على أعمال الناس ، على نشاطاتهم ، على صدقهم ، على عباداتهم ، على أعمالهم الصالحة ، على تضحياتهم تصغر ، أمّا المحدود فيتوهّم نفسه كبيراً ، وهو عند الله وعند الناس صغير ، فالعلم ضروري ، العلم يحجمك ، لكن يحجمك حتى يحفزك إلى أن تكون عظيماً ، لذلك اقبل الحقيقة المُرّة فهي أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، لا تعش بأوهام غير صحيحة ، والدعاء أنا دائماً أحرص عليه : اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾
المجرم يرفض أن يتعلم ، يرفض أن يطّلع على حال المؤمنين ، يرفض أن يرى عقيدتهم ، أن يحاورهم ليفهم عقيدتهم ، يرى أنهم خارج المناقشة وهو يعتد بكفره وانحرافه وجريمته ، لو أنه تنازل واطّلع على أحوالهم ، يقول بعض العارفين بالله : " والله لو يعرف الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " ، من قال هذا القول ؟ إبراهيم بن الأدهم ، وكان ملكاً ، ترك الملك وتعرف إلى الله ، وصار من علماء المسلمين ، يجب أن تعلم حال أهل الإيمان ، هل يعقل أن تأتيك رسالة فتمزقها قبل أن تقرأها اطلع على تفسير القرآن ، احضر دروس العلم ، اطلع على السنة النبوية المطهرة ، اطلع على سير الصحابة والأعلام والتابعين ، اطلع على الأحكام الشرعية تعرف أين أنت من هذا الدين العظيم ، أما من دون إطلاع فيمكن أن تتوهم أنك على حق ، إذاً الحكمة من تفصيل الآيات أن تستبين سبيل المجرمين .
الآن أحياناً في دائرة فرضاً ، في معمل ، في مؤسسة ، في مدرسة ، في جامعة ، هناك تناغم على الفساد ، تناغم ، وكأن الفساد شيء طبيعي ، يأتي موظف شديد ملتزم صادق أمين ، لا يقبل المساومة ، لا يقبل أن يقع على شيء غير صحيح ، هذا الإنسان يكشف كل من حوله ويحرجهم ، فأنت حينما تنطق بكلمة الحق تكون قد أديت الأمانة ، وأقول لكم أيها الأخوة : يمكن أن تكون من أكبر الدعاة وأنت لا تتقن كلمتين ، تكون من أكبر الدعاة الصادقين باستقامتك ، وبأمانتك ، وبصدقك ، وبعفتك ، أحياناً الإنسان يوازن بين مؤمن وغير مؤمن ، مؤمن صادق ، هذا يكذب ، المؤمن أمين ، هذا يخون ، المؤمن عفيف ، هذا يرتكب الفواحش ، المؤمن لا يخون ، هذا يخون ، تجد الفرق صارخاً بين المؤمن وغير المؤمن ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة )
سلامتك وسعادتك في صواب عملك وشقاؤك ودمارك بفساد عملك :
قال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36)﴾
( سورة القلم )
أنت حينما تقرأ القرآن ، القرآن يجيبك عن آلاف الأسئلة ، ويعطيك منظومة قيم رائعة ، يعطيك تفسيراً شموليّاً كاملاً عميقاً للكون والحياة والإنسان ، بعيداً عن الدين هناك آلاف الأسئلة التي لا جواب لها ، لماذا الحياة قصيرة ؟ هذا سؤال كبير ، كون عظيم ، آلاف ملايين المجرات ، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثين مرة ، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلومتر ، وهناك نجم صغير ببرج العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، حسناً لماذا حياتنا ستون أو سبعون سنة ؟! وقد تكون أكثر من ذلك أو أقل لماذا ؟! لماذا الإعداد للحياة أكثر من الحياة ، حتى الإنسان يستقر ، يتزوج ، يكون له بيت ، دخل معقول لا بد له من ثلاثين سنة أو خمساً وثلاثين مضى ثلثا عمره ، هذا سؤال كبير ، لماذا هناك غني وفقير ؟ لماذا هناك قوي وضعيف ؟ لماذا هناك إنسان تطلق يده في تدمير الأمم والشعوب ؟ أين الله ؟ يجب أن تعرف ما تفسير هذه الأمور ؟ ما هو القضاء والقدر ؟ وأنّ القدر خيره وشره من الله تعالى ، هل الإنسان مخيّر أم مسيّر ؟ إذا كان مخيّراً ، ماذا ينبغي له أن يفعل ؟ هذه الإجابات عن هذه الأسئلة أهم شيء في الحياة ، لأنها إن صحت صح عملك ، وإن فسدت فسد عملك ، سلامتك وسعادتك في صواب عملك ، شقاؤك ودمارك بفساد عملك ، إذاً قضية حضور درس علم ، سماع خطبة ، قراءة القرآن ، تعلم تفسير الآيات ، ليس شيئاً تفعله على إكراه ، لا ‍‍‍‍‍‍‍‍، هو الأصل في الحياة ، لأنك إذا أتقنت هذه العقيدة ، وأتقنت فهم كتاب الله وضحت لك الرؤية ، وسِرتَ في طريق صحيح ، هذا معنى قوله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)﴾
الفرق بين العبادة والعادة :
قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (56)﴾
أولاً : النبي عليه الصلاة والسلام ما عبد صنماً ، بفطرته ، لكن هذه عادة ، الآن جاء الأمر :
﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
هذه عبادة ، إذا أَلِفَ الإنسان أن يصلي ، له أب كريم درّبه على الصلاة ، ألف وهو يصلي بحكم العادة ، لا ، ينبغي أن تكون الصلاة عبادة ، لا ينبغي أن تصوم لأن الصيام صحة ينبغي أن تصوم لأن الصيام عبادة ، فمع أن النبي عليه الصلاة والسلام ما عبد صنماً إطلاقاً ، ومع ذلك كان هذا عادة منه بحكم فطرته ، عمل فطري ، لكن الله أراد أن يكون هذا العمل عبادة : ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
مع أنه ما عبد صنماً ، نهاه الله أن يعبد صنماً ليكون هذا الكف عن عبادة الأصنام عبادة وليست عادة ، أحياناً الأخ لا ينتبه ، يقول لك : الصلاة رياضة ، دون أن يشعر يقول لك : الصيام صحة ، الحج تجربة في السفر عميقة جداً، لا ، الصلاة عبادة ، والصيام عبادة ، والحج عبادة ، الآن هناك تزوير ، يقول لك : النبي عبقري ، هو عبقري ، لكنه نبي مرسل يوحى إليه . ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً (56)﴾
هنا ملمح لطيف جداً ،
﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ ﴾
عبادتكم ، قال تعالى : ﴿ أَهْوَاءَكُمْ ﴾
أنت حينما تعظم صنماً ، وتقِيم معبداً ، ويأتيك الأتباع ، ويقدمون الذبائح والهدايا لهذا الصنم ، وتأخذها أنت بعد ذهابهم إلى بيتك ، فأنت لك مصلحة في هذه العبادة ، هذا هوى، والشيء الغريب أن الأديان الأرضية التي من صنع البشر ما فيها مناهج إطلاقاً ، فيها فقط ولاء ، حركات ، وسكنات ، وتمتمات ، وإيماءات ، هذه عبادتهم . تسلسل المخلوقات :
أنا حضرت مؤتمراً في واشنطن للأديان ، كلها عبادة ، وليست عقيدة ، فما زادت جميع العبادات عن أن تكون غناء ورقصاً وموسيقى ، هذه العبادات ، عبادات هي نوع من الرقص والموسيقى ، ثم ليس فيها منهج ولا قيد ، لذلك أتباع هذه الديانات كثيرون جداً ، لا كلفة فيها إطلاقاً ، أما في الإسلام فهناك منهج ، ومحرمات ، ومكروهات تنزيهية وتحريمية ، هناك منهج ، لذلك التكليف أيْ عمل ذو كلفة ، يكلف ضبط الشهوات ، لذلك قال تعالى : ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ﴾
عندنا شيء ثان : المخلوقات لها تسلسل ، أدناها الجماد ، شيء له حجم ، طول وعرض وارتفاع ، ويشغل حيزاً ، هذا الجماد ، له حجم ، له أبعاد ثلاثة ، يشغل حيزاً في الفراغ ، النبات أعلى منه ، شيء يشغل حيزاً ، حجم له أبعاد ثلاثة ، لكنه ينمو ، اختلف النبات عن الجماد بالنمو ، الحيوان شيء له حجم ، وله وزن ، ويشغل حيزاً ، وله أبعاد ثلاثة، وينمو ، ويتحرك ، اختلف عن النبات ، الإنسان له وزن ، جسم له وزن ، ويشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وينمو ، ويتحرك ، له حجم كالجماد ، وينمو كالنبات ، ويتحرك كالحيوان ، ويفكر ، هذه الميزة التي أضيفت إليه ، فصار هناك جماد ، ونبات ، وحيوان ، وإنسان ، كل مرتبة فيها خصائص التي قبلها ، وفيها زيادة عما قبلها .
الجماد مسخر للنبات ، النبات يزرع في الأرض ، والنبات مسخر للحيوان يأكله ، وللإنسان ، والحيوان مسخر للإنسان ، والإنسان سُخر له كل شيء ، الآن أيعقل أن يعبد هذا الإنسان الذي هو فوق الكائنات رتبة أن يعبد أقلّها رتبة ، يأتي بحجر ينحته ويعبده من دون الله ؟! ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95)وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)﴾
( سورة الصافات )
أيعقل أن تعبد حجراً نحتّه أنت ؟ مرة قبيلة اسمها وُدٌّ ، لم تجد حجراً تنحته ، فصنعت من التمر صنماً ، فلما جاعت أكلته ، فقالت الناس : أكلت وُدٌّ ربّها .
مرة قبيلة صنعت صنماً وعبدته ، فجاء ثعلب فبال على رأسه ، فقال أحد أتباع هذه القبيلة :
أَرَبٌّ يبول الثعلبان على رأسه قد ضل من بالت عليه الثعالب
***
حينما يعبد الإنسان مادة يثبِت جهله . لا نعرف نعمة العقيدة السليمة إلا إذا دخلنا إلى بلاد تعبد من دون الله أصناماً آلهة :
أنا كنت في ولاية غرب أمريكا اسمها لوس أنجلوس ، ودعيت إلى زيارة معبد هندوسي ، المعبد كلّف حوالي ستة أو سبعة ملايين دولار ، ورأيت في المعبد صنمين من البرونز ، أما صدر الصنمين فمن الألماس ، هذا البرلنت الموشوري أغلى أنواع الماس ، قدّرت ما على صدر هذا الصنم بعدة ملايين من الدولارات ، ويأتي الأتباع ، ويسجدون انبطاحاً أمام هذا الصنم ، وهم مثقفون ، ويحملون شهادات عليا ، لفت نظري على باب المعبد آله لكسر جوز الهند ، سألت : لمَ هذه الآلة ؟ فقيل : لأن الآلهة تحب هذه الفاكهة ، أنا لا أصدق ما أسمع ، هذه الآلهة تحب هذه الفاكهة ، والآن في شرق آسيا يضعون أنفس أنواع الفواكه أمام هذا التمثال ، تمثال بوذا ، وفي المساء تُؤخذ هذه الفواكه إلى البيوت ، وتؤكل ، لكنهم يوهمون الناس أن الآلهة تأكلها ليلاً ، الإنسان حينما يعبد غير الله ينحط عقله ، هل تصدقون أن في بلاد شرق آسيا قبائل تعبد الجرذان ، وعندي مجلة فرنسية رصينة تصور هذه المعابد ، وآلاف الجرذان في المعبد ، الجرذان آلهة هناك ، هناك من يعبد موج البحر ، هناك من يعبد البقر ، الهند فيها تسعمئة مليون نسمة ، البقر يدخل إلى بقالية ، فيأكل الفواكه الغالية جداً ، وصاحب البقالية في نشوة لا تصدق ، لأن الإله دخل إلى دكانه ، وأكل من فاكهته ، وقد يأخذون بول البقر ويضعونه على أثاث البيوت ، وقد يأخذون روث البقر ، ويتعطرون ببول البقر ، فلما قررت بريطانية إعدام ثلاثين مليون بقرة جاء عرضٌ من هذه البلاد أنها تقبل هذه البقر لجوءً دينياً ، هكذا قيل .
تجد شعوباً تعبد الشمس والقمر والحجر والمدر ، هناك بلاد أخرى بعيدة عنا أرقى بلاد في العالم صناعة ، ماذا تعبد ؟ ! تعبد ذكر الرجل ، شيء لا يصدق ، أخ كريم كان هناك ، ودخل إلى معابدهم ، وصور هذه الرموز التي يعبدونها من دون الله ، فشكروا الله عز وجل على أننا نعبد الله تعالى خالق السماوات والأرض ، الأول والآخر ، الظاهر والباطن ، لا نعرف نعمة العقيدة السليمة إلا إذا دخلنا إلى بلاد تعبد من دون الله أصناماً آلهة ، إذاً أيعقل أن يعبد الإنسان وهو قمة المخلوقات أدناها رتبة وهو الحجر ؟ ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً (56)﴾
حينما تعبد غير الله وتحافظ على مكاسبك فأنت لا تعبد الله ولكنك تعبد ذاتك :
بصراحة هناك إنسان يعمل في جمع القمامة على دابة قميئة ، هذه الدابة ماتت ، وليس له دخل إطلاقاً ، دفنها في مكان ، وبنى أربعة جدران ، وفوقها قبة خضراء ونافذة عليها شمع يشتعل ، وسمى هذا المكان باسم وليّ ، والناس تهافتوا على هذا المقام ، وتسولوا إليه ، وقدموا الذبائح ، والخرفان ، والسمن ، والدجاج ، فعاش صاحب هذا المقام في بحبوحة تفوق حد الخيال ، هل يقبل أن يقول له أحد : إن في هذا المكان حماراً مدفوناً ، يأخذ روحه ، مع أنه دفنه بنفسه ، فقناعة صاحب هذا المكان أن الذي دفن هنا دابة أقوى من قناعة من يحاوره ، لكن المنتفع لا يناقش ، ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ﴾
إذاً أن تعبد غير الله لما تحقق مصالح ، هذا كلام عميق جداً ، الإنسان يكون في بحبوحة كبيرة من عقيدة فاسدة ، انتبهوا الآن دخلنا إلى لب الموضوع ، أحياناً تأتيك مكاسب لا يعلمها إلا الله إذا كنت على عقيدة فاسدة ، أحياناً توهم الناس أنت بشيء غير صحيح ، هذا الإيهام يجلب لك نفعاً لا حدود له ، أنت لا تعبد الله ولكن تعبد أهواءك ، هذا ملمح ، أناس كثيرون يكتشفون أن الإسلام هو الحق ، وأن هذا الدين هو دين الله عز وجل ، وأن هذا الدين هو الدين الذي ينبغي أن نؤمن به ، ولكنهم يتمسكون بما هم عليه حفاظاً على مكاسبهم ، أنت حينما تعبد غير الله وتحافظ على مكاسبك فأنت لا تعبد الله ولكنك تعبد ذاتك . ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)﴾
إذاً إما أن تتبع إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يلد ولم يولد ، وإما أن تتبع الهوى ، والهوى يتمثل بصنم أحياناً ، يتمثل بإنسان كلما اقتربت منه أغدق عليك من النعم ، فتعبده من دون الله ، وتقره على كل أغلاطه ، حفاظاً على مكاسبك ، لا تتصور الآيات وعلاقتنا بها ، هذه الآيات يمكن أن تشمل كل واحد منا ، أنت حينما ترضي مخلوقاً ، وتعصي خالقاً ، لما عنده من مكاسب ، أو لما يهددك به من متاعب ، أنت إذاً وقعت في الشرك ، أنت حينما تروج فكرة ، لا لأنها صحيحة إلا لأنك تنتفع بها فأنت وقعت تحت طائلة هذه الآية ، أنت حينما تطيع مخلوقاً ، وتعصي خالقاً فقد وقعت تحت طائلة هذه الآية .
هناك طريقان لا ثالث لهما إما أن تعبد الله أو أن تعبد هواك :
أخواننا الكرام ، قضية مهمة جداً في هذه الآية ، أنت حينما تروج فكرة ، أو حينما تتبع رجلاً ، أو حينما تنضم إلى فئة من أجل مصلحة ، أنت تحت طائلة هذه الآية إنك تعبده من دون الله دون أن تشعر ، بل إنك تعبد ذاتك ، وتعبد مصالحك ، الآية : ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
طبعاً وقتها كان هناك أصنام ، في عصور لاحقة كان هناك أشخاص ، شخص قوي ، فأنت معه على الحق وعلى الباطل ، كل أعماله عندك مبررة ، وتخضع له ، وتعلق آمالاً كبيرة على إرضائه ، وتخشى من تهديداته ، ولا ترى غيره ، هذه حالة ، والحالة مطبقة ، فأنت حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً ، بل حينما تطيع زوجتك وتعصي ربك ، بل حينما تغش المسلمين ، لماذا غششتهم لأنك رأيت أن المبلغ الذي سيأتيك من غشهم هو أكبر عندك من الله ، ومن طاعة الله ، إذا أنت تحت طائلة هذه الآية ، القرآن لكل زمان ومكان ، اليوم ليس هناك صنم موجود بمكان عبادة ، نعبده من دون الله ، لكن هناك أشخاص ، هناك شخص تتوهمه قوياً ودنياك بيده ، وبيده أن يوقع فيك أشد الضرر ، فأنت تنسى الله ، وتعبده من دونه أي تطيعه ، لا تقل : هو إله ، لكن دون أن تشعر تعبده من دون الله ، لذلك : ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ﴾
الحقيقة إما أن تعبد الله ، وإما أن تتبع الهوى ، وسأقول لكم هذه الكلمة ، وهي دقيقة جداً ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ (50)﴾
(سورة القصص)
هما طريقان لا ثالث لهما ، إما أنك تعبد الله وحده ، أو أنك تعبد هواك . ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50)﴾
( سورة القصص)
الذي يتبع الهوى يغيب عنه أنه لو اتبع الهدى لحصّل الدنيا والآخرة :
أشد الناس ضلالاً من يتبع هواه بغير هدى من الله ، والمعنى المخالف رائع ، أنّ الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، اشتهى المرأة فتزوج ، اشتهى المال فتاجر ، اشتهى أن يكون ذا مكانة عليا فطلب العلم ، وعمل الصالحات ، إذاً حاجاتك الأساسية مؤمَّنة بالدين ، من أجل أن تبقى كفرد لك أن تأكل وتشرب ما لذّ وطاب ، ومن أجل أن تبقى كمجموع لك أن تتزوج ، ومن أجل أن يبقى ذكرك في الآفاق ينبغي أن تتفوق ، سبل تحقيق الحاجات الثلاثة الكبرى مؤمّنة بالدين ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، إذاً الذي يتبع الهوى يغيب عنه أنه لو اتبع الهدى لحصّل الدنيا والآخرة، لذلك طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، ﴿ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾
هناك تعليق آخر ، الذين كانوا يعارضون النبي e ، وقالوا : نحن لن نؤمن ، حتى إنْ كنت نبياً حقاً . ﴿ َإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ (32)﴾
( سورة الأنفال الآية : 32 )
هكذا نحن ، هذا تحدٍّ ، الله عز وجل أمره أن يقول لهم : ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ (57)﴾
لا أملك ، أنا عبد ، أنا على بينة دققوا في هذه الآية :
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي َ (28)﴾
( سورة هود الآية : 28 )
الأمور واضحة جداً ، هناك إله عظيم ، وأسماؤه حسنى ، وصفاته فضلى ، ذات كاملة ، الدنيا مزرعة الآخرة ، الآخرة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، والشهوات هي حيادية ، ونرقى بها إلى الله مرتين ، الأمور واضحة جداً . حال المؤمن وحال الكافر :
قال تعالى : ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾
( سورة هود )
هذا حال المؤمن ، هو على بينة وآتاه الله رحمة من عنده ، وأنا أقول لكم أيها الأخوة : ما الذي يشدكم إلى الدين ؟ لا لأن الدين حق ، هو حق ، لا لأن الدين أعطاك تفسيراً رائعاً ، هو فعل هذا ، لكن لأن الله عاملك معاملة تذوب محبة له من أجلها ، هذا الذي يشدك إلى الدين ، لك معاملة خاصة ، } فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا { ، أنت موفق ، منصور ، محفوظ ، مسدَّد ، معاتب أحياناً ، أنت قريب ، الله وليك ، والكفار لا مولى لهم ، بربكم هل يمكن أن توازن بين طفل له أب كبير عالم غني مربٍّ ، وله غرفة خاصة ودراسة ، وعناية بصحته ، وبدارسته ، وبتحصيله ، وبهندامه ، وفي طعامه وشرابه ، ومضبوط ضبطاً كاملاً ، وهو ضابط للسانه ، ضابط لحركاته وسكناته ، وابن من إحداثية إلى إحداثية ، من مخفر إلى مخفر ، مرة يسرق ، مرة يرتكب فاحشة ، ينام في الطرقات ، هذا مثل هذا ؟ اسمع إلى الآية الكريمة : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
( سورة محمد )
لك رب يتولاك ، تخاف منه ، تحبه ، تصلي له ، تطيع أمره ، يبشرك ، أحياناً يخوفك ، أحياناً تسأل عالماً ، لا تفعل هذا ، لك مرجع ، معك منهج ، معك كتاب ، معك سنة، معك سيرة صحابة ، معك أحكام فقهية ، فلذلك : ﴿ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)﴾
أيها الأخوة الكرام ، نعود إلى هذه الآيات في الدرس القادم .

العفريني
09-22-2011, 05:50 PM
﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)﴾
هم استعجلوا عذاب الله ، وعذاب الله ليس بيد رسول الله ، هذه الآية تبين أن النبي بشر ، وأنه لا يملك نفعاً ولا ضراً لأحد ، بل لا يملك نفعاً ولا ضراً لنفسه ، فلأن لا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً من باب أولى ، وهو لا يعلم الغيب ، وهو يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم ، عدة آيات في القرآن الكريم تبين حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو يعرف الحق ، ويعرف الله ، ويعرف الطريق الموصل إليه ، فبلسانه يهديك إلى الله ، وإن أحببته ارتقيت بمحبته إلى الله ، فحاله يهديك ، لكنه لا يعلم الغيب ، إذا كانت هذه خصائص النبوة ، وقد وصف الله بها نبيه الكريم ، وكان سيد الخلق وحبيب الحق ، وبلغ أعلى درجات الكمال البشري ، هل يستطيع أحد على وجه الأرض كائناً من كان أن يدّعي صفات فوق هذه الصفات ، يكون كاذباً ودجالاً ومحتالاً ، هذه خصائص النبي عليه الصلاة والسلام .
لكن قد يسأل سائل : ما الحكمة أن الله سبحانه وتعالى يجعل أنبيائه معظمهم ضعفاء ؟ أيعقل أن يقف النبي أمام عمار بن ياسر ، وهو يعذب ، ولا يملك أن يوقف العذاب عنه فيقول : صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ؟!!
الحكمة من جعل الأنبياء ضعفاء :
الحقيقة أن الله أعطى القوة لأناس هم طغاة أحياناً ، لا يحبهم الله أبداً ، طغاة العالم كما ترون وتسمعون يَقتلون ، ويستبيحون الحرمات ، وينهبون الأموال ، ويفعلون كل شيءٍ لا يرضي الله عز وجل ، ومع ذلك هم أقوياء جداً ، يبدو لقصير النظر أنهم يفعلون ما يشاؤون ، ما الحكمة من أن أنبياء الله كانوا ضعفاء ؟! الحكمة أن الإيمان بالنبي القوي إيمان مشبوه ، لأن الأقوياء إذا طلبوا شيئاً فالكل ينفذ من دون تردد ، هؤلاء الناس يستجيبون لنبي قوي ، لا لأنه نبي ، بل لأنه قوي ، يستجيبون له خوفاً أو طمعاً ، ولكن الله يريد من الإنسان أن يؤمن طواعية من دون ضغط ولا إغراء ، لذلك لحكمة أرادها الله كان النبي ضعيفاً ، وكان الإيمان به منزهاً عن خوف أو عن طمع ، ومنزهاً عن أي غرض ، فالإيمان الحقيقي هو أن تؤمن بإنسان لا يملك لك نفعاً ولا ضراً ، ولا موتاً ولا حياةً ، ولا رفعةً ولا انخفاضاً .
إذاً لحكمة بالغةٍ بالغة كان النبي صلى الله عليه وسلم ضعيفاً ، تطلبون العذاب بشكل فيه تحدٍّ ، أو تستخفون بهذه الدعوة ، فإن كنت كما تدّعي رسول فلينثر علينا ربك حجارة من السماء ، ائتنا بعذاب الله إن كنت صادقاً ، فكان الرد النبوي المتأدب مع الله ، رد النبي الذي هو عبد لله : ﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾
لو أملك قوة وأنتم تتحدون خالق السماوات والأرض لعاقبتكم غيرة على هذا الدين ، وتقرباً إلى الله رب العالمين ، وانتهى الأمر بيننا ، ولكنني عبد مثلكم ، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً ، كما لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ، في صفات تتبدى بالضعف ، قد تغيب عن بعض الناس ، وقد لا أبالغ إذا قلت : إن أكثر مكارم الأخلاق لا تتبدى إلا في حالات الضعف ، وأنت في أشد حالات الضعف ترجو الله ، وتحبه ، وتؤثر طاعته على سلامتك ، لذلك قالوا : الحزن خلاق ، البطولات أحياناً تأتي من ضعف ، التفوق الدراسي أحياناً يأتي من فقر ، ولو علم الناس ما في الضعف أحياناً من إيجابيات قد لا يرونها لتمنوا أن يكونوا ضعافاً .
أوضح مثل : ابن إنسان غني جداً ، لا يحتمل ، لا في سلوكه ، ولا في أخلاقه ، الابن الذي لا سند له ، وأبوه قد توفي ، وهو يتيم ، وليس شيءٌ في يده تجد منه بطولات وتفوق يفوق حد الخيال ، لعل الضعف والفقر سبب كبير من أسباب التفوق . المفهوم السلبي للقضاء والقدر مفهوم مرفوض :
إذاً الله عز وجل حينما يختار لك أن تكون ضعيفاً في مجتمع الأقوياء ، وحينما يختار لك أن تكون فقيراً في مجتمع الأغنياء ، لكن إياكم ثم إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أن ترضى بالضعف ، وأن ترضى بالفقر ، أما حينما تبذل كل ما تملك ، ويصل بك جهدك إلى هذا المستوى ينبغي أن ترضى عن الله عز وجل ، لأن حكمة بالغةً أرادها الله عز وجل قد تخفى عنك الآن ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يَحْمِيهِ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ ))
[أحمد من حديث محمود بن لبيد ]
(( إن الله تعالى يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ))
[البيهقي في شعب الإيمان عن حذيفة ]
إذاً العبرة أن ترضى عن الله ، لا تناقض بين أن ترضى عن الله وبين أن تسعى لرفع مستواك الثقافي والعلمي والاقتصادي والمعيشي ، لأنه ليس مطلوباً منك أن تقبل بمقدر عليك ، وأوضح مثل : أنه لو دخل إلى البيت لص هل تقول : سبحان الله ! هذا قضاء الله وقدره ، وتستسلم له ، أم تتحرك ، وتقاوم ، وتقبض عليه ، وتسلمه إلى الجهات المسؤولة ؟
إذاً المفهوم السلبي للقضاء والقدر مفهوم مرفوض ، لكن حينما تبذل كل ما تستطيع ، حينما تسعى إلى أقصى درجة ، ويصل بك السعي إلى هذا المكان ، بعد كل سعيك أصبحت إنساناً ذا دخل محدود ، وبعد كل سعيك أصبحت إنساناً بحسب مبادئك وقيمك ، وأن الإيمان قيد يمنعك أن تنافق ، يمنعك أن تكذب ، يمنعك أن تتسول إلى هدف مشروع بوسيلة غير مشروعة ، إذا انتهى سعيك إلى أن تكون ضعيفاً وذا دخل محدود ، فاعلم علم اليقين أن هذا الذي اختاره الله لك هو أبدع ما يكون ، عبَّرَ عن هذه الحقيقة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فقال : " ليس بإمكاني أبدع مما أعطاني " .
مرة ثانية أتمنى ألا تفهموا هذا أن ترضى عن واقع بإمكانك أن تغيره ، أو أن ترضى عن دخل بإمكانك أن تحسنه وفق منهج الله ، أو أن ترضى عن مكانة بإمكانك أن ترتقي إلى أعلى منها وفق منهج الله ، فلذلك هذه حقيقة ، الله عز وجل حينما يختار لإنسان ضعفاً ، أو دخلاً محدوداً ، فلحكمة لو كشف الغطاء لاخترت الواقع ، وللإمام علي رضي الله عنه كلمة رائعة يقول : " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " ، وله قول آخر ليس أقل منه روعة : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي " ، لأنه بلغ أعلى سرعة في السير إلى الله عز وجل . كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله :
إذاً الآية تشير : ﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾
أي يكفيك قوةً ألا تكون ظالماً ، يكفيك قوةً أن تكون في طاعة ، وقد قيل مرة : كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله ، وهذا سماه العلماء النصر المبدئي ، في هذه الحروب الطاحنة التي توجه ضد المسلمين ، لو أن إنساناً في بيت صغير يعرف الله ، ويعبده عبادة متقنة ، ودخله حلال ، وربى أولاده ، وبيته إسلامي ، وعقيدته سليمة ، وجاءته قنبلة فأودت بحياته ، أنت تقول : مسكين ، مات بشظية طائشة ، لا ! ما دام مات وهو مؤمن فقد مات وهو موحّد ، فهو المنتصر ، لذلك يقول سيدنا علي رضي الله عنه : " لا أخوض حرباً المنتصر فيها شر من المنهزم " ، أحياناً المنتصر هو الشرير ، أنا لا أدعو إلى الضعف ، ولا أدعو إلى الفقر ، ولا أدعو إلى الاستسلام ، ولكن أدعو إلى الرضا عن الله عز وجل ، أدعو أن ترضى عن الله ، أدعو أن تعلم أن لله حكمة جليلة لو كشفت لرضيت بها ، أدعو إلى أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، أدعو إلى أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية : 216 )
لو بسطنا هذه الحقائق على ما يعانيه المسلمون في العالم كله الآن ، الحقيقة أن كل شيء وقع أراده الله ، هذه الأحداث والتداعيات بدأت من الحادي عشر من أيلول ، وقد قامت حروب ضد المسلمين في البقاع كلها .
هناك إقبال على الدين لأن في الإسلام خلاص العالم :
النقطة الأولى أيها الأخوة ، هو أن هذه الحروب ، وهذه المضايقات ، وهذه الحصارات الاقتصادية ، هذا كله يؤدي إلى صحوة ، يؤدي إلى عودة إلى الله ، نحن مقصرون ، وأقول دائماً : هان أمر الله علينا فهنّا على الله ، فلذلك الله عز وجل يعالجنا ، ونحن في العناية المشددة ، وأقول لكم مرة ثانية : إن هناك مكتسبات ما كان يخطر على بال أحد أن تكون ، منها أن الإسلام قفز في العالم كله إلى بؤرة الاهتمام ، وأن العالم كله يراقب هذه الحرب الشعواء على المسلمين ، وهو يسأل : ما الإسلام ؟ هل تصدقون أن هذا الدين الإسلامي في العالم من حيث نموه هو أول دين في العالم ينمو ، والشيء الذي لا يصدق أنه بعد عشرين عاماً تقريباً يتوقع الخبراء أن يكون الإسلام هو الدين الأول في أوروبة ، فهناك إقبال على الدين ، لأن في الإسلام خلاص العالم .
النقطة الدقيقة أيها الأخوة ، أن العالم قبل خمسين عاماً تقريباً كان فيه ثلاث كتل من القيم ، كتل الشرق ، وكتل الغرب ، والإسلام ، الشرق تداعى من الداخل ، والغرب بعد الحادي عشر من أيلول سقط كحضارة وبقي كقوة غاشمة ، الآن ليس على الساحة إلا الإسلام مع أننا ضعاف ، ومع أننا مستهدفون ، ومع أن العالم كله يحاربنا ، ولكن في الإسلام خلاص العالم ، هذا يدعونا إلى أن نستفيد من هذه الفرصة الذهبية ، وأن نقدم الإسلام في أبهى حلة ، وأن نطبقه ، وأن نعرضه أحسن عرض على الطرف الآخر ، وكل واحد منا هو مسلم ، هو سفير لهذا الدين ، هذا عن قوله تعالى : ﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾
الآية التي بعدها : ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾
أخواننا الكرام ، هذه الآية فيها دلالات كبيرة جداً ، أولاً مفاتح جمع مِفتح على وزن مِفعل ، مِبرد ، آلة الفتح ، أو مفتاح ، ومفاتح جمع مَفتح ، المكان الذي يُفتح ، يعني أداة الفتحِ اسمها مِفتح ، والخزانة الحديدية اسمها مَفتح ، فجمع مِفتح ، أو مَفتح مفاتح ، أو مفاتيح ، الله عز وجل يقول :
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾
لم يقل : مفاتح الغيب عنده ، لو قال : مفاتح الغيب عنده ، أي عنده وعند غيره ، هذه صياغة قصر : ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾
الغيب الذي غاب عنك ، هناك غيب الماضي ، وغيب الحاضر ، وغيب المستقبل ، أنت لا تعلم ماذا يجري الآن في حَلَب بالضبط ؟ لا تعلم ، هذا غيب الحاضر . أنواع الغيب :
قال تعالى : ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44)﴾
( سورة آل عمران الآية : 44 )
وأنت لا تعلم أيضاً ماذا جرى قبل ألف عام في مكان ما من العالم ، ثم إنك لا تعلم ما سيكون بعد حين ، هذا غيب الحاضر والماضي والمستقبل ، غيب إخباري ، غيب الماضي وغيب المستقبل شيء ، وغيب الحاضر شيء آخر ، غيب الماضي وغيب المستقبل بُعده زماني ، أما غيب الحاضر فبُعده مكاني ، الآن ماذا يجري في أحد أحياء حلب ؟ لا ندري ، أما الغيب المطلق ، كما قال العلماء : هو غيب ذو نوعين ، غيب غاب عنك ويعرفه غيرك ، أوضح مثل لهذا أنك أضعت مفتاحاً وإنسان أخذه ، أنت لا تعلم أين هذا المفتاح ؟ غاب عنك مكانه ، لكن الذي أخذه يعلم مكانه ، هذا غيب إضافي ، فهناك غيب غاب عنك ويعلمه غيرك ، هذا غيب ، وهناك غيب غاب عنك ، وغاب عن غيرك ، ولكن الله سمح أن تعلمه بأسباب ، جميع المكتشفات العلمية ، وجميع القوانين التي اكتشفت هي غيب كانت ، لكن الله سبحانه وتعالى قال : ﴿ وَعَلَامَاتٍ (16)﴾
( سورة النحل )
جعل لكل شيء غاب عنك علامة ، أنت لا تعلم أين الماء في باطن الأرض ؟ لكن هناك علامات تقليدية ، يأتون بقضيب رمان ، وهناك علامات حديثة ، هناك وسائل لمعرفة ماذا في باطن الأرض ، وقس على هذا كثيراً ، هناك أشياء غابت عنك وعني ، وشيء غاب عني ولم يغب عنك ، هذا نوع من الغيب ، وهناك غيب غاب عنك وعني ، لكن الله سبحانه وتعالى سمح أن نعرفه ، وجعل لهذه المعرفة وسائل ، فمن أخذ بها كشف هذا الغيب ، وجميع المخترعات والمكتشفات ، وجميع الومضات الإبداعية في العالم وفي تاريخ البشرية ، من هذا القبيل ، ولكن هناك غيب مطلق يغيب عنا جميعاً ، وليس له وسائل نعرفه ، وقد أراد الله ألا نعرفه ، فأنت بين غيب مضاف ، وغيب مشترك لكن له وسائل ، وبين غيب مطلق لا يعلمه إلا الله . مصير كل إنسان غيب اختصّ الله به ذاته :
لذلك أيها الأخوة ، أنت حينما تتقن هذه الحقائق لا تدخل نفسك في متاهة تقييم الأشخاص ، مصير كل إنسان لا يعلمه إلا الله ، أن توزع ألقاب الكفر والإيمان على من تشاء وعلى من تحب هذا تطاول على الله ، وهذا سماه العلماء تألّياً على الله ، هذا الآن إنسان عاصٍ ، غير مسلم ، وقد يدخل في دين الله ، وقد يكون أفضل منك عند الله في المستقبل .
مصير كل إنسان غيب اختص الله به ذاته ، ولم يسمح لأحد أن يصل إليه ، والصحابة الكرام حينما لم يصلوا إلى مكة في صلح الحديبية وعادوا ، تألموا ألماً لا حدود له لكن الله رد عليهم فقال : ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ (25)﴾
( سورة الفتح الآية : 25 )
أي يوجد في مكة أناس آمنوا ولكن كتموا إيمانهم ، ونساء آمنّ بالله وكتمن إيمانهن ، فأنتم إذا وصلتم إلى مكة قتلتموهم وأنتم لا تعلمون ، فشاءت حكمة الله ، وهو يعلم الغيب ، ويعلم أن هذا الإنسان مؤمن ، أو سوف يؤمن ، أو أنه قريب من الإيمان ، فأنت حينما تعرف أن هناك غيباً مطلقاً لا يمكن أن تعرفه لا أنت ولا غيرك هذا يجعلك مؤدباً ، وأوضح مثل على ذلك : (( أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا ، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، وَغُسِّلَ ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ ـ هذا الهدف ـ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي ، قَالَتْ : فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَداً بَعْدَهُ أَبَداً ))
[البخاري عن ابن شهاب]
الله عز وجل لا يسمح لجهة أن تتألّه إلى أمد بعيد :
إذاً هناك غيب يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك ، هذا من شؤون حياتنا الدنيا ، وهناك غيب يغيب عنك وعن غيرك ولكن الله شاء أن تعرفه ، وضع له أسباباً ، وعلامات ، ووسائل عليمة ، فالغرب في هذا الباب تفوقوا علينا كثيراً ، كشفوا القوانين ، ووصلوا إلى المجرات ، وغاصوا في أعماق البحار ، ووصفوا ، وقالوا ، وألّفوا ، هذا التفوق ولا شك ، ونحن في حاجة إلى هذا العلم ، لكن هناك شيء استأثر الله به ، الآن ماذا يبنى على هذا الكلام ؟ أنا أقول لكم من دون حرج : إن الذي يتابع مثلاً برامج حول الأبراج يعد في نص كلام رسول الله كافراً : (( مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ]
من يتابع هذه البرامج للتسلية لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا أربعين ليلة : (( مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ))
[مسلم عَنْ صَفِيَّةَ]
ذلك لأنه يتوهم أن جهة تقول له في المستقبل : سوف تكون غنياً أو فقيراً ، من كان يظن أن هذا العملاق الشرقي الذي يملك من القنابل النووية ما يكفي لتدمير القارات الخمس خمس مرات ، كلام دقيق ، الكتلة الشرقية حينما كانت في أوجها ، وحينما كان هناك توازن قوى بين الكتلتين ، وكانت هذه نعمة ما عرفناها وقتها أبداً ، لا يستطيع معسكر أن يحرك غواصة ، يتصدى له المعسكر الثاني ، وهؤلاء الضعاف في العالم محميون بفضل هذا التنافس وهذا التوازن , وقد قال الله عز وجل : ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (251)﴾
( سورة البقرة الآية : 251 )
إلى آخر الآية ، أما الآن فالقطب واحد ، لا قيم ، ولا مبادئ ، ولا إنسانية ، ولا شيء من هذا القبيل ، يتفننون في إذلال الشعوب الضعيفة ، هذا من نتائج أن أصبح القطب واحداً مكان توازن القوى ، فلذلك هذا العملاق الشرقي الذي يملك من القنابل النووية ما يدمر بها القارات الخمس خمس مرات من كان يصدق أنه سيتداعى من الداخل ؟ ويصبح من أضعف الدول في العالم ، من كان يصدق ؟ ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة]
لا تقنطوا من روح الله ، الله عز وجل لا يسمح لجهة أن تتألّه إلى أمد بعيد ، لها جولة وجولات ، ولكن لا بد لها من مصير أسود ، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة ، أما نحن كوننا مسلمين : ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران )
مهام المسلمين اليوم :
قد تقول لي : كيف الخلاص ؟ أقول لك : ليس هناك حل أرضي الآن بحسب المدى المنظور ، لكن كيف أن الله عز وجل أنهى قوة في العالم تعد من أقوى القوى في التاريخ الحديث ، تلاشت من دون حروب ، من دون خسائر ، من الداخل ، فلعل الله سبحانه وتعالى يهيئ لهذا القطب الذي يتفنن في إذلال الشعوب ، وفي استباحة دمائهم ، وأعراضهم ، وأموالهم ، وثرواتهم سبباً لدماره ، على كلٍّ الآية التي تناسبنا الآن : ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
( سورة الزمر )
مهمتك أن تعبد الله ، وأن تنتظر الخير منه كي تشكره عليه ، وانتهى الأمر ، وأن نعمل لتخفيف أعباء المسلمين بحمل همومهم ، لتحسين أوضاعهم ، لتزويج شبابهم ، لمعالجة مرضاهم ، لتأمين فرص عمل .
أخواننا الكرام ، من بديهيات العقيدة أن الطرف الآخر إذا أراد إفقارنا ، العبادة الأولى كسب المال الحلال وإنفاقه في مصالح المسلمين ، والطرف الآخر إذا أراد إضلالنا ، العبادة الأولى ترسيخ معالم الدين ، والطرف الآخر إذا أراد إفسادنا ، العبادة الأولى صيانة شباب المسلمين وشابات المسلمين ، والطرف الآخر إذا أراد إذلالنا ، ينبغي أن نضحي بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس . ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً :
أيها الأخوة الكرام ، قلت مرةً لبعض الأخوة الكرام في جلسة : استمعوا إلى الأخبار ما شئتم ، وتابعوا دقائق الأخبار ، واستمعوا إلى تحليل الأخبار ، واستمعوا إلى ما بين السطور ، وما بين الكواليس ، ولكن لا تنسوا ثانية واحدة أن الله موجود وأنه بيده كل شيء ، وأن الله قادر على أن يقلب كل هذه الموازنات ، وكل هذه المعادلات في ثانية واحدة ، ولعل الله سبحانه وتعالى يخبئ لنا نصراً من عنده لا نرى أسبابه الآن ، لكن علينا أن نستقيم على أمر الله ، علينا أن نصلح شأننا ، أن نصلح بيوتنا ، علينا أن نربي أولادنا ، علينا أن نتعاون ، ذكرت لكم كيف أن المسلمين في فرقة ، وفي تشتت ، ينبغي أن نتعاون ، وأن نلغي هذه الخلافات فيما بيننا ، ينبغي أن نعد أنفسنا أمة واحدة ، قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌَ (10)﴾
( سورة الحجرات الآية : 10 )
ما قال : إن جماعة فلان إخوة ، ولا قال : إن المذهب الفلاني إخوة ، قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
وأنا أقول ، وأؤكد على هذا القول : ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً . إذاً : ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
مرة تروي القصص الطريفة أن ملكاً جباراً في العصور القديمة نقم على أحد الناس ، وكان يعمل نجاراً ، بل كان شيخ النجارين ، نقم عليه نقمة ما بعدها نقمة ، وطالبه بشيء لا يستطيع أن يقدمه ، طالبه بمئة كيس نشارة خلال عشر ساعات ، وهذه لا تجتمع لديه في خمس وعشرين سنة ، فإن لم يأتِ بها قتله ، فهم ـ كما يجري الآن أن ذئباً التقى بحمل في حمام ماء وبلاط ، فقال الذئب للحمل : أنت تغبّر عليّ ، قال : تعال كُلني وأرحني ، أين الغبرة ، بلاط وماء فقط ، قال له : أنت تغبّر عليّ ، فقال له : تعال كُلني وأرحني ـ فهذا الملك الجبار الطاغية أراد أن يفتك بهذا النجار ، طالبه بشيء فوق طاقته ، كما يجري معنا الآن ، كلما خرجنا من تهمة تأتي تهمة ثانية ، فهو فهم أنه في قتل محقق صباحاً ، كتب وصية ، وودع أولاده وأقرباءه ، وأنهى كل شيء ، طبعاً في الفجر طرقوا بابه ليقتلوه ، جهز نفسه ، قالوا له : تعال ، فقد مات السلطان ، تعال اصنع تابوتاً له . هذه قصة رمزية ، لكن لها معنى ، تعال اصنع تابوتاً له . نحن في عهدة الله عز وجل وفي رعايته فعلينا أن نطيع الله :
ذات مرة ـ أيضاً قصة رمزية ـ امرأة متقدمة في السن على مشارف الموت ، التقت بسيدنا نوح عليه السلام ، قالت له : يا نوح ، متى الطوفان ؟ لا تنساني عند الطوفان ، يبدو أن هذا النبي الكريم ـ والقصة رمزية ـ جاء الطوفان ونسيها ، والسفينة في أمواج عاتية تذكر هذه المرأة ، طبعاً أيقن أنها ماتت ، فلما انتهى الطوفان جاءته ، وقالت : يا نوح متى الطوفان ؟ فإذا كان سيدنا نوح نسي فالله لا ينسى ، فنحن في عهدة الله عز وجل ، وفي رعايته ، فعلينا أن نطيع الله ، علينا أن نقدم سبب الحفظ ، الله يحفظ بلادنا .
أخواننا الكرام ، الذي يجري في العراق لا يصدق ، لا أمن ، ولا طعام ، ولا شراب ، ولا كهرباء ، ولا وقود ، ولا شيء إطلاقاً ، قتل يومي ، وترون وتسمعون ، ادعوا الله أن يحفظ بلادنا من الفتن .
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
طبعاً ماذا في البر ؟ تجد بلاداً فقيرة يكاد أهلها يموتون من الجوع ، فجأة يكتشف فيها النفط ، صار عندهم غنى يفوق حد الخيال ، هذا شيء ملموس ، أنا مرة سافرت إلى بلد إفريقي فقير جداً ، لا طعام ، ولا شراب ، ولا كساء ، ولا تعليم ، وهذا الشيء في جنوب السودان ، وسافرت بعد أسبوعين لحكمة أرادها الله إلى بلد نفطي ، رأيت من ألوان البذخ ما لا يتصور ، وهذا البلد النفطي كان فقيراً كجنوب السودان ، اكتشف النفط فصار هناك غنى ، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
والآية الكريمة : ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
( سورة طه )
أحيانا تكشف ثروات تفوق حد الخيال ، إذاً : ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ ﴾
في الأمر حكمة ، سبحان الله ‍‍‍‍! هذه البلاد غير المتعلمة الجاهلة المتخلفة عندها ثروات كبيرة جداً ، والبلاد الذكية جداً والمتعلمة جداً ما عندها ثروات ، لو كانت الثروات عندهم لمتنا جميعاً ، لكن الله عز وجل يقيم توازناً ، يعطي هؤلاء المقصرين بعض الثروات ، ويعطي هؤلاء المتفوقين قلة الثروات ، فهؤلاء يعطون إلى هؤلاء ، وهكذا . كل ما يجري في العالم يعلمه الله مهما كان صغيراً :
الآية الكريمة : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (13)﴾
( سورة الحجرات الآية : 13 )
أما الذي حصل : لتتقاتلوا ، الآية لتعارفوا ، لا لتتقاتلوا ، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
البحر الآن هناك مليون نوع من السمك ، لا زال البحر فيه عجائب قد لا تصدق ، البحر شيء مذهل ، فيه ملح مثلاً ، لو جفف هذا الملح ووضع على اليابسة في كل أنحاء اليابسة في الخمس القارات لكانت سماكة الملح مئة وتسعة وخمسون متراً ، في الخمس قارات، السماء ينزل منها ثمانية عشر مليار طن في كل ثانية على مدار العام ماء ، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
ونحن نجد أن الأمطار دون المعدل ، الآن مئة وسبعون ومعدلنا مئتان واثنا عشر ، اكتشفوا سحباً في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ المحيطات الأرضية كلها ستين مرة في أربع وعشرين ساعة بالماء العذب ، لذلك : ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾
( سورة الحجر الآية : 21 )
﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
لكن هناك ملمح دقيق في الآية : ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
ورقة زيتون أدت مهمتها ، وجاء دور سقوطها ، وسقطت ، كيف سقطت ؟ وكيف اتجهت ؟ وكيف ساقتها الرياح إلى مكان آخر ؟ يعلمها ، ما الحكمة من هذه الآية ؟ ورقة زيتون إذا سقطت لا تقدم ولا تؤخر ، أو أي ورقة ، في الخريف الأوراق كلها تسقط ، ورقة سقطت ، ما الذي حدث ؟ لا شيء أبداً ، هذه يعلمها ، وما يجري في العالم من حروب لا يعلمها الله ؟! وما يجري من عدوانات لا يعلمها الله ؟! ما يعانيه البشر أحياناً من فقر لا يعلمه الله ؟! ما يعانونه من قهر لا يعلمه الله ؟! الله عز وجل أراد أن يخبرنا أنه إذا كان يعلم سقوط ورقة فما قولك فيما فوقها ؟! وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، إذا كان سقوط ورقة يعلمها ، فكيف بالحادي عشر من أيلول ، مثلاً ، يعلمه ، غزو أفغانستان يعلمه ، غزو العراق يعلمه ، ما يجري في فلسطين يعلمه ، الله عز وجل يقرب لك ، هذا الشيء الذي لا يقدم ولا يؤخر ، وليس له أي معنى ، ولا حكم شرعي ، ولا ظلم فيه ، ورقة تسقط يعلمها ، إذا فكيف بما فوقها ؟!! خالق هذا الكون لا يعقل أن يدع عباده من دون تصفية حسابات :
قال عليه الصلاة والسلام : (( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))
[متفق عليه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
علق على هذا الحديث الشريف الصحيح ، فما قولكم فيما فوق الهرة ؟ هرة حُبست ، لم تقتل فماتت جوعاً ، فصاحبة هذه الهرة سوف تدخل النار ، فالذي يبيد الشعوب ، ويقصف البلاد باليورانيوم المخصب ، الذي يبقى تأثيره المؤذي أربعمئة وخمسين ألف عام ، يؤثر في الطعام والشراب والنباتات ، وهذا الإنسان الذي أمر بهذا القصف لا يحاسب ؟! ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
( سورة الواقعة الآية : 36 )
وقال : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
( سورة المؤمنون الآية : 115 )
لذلك رحم الله ابن القيم الجوزية هو وحده يرى أن الإيمان باليوم الآخر دليله عقلي لا نقلي ، خالق هذا الكون لا يعقل أن يدع عباده من دون تصفية حسابات . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر)
وقال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم)
علامة ضعف الإيمان الشكوى :
لذلك أيها الأخوة ، أقدم لكم بشارة : إن لم تكن طَرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين ، أو إضلالهم ، أو إفسادهم ، أو إذلالهم ، أو إبادتهم ، فأنت ملك ، إذا لم تكن لك علاقة بما يجري الآن من انتهاك للحرمات ، ومن نهب للثروات ، ومن أعمال يندى لها الجبين ، فأنت من الناجين إن شاء الله ، وإنْ لم يكن لك شأن كبير في المجتمع .
قال ملك لوزيره : " من الملك ؟ قال له : أنت ، ملك جبار ، قال له : لا ، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزق يكفيه ، إنه إذا عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفنا جهدنا في إحراجه " ، فإذا كنت تتمتع بصحة ، ولك دخل يغطي نفقاتك فقط فأنت ملك .
واللهِ كنت قبل يومين في عيادة إنسان أصابه مرض عضال ، وهو في ريعان الشباب ، خرجت من عنده والله الذي لا إله إلا هو ، وقلت : لو أن الله أتم عليك الصحة ، ولا تملك من الدنيا شيئاً إلا رغيف خبز تأكله ظهراً من دون إدام لكنت ملِكاً .
نعمة الصحة لا تعدلها نعمة على الإطلاق ، تأتي بعد الهدى ، الهدى ، فالصحة ، فالكفاية ، لذلك وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ : (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
[الترمذي وابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ]
الشيطان حينما يأتي الإنسان ، يقول الله عز وجل : ﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (17)﴾
( سورة الأعراف الآية : 17 )
لكن النقطة الدقيقة : ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
( سورة الأعراف )
علامة ضعف الإيمان الشكوى دائماً ، يكون عنده بيت ، وله زوجة وأولاد ، وله دخل ، عنده عدة مشكلات ، دائماً يشكو ، ويتأفف ، ويتبرم ، وهذا الذي يشكو ضعيف الإيمان اشكر ما أعطاك الله أولاً ، وانظر ما الذي ينقصك ثانياً ، قال تعالى : ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
الرطب أيّ شيء فيه حياة ، واليابس ما ليس فيه حياة ، الحي وغير الحي يعلمه الله عز وجل ، ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
كل كائن حي ، نبات أو حيوان أو إنسان ، وكل جماد هو في علم الله ، والله عز وجل يبيّن ذلك ، لا تقلق ، إذا كان سقوط ورقة في علم الله فما قولك بما فوق الورقة ؟ زواجك ، صحتك ، مستقبلك ، عملك ، هذه أشياء أهم بكثير ، يبين لك أن سقوط الورقة في علم الله ، ألا يعلم وضعك المادي ؟ ألا يعلم أنك بحاجة إلى زواج ؟ ألا يعلم أنه ليس لك عمل ولا دخل ، ألا يعلم أنك محمل بأعباء كبيرة ؟ أنت حينما تعلم أن الله يعلم تنزاح عنك معظم الهموم .

العفريني
09-22-2011, 05:50 PM
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)﴾
أولاً : من نعم الله العظمى على الإنسان :
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ (23)﴾
( سورة الروم الآية : 33 )
النوم يعطي الجسد راحة يستعيد بها نشاطه ، وقد فُسرت حقيقة النوم لأن الأعصاب في الجسم تتباعد وتقارب ، الخلية العصبية هي نواة واستطالة ، تأتي الخلية الثانية نواة واستطالة ، فإذا أراد الإنسان أن ينام ، أو حينما يدركه النوم تتباعد هذه الأعصاب عن بعضها فتنقطع السيالة العصبية ، لكن الأصوات الحادة تجعل السيالة تقفز هذه المسافة بين العصبين فجميع المهدئات تباعد هذه المسافات ، وجميع المنشطات تقرب هذه المسافات ، أما أن ينام الإنسان فترتاح أجهزته وأعصابه فهذه من نعم الله الكبرى .
أنا أعرف شاباً ، أنا أتصور لو يملك أحدنا مئة مليون يدفعها بلا تردد مقابل أن ينام ليلة واحدة ، حار به الأطباء ، لا ينام أبداً . قد يأتي الأمن عن طريق النوم :
النوم من نعم الله الكبرى ، والحقيقة النوم مرتبط بشكل أو بآخر بحالة الإنسان النفسية ، فالإنسان حينما يقترف جريمة ، أو يقترف إثماً ، أو حينما تحاسبه نفسه حساباً عسيراً ، أو حينما يخرج عن مبادئ فطرته ، يكون بعده عن النوم وكأنه عقاب ، لذلك بعض الفنادق في أوربة كتبت لوحة على كل سرير : " إن لم تستطع أن تنام فالعلة ليست في فُرشنا، إنها وثيرة ، ولكن العلة في ذنوبك " .
الإنسان المؤمن لأنه لم يبنِ مجده على أنقاض الآخرين ، ولم يبنِ غناه على فقرهم ، ولم يبنِ حياته على موتهم ، ولم يبنِ أمنه على خوفهم ، ولم يبنِ عزه على ذلهم ، ينام نوماً عميقاً ، والنوم من نعم الله العظمى . ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ (154)﴾
( سورة آل عمران الآية : 154 )
هذا الأمن قد يأتي عن طريق النوم ، شيء آخر ، هو أن الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11)﴾
( سورة النبأ )
طاعته لله تكون في الليل أحياناً ، قيامه في الليل ، صلاته في الفجر ، هذا وقت راحة للناس ، إن أردت جواً صافياً لا إزعاج ، ولا اتصال ، ولا هاتف ، ولا بكاء ، ولا صراخ ، ولا ضجيج ، ولا شارع مزدحم ، ولا أبواق سيارات ، إن أردت جواً صافياً فعليك بوقت الفجر ، وبعد العشاء ، لقد ورد في بعض الأحاديث : (( ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))
[ أخرجه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ]
الله سبحانه وتعالى جعل النوم نوعاً من الموت المؤقت :
إذاً الآية الكريمة : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾
والحقيقة النوم ليس اختيارياً ، هو من خلق الله عز وجل ، إما أن تطلب النوم فلا تجده ، وإما أن يأتيك ضيفاً فيريحك ، النوم يأتي أما إذا طلبته قد لا يأتِ ، لذلك في الصيدليات أدوية تعين على النوم ، مسكنات ، مهدئات ، هذا كله من ضعف الإنسان أمام هذه الحالة ، ضعيف أمام النوم ، قد ينام وهو يقود سيارة فيدمر ، وقد يريد أن ينام فلا ينام ، لذلك قالوا : النوم ضيف إن طلبته أتعبك ، وإن طلبك أراحك .
الشيء الذي نتصوره جميعاً أن الإنسان نفس وجسم ، فمادامت النفس في الجسم فهي تفعل ما تريد ، أنت مخير ، تقف ، تمشي ، تجلس ، تأكل ، تشرب ، تخرج من البيت ، تعود إلى البيت ، تقوم بهذا العمل ، لا تقوم بهذا العمل ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل النوم نوعاً من الموت المؤقت ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾
ونفسك في جسمك ، وروحك في جسمك وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، فالنوم موت مؤقت ، والموت موت مستمر ، النوم والموت مترابطان ، الآية الكريمة : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾
﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (55)﴾
( سورة آل عمران الآية : 55 )
معنى ذلك لم يمت سيدنا عيسى . ﴿ وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾
( سورة المؤمنين الآية : 50 )
فالنوم عملية قسرية يخلقها الله ، وقد يطمأن الإنسان بالنوم ، وقد يدمر بالنوم ، ولاسيما في أثناء قيادة مركبة ، النوم يعني دمار كامل ، بشكل أو بآخر الإنسان بيد الله عز وجل ، الله رب العالمين طليق الإرادة ، قادر أن يكرمك بالنوم ، وقادر أن يدمرك بالنوم ، وقادر أن تطلبه فلا تجده ، وقادر أنه إذا جاءك يكون لك عوناً على مشقة النهار ، لكن بشكل أو بآخر الإنسان الذي لم يبنِ مجده على أنقاض الآخرين ، ولم يبنِ حياته على موتهم ، ولا غناه على فقرهم ، ولا أمنه على خوفهم ، هذا الإنسان ينام ، والنوم مكافئة له . دقة صنعة الله عز وجل :
إذاً : يمكن أن تكون النفس في الجسم وهي معطلة عن فعل شيء ، لكن أيها الأخوة دققوا في دقة صنعة الله عز وجل ، نحن في النهار نتنفس ، والتنفس عند الأطباء تنفس غير إرادي ، وقد يكون إرادي ، وأنت في يقظتك تقول شهيق زفير ، هذا تنفس إرادي ، لكن إذا خلدت إلى النوم لو أن التنفس إرادي ماذا تفعل ، النوم يعني الموت ، لذلك الله عز وجل رحمة بالعباد يعني يصيب حالات نادرة جداً .
في طبيب بهذا البلد توفي رحمه الله ، كان لا ينام أبداً ، فاختُرِع دواء في بلاد الغرب غالٍ جداً ، فوق طاقة الغني ، هذا الدواء يمكن أن تنام ، ولكن يجب أن تأخذ حبة كل ساعة في الليل ، تضبط المنبه على الساعة الثانية عشرة تستيقظ تأخذ حبة ، ثم تضبط المنبه على الواحدة ، وعلى الساعة الثانية ، وعلى الثالثة والرابعة والخامسة ، هذا الطبيب اشترى هذا الدواء وجاء ابنه من أمريكا ، وفرح به ، وكان مجهز أربع منبهات معاً ، أربع منبهات إلى جنب أذنه ، المنبهات الأربعة رنت أجراسها فلم يستيقظ ، فاستيقظ أهله فوجوده ميتاً .
لو أن الله أسلم التنفس إلينا النوم يعني الموت ، لو أسلم نبض القلب إلينا النوم يعني الموت ، لو أسلم عمل الكليتين إلينا النوم يعني الموت ، لو أسلم عملية الهضم إلينا النوم يعني الموت ، تأكل وتنام ، والمعدة ، والأمعاء ، والبنكرياس ، والصفراء ، وحركة الأمعاء ، والعصارات ، هذا كله يعمل بانتظام وأنت نائم ، والقلب ينبض ، والرئتان تتحركان ، فضلاً عن ذلك وأنت نائم وغارق في النوم ما الذي يحصل ؟ يجتمع اللعاب في فمك تصدر إشارة من الفم إلى الدماغ ، الدماغ يأمر لسان المزمار أن يغلق فتحة التنفس ، ويفتح فتحة المريء فتبلع ريقك ، تبلع اللعاب الذي في فمك ، وهذا يتضح لكم عند طبيب الأسنان ، إذا أراد أن يعمل عملاً طويلاً وفمك مفتوح لا بد من أنبوب يسحب اللعاب من فمك ، هذا أيضاً أيها الأخوة من دقة صنع الله ، وأنت نائم مستغرق في النوم وزن العضلات التي فوق الهيكل العظمي ، ووزن العضلات ووزن الهيكل العظمي يضغط على العضلات التي تحت الهيكل العظمي ، هذا الضغط من نتائجه أنه يضيق أوعية الدم ، فتصاب هذه العضلات بما يسمى بنقص التروية فتشعر بخدر في النوم ، وأنت نائم محل الضغط في نقاط التحسس في الضغط ترسل للدماغ إشارة ، الدماغ يأمر الجسم فينقلب على شق آخر ، قال تعالى : ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ (18)﴾
( سورة الكهف الآية : 18 )
لولا هذا التقليب لتفسخت عضلاتنا وجلودنا ، لذلك أي إنسان يصاب بالثبات يحتاج إلى من يقلبه ، وإلا اللحم ينزع باليد من جسمه ، والآن في أَسِّرة تقلب المريض آلياً ، الله قال : ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
فأنت نائم تُقلب . بعض الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل :
أنت نائم لسان المزمار يعمل عملاً معقداً جداً ، وأنت نائم القلب يعمل ، وأنت نائم الرئتان تتحركان ، وأنت نائم الكليتان تعملان ، لكن وأنت نائم المثانة تكون بحالة ثبات ، من أجل أن ترتاح ، المثانة تعمل في النهار أضعاف عملها في الليل لئلا تقوم إلى الحمام كل ساعة ، المثانة تنام في الليل معك حتى تنام نوماً عميقاً وطويلاً .
أرأيتم إلى هذه الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾
والإنسان مهما كان متعباً ينام ساعات طويلة فيصبح كالحصان في نشاطه ، الحصان رمز النشاط إذا نام ساعات مريحة ، لذلك من نعمة الله عز وجل على الإنسان أنه ينام ، الآية : ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)﴾
( سورة الروم )
يقول الأطباء : إن ساعة في أول الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخر الليل ، لذلك : (( بورك لأمتي في بكورها ))
[ أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ]
أمة محمد صلى الله عليه وسلم تنام باكراً وتستيقظ باكراً ، لكن الشيء المؤسف أن عالم الغرب في الساعة الرابعة صباحاً الطرقات ممتلئة بالحركة ، لكننا في بلاد الشرق لا ينجز عمل قبل الساعة الحادية عشرة ، المحلات مفتوحة إلى أنصاف الليل في السهر ، وهذا السهر الطويل يتناقض مع التصميم الإلهي ، كان السلف الصالح عقب صلاة العشاء يخلدون إلى النوم ، ويستيقظون ، يعني أنت أحياناً تنام باكراً الساعة التاسعة أو العاشرة ، تستيقظ على صلاة الفجر وكأنك حصان ، ممكن أن تقرأ القرآن ، ممكن أن تصلي قيام الليل ، ممكن أن تذكر الله عز وجل ، ممكن أن تتفكر في خلق السماوات والأرض ، لذلك أراد العالم الغربي أن يعمم ثقافته في الحياة اليومية على الشعوب كلها ، فجعل الليل يقظاناً ، وجعل النهار للنوم والله قال : ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11)﴾
( سورة النبأ )
الساعة البيولوجية :
لكن لو فرضنا إنساناً حارساً يجب ألا ينام في الليل ، الله عز وجل سمح للإنسان أن ينام في النهار ، وهذه أيضاً نعمة كبرى ، أحياناً الإنسان يسافر فينام في النهار .
النقطة الدقيقة أيها الأخوة أن في الإنسان ساعة بيولوجية ، هذه الساعة مرتبطة بقعر العين ، ما دام بقعر العين ضوء فهذا الضوء يصل إلى هذه الساعة البيولوجية ، أنت في النهار في عدد من الأجهزة كبير يحتاج أن يعمل عملاً خاصاً ، فالضغط في النهار يرتفع ، نبض القلب يزيد عشر درجات في النهار عنه في الليل ، لو أن إنساناً استيقظ باكراً ، وقاس نبضه يجده ستين نبضة ، في النهار يجده ثمانين ، فأنت بحاجة إلى نبض عال في النهار ، وضغط عال في النهار ، بحاجة إلى أن تعمل هرمونات النمو في الليل لا في النهار ، هرمون النمو يعمل في الليل ، أما هرمون الدرق يعمل في النهار ، الموضوع طويل ، جميع الغدد والأجهزة بدءاً من القلب والرئتين والمعدة والأمعاء وجهاز إفراز الكلية والمثانة ، هذه الأجهزة لها نظام في النهار ونظام في الليل ، الآن بعض المقاسم يتبرمج برمجة نهار وبرمجة ليل ، فالجسم هكذا مبرمج ، مبرمج بعمل في النهار وعمل في الليل ، ما الجهاز الذي يأمر الجسم أن يطبق برنامج النهار ؟ الساعة البيولوجية ، وما الجهاز الذي يأمر الجسم أن يطبق برنامج الليل ؟ الساعة البيولوجية ، هذه الساعة مرتبطة بقعر العين ، فإذا في ضوء بالعين يطبق برنامج النهار ، وإذا ما في ضوء يطبق برنامج الليل .
الإنسان أحياناً يسافر من الشرق الأوسط إلى أمريكا هناك ظاهرة عجيبة ، أول يومين ثلاثة لا ينام بالليل أبداً ، ينام في النهار ، لأن هذه الساعة مبرمجة على دمشق ، فهذا الوقت وقت ليل ، بالنهار تكاد تموت من شدة الرغبة في النوم ، وفي الليل لا تنام أبداً ، حتى مضي ثلاثة أيام أي حتى تبرمج الساعة برمجة جديدة حتى تنام في الليل وتستيقظ في النهار ، فإذا عدت إلى الشام مرة ثانية أيضاً عندك ثلاثة أيام تنام في النهار وتستيقظ في الليل ، هذا متعلق بالساعة البيولوجية . الإنسان بين حالين :
إذاً قضية النوم قضية من أدق نعم الله عز وجل ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾
لذلك الإنسان بالليل لا يحاسب ، لأنه فقد الإرادة ، النوم موت مؤقت ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾
نوم مؤقت ، والموت نوم دائم ، الله عز وجل طليق الإرادة ، بمعنى أنك في النهار أعطاك حرية الحركة ، أعطاك اختياراً ، أعطاك قوة ، لكنك في الليل لا تملك شيئاً ، فكل ما يجري في الليل لا تحاسب عليه ، لأنه خارج عن إرادتك ، لكن أحياناً الإنسان في الليل يرى رؤى متعلقة بحالاته في النهار ، فمن كان عقله الباطن الذي يتجلى فيما يرى من رؤى ، إذا رأى في الليل هو في طاعة ، وفي عمل صالح فهذه بشارة على أن عقله الباطن منسجم مع عقله الواعي ، وإذا رأى نفسه في معصية كبيرة ، أو في عمل لا يرضِي الله فهذا تحذير من الله أن عقله الباطن لم يرقَ إلى مستوى عقله الظاهر .
الآن : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ﴾
الاستيقاظ بعث ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
كان من الممكن ألا يستيقظ .
أنا وصل إلى علمي أشخاص عديدون من هذا المسجد ، أخلد إلى النوم ، زوجته في أثناء الليل مست يدها يده فرأتها باردة ، فانتفضت مذعورة ، فإذا هو ميت ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا آوى إلى فراشه يقول يا رب : (( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها ، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها ))
[ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
ممكن للإنسان إذا آوى إلى فراشه ألا يستيقظ ، أحد أخواننا من عادته أن يصلي الفجر في المسجد ، قد يصلي وأهله لا يزالون في النوم ، ففي الصباح الساعة التاسعة قالت الأم لابنها : أيقظ أباك كي يأكل طعام الإفطار ، فتح الباب وجده ميتاً .
صديق لي دكتور في الجامعة دخل إلى غرفته ليكتب ، ويؤلف ، استيقظ أهله صباحاً فإذا هو منكب على المكتب ، وقد توفاه الله عز وجل ، لذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام : (( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها ، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها ))
أنت بين حالين ، لذلك ممكن لإنسان ينام ولا يستيقظ ، ممكن يستيقظ ولا ينام ، ممكن أن يخرج من البيت ولا يرجع ، ممكن يرجع وما يخرج قائماً ، يخرج بنعش ، ممكن يدخل المسجد ليصلي ، أو ليحضر درساً ، ممكن يدخل ليصلّى عليه . من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت :
أحد أخواننا قال لي : أحد الأخوة المصلين لطيف المعشر ، كل يوم عقب صلاة الفجر وهو في الطريق إلى البيت يتحفهم بطرفة كل يوم ، قال لي : والله صلينا الفجر معاً ، والعصر صلينا عليه في الجامع نفسه ، وقد توفاه الله وقت صلاة الظهر ، ولا يشكو شيئاً ، لذلك قالوا : من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾
لذلك قال عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه : (( إنكم لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولا يجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً ، وإنها لجنة أبدأً أو لنار أبداً ))
[ورد في الأثر]
هذه من خطب النبي عليه الصلاة والسلام .
أيها الأخوة الكرام ، الله عز وجل طليق الإرادة ، الإنسان ممكن أن ينام وهو في أشد الحاجة إلى اليقظة ، حدثني صديق قال لي : أنا في طريقي من حمص إلى دمشق أخذتني سنة من النوم ، وأنا أقود مركبتي فوق المئة ، ورأيت مناماً ، لكن الله حفظني ، وهذا من فضل الله عليه ، لكن أحياناً أنا أضرب مثلاً : أبو لهب نزل قوله تعالى : ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)﴾
( سورة المسد )
لو أن أبا لهب ، ذهب إلى النبي منافقاً ، وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله لألغى الآية ، أليس كذلك ؟ وأنت في قبضة الله بكل شيء . الرؤى تؤكد أن للإنسان حياة نفسية لا علاقة لها بالجسم إطلاقاً :
قال تعالى : ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (142)﴾
( سورة البقرة الآية : 142 )
الله عز وجل يبين أن هؤلاء الذين سيقولون كذا وكذا ، سفهاء ، لو أنهم فكروا لسكتوا ، لألغوا الآية ، أنت في قبضة الله ، أنت مريد وحر في اختيارك ، لكن أي شيء أراده الله يكون ، فأنت في قبضته ، أكثر شيء يؤكد هذه الحقيقة أنك في النوم ، الآن وأنت نائم قد ترى أنك في مكة المكرمة ، قد ترى أنك في المدينة وأمام مقام النبي ، وتبكي وتناجي النبي ، وكأنك في جنة ، وقد ترى رؤيا تبقى شهراً أو أكثر وأنت مغموس في سعادة لا توصف ، وقد ينام أخوك إلى جانبك ، ويرى نفسه في المنام يتبعه ثعبان كبير ، فيصرخ من شدة الخوف الظروف واحدة ، الغرفة واحدة ، الجو واحد ، الحرارة واحدة ، الفراش واحد إنسان كان كأنه في جنة ، وإنسان كان كأنه في نار ، هذه الرؤى تؤكد أن للإنسان حياة نفسية لا علاقة لها بالجسم إطلاقاً ، والرؤى تبين هذه الحقيقة .
أيها الأخوة الكرام ، كنت أقول دائماً وأكرر : إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين ، أو إضلالهم ، أو إذلالهم ، أو إفسادهم ، أو إبادتهم ، فأنت في سلامة ما بعدها سلامة ، لذلك الإنسان لو كان يشكو من ضيق وضعه الاجتماعي ، يشكو من قلة دخله ، لكن لم يكن طرف في مؤامرة قذرة ينام ملء العين ، العوام يقولون : ينام على ريش نعام ، النوم العميق دليل حسن العلاقة مع الله عز وجل ، بل إن النائم المؤمن له عند الله أجر لأنه ينام ليتقوى على طاعة الله ، فالنوم رحمة والنوم عبادة ، لكن النوم مؤشر أنه أنت على شيء من الطهارة والاستقامة ، لأن الانهيار الداخلي ، والقلق الشديد ، والخوف هذا يلغي النوم في حياة الإنسان . الإنسان إذا استقام وكان على صلة بالله متينة وعلى ود مع الله عز وجل فنومه عبادة :
حدثني أخ ، القصة جرت في بيروت ، قال لي : سائق سيارة شاب دهس طفلاً بعد الساعة الثانية ليلاً ، وتابع السير ، ولا يمكن أن يُعرف هذا الذي قتل الطفل ، سجل الضبط ضد مجهول ، وانتهى الأمر ، يقول هذا السائق : مضى عليه أكثر من ثلاثين يوماً ما عرف طعم النوم ، إلى أن التقى بطبيب نفسي ، فالطبيب النفسي أشار عليه أن يدفع دية مجزية لوالده حتى ينام ففعل هذا ، الحادث خطأ ليس قتلاً متعمداً ، والحادث الخطأ يقابله دية. ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (92)﴾
( سورة النساء الآية : 92 )
لما دفع هذه الدية استطاع أن ينام ، فالإنسان إذا استقام ، وكان على صلة بالله متينة ، وكان على ود مع الله عز وجل ، فنومه عبادة لأنه لا يستحق أن يتقلب بالفراش ولا ينام ، فأنت في النوم معفى من الحساب ، لكن إن رأيت رؤيا لا ترضِي الله فهذا مؤشر ليس في صالحك ، وإن رأيت رؤيا ترضي الله فهذا مؤشر مبشر لصالحك ، فعلامة أن الإنسان له مع الله علاقة متينة أنه ينام هنيئاً ، ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾
في برنامج كمبيوتري تعطيه تاريخ ولادتك يقول لك بالجواب : عمرك ست وستون سنة ، وثمانية أشهر ، وستة عشر يوماً ، وأربع ساعات ، وخمس دقائق ، وثلاث ثوان ، فأنت يجب أن تعرف أن لك عند الله عمر ، كم ؟ الله أعلم .
لذلك مرة كنت في زيارة مدير ثانوية ، وحدثني عن مشاريعه المستقبلية فقدم طلباً ليعار إلى الجزائر كمدرس معار ، والراتب مضاعف ، قال لي : سأذهب إلى هناك ، وسأمضي خمس سنوات هناك ، ولن آتي إلى دمشق في أثناء العطل الصيفية ، قلت له : لماذا؟ قال لي : أريد أن أقضي صيفاً في فرنسا ، وصيفاً في بريطانيا ، وصيفاً في إسبانيا ، وصيفاً في إيطاليا ، قال لي : بعد أن أعود إلى الشام أقدم استقالتي من العمل التدريسي ، وأحصل على التقاعد والتعويضات ، وأفتح محلاً ، قال لي : أبيع فيه التحف ، هذه لا علاقة لها بالتموين ، ولا تفسد مع مضي الوقت ، وأولادي يجلسون في هذا المحل التجاري ، وأجعله منتدى ، وحدثني !! أنا والله الذي أذكره تحدث عن عشرين سنة قادمة وانتهى اللقاء ، وذهبت إلى البيت ، وعندي عمل في مركز المدينة ، أردت أن أعود إلى البيت مشياً على الأقدام ، فإذا بنعوته على الجدران في اليوم نفسه ، لذلك قالوا : من عدا غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت . الفرق بين النوم والموت أن النائم يستيقظ لكن الميت لا يستيقظ :
كم حالة وفاة يرى أنه سيعيش طويلاً ؟ أحد أصدقاء أحد أقربائي كان مرحاً ورشيقاً ، وصحته جيدة جداً ، وأكله مدروس دراسة دقيقة ، الخبز ، السَّلطات ، المشي ، الروح المرحة ، ففي سهرة قال : أنا أطيل لأموت ، فسألوه : ما السبب ؟ قال لهم : إني رشيق ، ومرح ، وأكلي منتظم ، والرياضة يومية ، يمشي ساعة كل يوم ، وتمرينات سويدية، اللقاء الأسبوعي كل سبت ، السبت الثاني كان مدفوناً تحت الأرض ، الأجل لا أحد يملكه .
مرة أخ دعانا إلى مزرعة خارج دمشق ، قال لي : لك أن تأتي بعشرة أخوة ، فأنا اخترت عشرة أخوة ، كان أخ كريم رئيس محكمة دستورية يجلس هناك ، اخترته أحد المدعوين ، دفناه الخميس ، وخرجنا السبت من دونه ، من يعلم متى سيموت ؟ لذلك :
كل مخلوق يمــــــوت ولا يبقَ إلا ذو الـــــــعزة والجبروت
* * *
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حــــــــدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـــــازة فاعلم بأنك بعـــــــدها محمول
* * *
الإنسان يموت كل يوم بالنوم ، النوم قريب من الموت ، لكن الفرق بين النوم والموت أن النائم يستيقظ ، الميت لا يستيقظ ، (( إنكم لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولا يجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً ، وإنها لجنة أبدأً أو لنار أبداً ))
﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ﴾
لذلك قالوا : لا علاقة بين العمر وبين الصحة .
سألني أخ كريم : ما جدوى إذاً الصحة أي الرياضة ، والمشي ، والجري ، والدقة في تناول الطعام والشراب ، وكل شيء مدروس ؟ قلت له : مع الإشارة ، لك عند الله سبع وستون عاماً ، إن اعتنيت بصحتك تمضيها واقفاً ومتحركاً ونشيطاً ، وإن لم تعتنِ بها تمضيها على الفراش ، فالرياضة والاهتمام بالطعام والشراب يكون مدروساً من أجل أن تمضي هذا الوقت الذي لك عند الله وأنت معافى صحيح وتتحرك ، لكن سبحان الله أي إنسان يؤله الرياضة يصاب بخيبة أمل فيها .
طبيب بأمريكا كان يرى أن الجري هو الوقاية الوحيدة للقلب ، يجري في اليوم عشرين كيلومتراً ، وألَّف مقالات ، وعمل مناظرات ، وندوات في التلفزيون ، وألف كتباً ، يرى أن الجري هو الوقاية الوحيدة للقلب ، فمات وهو يجري في السادسة والأربعين من عمره . الإيمان الحقيقي هو الذي يدعو إلى التوكل على الله عز وجل :
قال بعضهم : أنا هوايتي الوحيدة أن أمشي في جنائز الرياضيين ، الحقيقة الرياضة ضرورية جداً ، لكن إياك أن تؤلهها ، إياك أن تظن أنك بالرياضة لن تموت ، أو سيتأخر الموت كثيراً ، الأجل ما له علاقة بالصحة أبداً ، لكن بين أن تمضي هذا العمر وأنت نشيط تقف على قدمين ، تتحرك ، أو أن يمضي هذا العمر وأنت طريح الفراش لا سمح الله ولا قدر هذه واحدة .
شيء آخر يمس الموضوع ، أحياناً يكون طبيب مختص بالجهاز الهضمي عنده إحساس عام أنه لن يمرض بجهازه الهضمي ، لأنه طبيب ، اختصاصه ، أستاذ في الجامعة ، يعطي توجيهات للمرضى كل يوم مئات المرات ، الذي ينسى أن الحافظ هو الله ، من أغرب ما أسمع من حين لآخر أن الأطباء الذين يعتمدون على علمهم دون الاعتماد على ربهم في وقاية أجسامهم في الأعم الأغلب يمرضون باختصاصهم ، لأنهم توهموا أن اختصاصهم يحميهم أن يمرضوا في موضوع اختصاصهم ، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
مرة زرنا طبيباً في أمريكا في بيته ، بيته شيء يصعب وصفه ، دخلُ الطبيب هناك أعلى دخل في البلاد كلها ، فهو دون الخمسين ، جالس جلسة فيها كآبة ، سألت ؟ فقيل لي : معه احتشاء بقلبه ، طبيب قلب ، عاش بما يسمى جنة ، ومع ذلك يصاب الإنسان باختصاصه ، لا تظنوا أنني أقلل من أن تعتني بصحتك ، وأن تعتني باختصاصك ، لا ، إياك أن تعتقد أن صحتك مرتبطة باختصاصك ، الموت لا علاقة له لا بالاختصاص ولا بالعلم ، والإيمان الحقيقي هو الذي يدعو إلى التوكل على الله عز وجل .

العفريني
09-23-2011, 01:51 PM
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)﴾
﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
أي أن أمره نافذ . ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
( سورة يوسف )
(( ما شَاءَ الله كَانَ ، وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْن ))
[ رواه ابن السني عن بريدة ]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾
( سورة هود الآية : 123 )
لكن قد يسأل سائل : إذا كان أمر الله عز وجل هو النافذ في ملكوت السماوات والأرض ، فلماذا في الأرض كفار يعصونه ؟ ولماذا في الأرض كفار يتحدونه ؟ الإجابة عن هذا السؤال بسيطة ، وهي أن الكون كله مسيّر ، إلا الإنس والجن ، مخلوقات ، لما عُرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال أبين أن يحملنها ، فاستسلموا لله عز وجل ، ورضوا أن يكونوا طائعين من دون تكليف ، ومن دون مسؤولية ، ومن دون حساب ، ومن دون جنة أو نار ، فركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما . الإنسان فيه قبضة من تراب الأرض وفيه نفخة من روح الله :
حينما قال الله عز وجل : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72)﴾
( سورة الأحزاب الآية : 72 )
الإنسان قَبِل حمل الأمانة ، قبل أن يكون فيه شيء من المَلَك وشيء من المخلوقات الدنيا من حيث الشهوات ، فيه قبضة من تراب الأرض وفيه نفخة من روح الله ، عنده قيم ، ومبادئ ، وفي كيانه شهوات ، الإنسان مخلوق متميز ، بإمكانه أن يصل إلى ما فوق الملائكة وبإمكانه أن يصل إلى ما دون الحيوان . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾
( سورة البينة )
قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾
( سورة البينة )
الله عز وجل جعل الإنسان مخيراً بين طريقين :
الله عز وجل قاهر ، ﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
أمره هو النافذ ، (( ما شَاءَ الله كَانَ ، وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْن ))
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
ولكنه خلق نموذجين ، خلق الإنسان ، أعطاه الحرية ، هوية الإنسان أنه مخير ، بإمكانه أن يطيع الله وبإمكانه أن يعصيه ، بإمكانه أن يستجيب لله وبإمكانه ألا يستجيب ، بإمكانه أن يتبع عقله فيطيع ربه وبإمكانه أن يتبع شهوته فيعصي ربه ، بإمكانه أن يسمو وبإمكانه أن يسفل ، بإمكانه أن يستقيم وبإمكانه أن ينحرف ، له أن يصدق وله أن يكذب ، له أن يؤمن وله أن يكفر ، له أن ينصف وله أن يجحد ، هو مخير ، بل إن الله عز وجل أعطى الإنسان شيئاً من صفاته ، والله عز وجل مُريد ، والإنسان أعطاه حرية الاختيار .
أيها الأخوة ، هذا سؤال دقيق ، الذي يعصي ، يعصي لأنه اختار المعصية ، لكن الله يمده بقوة كي يعصي الله بها ، الذي يذهب إلى الملاهي يتحرك بقوة الله ، لكن هوية الإنسان أساسها أنه مخير ، أوضح لكم ذلك :
إنسان عنده صيدلية ، أراد أن يعين موظفاً ليعينه بعد الظهر على إدارة هذه الصيدلية ، أراد أن يختبره ، وضع له على الطاولة مجموعة من الأدوية ، بعضها فيتامينات، بعضها مضادات حيوية ، بعضها مقويات ، بعضها مضادات للسموم ، وبيّن له أماكن الأدوية في الصيدلية ، وقال له : ضع كل دواء في مكانه ، الآن هذا الموظف في طور الامتحان ، فلو أمسك دواء السموم ، واتجه إلى خزانة الفيتامينات هل يمنعه ؟ إذا منعه ألغى امتحانه ، نحن في الدنيا مخيرون . ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
وقال : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان )
وقال : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾
( سورة البقرة الآية : 148 )
الذي يعصي لا يعصي لأن الله ليس قاهراً على عباده ، يعصي لأن الله منحه حرية الاختيار ، وهذه الحرية سوف يدفع ثمنها باهظاً يوم القيامة . الاختيار أبرز خصائص الإنسان :
أيها الأخوة ، قضية دقيقة جداً ، أنت حينما تختار أن تصلي ، وتنبعث إلى الصلاة يمدك الله بقوة كي تصلي ، وحينما تختار أن تذهب إلى مكان لا يرضي الله يمدك بقوة كي تصل إلى هذا المكان ، لأن الاختيار هو أبرز خصائص الإنسان .
لكن الإنسان وهو مخير ، وهذا أدق ما سأقوله ، الإنسان وهو مخير ، والإنسان يتحرك بخلاف أمر الله لا يمكن أن تكون هذه الحرية على حساب الآخرين ، الله عز وجل ينسق : ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾
( سورة الأنعام )
الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه ، لك الحرية أن تضرب ، ولكن ليست لك الحرية أن تضرب من تشاء ، هذا الذي أراد أن يضرب يسوقه الله إلى من يكون الضرب في حقه حكمة ، إما ليمتحنه ، أو ليؤدبه ، أو ليحجمه ، أو ليذكره ، أو ليرقى به أحياناً .
إذاً : الله عز وجل ينسق ، قال تعالى : ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)﴾
( سورة النساء )
الذي يجري في العالم اليوم ، كل إنسان قوي يأخذ أبعاده ، لكن لا على حساب الآخرين ، كلام دقيق ، وأتمنى أن يكون واضحاً عندكم . (( لَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنّكُمْ ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إِلاّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
ذلك لأن عطائي كلام ، وأخذي كلام ، كن فيكون ، زل فيزول . (( فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي ذر ]
على الإنسان ألا يخاف إلا من ذنبه :
هناك أقوياء ، وهناك طغاة ، وهناك مجرمون ، وهناك كائنات توقع الأذى في الآخرين ، ولكن ليس إلا الله . ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
هذا الذي يلقي الأمن في قلب المؤمن . ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
( سورة الزمر )
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
لذلك في الحديث الجامع المانع الموجز المحكم : (( لا يرجو عبد إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه ))
[مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب]
الجهات القوية في الأرض لا تعد ولا تحصى ، والجهات المجرمة لا تعد ولا تحصى ، والجهات المؤذية لا تعد ولا تحصى ، ولكن ينبغي ألا تخاف من كل هذه الجهات ، ينبغي أن تخاف من ذنبك فقط ، فإن أذنبت وصلت إليك ، وسلطت عليك ، وإن كنت طاهراً مستقيماً أبعدها الله عنك . ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
الأشياء لا يقع تأثيرها إلا عند إرادة الله :
لا يتناقض قول الله عز وجل ، ﴿ وهو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
لا يتناقض هذا مع وجود من يعصيه ، ومن يتحداه ، ومن يبث الضلال ، ومن يبث الفزع والجزع في قلوب الآخرين ، هو يتحرك بأمر الله ، وعلماء العقيدة أعطوا جواباً موجزاً لهذا الموضوع فقالوا : عندها ، لا بها ، الأشياء لا يقع تأثيرها إلا عند إرادة الله ، لا بقوتها الذاتية ، ولهم تعبير آخر: أراد بمعنى سمح ، لم يأمر ، ولم يرد ، ولم يرضَ ، نهانا عن الزنا ، وأمرنا بالعفة ، فإذا زنى الزاني نقول : أراد بمعنى سمح الله له ، وسمح الله له لأنه مخير ، وقد أضيف سمح الله له بعد أن أصر على أن يفعل هذه الفعلة ، ولم يفعلها مع من يريد فعلها بل مع من أراد الله أن يفعلها معها ، ما في ظلم ، ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بالزنا ، ولم يرضه ، إنسان أراد أن يسرق نقول : أراد أن يسرق ، أصر على السرقة ، حذره الله ، نبهه ، أصر على ذلك سمح له ، سمح له لا أن يسرق ممن يشاء ، بل سمح له أن يسرق ممن يكون أخذ ماله إما تأديباً ، أو تطبيباً ، أو معالجة ، أو امتحاناً ، أو ترقية .
صحابي جليل سُرِق بعض ماله ، قال : " يا رب ، إن كان هذا الذي أخذ المال عن حاجة فبارك له فيه ، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه " ، الصحابي امتحن ، ونجح في الامتحان . فيجب أن تعلم أن الله عز وجل حينما قال في آية الكرسي : ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255)﴾
( سورة البقرة )
لا معبود بحق إلا هو ، لا خالق إلا هو ، لا مسير إلا هو ، لا مانع إلا هو ، لا معطي إلا هو ، لا رافع إلا هو ، لا خافض إلا هو ، لا معز إلا هو ، لا مذل إلا هو . ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ (255)﴾
( سورة البقرة )
يملك الكون كله . ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (255)﴾
( سورة البقرة )
يملكها خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، وهذا أوسع أنواع الملك يملكها خلقاً ، ويملكها تصرفاً ، ويملكها مصيراً . الآية التالية من أوسع الآيات في القرآن الكريم أي لا يقع شيء إلا بإذن الله :
دققوا الآن : ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
( سورة البقرة )
معنى يشفع يعني أن يجتمع أي عنصر في الأرض مع أي شيء يحتاج إلى إذن الله عز وجل ، أن يدخل الفيروس إلى جسم الإنسان ، الفيروس دخل إلى جسم الإنسان ، هذا يحتاج إلى موافقة الله عز وجل ، أن تُحرق بالنار تحتاج إلى إذن الله عز وجل ، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ﴾
لعلي أقول : ما من آية في كتاب الله أوسع من هذه الآية : ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عنده ﴾
يعني أي شيئين على الإطلاق من الجماد ، أو الحيوان ، أو النبات ، أو الإنسان ، لا يلتقي لص بمن يسرق منه إلا بإذن الله ، لا يلتقي إنسان يؤذي الآخرين مع الذي وقع الأذى عليه إلا بإذن الله ، من أوسع الآيات في القرآن الكريم : ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
يعني لا يقع شيء إلا بإذنه ، لا يلتقي شيئان ، لا يؤثر الدواء ، لا يفعل الجرثوم فعله إلا بإذنه ، ومن باب أولى أن القوي لا يسلط على الضعيف إلا بإذنه ، وأن العدو لا ينال من عدوه إلا بإذنه ، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
العباد نوعان ؛ عبد يجمع على عباد وعبد يجمع على عبيد :
إذاً ﴿ وهو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
قهره ، و ﴿ فَوْقَ ﴾
هنا ليست فوقية مكانية بل فوقية العلو ، يعني أمر الخلق بيد الله ، البشر جميعاً في قبضة الله ، الأقوياء في قبضة الله ، الطغاة في قبضة الله . (( أنا الله ، لا إله إلا أنا ، مالك الملوك ، وملك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ، فساموهم سوء العذاب ، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع ، أكفكم ملوككم ))
[ رواه الطبراني في الأوسط وفيه وهب بن راشد ]
أيها الأخوة ، الموضوع دقيق جداً ، الله عز وجل ، ﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
ولكن العباد مخيرون ، لا تجد فساداً في الكون إلا من بني البشر ومن الجن فقط ، ما سوى هذين النموذجين الكون كله منصاع لأمر الله عز وجل ، ﴿ وهو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
أما العباد فنوعان ، عبد يجمع على عباد ، وعبد يجمع على عبيد ، فالعبد الذي يجمع على عبيد هو عبد القهر ، الإنسان مقهور بصحته ، يكون ملك تتجمد قطرة دم في أحد شاريين دماغه ، فيصاب بالشلل ، لو أتى بأطباء أهل الأرض لا ينجو من هذا المرض ، فكل إنسان مقهور بالمرض ، بأي لحظة يفقد الإنسان نطقه ، هذه النقطة التي لا ترى بالعين إذا تجمدت في وعاء من أوعية الدماغ لفقد الإنسان نطقه ، وفي وعاء آخر يفقد رؤيته ، وفي وعاء ثالث يفقد ذاكرته ، وفي وعاء رابع يفقد عقله ، وهذا القلب هناك سكتة قلبية فجأة ، احتشاء بالأربعين ، انتهى ، نام فلم يستيقظ ، فالإنسان مقهور بصحته ، مقهور بأي جهاز من أجهزته ، تارة تنمو الخلايا نمواً عشوائياً ، انتهى ، ألف نوع للسرطان ، في الدم ، والدماغ ، وجهاز الهضم ، والعضلات ، والعين ، والجلد ، وتارةً تجمد الدم في بعض أوعية الدماغ ، أو في أي وعاء آخر ، وتارة ضيق في الشريان التاجي ، قطر هذا الشريان ميلي وربع ، إذا ضاق دخل الإنسان في متاعب لا تنتهي ، يحتاج إلى قسطرة ، ويحتاج إلى عملية فتح قلب ، وزرع شريان ، ومئات الألوف ، وقد لا يتحسن ، وقد يعطب ، الإنسان مقهور ، مقهور في رزقه ، قد يفقد كل ماله بحريق ، قد يفقد كل حريته بطاغية يودعه في السجن ، قد يفقد أولاده بحادث الإنسان مقهور ، مقهور في صحته ، مقهور في رزقه ، وفي أهله ، تكون زوجة في ريعان الشباب ، وهي في أعلى درجة من الجمال ، وضمن طموح زوجها ، ورم خبيث ، تنتهي في ريعان الشباب ، الإنسان مقهور في صحته ، مقهور برزقه ، مقهور بزوجته ، مقهور بأولاده، مقهور بمجتمعه ، قد يقع حادث سير ينقطع عموده الفقري ، فالعبد الذي جمعه عبيد هو عبد القهر ، لذلك الملحد عبد لله ، عبد قهر في قبضة الله عز وجل ، ما لم تشعر أنك في قبضة الله فلست عبداً لله ، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه صباحاً يقول : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
عبد القهر و عبد الشكر :
الإنسان قد ينام فلا يستيقظ ، وقد يخرج من بيته فلا يعود ، وقد يدخل البيت فلا يخرج منه على قدمين ، بل في نعش ، وقد يسافر ويأتي كبضاعة في نعش ، له أوراق ، وتخليص ، وضرائب ورسوم ، وينتظر توقيع المعاملات ، كان يركب على مقعد الطائرة ، فإذا هو مع حقائب الركاب ، فالعبد الذي جمعه عبيد هو عبد القهر ، أما العبد الذي جمعه عباد فهو عبد الشكر ، هذا العبد الذي عرف الله فأطاعه طواعية ، وأقبل عليه محبة ، وأعطى عباده تقرباً ، هذا عبد الشكر جمعه عباد . ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (63)﴾
( سورة الفرقان الآية : 63 )
وقال تعالى : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾
( سورة فصلت )
وقال تعالى : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾
( سورة الفرقان)
يوم القيامة يُنشر كتاب الإنسان فكل أعماله وحركاته وسكناته وأفعاله وانحرافه مسجل :
إذاً : ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
﴿ فَوْقَ ﴾
لا تعني فوقية مكانية ، بل تعني فوقية العلو ، ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ﴾
﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾
( سورة ق )
هيأ الله ملكين ، ملكاً يكتب الحسنات ، وملكاً آخر يكتب السيئات ، وجعل ملك الحسنات أميراً على ملك السيئات ، وأنت حينما تسلم في صلاتك تقول : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، ويوم القيامة يُنشر كتاب الإنسان ، كل أعماله ، وكل حركاته، وكل سكناته ، وكل أفعاله ، وكل انحرافه مسجل ، إن أردنا العبارة الحديثة مسجل صورةً وصوتاً وبالألوان . ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)﴾
( سورة الإسراء )
الآن من أحدث طرق التحقيق في الدول المتقدمة أن هذا الإنسان يصور ؛ مثلاً تصور مركبته وهي تخالف ، يبلغ المخالفة ، فإذا قال : أنا لم أكن في هذا الطريق في هذا التاريخ ، يدخل إلى مكان المحفوظات يُرى صورته ومركبته في أثناء المخالفة ، وعندئذٍ يدفع المخالفة مضاعفة لأنه لم يصدق ، أن تُريه مخالفته هذا شيء مُسكت ، ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
لذلك الإنسان حينما يغفل عن يوم نأتي ربنا فرادى ، أحياناً الإنسان يموت ملايين تشيعه ، ولكنه في الحقيقة يأتي ربه وحده ، ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه وهذه المعية من أرقى مستويات الإيمان :
بالمناسبة أيها الأخوة ، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا ، إلا اسم العدل فهذا محقق جزئياً في الدنيا وليس كلياً ، الله عز وجل يكافئ بعض المحسنين لتكون هذه المكافئة تشجيعاً لباقي المحسنين ، ويعاقب بعض المسيئين ليكون هذا العقاب ردعاً لبقية المسيئين ، ولكن عدله التام يتحقق يوم القيامة . ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27)﴾
( سورة الروم الآية : 27 )
وقال تعالى : ﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾
( سورة طه )
نحن في دار ابتلاء ، وقد تجد إنساناً وهو في أعلى درجات الطاعة وفي أدنى درجات السلم الاجتماعي ، وقد تجد إنساناً يعصي الله جهاراً ونهاراً وهو في أعلى درجات السلم الاجتماعي . ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾
( سورة الواقعة )
الذي كان لا يؤبه له أشعث أغبر ذي طمرين تراه يوم القيامة في أعلى عليين ، والذي كان في أعلى درجات العلو في الأرض قد تجده يوم القيامة في أسفل السافلين ، ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾
هؤلاء يحفظون كل الأعمال بشكل واقعي ، لو علمت أن خطك الهاتفي مراقب كيف تتكلم ؟ هل تنطق بكلمة سلاح ؟ مستحيل ‍، هل تنطق باسم إنسان معادٍ للنظام ؟ مستحيل ، إذا علمت أن هاتفك مراقب ، فإذا علمت أنه ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
عندئذٍ تعلم أن الله معك ، وأفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه ، وهذه المعية من أرقى مستويات الإيمان ، أُعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾
نحن في الدنيا محكوم علينا جميعاً بالموت مع وقف التنفيذ :
أيها الأخوة ، نحن في الدنيا محكوم علينا بالموت جميعاً مع وقف التنفيذ ، كل واحد له أجل ، ولا يدري أحدنا متى الأجل ، قد يكون بعد ساعة ، بعض الأخوة الكرام جاء إلى هذا المسجد ليصلي صلاة الجمعة فمات في القاعة ، وهو يستمع إلى الخطبة ، بعض الأخوة نام فلم يستيقظ .
تروى القصة التالية لعلها رمزية : سيدنا سليمان كان عنده ملك الموت ، وملك الموت صار يحد النظر إلى إنسان من جلسائه ، هذا الإنسان سأل سيدنا سليمان : من هذا الذي يحد النظر فيّ ؟ قال : هو ملك الموت ، فانخلع قلبه خوفاً ، فرجا سليمان الحكيم أن يأخذه إلى بلاد الهند ، على بساط الريح ، " قصة رمزية " ، نقله إلى هناك ، هناك مات ، فالتقى بملك الموت ، قال له : لماذا كنت تحد النظر فيه ، قال : عجيب أن معي أمر بقبض روحه بالهند ، ما الذي جاء به إلى هنا ؟
الإنسان قد تكون أكفانه نسجت وهو لا يدري ، خِطط ، ومشاريع ، ونوى أن يعمر بيتاً ، ويبني معملاً ، يأتي الموت بغتة ، لذلك قال بعض العلماء : الموت سهم متجه إلى كل واحد منا ، ساعة منيته وقت وصول السهم إليه ، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾
أحياناً الإنسان يهرب من الموت ، يصاب بأزمة قلبية ، فكل ظنه أنه سيموت بسبب قلبه ، ويتوقع الموت من قلبه فقط ، يعتني ، يمشي ، يخفف وزنه ، يتناول أطعمة صحية ، يأخذ الدواء بدقة بالغة ، لكنه ينتظر الموت من قلبه ، فإذا الموت يفاجئه بحادث لم يكن في الحسبان . ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)﴾
( سورة السجدة الآية : 11 )
المرض والصحة لا علاقة لهما بالأجل لأن الأجل محدود :
أيها الأخوة : ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (8)﴾
( سورة الجمعة الآية : 8 )
إذا كان الإنسان هارباً من جهة قوية وراءه ، المفاجئة الصاعقة أن يراها أمامه ، وهذا يحدث في الموت ، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة ، قضية الموت لا علاقة لها بالصحة إطلاقاً ، لك عند الله وقت لا يزيد ولا ينقص ، مثلاً : ثلاث وسبعون سنة ، وسبعة أشهر ، و ثمانية عشر يوماً ، وأربع ساعات ، و ست دقائق ، و سبع ثوان ، أما هذا العمر فيمضيه الإنسان إما مستلقياً على فراشه مريضاً مشلولاً ، أو قائماً متحركاً نشيطاً ، هذا بحسب أن يطبق السنة النبوية في حركته اليومية ، المرض والصحة لا علاقة لهما بالأجل ، الأجل محدود ، إذا الله عز وجل يقول : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾
الموت يأتي ، الله عز وجل يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾
( سورة آل عمران )
الموت بأيدينا حتى لا نموت إلا ونحن مسلمون ، قال علماء التفسير : لا ، معنى الآية الموت ليس بأيديكم ، ولكن احرصوا ألا يأتينكم الموت إلا وأنتم على طاعة لله عز وجل.
والله أيها الأخوة ، ليس على وجه الأرض من إنسان أعقل وأذكى ممن يعد لساعة الموت التي لا بد منها ، وأنا ذكرت لكم ، وأذكر كثيراً هذا المثل : الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ، أن المؤمن يتعامل مع النص ، وأن غير المؤمن يتعامل مع الواقع ، هؤلاء الناس الشاردون عن الله عز وجل عايش ، يأكل ، ويشرب ، ويستمتع ، وينام ، ويسهر ، ويتسامر ، ويتنزه ، ويستعلي ، ويستكبر ، ويعصي ، ويغفل ، ولا يصلي ، في الواقع ليس هناك شيء مقلق ، صحته جيدة ، ماله وفير ، زوجته أمامه ، أولاده أمامه ، مركبته جاهزة ، الوقت صيف يعمل نزهات ، الوقت شتاء يكون في أماكن شتوية ، هذا يعيش الواقع ، هذا يصعق بالموت ، يصعق لأنه لم يحسب له حساباً ، لأنه لم يدخله في برنامجه اليومي ، المؤمن يتعامل مع النص ، يقرأ القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (9)﴾
( سورة المنافقون الآية : 9 )
غير المؤمن يتعامل بالواقع والمؤمن يتعامل بالنص :
غير المؤمن يتعامل بالواقع ، والمؤمن يتعامل بالنص ، تماماً كالمثل الشهير ، إنسان أراد أن يسافر إلى حمص في أيام الشتاء القارصة ، رأى لوحة خارج دمشق كتب عليها : " الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك " ، أما الطريق في ظاهر دمشق جاف ، والشمس ساطعة ، إن تعاملت مع الواقع تابعت السير ، وإن تعاملت مع النص رجعت من ظاهر دمشق ، الآن : العاقل قرأ اللوحة يرجع ، هدفه حمص والطريق مغلق ، أما الدابة فتمشي ، لا تقف إلا عند الثلج ، فالذي يتعامل مع الواقع دابة ، أما الذي يتعامل مع النص إنسان .
أيها الأخوة ، دائماً وأبداً العاقل لا يندم لأنه توقع ما سيكون ، حالة المؤمن حينما يأتيه ملك الموت وهو على طاعة الله ، وقد أنفق ماله في سبيل الله ، وقد ربى أولاده تربية صحيحة ، وقد عامل زوجته معاملة راقية ، وقد أمر أهله بالحجاب ، وقد أقام الإسلام في نفسه ، وفي بيته ، وفي عمله ، وقد بذل الغالي والرخيص في سبيل ربه ، هذا الإنسان حينما يأتيه ملك الموت ينادى : ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾
( سورة يس )
والثاني الذي غفل عن الله ، إذا جاءه ملك الموت يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، من شدة الندم . ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾
﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾
هو المولى ، هو الذي يوليك ، هو الذي يربيك ، هو الذي يرعاك ، هو الذي يهديك ، كنت عنده ، جاء بك إلى الدنيا . هناك موتان وإحياءان :
قال تعالى : ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ (11)﴾
( سورة غافر الآية : 11 )
الموت الأول موت العدم . ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾
( سورة الإنسان )
والموت الثاني الموت في نهاية الحياة الدنيا ، والإحياء الأول إحياء الإنسان في الدنيا ، والإحياء الثاني إحياء الإنسان يوم القيامة ، ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾
معنى الحق ، الشيء المستقر ، تقريباً ما يقال في العالم معظمه كذب ، ومعظمه ليس حقيقياً ، أما أي شيءٍ قاله الله عز وجل فهو حق لأنه واقع لا محالة ، لذلك في القرآن إشارات لطيفة مثلاً: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
( سورة الفيل )
لم يرَ أحد هذا الذي ذكر الله عز وجل ، لكن الله أراد منا أن نتلقى إخباره وكأننا رأيناها . ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ (1)﴾
( سورة النحل الآية : 1 )
معنى ذلك أنه لم يأتِ ، لكن لأن الله وعد به فكأنه أتى . إذا كان الله مولاك فهذه من نعم الله العظمى عليك :
قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ (116)﴾
( سورة المائدة الآية : 116 )
﴿ قَالَ ﴾
فعل ماض ، لم يقع هذا الحدث ، لكن كل شيء وعد الله به أو أخبر به يجب أن تتلقاه وكأنه وقع ، ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾
لذلك : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ (257)﴾
( سورة البقرة الآية : 257 )
وقال : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
( سورة محمد )
إذا كان الله مولاك فهذه من نعم الله العظمى عليك ، ومعنى مولاك يربيك ، ومعنى مولاك يؤدبك ، ومعنى مولاك يحاسبك ، ومعنى مولاك يعجل لك العقوبة في الدنيا أحياناً ، ومعنى مولاك كما ورد في الأثر القدسي : (( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
[ورد في الأثر]
ربنا عز وجل هو أسرع الحاسبين :
إذا رأى الواحد أن الله يعالجه ، ويؤدبه ، ويعاتبه ، ويسوق له بعض الشدائد على أخطائه ، وينتظر منه أن يتوب إليه ، فهذه نعمة لا تعدلها نعمة ، لكن المصاب الكبير أن يعطي الله الإنسان سؤله وهو في معصيته . ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ ﴾
الأمر له ، لو أن الله قال : ألا الحكم له ، أي له ولغيره ، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ ﴾
له وحده .
الآن دول ، وقوى ، وحروب ، وخطط ، ومؤامرات ، وكل إنسان يدعي أنه يعمل لصالح الأمة ، وكل إنسان يدعي أنه يعمل لصالح البشرية ، لكن الله سبحانه وتعالى يفصل بينهم يوم القيامة والحكم له وحده ، ﴿ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
وقد سمح الله جل جلاله لذاته العلية أن يوازنها مع عباده ، إنسان يحسب ، حاسب ، والله عز وجل أسرع الحاسبين ، هو تبارك الله أحسن الخالقين ، وأسرع الحاسبين ، فحساب الله عز وجل يكاد يختفي الزمن منه ، أنت الآن أمام حاسوب ، بمستوى رفيع جداً ، حديث جداً ، تعطي الأمر ترى على الشاشة النتيجة فوراً ، يكاد الزمن يختفي ، سرعته عالية جداً ، المعالج قوي جداً ، فإذا كان خالق الأكوان يقول : كن فيكون ، قال علماء التفسير : حتى كن فيكون للتقريب ، لأن كن تحتاج إلى زمن ، كن ثانيتين ، حتى كلمة كن للتقريب ، لكن بين الأمر والتنفيذ ليس هناك زمن إطلاقاً ، بين الحساب والنتيجة ليس هناك زمن إطلاقاً ، أحياناً تعطي إنسان مسألة يستغرق حلها ساعات طويلة ، أما ربنا عز وجل فهو أسرع الحاسبين ، فهذا كلام يعرفنا بذات الله جل جلاله ، وهذا يقتضي أن نكون كما أراد الله عز وجل من عبيد الشكر ، لا من عبيد القهر .

العفريني
09-23-2011, 01:52 PM
﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)﴾
أيها الأخوة الكرام ، أولاً : حقائق الإيمان أودعها الله في جبلة الإنسان ، من أي جنس ، من أي لون ، من أي دين ، من أي مذهب ، من أي اعتقاد ، من أية طائفة ، حينما يدلهمّ الخطب تقول : يا الله ، أي إنسان على وجه الأرض حتى لو كان ملحداً عندما يواجه خطراً ماحقاً يتوجه إلى الله عز وجل ، تكلمت بهذا الكلام لأن طائرة تقلّ خبراء من دولة تؤمن بأنه لا إله ، ودخلت هذه الطائرة في سحابة مكهربة ، وكان وقوعها وشيكاً ، فإذا بهؤلاء الخبراء وقد ملؤوا الدنيا كلاماً بأن الله غير موجود دون أن يشعروا رفعوا أيديهم واستغاثوا بالله عز وجل لينجيهم من هذه الكارثة .
لذلك مفهوم الألوهية مودع في أعماق النفس البشرية ، هذا ما يسمى الإيمان الفطري ، إلى من نتوجه إذا شحت السماء ؟ إلى من نتوجه إذا ادلهمّ الخطب ؟ إلى من يتوجه المريض إذا أصيب بمرض عضال ؟ إلى الله وحده ، وينسى كل الذين أشركهم من الله عز وجل .
أيها الأخوة ، ولكن لي تحفظ على هذا الموضوع ، وهو أنه جميل جداً أن تتوجه إلى الله في أثناء الشدة ، ولكن الأجمل من ذلك أن تتوجه إليه وأنت في رخاء ، وأنت في بحبوحة ، وأنت في صحة ، وأنت في شبابك ، ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب في مقتبل الحياة يغلي حيوية ونشاطاً ، ومع ذلك يضبط نفسه وفق منهج الله .
لو عدنا إلى أصل فطرتنا لأدركنا جمال الكون :
على كلٍ : ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
الحقيقة أن الكون فيه ظلام وفيه نور ، ولو تعمقنا في حكمة الظلام ، لولا الظلام لما انتفعنا بالنور ، جعل الله الليل سكناً ، وجعل الله النهار معاشاً ، فهذه الحركة والنشاط في النهار أساسها أن أعضاءك وحواسك وعضلاتك وأجهزتك استراحت في الليل ، كأن الله سبحانه وتعالى صمم الليل كي نأوي إلى بيوتنا ، وكي ترتاح أجسامنا ، لكن الحضارة الحديثة جعلت الليل نهاراً ، والنهار ليلاً ، وهذا المرض شاع بين المسلمين ، فلا أحد ينام إلا بعد منتصف الليل ، ولا يستيقظ على صلاة الفجر إلا وهو محطم من شدة التعب ، ولا يستطيع أن يركز إلا في ساعة متأخرة جداً من النهار ، ينام إلى الظهر كي يستطيع أن يركز ، طبيعة الحياة ، والكهرباء ، وما في البيت من ملهيات جعلت الإنسان يبحث عن اليقظة في وقت النوم ، ويبحث عن النوم في وقت اليقظة . ولو تصورنا أننا عدنا إلى أصل فطرتنا ، إلى النوم الباكر ، وإلى الاستيقاظ الباكر لأدركنا جمال الكون :
(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾
( سورة المزمل )
أيها الأخوة ، ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
هل الأرض إلا بر وبحر ، أنت إما أن تكون في البر أو في البحر ، طبعاً يقاس على البحر أن تكون في الجو ، فالإنسان إما أن يكون في البر ، أو في البحر ، أو في الجو ، الأخطار في الجهات الثلاث واحدة ، لكن الإنسان لجهله يتوهم أنه آمن في البر مع أن البر يزلزل أحياناً فلا يبقى شيء . ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا (74)﴾
( سورة الحجر الآية : 74 )
ما من شيء ثابت ، إلا أن يضمن الله لك الثبات ، فالبناء الذي استغرق إنشاؤه سنوات طويلة يصبح أنقاضاً في ثوانٍ ، هذا الزلزال . الكوارث التي تأتي لها تفسير إلهي :
باخرة من أعظم البواخر صنعت في عام 1912 اسمها التيتانيك ، هذه الباخرة صممت بحيث لا تغرق ، جدرانها كلها من طبقتين ، فلو خُرقت الطبقة الخارجية الطبقة الداخلية تحول بين الماء وبين وصوله إلى الداخل ، حتى إنهم كتبوا اجتراءً على الله : هذه الباخرة لا يستطيع القدر إغراقها ، بل إن هذه الباخرة لم تزود بقوارب النجاة لأنها لا تغرق ، وفي أول رحلة لها من أوربة إلى أمريكة ، وعلى متنها نخبة أغنياء أوربة ، وقد قدرت حلي النساء بالمليارات ، هي مدينة عائمة ، وفي طريقها إلى أمريكة ارتطمت بجبل ثلجي قسمها شطرين ، ولم ينجدها أحد ، لأن إشارات النجدة توهموها احتفالات على هذه الباخرة ، ومات عدة آلاف ، فقال بعض القساوسة وقتها : إن غرق هذه السفينة درس بليغ من السماء إلى الأرض ، وزلزال تسونامي أيضاً درس بليغ ، الكوارث التي تأتي لها تفسير إلهي .
على كلٍ أيها الأخوة ، يشير الله عز وجل في هذه الآية إلى أن الإيمان متوافق مع الفطرة ، فأنت في النهاية لا تلتجئ عند الشدة إلا إلى الله ، بل مرةً حدث في بلدنا رياح عاتية حطمت مئات البيوت الزجاجية ، فقال لي أحدهم : الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم وطوائفهم قالوا : إن المسيء أدبه الله عز وجل ، فهناك إيمان فطري ، وإيمان عقلي ، وإيمان نقلي ، الآية هنا تتحدث عن الإيمان الفطري : ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
الإنسان قد لا ينتبه أنه يتمتع بأجهزة سليمة ، وبحواس سليمة ، وبقدرة على الحركة ، يتمتع بصحته تمتعاً عالياً ، لكنه لو علم أن أي خلل في أعضائه يجعل حياته جحيماً لا يطاق ، فأنت إذا كنت معافىً فينبغي ألا تنسى أن هذا فضل من الله عظيم ، ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
الحقيقة أن الظلمات أنواع ؛ هناك ظلمات حسية ، وظلمات عقلية ، أحياناً تطرح شبهات ، لو أن الإنسان التجأ إلى الله عز وجل لبدد الله له هذه الشبهات ، ولا سيما في هذه الأزمان الشبهات تطرح على هذا الدين ، على هذا القرآن ، على هذا الإسلام ، على المسلمين فالله عز وجل متكفل أن يبدد لك هذه الشبهات ، لو فهمت الظلمات شبهات فالله هو الذي يبددها ، فإذا قرأت القرآن قراءة واعية متأنية ، ورافق هذه القراءة طهارة نفسية لوجدت أن كل سؤال ألقي في خاطرك حار فيه عقلك أجابك الله عليه في القرآن الكريم ، هذا معنى . لا يحقق شيء على وجه الأرض في ملكوت الله عز وجل إلا بتوفيق الله :
أحياناً الشبهات ظلمات ، القضية غامضة ، القضية تحير ، كيف نوفق بين هذه الآية وهذه الآية ؟ كيف نوفق بين وعود الله في القرآن الكريم وواقع المسلمين ؟ كيف نوفق بين النمو الاقتصادي وتحريم الربا ـ مثلاً ـ ؟ فالطرف الآخر يطرح شبهات دائماً ، وأحياناً هناك ظلمات أخطار ، أخطار في البر ، وأخطار في البحر ، هذه ظلمة ، قد لا تجد ماء لإرواء زرعك ، وقد لا تجد مالاً لشراء البضاعة ، وقد لا تجد دواء لمرض عضال ، فكأن العلماء بيّنوا أن هذه الظلمات بعضها فكري ، بعضها من نوع الشبهات ، وبعضها حسي من نوع المصائب ، هي ظلمات ، وقد رمز الله إلى الذي يعكر صفو الإنسان ، والذي يوقعه في حيرة ، والذي يربكه بالظلمات ، والله وحده ينجيه منها . أحياناً تأتي الآية الكريمة : ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)﴾
( سورة النجم )
الآن يعيش العالم الإسلامي ظلمات ليس لها من دون الله كاشفة ، ولا بد من تدخل إلهي مباشر ، لأنه كحل أرضي يبدو بعيداً جداً ، إذاً : ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
فأينما كنت هناك أخطار ، لذلك قال تعالى : ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (88)﴾
( سورة هود الآية : 88 )
وقد قيل : إن هذه الآية من أعمّ الآيات في القرآن الكريم ، فأيّ هدف لا يحقق إلا بتوفيق الله ، إن كان الهدف شخصياً ، أو جماعياً ، عاماً ، أو خاصاً ، لا يحقق شيء على وجه الأرض في ملكوت الله عز وجل إلا بتوفيق الله ، لذلك كان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
(( اللَّهُمَّ لا سَهْلَ إِلاَّ ما جَعَلْتَهُ سَهْلاً ، وأنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلاً ))
[ رواه الحاكم عن ابن عمر ]
مادام الأمر بيد الله فالتعامل مع الله وفق القواعد تعامل علمي :
أنا أتكلم أو أخاطب الشباب ، أنت في مقتبل العمر ، صحتك ، دراستك ، عملك ، حرفتك ، زواجك ، مستقبلك بيد الله عز وجل ، ومادام الأمر بيد الله فالتعامل مع الله وفق القواعد ، تعامل علمي . ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (21)﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 )
.
أنا أؤكد لكل شاب أنك إذا خطبت ود الله عز وجل ، وأخلصت له ، وضبطت جوارحك وفق منهجه فمستقبل زاهر ينتظرك ، بعيداً عن كل معطيات البيئة ، والعصر ، والأزمات ، والصعوبات ، والعقبات ، ليس في الكون إلا الله . ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ (84)﴾
( سورة الزخرف )
وقال : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (21)﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 )
آية ثانية : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
وقال : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
( سورة القلم )
وقال : ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
( سورة القصص )
لو أن المسلمين توجهوا إلى الله مخلصين لأمدهم الله بعناية وحفظ وتأييد ونصر :
إذاً : ﴿ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
إما أن تفهمها مشكلات لا حل لها ، أو نوازل مدمرة ، أو شبهات في قلب المؤمن يحار في حلها ، فالله عز وجل ينجيك من كل إشكال في عقيدتك ، أو في تصوراتك ، ومن كل إشكال في حياتك ، أو في بيتك ، ومن كل إشكال في مجتمعك ، لو أن المسلمين توجهوا إلى الله مخلصين لأمدهم الله بعناية وحفظ وتأييد ونصر ، لكنهم وقعوا في الشرك ، تعلقوا بمن في الأرض ولم يتجهوا إلى من في السماء ، اصطلحوا مع من في الأرض ولم يصطلحوا من في السماء ، توهموا أن في الأرض قوى سلامتهم بإرضائها ، وتدميرهم بغضبها ، ونسوا الواحد القهار .
" أنا ملك الملوك ومالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم بصلاحكم " .
من أروع ما يفهم في هذا الموضوع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حديث جامع مانع موجز ، قال :
(( لا يرجو عبد إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه ))
[ مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب ]
القوى المخيفة في الأرض جبارة ، وعاتية ، وقوية ، وقاسية ، ولا ترحم ، ولكن ينبغي ألا تخاف منها لأن الله عز وجل يبين أن هؤلاء الأقوياء بيد الله عز وجل . ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
معنى التوحيد :
اجعل هذا الحديث شعاراًَ لك : (( لا يخافن العبد إلا ذنبه ))
إذا وقع في إشكال، (( ولا يرجون إلا ربه ))
كلام جامع مانع فيه كل شي ، بل يمكن أن تضغط علاقتك مع الله كلها في هذا الحديث ، (( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))
(( من كان همه الآخرة جمع الله شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ))
[أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت بسند جيد والترمذي من حديث أنس ]
" عبدي أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .
هذا هو التوحيد ، كم قوة في الأرض طاغية يد الله فوق أيديهم ؟ ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا (2)﴾
( سورة فاطر الآية : 2 )
وقال : ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾
( سورة الزخرف )
وقال : ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف )
هذا هو التوحيد ، ألاّ ترى مع الله أحداً ، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها في الكون ، هؤلاء الذين يتحركون يسمون في الإعلام صُناع القرار هؤلاء ليسوا صُناع القرار ، إنما هم أدوات بيد الله عز وجل . يتضرع الإنسان إلى الله حينما ييأس من حلٍّ أرضي :
التوحيد مريح أيها الأخوة ، ولا سيما في هذه الأزمات ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، لا يعقل ولا يقبل أن يأمرك الله أن تعبده ثم يسلمك إلى بعض عباده الأقوياء ، قال : ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ (123)﴾
( سورة هود الآية : 123 )
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾
تضرع حينما تيأس من حل أرضي ، ولحكمة بالغةٍ بالغة من أجل أن يلجئك إليه يغلق لك كل الأمل الأرضي قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
( سورة الطلاق )
أنت متى تبحث عن مخرج ؟ إذا رأيت الأبواب كلها مغلقة ، أحياناً تغلق الأبواب كلها في وجه المسلم ، لأن هناك ضعفاً بإيمانه ، وهناك شرك خفي يعاني منه ، فحتى يلجئه الله إلى السماء لا بد من أن يقطع أمله من أهل الأرض ، ولكي يقطع أمله من أهل الأرض لا بد من أن يلهم هؤلاء الذين اعتقد أن مصلحته عندهم أن يبعدوه عنهم ، ﴿ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾
يمكن أن تدعو الله جهراً ويمكن أن تدعوه وأنت صامت :
أحياناً الدعاء في نفسك : ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3)﴾
( سورة مريم )
بالمناسبة كفكرة إيجابية ، يمكن أن تدعو الله وأنت صامت ، يمكن أن تدعوه وأنت صامت .
أقسم لي رجل ، كنت في طريقي إلى مدينة في الساحل ، فرأيت مسجداً على الساحل رائعاً صليت فيه ، ثم التقيت مع الذي أنشأه ، قال لي : أنا قبل عشرين عاماً أنهيت خدمتي الإلزامية ، وأردت أن أسافر إلى الخليج ، وأنا في الطائرة في ذهابي إلى الخليج ـ أقسم لي بالله لم يحرك شفتيه ـ لكن نادى ربه نداءً خفياً ، قال : يا رب ، إن أكرمتني فسأنشئ مسجداً في هذا المكان ، وقد أكرمه الله عز وجل ، فلما عاد كان لإنشاء هذا المسجد عقبة كبيرة ، المسجد لا ينشأ إلا في منطقة منظمة ، فحدثني عن تفاصيل هذه القصة ، نادى ربه نداءً خفياً ، أنت يمكن أن تنادي الله وأنت ساكت ، أحياناً تكون في موقف الكل ينظر إليك وأنت في أمسّ الحاجة إلى الله ، ليس ضرورياً أن تحرك شفتيك .
مرة الحسن البصري لما قام بأمانة الدعوة إلى الله ، وأمانة التبيين ، فبلغ الحجاج أنه تحدث عن بعض تصرفاته ، وكان الحجاج جباراً وطاغياً ، فقال : يا جبناء ، والله لأروينكم من دمه ، وأمر بقتله ، وجاء بالسياف ، ومد النطع ، القماش الذي يمنع وصول الدم إلى الأثاث ، وجيء بالحسن البصري ، لما دخل على السياف ورأى السياف مستعداً لقتله ، وأدوات القتل جاهزة ، حرك شفتيه ، فإذا بالحجاج يقف له ، ويقول : أهلاً بأبي سعيد ، وما زال يدنيه حتى أجلسه على سريره ، واستفتاه في موضوعات عديدة ، وضيفه ، وأكرمه ، وشيعه إلى باب القصر ، السياف والحاجب صعقا ، تبعه الحاجب قال له : يا أبا سعيد ، لقد جيء بك لغير ما فعل بك !! فماذا قلت ، وأنت داخل ؟! قال : قلت : يا رب ، يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم . كلما تذللت لله رفعك وكلما تكبرت واستنكفت عن عبادته وتأبيت أن تطيعه أذلك :
هذه الفرصة الرائعة لكل واحد منا متاحة ، أن تنادي ربك نداءً خفياً ، ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾
التضرع ؛ هو التذلل ، أنت كلما تضرعت إلى الله عز وجل رفعك ، وزادك عزاً ، وكلما تذللت إلى إنسان زادك ضعةً .
اجـعل لربك كـل عزك يستقر ويثـبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***
المؤمن يعتز بالله ، ويحتمي بالله ، ويعتمد على الله ، ويتوكل على الله ، ويلجأ إلى الله ، ويستعيذ بالله ، ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً ﴾
يعني تذللاً ، قضية يسمونها بالمنطق معادلة متعاكسة ، كلما تذللت لله رفعك . ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
( سورة الشرح )
وكلما تكبرت ، واستنكفت عن عبادته ، وتأبيت أن تطيعه أذلك .
والله هناك قصص أيها الأخوة إنسان يصاب بذل ما بعده ذل ، تهان كرامته ، تنتهك حرماته ، يؤخذ ماله ، يشيع في الناس عنه أسوأ الأخبار . ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (18)﴾
( سورة الحج الآية : 18 )
كأن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أنك تكون في أعلى درجة عند الله حينما تدعوه ، ﴿ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾
تدعوه متذللاً ، لذلك لعل النبي عليه الصلاة والسلام استنبط من هذه الآية أن صلاة الاستسقاء ينبغي أن تذهب إلى المصلى بثياب ليست أنيقة ، أنت ضعيف بقدر ما تستطيع بينك وبين الله تذلل ، فإذا ربنا عز وجل يرفع لك ذكرك ، ويعلي قدرك ، ويجعل لك هيبة يهابك الناس بها ، من هاب الله هابه كل شيء ، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء ، ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
إذا عاهدت الله عز وجل على شيء فبطولتك أن تنجز هذا العهد :
بربكم هل وقع أحدنا في مأزق ، أو في أزمة ، أو في شبح مصيبة ، أو في شبح مرض ، أو في شبح خسارة ، ودعا الله عز وجل من أعماقِ أعماق قلبه ، وعاهده أنه إذا فرج الله عنه ليكونن من الشاكرين ؟ ثم قصّر في الوفاء بوعده ، آية تحرك المشاعر : ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)﴾
( سورة الأعراف )
أنت إذا عاهدت الله عز وجل على شيء بطولتك أن تنجز هذا العهد ، وتحقق هذا الوعد ، ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)﴾
( سورة الأنعام )
أحياناً الإنسان في ساعة الشدة الشديدة لا يرى إلا الله ، فإذا ارتفعت حرارة ابنه ، وقال له الطبيب : التهاب سحايا خطر ، حياته في خطر ، ودعا الله عز وجل من أعماق أعماقه ، فلما شفي ابنه عزى الشفاء إلى الطبيب ، الطبيب معه بورد ، صار الطبيب معه بورد ، والدواء الذي أتى به أجنبي ، فعاليته عالية جداً ، ونسي أن الله أذن له بالشفاء ، هذا خطأ كبير : ﴿ لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)﴾
أيضاً بطولتك بعد الرخاء ، دعوت الله فاستجاب لك ، وأزاح عنك كل كرب فالبطولة أن هذا الشفاء ، وهذا النجاح ، وهذه الإزاحة ينبغي ألا تعزوها إلى مخلوق ، اعزُها إلى الخالق .
لا بدّ من الالتجاء إلى الله عز وجل لأنه من اعتز بغير الله ذلّ :
هذا يذكرني إلى أن السيدة عائشة حينما شاع عنها حديث الإفك ، وشاع عنها أنها زنت ، وهي السيدة الأولى ، وهي الطاهرة ، وهي التي كان النبي يحبها حباً جماً ، وتأخر الوحي في تبرئتها أربعين يوماً كي يعلم الناس أن الوحي ليس بيد رسول الله ، لو كان بيده لجاءت آية التبرئة بعد ساعة من الاتهام ، ولكن جاءت التبرئة بعد أربعين يوماً ، فحينما نزلت آيات التبرئة قال أبوها الصديق لها : قومي إلى رسول الله فاشكريه ، قالت : والله لا أقوم إلا لله ، بحضرة النبي ، فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " عرفت الحق لأهله " .
أنت حينما يزاح عنك كرب ، تزاح عنك مصيبة ، تزاح عنك ضائقة ، تشفى من مرض عضال ، انتبه إلى ما تقول ، يجب أن تعزو ذلك إلى الله ، وأن تقوم إلى الله شاكراً ، وقد شرع النبي لنا ركعتي الشكر ، أو سجود الشكر ، اسجد لله ، وقل : يا رب ، لك الشكر والحمد أن أنقذتني ، أقم علاقة مع الله ، أقم علاقة معه ، اسأله ، استغفره ، تب إليه ، قل : يا رب أَقِل عثرتي ، يا رب آمن روعتي ، يا رب اغفر زلتي ، يا رب أعني على نفسي ، لا بد من حوار بينك وبين الله ، لا بد من التجاء إلى الله عز وجل ، ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾
ورد في بعض الآثار أنه :
(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف له ذلك من نيته إلا جعلت الأرض تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
من اعتز بغير الله ذل ، من اعتز بغير الله ضل ، من اعتز بغير الله افتقر ، من اعتز بغير الله انتكس ، كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة .
أخواننا الكرام ، فيما سمعت في بعض السنوات إمام الحرم صلى التراويح ، وفي يوم الختم في ليلة السابع والعشرين دعا دعاءً مطولاً اقترب من ساعة ، وقد خصص في هذا الدعاء دعاء على هؤلاء الذين يغتصبون في فلسطين ، ويقتلون ، ويهدمون ، ويحرقون ، ويقتلعون الأشجار ، ويردمون الآبار ، ويذلون الناس ، دعا عليهم ما يزيد على خمس عشرة دقيقة ، وبكى بكاءً شديداً ، في هذا الوقت بالذات توجهت طائرتان كبيرتان تحملان مئة وخمسة وعشرين ضابط كومندس ، وكل ضابط مكلف بالملايين ، يتقن اللغة العربية والعامية واللغة المحلية ، يتقن السلاح الأبيض ، يتقن الصراع الياباني ، يتقن استخدام أدق الأسلحة ، وهؤلاء الضباط الكبار توجهوا إلى جنوب لبنان كي يأخذوا رهائن من المساجد ليلة القدر ، فإذا بالطائرة الأولى تقع على الطائرة الثانية ، وإذا بالطائرتين تقعان على مستعمرة إسرائيلية، والثابت أنه منذ أن تأسست إسرائيل من عام 1948 حتى الآن لم تمنَ بخسارة بشرية تفوق هذه الخسارة ، مئة وخمسة وعشرون ضابطاً . ربما كانت المصائب نعماً باطنة :
أنت حينما تدعو الله عز وجل صادقاً يستجيب لك ، حتى الصندوق الأسود حينما قرؤوا ما فيه آخر كلمة قالها الطيار الذي في الأعلى ، قال : أنا أسقط ولا أدرِي لمَ أسقط ، إذاً : ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾
محور هذا الدرس أن الله سبحانه وتعالى يسوق بعض البلاء لعباده كي يلجؤوا إليه ، كي يقفوا على أبوابه ، يلجئهم إلى العبودية له ، كي يكرمهم ، كي يرحمهم ، كي ينصرهم ، كي يرفع شأنهم ، كي يعطيهم عطاء كبيراً ، كي يدخلهم الجنة ، فدققوا أن هذه المصائب ربما كانت نعماً باطنة ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)﴾
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
الصواعق ، الصاعقة تدمر كل شيء ، هناك صواعق تأتي على بيت كل من في البيت يُحرق ، من مئتين إلى ثلاثمئة ألف فولت كهرباء ، يُحرق كل شيء ، طبعاً الصواعق دائمة ، أما الشيء الحديث الصواريخ ، هناك صواعق وفي صواريخ ، ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
الزلازل ، ثلاثمئة ألف إنسان ماتوا في زلزال شرق آسيا ، خمسة ملايين إنسان بلا مأوى ، أخبار الزلزال تعرفونها جميعاً ، ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
صواعق وصواريخ ، وزلازل وألغام ، لكن المصيبة التي لا تحتمل ، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
الإنسان حينما يدع منهج الله ، وحينما لا يعتصم بحبل الله ، يصبح الناس شيعاً وأحزاباً وفرقاً . لا يمكن أن يرمم ضعفنا إلا بالإيمان بالله :
الله عز وجل قال ـ دققوا في هذه الآية التي هي قانون العداوة والبغضاء ـ : ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14)﴾
( سورة المائدة الآية : 14 )
العداوة لها قانون ، أنا حينما أبتعد عن الله ، وحينما يبتعد فلان عن الله أردنا الدنيا ، والمصالح متضاربة ، والشهوات تتصارع ، والأهداف المادية تتجاذب ، الآن ماذا يجري في العالم ؟ الصراع على الدنيا ، كل ما تسمعونه من كلام متعلق بالمبادئ كذب مصالح ، الإنسان يغطي أحياناً حركته وحربه بكلام كله كذب ، الصراع على الثروات .
إذاً ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾
كيف يكون الناس شيعاً ؟ إذا ابتعدوا عن الله جميعاً ، ذلك لأن المعركة بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تقع معركة بين حقين ، لأن الحق الأول ينطبق على الثاني ، الحق هو مستقيم بين نقطتين ، إن أردت أن ترسم مستقيماً آخر يأتي فوقه تماماً ، المعركة بين حقين لا تكون ، والمعركة بين حق وباطل لا تطول لماذا ؟ لأن الله مع الحق ، أما بين باطلين فلا تنتهي ، قد نمضي أعمارنا كلها في حرب مع أعدائنا ، لأننا لسنا كما ينبغي ، وهم ليسوا كما ينبغي ، عندئذٍ الأقوى ينتصر ، والذي يملك سلاح مجدي ينتصر ، مع غياب الإيمان من الذي ينتصر ؟ طائرة تستطيع أن تهاجم ثمانية أهداف في آن واحد على بعد ستة عشر كيلومتر ، الطائرة المقابلة مداها ثلاثة كيلومتر وتهاجم هدف واحد ، إذاً شيء بديهي جداً أن الذين يملكون الطائرات المتطورة جداً هم المنتصرون ، إذا حذفت الإيمان كان النصر للأقوى ، هذه حقيقة ، وإذا تصارعنا على الدنيا ، ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
لا يمكن أن يرمم ضعفنا إلا بالإيمان بالله ، والله عز وجل ما كلفنا أن نعد العدة المكافئة لأعدائنا ، وهذا من فضل الله علينا ورحمته ، كلفنا أن نعد العدة المتاحة فقط ، وعلى الله الباقي ، الله يرمم ، الأمل كبير والكرة في ملعبنا . نحتاج إلى أن نكون أقوياء والقوة تحتاج إلى إيمان بالله عز وجل :
قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ (19)﴾
( سورة الأنفال الآية : 19 )
وقال : ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾
( سورة الصافات )
وقال : ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
( سورة الروم )
وقال : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (55)﴾
( سورة النور الآية : 55 )
لكننا حينما تركنا الله ، وابتعدنا عنه ضعفنا ، فأصبحنا لا نملك غير سلاح واحد ، أن نندد ، وأن نشجب ، وأن ندين ، وأن نستنكر ، وأن نشدد على كذا ، وأن نحل الجهة الفلانية المسؤولية ، وأن نحرق العلم ، عندنا غير ذلك ؟ والقوي يسخر منا ، هو يسر بهذا لأننا ضعاف ، أما حينما نكون أقوياء نقول كما قال هارون الرشيد ، قال له : مِن هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى كلب الروم ، ما ترى لا ما تسمع ، وانتهى الأمر .
الإله واحد ، إلههم إلهنا ، وربهم ربنا ، الإله واحد ، والقوانين واحدة ، نحتاج إلى أن نكون أقوياء ، والقوة تحتاج إلى إيمان بالله عز وجل . حينما يأتي القضاء والقدر من الله مباشرة وقعه يكون أخف بكثير مما لو جاء من إنسان :
أيها الأخوة : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾
يمكن أن تندرج الحرب الأهلية تحت هذا البند : ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
أيها الأخوة ، أبين لكم مرة ثانية أن بلاء الله عز وجل قد يأتي من السماء ، وقد يأتي من تحت الأرجل من الأرض ، وقد يكون حرباً أهلية ، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
لكن يبدو أن الإنسان حينما يأتيه قضاء وقدر من الله مباشرة وقعه أخف بكثير مما لو جاءه من إنسان ، والدليل : ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)﴾
( سورة لقمان )
آية ثانية : ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾
( سورة الشورى )
اللام لام التوكيد ، قد يأتي المصاب من إنسان ، فأنت بهذه الحالة تحتاج إلى توحيد أعلى ، كي توقن أن هذا الإنسان مسير ، وأن الله سمح له أن يصل إليك ، من أجل ألا تحقد حقداً لا يحتمل أن الله سمح له أن يصل إليك ، لذلك هنا ينبغي أن تصبر على قضاء الله وقدره الذي ساقه على يد فلان ، وأن تغفر لهذا الإنسان إن أمكنك أن تغفر ، أو أن تطالب بحقك إن أردت ، لكن أن تأتي المصيبة من الله مباشرة شيء ، وأن تأتي عن طريق إنسان شيء أصعب . حينما يشيع الفساد في الأرض يجب أن نُحصن بشيئين بالاستقامة والوعي :
لذلك : ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾
إذاً نحن في قبضة الله ، وتحت رحمة الله ، وحينما يشيع الفساد في الأرض قد يبتلى الناس بصراعات داخلية ، وهذا خطر جداً .
بالمناسبة ، أعداء المسلمين يدفعون المبالغ الطائلة لإثارة فتنة داخلية ، ويجب أن نحصن بشيئين بالاستقامة وبالوعي ، بالاستقامة لأنها تبعد عنا كل مصاب إلهي ، وبالوعي لأنه يبعد عنا كل مكر خارجي : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾
قال تعالى : ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14)﴾
( سورة المائدة الآية : 14 )
العداوة والبغضاء لها سبب ؛ البعد عن الله عز وجل ، أما إذا اعتصمنا جميعاً بحبل الله تكون المودة والرحمة بين المؤمنين . ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (63)﴾
( سورة الأنفال )
يمكن أن تكون المودة بين المؤمنين ، والتعاطف ، والتزاور ، والتضامن علامة الإيمان ، أما الخلافات على مستوى المدينة ، والبلدة ، والحي ، والعائلة ، والأسرة ، حتى داخل الأسرة ، الخلافات أساسها ضعف الإيمان ، ونسيان منهج الله عز وجل . ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)﴾

العفريني
09-23-2011, 01:53 PM
﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)﴾
لا إكراه في الدين ، النبي صلى الله عليه وسلم مبلّغ .
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
( سورة الغاشية )
أيها الأخوة ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)﴾
ما النبأ ؟ النبأ شيء ، والخبر شيء آخر ، قد يكون الخبر تافهاً ، لكن النبأ شيء مهم ، عظيم ، والدليل :
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (2)﴾
( سورة النبأ )
رسالة الله إلى البشر هذا نبأ عظيم ، قيام الساعة نبأ عظيم ، محاسبة الطواغيت نبأ عظيم . ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68)﴾
( سورة ص)
الأمور تتغير لكن في النهاية لا تستقر إلا على الحق :
يختلف النبأ عن الخبر في أن الخبر يتناول أي موضوع ، ولو كان تافهاً ، لكن النبأ يتناول الموضوعات الخطيرة ، أو بتعبير آخر ؛ المصيرية ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾
الخبر العظيم الموضوع الخطير ، الحدث المصيري ، ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾
هذا الحدث المصيري ، النبأ العظيم ، الخبر الخطير لا بد من أن يستقر في مكان ولا بد من أن يضله زمان ، هو مستقر في زمان مستقر ، وفي مكان مستقر ، الخبر يصبح واقعاً ، النبأ يصبح حقيقة ، الشيء الواقع الذي له زمان ، والذي له مكان ، كان خبراً فأصبح حقيقة ، ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾
هذا معنى .
أما المعنى الآخر فيتضح : لو أن كرةً وضعنا في داخلها قطعة رصاص ودحرجناها ، مهما تدحرجت فلا تستقر إلا وقطعة الرصاص في الأسفل .
الأمور تتغير ، يعلو أناس ، ينخفض أناس ، يعز أناس ، يذل أناس ، يقوى أناس، يضعف أناس ، في النهاية الأمور لا تستقر إلا على الحق . ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ (12)﴾
( سورة آل عمران الآية : 12 )
وقال : ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾
( سورة الأعراف )
هؤلاء الذين عارضوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وحاربوه ، ونكلوا بأصحابه ، وسخروا منه ، أين هم الآن ؟ في مزابل التاريخ ، هؤلاء الضعاف ، الفقراء ، المستضعفون ، الذين عُذبوا ، وضُربوا ، وجُلدوا ، وهاجروا ، وفروا بدينهم ، أين هم الآن ؟ في أعلى عليين، الأمور لا تستقر إلا على ما هو صحيح ، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
النبأ العظيم لا بد من أن يكون مستقراً ، في مكان يحويه ، وفي زمان يظله ، أو أن الأمور مهما اضطربت ، ومهما اختلفت ، ومهما اعتورها ظروف صعبة ، ففي النهاية لا تستقر إلى على ما هو صحيح . الباطل له جولات ولكنه في النهاية زهوق :
أحياناً يصدر قانون يمنع شيئاً طبيعياً ، فطرياً ، من حق الإنسان ، يثار حول هذا القانون جدل كبير ، يناقش ، في النهاية يلغى ، الأمور لا تستقر إلا على ما هو صحيح ، ولكن تضطرب ، ولكن لحكمة أرادها الله ، الباطل له جولات ، ولكنه في النهاية زهوق ، هؤلاء الذين بنوا كيانهم على إنكار وجود الله ، وصالوا وجالوا ، واخترعوا القنابل النووية ، وامتلكوا قنابل يمكن أن تفني القارات الخمس ، ما مصيرهم ؟ تداعوا من الداخل ، وبقي الإسلام شامخاً .
مرةً زرت في بلد إسلامي متحفاً ، فإذا ساعة واقفة على رقم معين ، التاسعة وخمس دقائق ، فسألت الذين معي : لمَ هذه الساعة واقفة ؟ قال : هذه الساعة أوقفت مع موت من أراد إلغاء الإسلام في بلده إلغاءه كلياً ، وكان علمانياً ، وحارب المساجد ، والأئمة ، والخطباء ، وألغى المدارس ، وأمر الفتيات بالسفور والتفلت ليقنع الغرب أنه علماني مثلهم ، قلت هذه الكلمة وقتها : ألف طاغية يريدون إلغاء الإسلام يفطسون ، والإسلام باقٍ شامخ كالجبل .
والله قبل سنوات زرت هذا البلد ، الشيء الذي يلفت النظر لا يصدق ، أن تسعين بالمئة من النساء محجبات ، الإسلام لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يلغيه ، بل إن الله سبحانه وتعالى بيّن وقال : ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (32)﴾
( سورة التوبة الآية : 32 )
بربك لو توجه إنسان إلى الشمس ، ونفخ فلعلها تنطفئ ، أين مكانه الصحيح ؟ في مستشفى المجانين ، ضوء الشمس لا يمكن أن يطفأ بنفخة من رجل ، فكيف بنور الله عز وجل ، ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾
وأنا أطمئنكم ، وأطمئن نفسي أن الطغاة في الأرض لا يستطيعون إلغاء هداية الله لخلقه ، يتكلمون ، يهددون ، يتوعدون ، يغلقون ثانويات شرعية ، يبدلون المناهج ، يدنسون المصحف ، لكن نحن السبب في تدنيس المصحف نحن هجرناه ، فلما هجرناه ضعفنا ، فلما ضعفنا تطاولوا علينا ، نحن السبب ، جريمة تعطيل كتاب الله أعظم بكثير من جريمة تدنيسه ، تدنيسه تحصيل حاصل ، أما تعطيله فهو الجريمة . البطل هو الذي يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إلى الشيء واقعاً :
يا أيها الأخوة ، ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾
هذا النبأ يصبح حقيقة ، في الخمسينيات في هذه البلاد مُنِع الدخول إلى المساجد إلا لكبار السن فقط ، ثمانون عاماً فما فوق ، ادخل إلى أي مسجد في بلادنا الآن ، شباب ، الأمر واضح جداً ، أسود أو أبيض ، الألوان الرمادية بدأت تختفي بين هذين اللونين ، إباحي ، وليّ ، عفيف ، زان ، أمين ، خائن ، مستقيم ، منحرف ، يؤمن بالآخرة ، يؤمن بالدنيا ، يؤمن بالقيم يؤمن بالشهوة ، يبيع دينه بعرض قليل ، يموت من أجل دينه ، هذا كله بفضل الأحداث الأخيرة التي وضعت المسلمين في امتحان صعب ، فإما أن يكونوا مع الله والله يتولى حمايتهم ، وأعداؤهم أقوياء جداً ، يريدون أن يبيدوهم عن آخرهم ، ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
هنا التهديد : ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾
( سورة التكاثر )
لذلك البطل هو الذي يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إلى الشيء واقعاً ، نحن كمؤمنين بطولتنا أن نؤمن بالموت ، وأن نستعد له قبل أن يأتي ، فإذا جاء فقد جاء ما هو متوقع ، وأنت مستعد له بتوبة نصوح ، وبعمل صالح ، أما الذي يعطل عقله ويفاجأ بالموت يعيش لحظته ، يعيش وقته ، ولا يخطط للمستقبل ، ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾
﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (159)﴾
( سورة النساء الآية : 159 )
سيعود السيد المسيح ، وسيؤمن المؤمنون به على أنه رسول الله ، ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾
سوف نعلم أن الله لن يتخلى عن المؤمنين ، وسوف نعلم أن للباطل جولة ثم يضمحل . الحق هو الشيء الثابت والمستقر أما الباطل فلا بد أن يضمحل :
قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء )
لكن أقول دائماً : إننا أمام امتحانين صعبين ، الأول الله عز وجل يقوي أعداءه ، يقويهم إلى أن يبدو أنهم آلهة الأرض ، دمروا فيدمرون ، اقتلوا فيقتلون ، احتلوا فيحتلون ، إلى أن يقول ضعيف الإيمان : أين الله ؟ ثم يظهر آياته ، حتى يقول هؤلاء الجاحدون : لا إله إلا الله . ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾
الشيء الباطل : ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء )
الزهوق صيغة مبالغة ، يعني أكبر باطل سوف يضمحل ، ومليون باطل سوف يضمحل ، صيغ المبالغة في اللغة تعني النوع أو العدد ، مليون باطل ، اعتقادي ، وسلوكي ، وقولي ، وعملي ، وغربي ، وشرقي ، سوف يضمحل ، ثم أكبر باطل لا بد من أن يضمحل ، ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
ومعنى الحق الشيء الثابت والمستقر . ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ (22)﴾
( سورة الجاثية الآية : 22 )
أي إن الحق لابس خلق السماوات والأرض . معنى كلمة ( يخوض ):
كشاهد على ذلك يشاع في الغرب في كل مكان أن الشاذ في سلوكه الجنسي جيناته مختلفة ، إذاً لا إثم عليه ، إذاً لا تثريب عليه ، هذه فكرة تروق للشاذين ، هم بشر أسوياء ، لكن جيناتهم خاصة ، إلى أن اكتشفت الخارطة الجينية قبل سنوات ، وأعلن كلينتون هذه الخارطة ، وأخطر ما في إعلانه أن الجينات لا علاقة لها بالسلوك إطلاقاً ،
﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾
هذا الباطل الذي شاع في الغرب انتهى بالخارطة الجينية ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُخلق الإنسان على نحو شاذ ثم يحاسب على شذوذه ، هذا مستحيل .
أيها الأخوة : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾
يخوض ، خاض ، يعني مشى في الماء ، والماء العكر لا يكشف لك قعره ، عندما يمشي الإنسان بمركبته في بركة ماء يخاف ، لعلها حفرة ، لعلها مفاجأة ، لعلها صخرة ، لا يرى شيئاً ، الماء يحجب عمن يخوض في قعره ، كأن الله عز وجل يريد أن يقول : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ ﴾
أي يغامرون ، يعالجون موضوعات ليسوا متمكنين منها ، يخوضون ، يمشي في بركة ماء فيها مفاجئات ، قد يكون في هذه البركة حفرة تقضي على من يمشي في الماء ، قد يكون فيها حيوان مؤذٍ ، قد يكون فيها صخرة تعيق حركة المركبة ، ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ ﴾
هذه الصورة المادية تشبه الذي يتحدث عن يوم القيامة ، يتحدث عن القضاء والقدر ، لماذا خلق هذا أعمى ؟ هكذا ، لمَ لم يخلقنا الله من دون شهوة ؟ إذاً لا نعصيه ، يخوض في آياتنا . الله عز وجل لا يريدنا أن نقاطع الشاردين مقاطعة تامة حتى لا يضلوا :
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾
هذا الذي يتكلم بلا دليل، يتكلم بلا تعليل ، يتكلم من غير علم ، يتكلم من غير هدى ، يتكلم من غير كتاب منير ، يتكلم فيما يتراءى له ، هذا الذي يخوض . ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)﴾
( سورة المدثر )
كلمة يخوض رائعة ، المتمكن من اللغة يُدرك أبعاد هذه الكلمة ، ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾
تنبيهاً لهم ، تنبيهاً لتطاولهم على الله عز وجل، تنبيهاً لجهلهم ، تنبيهاً لضعف أدلتهم ، تنبيهاً لتسرعهم ، الآن في أي جلسة الإنسان يرى نفسه محور العالم ، يصحح ولا يصحح ، يصدق ولا يصدق ، بلا دليل ، الشيء الذي يعجبه يقبله وما يتعارض مع شهوته يرفضه ، كم من أشياء في أصل الشرع يقول لك : هذه عادات وتقاليد لم تكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، هكذا من عنده ، بلا دليل .
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عند
***
من أنتم ؟ ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا ﴾
تجد أي إنسان بثقافة ، بإطلاع ضعيف جداً ، لم يقرأ ، لم يبحث ، لم يمحص ، لم يدقق ، يتكلم في القضاء والقدر براحة تامة ، وينفي شيء ، ويثبت شيئاً ، وينفي حكماً شرعيّاً ، وينفي الحجاب في الإسلام ، وينفي بعض الأوامر الشرعية التي وردتنا في الكتاب والسنة ، هكذا ، ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾
أشعرهم أنهم على باطل ، أشعرهم أن هذا الخوض من دون أدلة تطاول على الله عز وجل ، لكن يوجد في الآية ملمح دقيق جداً .
أنا حينما أقاطع الشارد مقاطعة تامة أنى له أن يهتدي ؟ أنا حرمته من الهدى ، فالله عز وجل يريدنا ألا تكون المقاطعة تامة ، ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾
لو خاضوا في حديث غيره فاجلس معهم ، بيّن لهم ، وضّح لهم ، اِئتهم بالدليل ، قدم لهم ما في هذا الكتاب العظيم ، إذاً الله عز وجل لا يريدنا أن نقاطع الشاردين مقاطعة تامة . استدل ثم اعتقد لأن منهج الله كلٌّ لا يتجزأ :
أنا أحياناً يسألني أخ : لي أخت متفلتة قاطعتها كلياً ، قلت له : هذا لمصلحتها ، إن كان هناك صلة بينك وبينها لعلها تستحيي قليلاً ، لعلها تحسب حساباً لك ، لعلها تعتذر ، لعلها تفكر ، لعلها تراجع نفسها ، أما حينما تقاطعها مقاطعة تامة فهذا الذي تريده قد حصل .
لذلك أنا لا أرى أن يقاطع الإنسان الطرف الآخر مقاطعة تامة ، والدليل هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾
، أي أعرض عنهم مؤقتاً ، أعرض عنهم ماداموا يخوضون في آيات الله عز وجل بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير ، من دون دليل ولا تعليل .
الحقيقة الفكر المنهجي رائع جداً ، لا تجلس مع إنسان ، ينفي بلا دليل ، ويقبل بلا دليل ، بعقله الباطن الشيء الذي يحقق مصلحته أو يروي شهوته يقبله ، والشيء الذي يبعده عن مصالحه وعن شهواته يرفضه دون أن يشعر ، أو أنه يعتقد أولاً ثم يبحث عن دليل ثانياً ، وهذا خطأ كبير ، استدل ثم اعتقد ، استدل أولاً ثم اعتقد ، لا أن تعتقد ثم تستدل ، الذي يعتقد ثم يستدل يصنف في علم المنطق انتقائيّاً ، والانتقائي وصمة عار ، ينتقي من الدين ما يعجبه ويرفض ما لا يعجبه ، ومنهج الله كلٌ لا يتجزأ ، لن تقطف ثماره إلا إذا أحطته من كل جوانبه ، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾
الإعراض موقف ، فرق كبير بين أن تُعرض ، كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب أعرض وأشاح ، هناك إنسان إذا غضب يسبّ ، ويشتم ، ويبالغ في الإساءة ، كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب أعرض وأشاح ، إعراضه دليل عدم ارتياحه لما يقال .
الآن في جلسة فرضاً إنسان بذيء اللسان ، تكلم بطرفة جنسية ، ينبغي ألا تضحك ، إن ضحكت أقررته على هذا الكلام الفاحش ، ينبغي ألا تضحك ، ينبغي أن تبقى صامتاً ومقطباً ، هذا الإعراض درس بليغ له ، أن هذا الكلام لا يليق في هذا المجلس . لا تجد فرقاً بين المؤمن وغير المؤمن الآن إلا في العبادات الشعائرية فقط :
﴿ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
قالوا : الإنسان له حافظة تخزن له المعلومات ، وله حافظة تذكره بما هو مخزن ، وله حافظة تعينه على التخيل ، فيه مستودع ، ومعالج ، وتصور ، هذه الملكات ، لكن ثبت في علم النفس أن الإنسان لا يستطيع أن ينصرف إلى شيئين في وقت واحد ، لو أن الإنسان يتذكر فلا ينسى مستحيل أن ترد فكرة على فكرة ، لا بد من أن تنسى الفكرة الأولى حتى تأتي الثانية ، إذاً هذا نسيان طبيعي ، والدليل : ضع مسجلة على نافذة ، والبيت على الطريق ، واجلس مع صديق حميم ، وأدر معه حديثاً مهماً ، وبعد نصف ساعة افتح المسجلة ، كل الأصوات التي سجلتها أنت لم تسمعها أبداً ، شيء عجيب ، لأنك منصرف إلى موضوع ، والنفس البشرية لا تحتمل أن تنصرف إلى موضوعين معاً ، والذي يوهمك أنه يعالج قضيتين في وقت واحد عند هذا الإنسان ملكة اسمها سرعة الانتقال من موضوع إلى موضوع ، أما في وقت واحد لا تستطيع أن تنصرف إلا إلى شيء واحد .
الإنسان ينسى حتى يُدخل على منطقة المعالجة شيئاً جديداً ، النبي الكريم أو أصحابه الكرام يكونون مع الشاردين ، يخوضون فيما لا يعرفون ، فسواء أعرضوا ، أي خرجوا من المجلس أم تابعوا موضوعاً دون أن يذكروا أنهم مكلفون بالإعراض عن هؤلاء سواء فعلوا أم لم يفعلوا فالله عز وجل يقول : ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾
بعد أن تتذكر ، ﴿ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
لا بد من أن يتمايز الناس ، ما دام المؤمن مع الطرف الآخر ، مع الشارد بالمقاصف ، بالمتنزهات ، باللقاءات ، بالحفلات ، لا تجد فرقاً بين المؤمن وغير المؤمن الآن إلا في الصلاة فقط ، المؤمن يصلي ، أما أن تجد فرقاً صارخاً ، نزهة المؤمن متميزة ، ما فيها اختلاط ، ما فيها أغانٍ ، ما فيها أماكن مزدحمة ، ولا فيها أن تجلس وحولك النساء كاسيات عاريات ، والأغاني تصدح ، والخمور توزع على طاولة أخرى ، هذا ليس مكانك ، فلا بد من التمايز ، المؤمن وليمته من نوع آخر ، إن جلس مع أخوانه فالحديث متميز ، حديث رصين جاد ، يعالج قضايا مهمة ، وأنا أخشى ما أخشاه أن يبقى الفرق بين المؤمن وغير المؤمن هذه العبادات الشعائرية ، لا ، هناك قيم ، ومبادئ ، وتصورات ، واهتمامات . يجب أن يكون الفرق بين المؤمن وغير المؤمن صارخاً :
يجب أن يكون الفرق بين المؤمن وغير المؤمن صارخاً ، للتقريب : إنسان درس الطب في بلد غربي ، ونال أعلى شهادة هناك ، البورد ، وجاء إلى بلده هذا ، ماذا يرتدي في العيادة ؟ ثوباً أبيض ، ويضع نظارة على عينيه ، وقد يضع ميزان حرارة في صدره ، وقد يضع سماعة حول رقبته استعداداً لقياس نبض القلب ، أما الشكل فهو إنسان يرتدي ثوباً أبيض ونظارة على عينيه ، ميزان حرارة في جيبه ، سماعة على رقبته ، لو جئنا بإنسان أمّي لا يقرأ ولا يكتب ، ألبسناه ثوباً أبيض ، وضعنا على عينيه نظارة ، وفي الأيسر ميزان حرارة ، وعلى قلبه سماعة قلب ، هل صار هذا طبيباً ؟
إن شاء الله لا أبالغ : الفرق بين الصحابة الكرام وبيننا هذا نفس الفرق ، المنظر واحد ، جامع ، صلاة ، وركوع ، وسجود ، وحج ، وعمرة ، لكن أين الثرى من الثريا ؟ واحد كألف ، وألف كأف .
سيدنا خالد يستنجد بسيدنا أبي بكر أن يمده بخمسين ألفاً ، يرسل له القعقاع بن عمرو ! ومعه كتاب ، قرأ الكتاب : والله يا خالد إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم ، ما هذا ؟
تجد ملياراً وثلاثمئة مليون مسلم الآن لا وزن لهم عند الله ، ليس أمرهم بيدهم ، عندهم مواقع مهمة جداً ، عندهم بترول ، عندهم ألماس ، عندهم ذهب ، عندهم عقدة مواصلات ، عندهم كل شيء ، ولغتهم واحدة ، ودينهم واحد ، وإلههم واحد ، وهم ممزقون مشتتون في الأرض ، فواحد كألف وألف كأف ، الحديث الذي في البخاري ، وقد لا تصدقون، افتراضي طبعاً : (( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))
اثنا عشر ألفاً لم يغلبوا في الأرض ، أما المليار والثلاثمئة مليون ، والله خطيب كبير وعالم جليل في الشام توفي قبل أشهر رحمه الله ، والله من فمه إلى أذني من غير وسيط بيننا قال لي : أنا ذهبت إلى بلد في أوربة ، أصله من هناك ، وألقى كلمة في أضخم جامع هناك ، قال لي : من عشرين إلى ثلاثين ألفاً من التأثر بخطبته جميع المصلين بكوا ، فلما تأثروا كثيراً أخرجوا من جيوبهم زجاجات خمر وشربوها ، متأثرين جداً ، ما هذه الخطبة ؟ والله من فمه إلى أذني . ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾
( سورة الكهف )
مشكلة ، عدد كبير ، والمسلمون كثر ، بعد أن سقطت بغداد ، وأصيب المسلمون بخيبة أمل ، وإحباط لا يوصف ، همّ المجتمع بالشرق الأوسط أن يختار إحدى مغنيتين ، ستة وثمانون مليون اتصال ، في بلد آخر همه أن يتصل ببرنامج خمسة وستون مليون اتصال في عشرين يوماً ، وهذه المبالغ بالمليارات . وعود الله عز وجل محققة لذلك يجب أن نعتب على أنفسنا لا على الله عز وجل :
لذلك لا تعتبوا على الله أيها الأخوة ، لا تعتبوا على الله ، اعتبوا على أنفسكم ، وعود الله عز وجل محققة ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، وإذا لم تستطع أن تغير غيّر نفسك ، أقم الإسلام في نفسك وبيتك وعملك ، وانتهى الأمر ، وأنت لست مكلفاً بأكثر من ذلك ، أنا أطمئنكم ، قال تعالى : ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (286)﴾
( سورة البقرة الآية : 286 )
أنت لست مكلفاً إلا أن تقيم الإسلام في نفسك ، وفي بيتك ، وفي عملك ، بيتك مملكتك ، وعملك مملكتك ، ونفسك أنت مكلف بها . ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
( سورة الشمس )
هذا الذي أمامنا ، والذي أتمناه أيضاً أيها الأخوة في هذه الأيام الصعبة أن نكف عن الكلام وأن نعمل ، وطرق العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، في أصعب الظروف ، في أشد المحن يمكن أن تفعل مليون شيء ، وشيء مسموح به ولا تؤاخذ عليه ، من يؤاخذك لو كنت صادقاً ؟ من يؤاخذك إن كنت أميناً ؟ لو كنت منصفاً ، لو اعتنيت بأولادك ، لو ربيت أسرة طيبة طاهرة ، لو أعنت زوجتك على أن تكون مؤمنة كبيرة ، من يمنعك ؟ من يمنعك أن تتقن عملك ؟ الأشياء الذي نطالب بها بين أيدينا ، لكن الإنسان ما هو مكلف به ، وما هو مطالب به يقصر في تحقيقه ، وما فوق طاقته يبحث عنه ، فتجد المسلم يتساءل : ماذا نفعل ما بيدنا شيء الآن ؟ بيدنا أولادنا ، بيدنا أن نربي أنفسنا ، أن نعود إلى ربنا ونصطلح معه . البطولة أن ننقل الحق إلى الناس :
هذه الآية تبين علاقتك بالطرف الآخر ، إذا خاضوا في أمور الدين بلا دليل ، بلا وعي ، بلا إدراك ، بلا عمق ، بلا كتاب ، بلا سنة ، بلا نور ، بلا عقل ، أعرض عنهم ، أشعرهم أنهم مخطئون ، لكن لا تعرض عنهم كلياً ، من لهم غيرك ؟ لك أخ ، أخي أنا قاطعته، لم تفعل شيئاً ، لك أخت قاطعتها ، لا ، قاطعتها إن خاضت فيما لا ينبغي ، أما إن تحدثت عن أمور عادية ، أقم معها علاقة لعلها تهتدي بهديك ، كونك تجلس مع إنسان شارد تتذكر أنه يخوض في حديث لا يعنيك تقوم أو تنسى فتقعد ، ليست هذه المشكلة ، البطولة أن تنقل هذا الحق إلى الناس ، لأنه : ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً (32)﴾
( سورة المائدة الآية : 32 )
ثم يقول الله تعالى : ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)﴾
هم حينما يخوضون بما لا يعرفون ، حينما يخوضون بأمور عقدية كبيرة جداً بلا دليل ، بلا اهتمام ، بلا وقار ، بلا أدب ، بلا خشوع ، بلا تعظيم لحرمات الله ، حينما يخوضون هذا الخوض الله يطمئن المؤمنين أنكم لن تحاسبون عنهم ،
﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾
كل إنسان يتحمل فعله . ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164)﴾
( سورة الأنعام )
الله عز وجل يطمئنك أنك إذا كنت في مكان ، وتكلم أحد كلاماً لا يليق فقمت عنه فهذا الكلام أنت لست محاسباً عليه ، فقد تجد أحياناً ورعاً في غير محله ، أنت لست محاسباً إذا قيل كلام في حضرتك ، وهذا الكلام لا يرضي الله عز وجل . المؤمن مكلف أن يذكر من حوله بمعرفة الله عز وجل أولاً وبطاعته ثانياً :
هناك دليل آخر : ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
أهم شيء في مثل هذه المجالس أن تذكرهم بالتقوى ، بطاعة الله ، أن تذكرهم بوجود الله ، بوحدانيته ، بكماله ، بأحقية هذا الدين ، هذه طمأنة من الله عز وجل .
الوسوسة أحياناً : واحد يطوف حول الكعبة رأى لوزة ، فرفعها إلى الأعلى ، وصاح بأعلى صوته ، وشوَّش على الحجاج طوافهم ، وسعيهم ، وإقبالهم ، من صاحب هذه اللوزة ؟ فكان سيدنا عمر موجوداً ، قال له : كُلْها يا صاحب الورع الكاذب .
تجد إنساناً يسأل سؤالاً ، أنا مؤاخذ إذا ما صلى إنسان ؟ لا ، لست مؤاخذاً ، يخترع ورعاً لا يصدق . ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)﴾
( سورة المؤمنين الآية : 63 )
هناك تعبير عامي معبر ، يبلع الثور ويغص بالذيل ، يسأل سؤالاً غير معقول ، أنه بقيت حبة سمسم بين أسنانه ، يا ترى أفطر ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ، تجده في البيع يكذب ، ويحتال ، ويدلس ، ويملأ عينيه من الحرام ، وعنده قلق شديد أنه بقيت حبة سمسم ، أكل في السحور وبقيت حبة سمسم بين أسنانه لم ينتبه لها ، يا ترى أفطر أم لم يفطر ؟ حالات بالمجتمع الإسلامي كهذه الحالات ، هذه فيها نوع من الدجل .
إذاً : ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
يعني هذا التوجيه أنك مكلف أن تذكر من حولك بطاعة الله عز وجل ، بمعرفته أولاً ، وبطاعته ثانياً . اللعب عمل عابث لا طائل منه :
ثم يقول الله عز وجل : ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾
أخواننا الكرام ، اللعب عمل عابث لا طائل منه ، الطفل أحياناً قبل أن يبلغ يمسك مركبة صغيرة حجمها بحجم بعض أصابعه ، ويمررها على الأثاث ، ويرافق التمرير صوت بالجهة الصاعدة يرفع صوته ، وبعد ذلك يخفض ، وبعد ذلك يصيبه حادث ، يعيش في عالم السيارة الصغيرة ، فلما صورته وقد أصبح طبيباً ، ومسؤولاً كبيراً ، أطلعته على هذا الفيلم ، لاستصغر نفسه ، كيف كان يلهو بهذا ؟!
اللعب عمل لا جدوى منه إطلاقاً ، عمل عابث لا هدف له ولا جدوى ولا فائدة ، هو قتل للوقت ، والآن في بعض البرامج الكمبيوترية لو أن الإنسان عاش مئتا سنة عنده كل سنة برنامج ، تستهلك الوقت والجهد بلا طائل ، أمة عابثة ، مقهى الانترنت ، ألعاب الكمبيوتر ، الأجانب يتفننون في أن يبيعونا أشياء لا تنفعنا ، فضلاً عن أنها تضرنا ، أحياناً الإباحية بلعب صغيرة ، كلما خلع قطعة عن جسم هذه اللعبة نال درجة ، بعض الألعاب إلى أن ينزع كل ثيابها ، هذه اللعبة أساسها فيها إباحية أو إلحاد ، حتى الألعاب نستوردها كي نفسد عقائدنا ، وكي نفسد ديننا ، للطفل مقبول لكن لغير الأطفال تجده إلى الساعة الثالثة بالليل يلعب النرد ، هذا أليس لعباً ؟ ماذا تفعل ؟
﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾
انظر لمعنى دينهم ، الدين ما تبين به ، ما تميل إليه ، همه الطاولة ، همه النرد ، همه أشياء لا ترضي الله عز وجل ، همه الغيبة والنميمة ، همه يشتري تحفاً ، ﴿ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾
اللعب عمل عابث . اللهو أشد من اللعب لأن اللهو أن تشتغل بالخسيس وتنسى النفيس :
قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
( سورة الأنبياء )
وقال : ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (27)﴾
( سورة ص الآية : 27 )
وقال : ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)﴾
( سورة الدخان )
أما اللهو فهو أشد من اللعب ، اللهو أن تشتغل بالخسيس وتنسى النفيس ، اللهو أن تشتغل عن النفيس بالخسيس ، هؤلاء الذين اتجهوا إلى اللعب وإلى اللهو ، ذر هؤلاء ، ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾
بشكل صريح ، ادرس حالة أسرة ما فيها همّ كبير ، همّ الأكل ، والشرب ، والسياحة ، والسرور ، والنوم المريح ، والحديث والخوض في فضائح الناس ، والفخر بما تملك ، وبما تعمل ، وبما تتمتع به في الحياة الدنيا ، هؤلاء إذا كان دينهم لعباً ولهواً ذرهم ، لماذا ؟ لأنهم غرتهم الحياة الدنيا ، معنى غرتهم ؛ وجدوها أكبر من حجمها .
لي صديق توفي رحمه الله ، لما كان شاباً كان يعمل موظفاً في محل تجاري في سوق الحميدية ، عنده دعابة لكن خشنة ، كان يكنس المحل ، ويجمع القمامة في علبة ، ويلفّها بورق ثمين ، يضع لها شريطاً ، ووردة ، يضعها على طرف المحل ، ويتغافل عنها ، يأتي إنسان فيأخذها ، ويسرع ، يلحقه ، بعد مئة متر يفك الشريط الأحمر والوردة ، بعد مئة متر ثانية يفك الورق ، بعد مئة متر ثالثة يفتح فيجد قمامة المحل ، يلعن ، ويسب ، هذا المثل مع أنه صارخ فهو الدنيا . أهم شيء في الحياة أن تعرف الله وتعمل صالحاً :
في البدايات المال كل شيء ، المرأة كل شيء ، بمنتصف الحياة شيء لكن ليست كل شيء ، على فراش الموت ليست بشيء ، الشيء أن تعرف الله ، الشيء العمل الصالح . ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25)﴾
( سورة الفجر )
لذلك أيها الأخوة ، هؤلاء : ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾
قال لي أحدهم : نكسو بيتاً لإنسان ، قال لي : ستة أشهر لم يعتمد على جهاز التسخين ، تمديده داخلي أم خارجي ، قال لي : داخلي خاف أن يفسد بعد عشرين سنة ، فيضطر إلى تكسير البلاط ، والخارجي ليس أنيقاً ، قال لي : بقينا ستة أشهر دون أن يتخذ قراراً ، ثم اتخذ قراراً أن يجعله داخلياً ، فإذا فسد مدده خارجياً ، وتابعنا العمل ، الأمل في الحياة طويل جداً .
والله أحد أخواننا توفي ، فكنت على القبر ، فتحة القبر البلاطة التي توضع فوقها فيها فرق عشرة سنتيمترات ، وضعوا أحجاراً ، ثم أهالوا التراب ، هذا المصير ، مهما اعتنيت بالبيت ، وانتبهت للفروق الدقيقة ، وحاسبت الذي تعهد كسوة البيت على أخطاء بالمليمترات فالقبر عشرة سنتيمترات ، أحجار وضعت ، وأهيل التراب ، إذاً : ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
لذلك الله عز وجل قال : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
( سورة فاطر )
دين الناس في أيام التخلف الديني لعب ولهو لأن الدنيا غرتهم :
لا تراها بحجم أكبر من حجمها ، لا تراها كل شيء ، سيدنا علي قال : " طلقتكِ بالثلاث ، غري غيري يا دنيا " .
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))
[ أخرجه الديلمي عن ابن عمر ]
إذاً دين الناس في أيام التخلف الديني لعب ولهو ، لأن الدنيا غرتهم ، لكن الآية تقول : ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾
( سورة لقمان )
من هو الغرور ؟ الشيطان ، مثلاً يقول لك : النبي يشفع لنا ، الله عز وجل يقول: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
( سورة الزمر )
(( يا عباس عم رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
إياك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود :
﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾
القرآن ، يا محمد ، ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ ﴾
أي أن تُحرم ، ﴿نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
أن تُحرم السعادة الأبدية ، أن تُحرم الأبد ، أن تُحرم جنة عرضها السماوات والأرض .
((إن في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
﴿ وَذَكِّرْ ﴾
بالقرآن ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
أن تُحرم هذا العطاء العظيم بسبب اختيارها للدنيا ، لأنها اتخذت دينها لعباً ، ولهواً ، وغرتها الحياة الدنيا ، ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾
لا أحد يواليها ، ولا أحد يشفع لها ، وسوف تلقى عملها ، أنا أقول دائماً هذه الكلمة : إياك أن تصل في علاقتك مع الله إلى طريق مسدود ، كيف ؟
إنسان ارتكب جريمة ، وحكم عليه بالإعدام ، في محكمة الجنايات ، رفع الحكم إلى محكمة النقض فصدق ، ثم رفع إلى القصر فصدق ، ثم كان يوم الإعدام ، ثم سيق هذا المجرم إلى المشنقة ، الآن يحب أن يتجلد ، يحب أن يبكي ، يحب أن يضحك ، أن يهتم ، يحب ألا يهتم ، الحكم قائم ، نقول : هذا المجرم وصل إلى طريق مسدود .
أنا أقول : إياك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود ، ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾
لو أن الدنيا بأكملها تملكها وافتديت بها لا تغنيك عن عذاب الله عز وجل .
أخواننا الكرام ، بقية الآية : ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾
بالقرآن ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

العفريني
09-23-2011, 01:55 PM
﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾
أيها الأخوة الكرام ، في هذه الآية مصطلحات كثيرة ومعانٍ دقيقة ، والإنسان في أمسّ الحاجة إليها .
النقطة الأولى في هذه الآية : أن اللعب عمل لا غاية له ، عمل عابث ، شأن الصغار أن يلعبوا ، وكأن الذي خلقهم رسم لهم هذا اللعب لتنمو أجسامهم ، لكن طبيعة اللعب عمل لا هدف له ولا جدوى منه ، وعمل عابث ، هذا الأمر يقودنا إلى شيء في العقيدة ، نحن لماذا خلقنا ؟ لو أن الإنسان غفل عن غاية وجوده يظن أن المال كل شيء ، فكل شيء يفعله من أجل تحصيل المال ، وكل شيء يفعله بالمال يأتي ملك الموت وينهي حياته في ثانية فكل الذي حصَّله تركه وراءه .
إذاً : من دون أن تؤمن أن هناك حياةً أبدية ، من دون أن تؤمن أنك مخلوق للجنة فكل النشاط في الأرض مهما بدا عظيماً ، ما دام قاصراً على الحياة الدنيا فهو لعب ، لو وصلت إلى قمة الغنى ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو وصلت إلى قمة السلطة ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو انغمست في متع حسية تفوق حد الخيال ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو جبت أطراف الدنيا ، واطلعت على القارات الخمس ، ونزلت في أفخر الفنادق ، وحققت كل الأهداف السياحية في الحياة ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو بنيت أجمل قصر ، ثم ماذا ؟ الموت .
الدنيا بأكملها ليست غاية بل هي وسيلة فمن جعلها غاية كان عمله لعباً :
الموضوع دقيق جداً ، ما لم تؤمن أنك مخلوق لغاية ما بعدها غاية ، فكل شيء بعد شيء وسيلة ، بعد الغنى الموت ، بعد القوة الموت ، بعد الصحة الموت ، بعد الوسامة والجمال الموت ، بعد المتع الحسية الموت ، إذاً الدنيا بأكملها بالنسبة للعقلاء ليست غاية ، بل هي وسيلة ، فمن جعلها غاية كان يلعب وكان عمله لعباً ، الذي يؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20)﴾
( سورة الحديد الآية : 20 )
هذه حقيقة الدنيا من عند خالق الدنيا ، من عند خالق الكون ، لذلك أيها الأخوة الكرام ، الآية التي تقصم الظهر : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾
( سورة الكهف )
الدنيا بكل ما فيها ، لو عشت فيها عمر نوح ، ألف سنة ، لو ملكت ثروة قارون ، لو وصلت إلى أعلى منصب فيها ، لو تمتعت بصحة إلى ساعة المغادرة ، لو استمتعت بكل الشهوات الحسية في أعلى درجة من المتعة ، يأتي الموت فينهي كل شيء ، فالموت ينهي قوة القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، وذكاء الذكي ، ومحدودية المحدود ، ويلغي صحة الصحيح ، ومرض المريض ، الموت يوحد البشر جميعاً . التكريم أصل الحياة الآخرة :
أيها الأخوة ، الموضوع في هذه الآية دقيق ، أنت حينما تؤمن أنك مخلوق للآخرة تأتي حركاتك في الدنيا متناسقة مع هذا الهدف ، تصور إنساناً جاء إلى باريس ، أو إلى لندن لينال الدكتوراه ، حينما يكون هدفه واضحاً تماماً تأتي حركته اليومية بجزئيات حركته ، بتفاصيل حركاته وسكناته متفقة مع هذا الهدف ، يمكن أن يعمل في هاتين المدينتين مليون عمل لا تتصل بهدف مجيئه لهذه البلدة ، أما لو أن الهدف واضح فأول شيء : يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة ، يوفر المال والوقت والجهد ، الشيء الثاني : يصاحب صديقاً يتقن اللغة الفرنسية ، يتعلم منه النطق ، الشيء الثالث : يأكل طعام يعينه على الدراسة ، يشتري مجلة من جنس اختصاصه ، يمكن أن أذكر لك مئة تصرف لهذا الإنسان الذي هدفه واضح ، كل هذه التصرفات نابعة من إيمانه أنه جاء إلى هذه البلدة كي ينال الدكتوراه .
لكن إنساناً ذهب إلى هناك ، ونسي الهدف ، مرة بالمسرح ، مرة بالسينما ، مرة في سباق الخيل ، مرة يتنزه في الغابات ، مرة تسقط قدمه بالفواحش والموبقات ، ضائع .
نحن في الدنيا ، أنت حينما تعرف أنك فيها لوقت محدود ، وأن هذه الدنيا سماها الله حياة دنيا تهيئة لحياة عليا ، وأن الحياة العليا التي فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأن أصل الحياة الآخرة هي التكريم : ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا (35)﴾
( سورة ق )
أنها إلى أبد الآبدين ، وأن هذه الحياة ليس فيها مرض ، ولا فقر ، ولا قهر ، ولا اجتياح ، ولا نقص مواد ، ولا نقص مياه ، ولا ابن عاق ، ولا زوجة سيئة ، ولا دخل قليل ، ولا اغتصاب ، ما فيها شيء سيء ، ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾
وأنها إلى أبد الآبدين ، وكل يوم تكون فيه أسعد من اليوم الذي سبق ، لكن هذا الثمن الباهظ يدفع في الدنيا ، فأنت حينما تؤمن هذا الإيمان تختار زوجتك لتعينك على هذا الهدف ، تختار حرفتك لتعينك على هذا الهدف ، تعتني بصحتك لتعينك على هذا الهدف ، تربي أولادك لتكون أعمالهم في صحيفتك يوم القيامة ، يمكن أن ينشأ من هذا الاعتقاد ولا أبالغ مليون تصرف كلها نابعة من إيمانك بالآخرة . الحياة الدنيا هي مزرعة الآخرة :
لذلك ما اقترن ركنان من أركان الإيمان في القرآن كما اقترن ركن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر ، الإيمان بالله يحملك على طاعته ، والإيمان باليوم الآخر يحملك على ألا تؤذي مخلوقاً كائناً من كان ، لذلك أقول لكم : الذي لم يدخل اليوم الآخر في حسابه لم يستقم على أمر الله . ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾
(سورة المؤمنين الآية :74)
أيها الأخوة ، هذه الحياة الدنيا هي مزرعة الآخرة ، والحياة الدنيا جنة إذا عرفت الله ، لأنه عن طريق الحياة الدنيا تكتسب آلية دخول الجنة بعباداتك ، بطاعاتك ، بإنفاقك ، بتربية أولادك ، بالدعوة إلى الله ، بخدمة الفقراء ، برعاية المساكين ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لذلك ربنا عز وجل أمرنا أن نكون مع المؤمنين فقال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
(سورة التوبة الآية:119 )
الآية هنا تقول : ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ﴾
هؤلاء دعهم ، لا تجلس معهم ، لا تصاحبهم إلا لهدف نبيل ، إن أردت أن تصاحبهم لكي تأخذ بأيديهم إلى الله ، إن أردت أن تصاحبهم من أجل أن تقنعهم بأحقية هذا الدين والشرع ، أما إذا أصروا على ما هم فيه دعك منهم ولا تلتفت إليهم ، ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾
نصف اللعب عند الصغار ، لكن الكبار يلعبون ، حينما تكون المتعة هدفاً فهذا لعب ، حينما تكون المرأة هدفاً فهو لعب ، حينما تكون الثروة هدفاً لعب ، حينما تكون الدنيا هدفاً لعب ، كلام دقيق ، الدنيا بأكملها ، هذه الإنجازات العظيمة التي جاء بها بعض النخب من البشر هي للدنيا وماتوا وتركوها ، وهذه الإنجازات انتفع الناس بها في الدنيا وانتهت ، لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه : " فاعل الخير خير من الخير ـ حتى الإنجازات الخيرية تنتهي يوم القيامة ، ما الذي يبقى ؟ الذي فعلها ، الذي فعلها يسعد بها إلى أبد الآبدين ، وحتى الأعمال الإجرامية التي فعلها بعض الطغاة حينما قصفت مدينتين في اليابان ومات ثلاثمئة ألف في ثوان ـ وفاعل الشر شر من الشر" ، آثار هذا القصف انتهت يوم القيامة لكن الذي فعل هذا الشر سيخلد في عذاب النار إلى أبد الآبدين ، هو شر من الشر . مفهوم الدين :
لذلك أيها الأخوة ، الآية تقول : الناس رجلان ، مؤمن وغير مؤمن ، المؤمن له أن يلتقي مع غير المؤمن بنية هدايته ، بنية إقناعه ، بنية الأخذ بيده إلى الله ، أما حينما يرى أن الأمل معدوم دعه وشأنه والتفت إلى ربك ، ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ﴾
معنى دينهم ؛ أنت تدين لهذا الشيء تخضع له ، كل إنسان له دين ، لكن دين الله يعني الخضوع لله ، هذا يحب المرأة ، يقال عنه عند الناس : هو زير النساء ، دينه المرأة ، وهذا دينه المال ، وهذا دينه العلو في الأرض ، وهذا دينه السيطرة ، وهذا دينه المتعة ، كل إنسان الشيء الذي يتوجه إليه حقيقة هو دينه ، فهناك من يتخذ اللهو ديناً ، عنده ميل للمغنيات بحيث أنه يعرف كل أغنية متى ألقيت ، وفي أي مكان ، والفرق الدقيق بين المغنيين والمغنيات ، الأحياء منهم والأموات ، دينه الغناء ، دينه الجنس ، دينه المال ، دينه السيطرة ، دينه العلو في الأرض ، دينه المديح ، دينه أن يظهر أمام الناس بمظهر كبير ، هذا الدين ، والمؤمن دينه الله ، أن يخضعوا لله ، دينه أي الجهة التي يتجه إليها ، لذلك الله عز وجل عدّ هذا ديناً ، والدليل لكم أيها الكفار : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾
( سورة الكافرون )
اتجاه الكافر إلى الدنيا هذا دين ، ينطلق من فلسفة ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾
يعني جعل الدنيا همه . (( من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره ، وفرق عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه ، وحفظ عليه ضيعته ، وجعل غناء في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت بسند جيد والترمذي من حديث أنس ]
(( يا ابن عمر ، دينك ، دينك ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا ))
[ مسند الفردوس عن ابن عمر ]
(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس]
الدين مصير إلى أبد الآبدين فإذا خسرت دينك خسرت الأبد :
أي أن الدين مصير إلى أبد الآبدين ، يمكن أن تخطئ في مليون موضوع إلا إذا أخطأت في الدين معنى ذلك أنك خسرت الأبد ، قد تخسر مالك كله ، وقد تخسر معملك كله ، وقد تخسر أهلك ، لكنك إذا خسرت دينك معنى ذلك أنك خسرت الأبد ، خسرت الذي خلقت من أجله ، خسرت الحياة الأبدية التي خلقت من أجلها ، ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾
فاللعب عمل لا طائل منه ، الطالب بالصيف يلعب ، لكن ما من طالب أشد حمقاً من الذي يلعب يوم الامتحان ، بدل أن يدرس يلعب . فإذا شغلك اللعب عن هدف كبير ، وعن عمل عظيم فهذا فضلاً عن أنه لعب فهو لهو ، فقد صرفك عن النفيس وهو خسيس .
لو أن إنساناً يغوص في أعماق البحار ، وكل لؤلؤة ثمنها ألوف مؤلفة ، فاشتغل عن أخذ اللؤلؤ بأخذ الأصداف ، ولا قيمة لها إطلاقاً ، فقد اشتغل عن النفيس بالخسيس .
إذاً : ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾
الصفة الثالثة : ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
توهمها بحجم أكبر من حجمها ، والشيء الثابت أيها الأخوة أن الإنسان في البدايات الدنيا كبيرة أمامه ، المال ، النساء ، البيت الفخم ، المركبة ، المنصب ، في منتصف العمر يرى هذه الأشياء جيدة ، لكنها ليست كل شيء ، عنده فراغ ، هذا الفراغ ما ملأه المال ، ولا ملأه المنصب ، ولا ملأته الزوجة ، بل ما ملأته المرأة أصلاً ، لكن قبل أن يغادر الدنيا يرى أن الدنيا ليست بشيء . (( الدُّنْيَا جيفَةٌ ، والنَّاسُ كِلاَبُهَا ))
(( الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ))
[أخرجه أحمد من حديث عائشة وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناده جيد ]
هي هينة على الله ، مر النبي الكريم مع أصحابه ، في أحد طرق المدينة رأى النبي شاة ميتة ، فقال : (( أترون هذه هانت على أهلها ؟ فقالوا : من هوانها ألقوها هنا ، قال : والذي نفسي بيده للدنيا على الله عز وجل أهون من هذه على أهلها ))
[ رواه البزار عن أنس رضي الله عنهما ]
(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء ))
[ أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ]
سيدنا علي يقول : " فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً عليه الصلاة والسلام أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ، فإن قال : أهانه فقد كذب ، وإن قال : أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا " . الشيطان دائماً مهمته أن يدفع الإنسان ليغتر بالحياة الدنيا :
الإنسان يتوهم أننا عندنا خلوي ، عندنا كمبيوتر ، عندنا اتصالات ، عندنا مركبات ، عندنا طائرات ، يرى الحضارة شيئاً ثميناً جداً ، هذه الحضارة لو أنها ثمينة جداً لِمَ يحرمُها الأنبياء من قبل ، الذي بلغت رسالته ما بلغ الليل والنهار ، لم تكن هناك لا أجهزة اتصال ، ولا هواتف محمولة ، ولا كمبيوترات ، ولا فضائيات ، ولا شيء ، أنا لا أقلل من قيمة هذه المنجزات ، لكن الذي يكتفي بها ويعبدها من دون الله ، ويعبد الذين اخترعوها من دون الله بعيد عن حقيقة جوهر الحياة الدنيا . ﴿ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾
عمل عابث لا فائدة منه ، إن اقتصرت على الدنيا ورأيت الدنيا محط الرحال ونهاية الآمال فأنت تلعب ، كل الحروب هدفها الآن النفط ، الشيء المبطن الحقيقي النفط ، لأن عصب الحياة هو الطاقة ، كل هذه المنجزات لا قيمة لها من دون طاقة ، لكن هؤلاء الطغاة الأقوياء الذين افتعلوا هذه الحروب ، وجلسوا على منابع النفط ، ماذا قدموا للبشرية ؟ ما قدموا شيئاً ، لكن الأنبياء قدموا كل شيء ، قدموا فضيلة ، قدموا معرفة بالله ، قدموا سعادة ، قدموا سبباً لحياة أبدية لا نهاية لها . ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
أن تغتر أي أن تظن هذه قطعة ذهب فإذا هي قطعة نحاس ، أن تظن أن هذه ماس فإذا هي في الحقيقة بلور ، أن تظن أن هذا الشيك فيه مبلغ كبير وهو في الحقيقة مزور ، هذا غرور أن تعطي الشيء حجماً لا يملكه ، والشيطان دائماً مهمته أن يدفع الإنسان ليغتر بالحياة الدنيا ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
( سورة فاطر )
حدثتكم عن قصة في الدرس الماضي ، عن هذا الذي يضع قمامة المحل التجاري في علبة ، يلفها بورق ثمين ، وشريط أحمر جميل ، يضعها على طرف المحل ، يراها إنسان يمر أمام المحل فيأخذها ، يعجب بها ، يظن بها حلياً غالية الثمن ، بعد مئة متر يفك الشريط ، بعد مئة متر آخر يفك الورق ، بعد مئة متر ثالثة يفتح العلبة فإذا هي قمامة المحل فيسب ويلعن . وهكذا الإنسان حينما يكون على فراش الموت ، يرى أنه خسر كل شيء ، وليس أمامه شيء يسعده إلا حساب دقيق . بمنظور الآخرة ليس على وجه الأرض أناس أغبى من الطغاة :
قال تعالى : ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
كرواية رمزية : أن رجلاً ثرياً توفي في مصر ، أولاده من إشفاقهم عليه رجوا رجلاً فقيراً جداً أن ينام معه في القبر ليؤنس وحشته ، فقبل هذا الفقير ، القصة طبعاً رمزية ، فجاء الملكان فإذا في القبر رجلان ، استغربا ‍، الحي تحركت رجله فانتبه الملكان ، بدؤوا به ، من شدة فقره جاء بكيس خيش وفتحه من أعلى ليُدخِل رأسه ، ومن الطرفين ليُدخِل يديه ، وربطه بحبل ، هل هناك أفقر من هذا ؟ كيس خيش وحبل ، بدؤوا بالحبل ، من أين أتيت به ؟ قال : من بستان ، قال : كيف دخلت البستان ؟ تعثر في الكلام ، فانهالوا عليه ضرباً حتى فقد صوابه ، وفي الصباح خرج من القبر ، وقال : الله يعين أباكم ، لأنه ضُرِب ضرباً مبرحاً بسبب حبل ! ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
( سورة الزلزلة )
والله أيها الأخوة ، بمنظور الآخرة ليس على وجه الأرض أناس أغبى من الطغاة كيف ؟ ستالين قتل خمسين مليوناً ، هؤلاء البشر لا قيمة لهم ، يقتلهم ويقول : هم تحرشوا بنا، الآن كلما تحصل إبادة جماعية يقولون : أطلقوا النار ، إعلامياً تغطى بإطلاق النار ، لكن تأكدوا أيها الأخوة أنه ما من قطرة دم تراق إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة ، ويظل المؤمن بخير ما لم يسفك دماً ، الآلاف تموت كل يوم بلا سبب وبلا جريمة . الإنسان كلما ازداد عقله ازداد خوفه من الله :
لذلك أيها الأخوة ، الإنسان كلما ازداد عقله ازداد خوفه من الله : ((رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللّهِ ))
[ رواه ابن لال عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ]
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم )
بل إن الله عز وجل حينما قال : ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (71)﴾
( سورة مريم الآية : 71 )
قال علماء التفسير : ورود النار غير دخولها ، ورود النار لا يتأثر من يردها ولا حتى بوهجها ، لكن ليرى عدل الله في الكون ، لأن أسماء الله الحسنى كلها محققة إلا اسم العدل فمحقق جزئياً ، فالله عز وجل يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين ، ويكافئ بعض المحسنين ردعاً للباقين ، ولكن ختام الحساب يوم القيامة : ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (185)﴾
( سورة آل عمران الآية : 185 )
هؤلاء ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾
عمل عابث بلا طائل ، ثم لعب ، ثم لهو يلهو به عن الثمين ، ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
رأوها كل شيء فاستغنوا بطلبها عن طاعة الله .


الفرق بين المؤمن وغير المؤمن كما ورد في القرآن الكريم :
الآية الدقيقة جداً في هذا الموضوع : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
( سورة الليل )
صدق أنه مخلوق للجنة فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، المؤمن عجيب أيها الأخوة ، همه الأول أن يعطي لا أن يأخذ ، لأنه يعد نفسه للآخرة ، لأنه يعد عملاً صالحاً يلقى الله به ، تجد عطاءه عجيباً يعطي كل شيء ، يقابله غير المؤمن يأخذ كل شيء ، لأنه أيقن أنه مخلوق للدنيا لا للآخرة . ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾
( سورة الليل )
لأنه كذب بالحسنى وهي الجنة وآمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ ، ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
والأول ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
هذا التقسيم الحقيقي للبشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، ومذاهبهم ، وأعراقهم هم رجلان : ﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
قال : ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾
على من تعود الهاء ؟ بالقرآن . ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)﴾
( سورة ق )
﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
أن تمنع من الهدف الذي خلقت من أجله ، أن تمنع من سعادة الآخرة ، أن تمنع من الأبد ، أن تمنع من جنة عرضها السماوات والأرض ، ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾
القرآن يبين ماذا بعد الموت ؟ يقدم مشاهد من يوم القيامة ، ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
كسبت بفعلها . ما من جهة في الكون يمكن أن تنقذك مما أنت فيه يوم القيامة :
بالمناسبة هناك كسبت وهناك اكتسبت ، أنت حينما تأخذ مالك كسبت ، أما حينما تأخذ ما ليس لك اكتسبت . ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286)﴾
( سورة البقرة الآية : 286 )
لكن الجاهل يتوهم أن الذي يكتسبه ظلماً وعدواناً هو كسبه ، وهو عنده صحيح ، وهذا شيء واقع عند الناس ، عمله مبني على إيذاء الناس ، يرتاح لدخله ، عمله مبني على تخويف الناس ، يرتاح لدخله الكبير ، عمله مبني على ابتزاز أموال الناس ، يرتاح لهذا الدخل وكأنه دخل مشروع ، يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يبني حياته على موتهم ، يبني غناه على فقرهم ، يبني أمنه على خوفهم ، يبني عزه على ذلهم ، وهو مرتاح ، فربنا عز وجل عدل عن اكتسب بكسب ، لأن هذا الذي يكتسب الآثام والمعاصي والجرائم يتوهم أنه يحقق سعادته في الدنيا . ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
يوم القيامة ، نحن في الدنيا في علاقات، في اتصالات ، في تجمعات ، هكذا الحياة الدنيا ، مجموع كبير يقف مع إنسان منحرف ، هذا منا ، من جماعتنا ، على خطأ ، في الدنيا في علاقات ، تجمعات ، حينما اعتدي على العراق الدول الغربية في البداية أنكرت ، لكن لما رأت أن النفط أصبح بيد هذه الدولة المحتلة أيدت ، في الدنيا تجمعات ، توافقات ، مظالم عامة ، أما الآخرة دقق : ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ﴾
الولي هو الذي ينصرك عند الأزمة ، لا إله آخر في الآخرة ، جهة قوية ، لجوء سياسي فرضاً ، تعتمد على جهة قوية مناوئة لمن يطالبك ، لا ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ﴾
ما من جهة في الكون يمكن أن تنقذك مما أنت فيه ، ﴿ وَلَا شَفِيعٌ ﴾
أحياناً يكون الإنسان قوياً جداً يلغي لك العقوبة لأنه قوي ، إن لم يكن قوياً بالحد المطلوب يتوسط لك عند واحد قوي ، ﴿ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾
الولي من يملك إلغاء العقوبة ، والشفيع من يتوصل إلى من يملك إلغاء العقوبة ، ففي الدنيا هناك أولياء . الرابح الوحيد من ينجو من عذاب جهنم يوم القيامة :
قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (73)﴾
( سورة الأنفال الآية : 73 )
يتعاونون ، هناك بين دول الغرب مشكلات لا تعد ولا تحصى ، لكنهم متعاونون على الشرق ، متفقون على محاربة الإسلام ، على اختلاف قومياتهم واتجاهاتهم ، ففي الدنيا تعاون بين الكفار ، الآخرة ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ﴾
أي يلغي عقابهم الأبدي ﴿وَلَا شَفِيعٌ ﴾
يتوسط لمن يملك إلغاء عقابهم الأبدي وليس هناك من يقبض مبلغاً يلغي هذه العقوبة. ﴿ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾
احتمالات ثلاثة ، قوي ينقذك مما أنت فيه ، أو صديق يتوسط لدى قوي أن يلغي ما أنت فيه من أزمة خطيرة ، أو أن يأخذوا منك مبلغاً من المال تلغى به العقوبة ، ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾
لو تقدم العدل الفدية ، لو تقدم أكبر فدية ، ﴿ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ﴾
أي حرموا سعادة الأبد بما كسبوا في الدنيا ، معنى ذلك أن الذي ينجو عند الموت من عذاب جهنم ، أن الذي يموت على الإيمان مستقيماً على أمر الله ، مقبلاً عليه ، مطبقاً لأمره ، هو أعظم إنسان على وجه الأرض ولو كان فقيراً . (( رب أشعث أغبر ذي طمرين ، تنبو عنه أعين الناس ، لو أقسم على الله لأبره ))
[أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾
شراب كلمة ممتعة ، لكن من حميم ، ماء يغلي . ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)﴾
( سورة الغاشية )
﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
أخواننا الكرام ، الإنسان لا يتمتع بذرة من العقل لو غفل عن المصير ، لو غفل عما ينتظره في المستقبل ، لذلك أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون اليوم أنهم يعيشون لحظتهم، هم إمعة ، هم مع الناس ، إن أحسن الناس أحسنوا ، وإن أساؤوا أَساؤوا ، كل شيء يأتينا من الغرب ، لو دخلوا جحر ضب لدخلناه ، نلغي ديننا ، نلغي قيمنا ، نلغي هويتنا ، نلغي حضارتنا ، نلغي خصوصياتنا أمام تقليد أعدائنا ، ﴿ كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
الله أودع فينا الشهوات ، لكن لو نظر الإنسان إلى زوجته وتمتع بجمالها النظرة مشروعة ، أما لو نظر إلى ما لا تحل له اكتسب إثماً ، إذا نظر إلى من تحل له كسب خيراً ، يعني عف نفسه بها عن الحرام ، والله عز وجل سمح له أن ينطلق بهذه القناة النظيفة ، أما لو نظر إلى من لا تحل له وقع في الإثم ، لو أخذ مالاً من كسبه المشروع كسب به ، لو أخذ مالاً ليس له اكتسبه إثماً لذلك ، ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾
ليس فقط منعوا ، دقق ليس فقط منع ، الإنسان أحياناً يمنعك من خير لكن لا يعذبك ، هنا مشكلتان ، منع الجنة وعذاب جهنم ، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
قديماً كانت تُعبَد الأصنام أما الآن فتُعبَد الشهوات :
الآية الثانية : ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)﴾
( سورة الأنعام )
معقول أن تعبد جهة لا تملك لك نفعاً ولا ضراً ، طبعاً في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام ، معقول حجر منحوت تعبده من دون الله ، معقول قبيلة تصنع من التمر إلهاً فلما جاعت أكلته ، معقول إله تقف أمامه متذللاً ، قطعة حجر ، فيأتي الثعلب فيبول على رأسه ، وتعبده أنت من دون الله ؟! هذا قديماً ، أما حديثاً فتعبَد الشهوات الآن . ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (43)﴾
( سورة الفرقان الآية : 43 )
قلت قبل قليل : فلان يعبد المرأة من دون الله ، فلان يعبد المال ، فلان يعبد السياحة ، يعبد المتعة ، يعبد الشهرة ، يعبد المكانة ، يعبد السيطرة ، هذه آلهة كلها ، أو إنسان قوي يعبده من دون الله لأنه يتوهم أن رضاء هذا الإنسان عنه كل الخير في ذلك ، وأن غضبه فيه كل الشر ، لهذا أنا أقول دائماً : الذي يقول : الله أكبر قبل أن يصلي ، ويطيع مخلوقاً ويعصي خالقاً ، ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، من يقول : الله أكبر ، ويطيع زوجته في معصية ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، من يغش المسلمين من أجل مبلغ يأتيه من هذا الغش ، هو ماذا رأى ؟ رأى أن هذا المبلغ أكبر عنده من طاعة الله ، إذاً ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة . الشيطان يستخدم سلاح الشهوات :
﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾
هنا حالة جديدة ، أن إنساناً وصل إلى الله ، عرف أن الله هو خالقنا ، ومسيرنا ، وأنه لا إله إلا الله ، لكن الشهوات أغرته ، دخل في صراع .
قال : ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾
طبعاً الهوى هو الشهوة ، الميل ، هناك الهوي والهوى ، الهوي هو السقوط ، هوى يهوي هوياً ، سقط يسقط سقوطاً ، هوى يهوى هوىً ، أحب يحب حباً ، فعندنا الهوي وعندنا الهوى ، الهوى من الهوى أي السقوط من الحب أحياناً ، الإنسان يهوى ما لا يحل له فيسقط عند الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله ، الشيطان يستخدم سلاح الشهوات ، وسلاح الشهوات قصير جداً ، وأحقر إنسان ممكن أن يصرف ألف شاب عن دينه بصور إباحية ، بفيلم ، بموقع معين ، فسلاح الشهوة خطير جداً لذلك يستخدمه الشيطان ، الآن الغرب كله يحارب المسلمين ، أنتم ترون الطائرات ، لا ، والصواريخ ، لا ، وحاملات الطائرات والغواصات ، لا ، يحارب المسلمين بالمرأة فقط .
في الخمسينات لو أن الإنسان شاهد ما يشاهده المسلمون جميعاً في بيوتهم لأدبه أبوه تأديباً لا يوصف ، كل بيوت المسلمين أصبح فيها ملاهٍ عبر هذه الفضائيات ، هذه حرب مركزة ، حرب ، أقوى شيء عند المسلمين دينهم ، فإذا ضاع دينهم عن طريق معاصيهم انتهوا ، وأصبحوا ضعافاً .
فيا أيها الأخوة ، ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾
محتار ، الفتن في أبهى صورة ، الآن الدنيا ترقص أيها الأخوة ترقص ، الشهوات مستعرة ، الفتن في كل مكان. كل شيء يقربك من الله مشروع وكل شيء يبعدك عنه غير مشروع وهذا أصل الدين :
﴿ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
ربنا جل جلاله يصف حالة بشرية ، يصف إنساناً يرتكب المعصية ، وهو يعلم أساساً في الفاتحة : ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾
( سورة الفاتحة )
من هم المغضوب عليهم ؟ الذين عرفوا وانحرفوا ، من هم الضالون ؟ الذين انحرفوا وما عرفوا ، فالذي يعرف أن لهذا الكون إلهاً ، وأن بعد الحياة الدنيا جنة أو ناراً ، وأن المنهج الإلهي هو الطريق الصحيح لبلوغ الجنة ثم تستهويه الشياطين ، يدعونه إلى الشهوة ، إلى الهوى ، إلى الانحراف ، ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ﴾
كعقيدة هذا الذي تعبده من دون الله لا ينفع ولا يضر . ﴿ وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا ﴾
أي ننتكس ، ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾
الهدى واحد ، والحق واحد ، وطريق السعادة واحد وهو ما عند الله عز وجل ، وما في جهة أخرى تسعد إلا الله . ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾
( سورة الرعد )
كل شيء يقربك من الله مشروع ، وكل شيء يبعدك عنه غير مشروع ، هذا أصل الدين ، ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾
والهدى الوحيد ، ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
الطاعة طريق إقامة الصلاة والمعصية طريق البعد عن الله :
الآية الأخيرة : ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
بعد هذا الشرح ، بعد هذا التوضيح ، ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ﴾
طريق إقامة الصلاة أن تطيعه ، الطاعة طريق إقامة الصلاة ، والمعصية طريق البعد عن الله ، ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾
( سورة الغاشية )
في النهاية نحن سوف نحشر إلى الله ، أحياناً يكون الموظف عنده شيء من الذكاء يتنبأ بمن سيأتي بعد رئيسه في الدائرة ، فيبدأ بالتقرب إليه قبل أن يأتيه ، هذا نوع من الذكاء ، الآن نحن في النهاية سوف نحشر إلى الله ، ينبغي أن تقيم علاقة طيبة معه من الآن ، حتى إذا حشرت إليه رُحّب بك هناك : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً (71)﴾
( سورة الزمر الآية : 71 )
وقال : ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾
( سورة الرعد )
شيء منطقي جداً ، من باب الذكاء أن المصير إلى الله ، وكثير من الأشخاص عنده حاسة سادسة ، يتقرب إلى الجهة القادمة في وزارته ، في دائرته ، في مؤسسته ، يشعر أنه سيأتي واحد ويتسلّم ، قبل سنتين يقدم له هدايا ، يزوره ، يتفقد صحته ، هذا نوع من الذكاء ، الله عز وجل قال : ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾
قال تعالى : ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾
( سورة الغاشية )
هناك إنسان كان معارضاً ، القصة من عشرين سنة ، فكتب مقالات ضد الذي يعارضه ، الذي يعارضه قوي ، تمكنوا أن يخدرونه ، وأن يأتوا به ، فانتهى مفعول التخدير أمام هذا الذي ينتقده في الصحف ، أو يعارضه في بلد بعيد ، صعق ، ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
فيا أيها الأخوة ، هذا الكلام كلام مصيري ، يتعلق بسلامتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة ، والعاقبة لمن اتعظ بغيره ، والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .

العفريني
09-23-2011, 01:57 PM
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)﴾
أيها الأخوة ، الكلمة المفصلية في الآية كلمة ﴿ بِالْحَقِّ ﴾
ما الحق ؟ ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
أي : إن الحق لابس خلق السماوات والأرض ، فكل ما في السماوات والأرض خُلق بالحق ، الحق الشيء الثابت ، والباطل الشيء الزائل . ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء )
الحق الشيء الهادف ، والباطل الشيء العابث .
مثل للتقريب : قد يُنشأ سيرك في بلدة ما ، يقوم على أساس خيمة ، ويبقى أسابيع ثم يرتحل ، الهدف ليس علمياً ، ولا تثقيفياً ، وليس فيه هدف كبير ، تكوين قادة للأمة من خلال السيرك مثلاً ؟! شيء عابث ، ألعاب بهلوانية ، حيوانات ضخمة عملاقة ، أعمال تفوق طاقة الإنسان الطبيعي . الكون العظيم خُلق كي نتعرف من خلاله إلى الله :
لذلك حينما الجامعة تبنى لتبقى يراعى في بناءها الدوام والاستمرار ، وحينما تُنشأ الجامعة تُنشأ لتخرج قادة للأمة ، فهناك شيء ثابت ومستمر ، وشيء طارئ ، وشيء هادف ، وشيء عابث . فالله سبحانه وتعالى قال : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
وهو الحق ، هو أزلي أبدي . ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾
( سورة هود الآية : 119 )
الله عز وجل أزلي أبدي ، ليس قبله شيء ولا بعده شيء ، وهو فوق كل شيء وعلم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون هو الحق .
الآن خلق الخلق ليسعدهم ، هناك هدف من خلق البشر كبير جداً ، خلقوا لجنة عرضها السماوات والأرض فيها :
(( ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))
[البخاري عن أبي سعيد ]
كل شيء في الكون خلق بالحق ، خلق ليبقى ، وخلق ليسعد ، والذي أراد البقاء والسعادة هو الله ، إذاً الله هو حق أيضاً .
أيها الأخوة ، حينما أذكر أرقاماً كثيرة جداً تتحدث عن عدد المجرات ، بدءاً من مليون ملْيون مجرة إلى مئتين وثلاثين ألف مليار مجرة ، أحدث رقم اطلعت عليه بموسوعة علمية مئتان وثلاثون ألف مليار ، وهذه المجرة فيها مليارات الكواكب ، والنجوم ، والشموس، والمذنبات ، فهذا الكون العظيم خُلق كي نتعرف من خلاله إلى الله ، الإنسان إذاً مخلوق خلقه الله ليسعده ، لكن هذه السعادة الكبرى التي أعدها للإنسان تحتاج إلى حياة دنيا فيها يدفع ثمن هذه الآخرة .
أحياناً لو أنك أردت أن تصب على نبات صغير الكثير من الماء يسحق النبات ، فالماء الذي ينبغي أن يصب على النبات ينبغي ألا يتناسب مع كرمك ، بل ينبغي أن يتناسب مع قوة احتمال النبات ، الإنسان يأتي في الدنيا ليختار معرفة الله وطاعته والعمل في سبيله ، حتى يهيَّأ في الآخرة لتحمل التجليات الإلهية ، الإنسان هو المخلوق الأول ، والمخلوق المكرم الذي خلق لجنة عرضها السماوات والأرض ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
عظمة الله في خلق السموات والأرض :
أخواننا الكرام ، بعض الأمثلة التي تؤيد كلمة الحق . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41)﴾
( سورة فاطر الآية : 41 )
الزوال في الآية معناه الانحراف ، فالأرض تدور حول الشمس من مئات ألوف ملايين السنين ، وهذا المسار مغلق ، وسرعتها ثابتة ، وأدق ساعة في الأرض تضبط على حركة النجوم ، الأرض مسارها إهليلجي ، بيضوي ، والشكل البيضوي له بعدان ، أصغر وأكبر ، والذي يحكم علاقة النجوم بعضها بعضاً قانون الجاذبية ، والكتلة الأكبر تجذب الكتلة الأصغر ، فالجذب يتناسب مع حجم الكتلة ، ومع مربع المسافة بين الكتلتين ، فالأرض حينما تمشي على مسار بيضوي مغلق حول الشمس ، إن اقتربت من القطر الأصغر ازدادت قوة الجذب ، فالاحتمال كبير جداً أن تنجذب الأرض إلى الشمس ، فإذا دخلت في جوف الشمس والحرارة في المركز تقدر بعشرين مليون درجة تبخرت الأرض في ثانية واحدة ، فلئلا تزول الأرض بمعنى لئلا تنحرف الأرض عن مسارها فتنجذب إلى الشمس وتتبخر وتنتهي ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
يرفع الله سرعة الأرض ، من هذا الرفع تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها ، فالحق هو الشيء الثابت ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
لولا رفع سرعتها ، ولولا أنه نشأ من سرعتها قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة لانجذبت الأرض إلى الشمس ، وانتهت الحياة تبخراً واحتراقاً ، لكن حينما تصل الأرض إلى القطر الأطول ، وسرعتها سريعة كما قلت قبل قليل ، والجاذبية تضعف ، والسرعة العالية ينشأ معها قوة نابذة ، فاحتمال أن تتفلت الأرض من مسارها حول الشمس احتمال كبير ما الذي يحصل ؟ تخفض سرعة الأرض لينشأ من خفض سرعتها قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى على مسارها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾
هذا التسارع ، وذاك التباطؤ بطيئان ، وهذا يؤكد اسم اللطيف ، لأنه لو كان التسارع سريعاً والتباطؤ سريعاً لتهدم كل ما عليها ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
آيات باهرات في خلق السماوات والأرض تفوق عظمة هذا الإنسان المخلوق الأول :
الله عز وجل خلق الإنسان : ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
( سورة التين )
الحديث عن دماغ الإنسان ، وعن شعره ، وعن عينيه ، وعن أذنيه ، وعن لسانه، وعن حاسة الشم ، وعن حاسة النطق ، وعن جهاز الهضم ، وعن جهاز الدوران ، وعن جهاز التصفية ، وعن العضلات ، وعن العظام ، وعن الجلد ، وعن الأجهزة المتنوعة فيه كجهاز المناعة المكتسب ، وعن الغدد الصماء ، إلى ما لا ينتهي .
أحياناً يعقد مؤتمر يحضره آلاف الأطباء ، وتلقى في المؤتمر مئات المحاضرات حول القلب فقط ، حول الاكتشافات التي توصل العلماء إليها في شأن القلب ، وفي العينين ، وفي حاسة السمع ، وفي جهاز الهضم ، القضية حول الإنسان قضية معجزة ، ولكن الله عز وجل يقول : ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ (57)﴾
( سورة غافر الآية : 57 )
آيات باهرات في خلق السماوات والأرض تفوق عظمة هذا الإنسان المخلوق الأول ، كما قال الله عز وجل : ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾
أيها الأخوة ، كتعليق ، عندنا في الفيزياء ظاهرة اسمها الاستطراق ، لو أتيت بأنابيب متعددة الأشكال والأقطار والحجوم والأنواع لكنها متصلة ببعضها البعض ، وصببت فيها الماء لرأيت الماء في مستوى واحد في كل هذه الأنواع من الأواني ، أنبوب رفيع ، أنبوب ثخين ، أنبوب متعرج ، أنبوب حلزوني ، أنبوب أسطواني ، كل هذه الأنابيب على اختلاف أشكالها ، وأنواعها ، وسعتها ، وأقطارها تجد أن الماء في مستوى واحد ، هذه الظاهرة تسمى في الفيزياء ظاهرة الاستطراق ، قال بعض العلماء : هناك استطراق حراري، لو أتيت بقطعة حديد حامية جداً وضعتها في الماء بعد حين الحرارة الزائدة في الحديد تنتقل إلى الماء ، فالماء ترتفع حرارته ، والحديد تنخفض حرارته ، هذا اسمه استطراق حراري . آيات باهرات لا على الخلق بل على الفناء :
شيء طبيعي جداً أن الإنسان حينما يعرق فالعرق جهاز تكييف عالي المستوى في الإنسان ، هذا الماء يتبخر بفعل الحرارة فيمتص الحرارة التي في جلد الإنسان ، إلا أن الإنسان يتميز بشيء آخر .
إنسان واقف على خط الاستواء حرارته سبع وثلاثون ، وإنسان واقف في القطب الشمالي أو الجنوبي حرارته سبع وثلاثون أيضاً ، ثبات الحرارة في الإنسان دليل استثناء من هذا الاستطراق الحراري ، ومع ذلك : ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾
الله عز وجل قال : ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾
( سورة الذاريات )
الله عز وجل يخلق : ﴿ كُنْ فَيَكُونُ (35)﴾
( سورة مريم )
علماء التفسير قالوا : هذه كلمة ﴿ كُنْ ﴾
للتقريب ، لأن كن تحتاج إلى حركة أو حركتين في علم التجويد ، كن ، حركة ، الحركتين الألف ، أما الفتحة حركة ، كن ، وقت ، لكن الشيء الثابت أنه ليس هناك وقت إطلاقاً بين الأمر والتنفيذ ، ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
زل فيزول ، وهناك آيات باهرات لا على الخلق بل على الفناء . ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)﴾
( سورة الانفطار )
وقال : ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1)وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2)﴾
( سورة التكوير )
كل شيء يتناقض مع وحي الله باطل والباطل زاهق :
إذاً في خلق الكون آيات دالة على عظمة الله ، وفي إعدام الكون آيات دالة على عظمة الله عز وجل ، إذاً ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
والسماوات والأرض تعبير قرآني عن الكون ، والكون ما سوى الله ، والله عز وجل واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، ممكنُ الوجود ، وممكِنِ الوجود ، ويجوز الوجهان ، إما على الإعراب أو على الحكاية ، ومعنى ممكِن الوجود أنه ممكن أن يوجد أو ألا يوجد ، وأنه إذا وجد يمكن أن يكون على ما هو عليه أو على خلاف ما هو عليه ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ ﴾
فالحق هو الشيء الثابت والهادف ونقيضه الباطل ، وحينما يقول الله عز وجل : ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
زهوقاً صيغة مبالغة لاسم الفاعل ، شديد الزهوق ، أكبر باطل بالأرض يزول ، الجهة الشرقية التي رفعت سبعين عاماً شعار لا إله ، وامتلكت من الأسلحة الفتاكة ما لا يوصف ، وكانت من أقوى الدول في العالم ، وحملت كل من في بلادها على أن يعتقد بالإلحاد هذا الباطل الكبير كان زهوقاً وانتهى الأمر ، ولو كان هناك مليون باطل جزئي، أيضاً هذه الجزئيات في الباطل إلى زهوق ، فالباطل شيء زائل ، والحق شيء ثابت .
للتقريب : لو أنشأنا حائطاً وفق الشاقول لكان البناء مستمراً ، لو أنشأناه بلا شاقول مائلاً ، فهذا الميل سينتهي إلى السقوط ، فكل شيء يتناقض مع وحي الله باطل ، والباطل زاهق ، لذلك :
(( الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته ))
[ أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة ومسلم وأبي سعيد ]
الباطل زهوق ، أكبر باطل ، ومليون باطل زهوق ، لكن عند الله امتحانان صعبان ، نحن في أصعب الامتحانات ، الامتحان الأول أن يقوي الكافر ، ويقوي الكافر ، ويقوي الكافر ، ويعطيه كل أبعاده ، حتى يقول ضعيف الإيمان : أين الله ؟ نحن في هذا الامتحان الأول الآن ، ثم يظهر الله آياته كامتحان آخر للطرف الآخر حتى يقول الكافر : لا إله إلا الله ، فالباطل زهوق ، فلابد من أن يزهق الباطل ، لكن لكل شيء أوان ، " ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه " . دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان :
الآية الكريمة : ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (46)﴾
( سورة يونس الآية : 46 )
قد لا يمتع النبي بظهور الحق ، ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾
ودورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان ، الإنسان حسبه أن يكون مع الله طائعاً له ، مقبلاً عليه ، محسناً إلى عباده ، فإذا مات على هذه الحال فهو المنتصر ولو كان ضعيفاً ، ولو مات قتلاً هو المتنصر ، لأنه مات على الإيمان وله عند الله الجنان . ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
بالمناسبة عندنا شيء في اللغة دقيق يحتاج إلى شرح ، هذا الشيء أن الملك ما يملكه الإنسان، وهذا الذي يملك بيتاً ، البيت ملك ، والذي يملكه يقال له : ملك ، والمُلك أن تملك من يملك ، والذي يملك من يملك يقال له : مالك . ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26)﴾
( سورة آل عمران الآية : 26 )
الملك أن تملك شيئاً يُمَلك ، فأنت ملك لهذا الشيء الذي هو مِلك ، أما المالك أن يملك من يملك .
الفرق بين كلمتي( مالك )و( ملك )في اللغة العربية :
إذا قال الله عز وجل :
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
( سورة آل عمران )
أخواننا الكرام ، نُعرج على دقة اللغة العربية ، بين مالك وملك فرق كبير ، وفي قراءة : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
( سورة الفاتحة )
في قراءة مالك يوم الدين ، لكن المالك الذي يملك من يملك ، والشيء الذي يُمَلك هو مِلك ، والشيء الذي يَملكُ ما يُمَلك هو المُلكَ ، ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾
أحياناً حركة تغير المعنى رأساً على عقب ، نقول خُطبةَ بالرفع ، معنى الخُطبةَ أي أن تعلو على منبر ، وأن تلقي على الناس خطاباً ، ارتفاع الخطيب عن مستوى الناس كي يروه جميعاً ، يقال : خُطبةَ ، بالضم ، أما أن تطرق باب أسرة لتخطب فتاتهم يقال لها : خِطبةَ ، يعني أن الخاطب يأتي منكسراً ، لعله لا يُقبل أو يُقبل ، هو قلق ، ففرق بين الخِطبةِ والخُطبةَ ، الخِطبةَ أن تتطرق بيتاً لتخطب فتاتهم ، أما الخُطبةَ أن تعلو منبراً لتلقي على الناس خطاباً ، فرق دقيق بين البُر والبَر والبِر ، البُر هو القمح ، والبَر هو اليابسة ، والبِر هو الإحسان ، وأحياناً من أجل حركة واحدة ينتقل الإنسان من الجنة إلى النار ، حركة واحدة ، فإذا قال أحدهم :
ولستُ أُبالي حين أُقتَل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي
***
إلى الجنة ، هذا هو الشهيد ، أما إذا قال :
ولستُ أُبالي حين أَقتُل مسلماً على أي جنبٍ ألقى في الله مصرعي
***
إلى جهنم ، وبئس المصير ، حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار .
اللغة العربية هي اللغة الأولى في العالم ولكن ضعف العرب انعكس على لغتهم :
اللغة العربية دقيقة جداً ، حتى أن في اللغة العربية ما يسمى معاني الحروف ، فأية كلمة فيها حرف غين فيها معنى الاستتار ، غاب ، غرب ، غرق ، غيبة ، وأي كلمة فيها الراء فيها معنى التتالي ، جر ، مر ، كر ، فر ، وأي كلمة فيها قاف فيها معنى الاصطدام ، طرق ، لصق ، الشيء الغريب أولاً يختفي عن الأنظار ، وضعت الغين ، يتتالى سقوطه ، وضعت الراء يرتطم بالقاع ، وضعت القاف .
اللغة العربية أيها الأخوة بشهادة أعداء المسلمين هي اللغة الأولى في العالم ، ولكن ضعف العرب انعكس على لغتهم ، فأصبحت لغة من الدرجة الثانية ، بينما من حيث التصريف هي اللغة الأولى في العالم ، من منا يصدق أيها الأخوة أن فعل الثلاثي في اللغة العربية كعلم له ستة تقاليب ، علم ، ولمع ، وعمل ، و غيرها ، فالتقاليب الست يجب أن تنطوي على معنى مشترك في اللغة .
ثم إن الأسرة عندنا كبيرة جداً ، عندنا فعل ماض ، فعل مضارع ، فعل أمر ، عندنا اسم فاعل ، اسم مفعول ، اسم مكان ، اسم زمان ، اسم آلة ، صفة مشبهة باسم الفاعل، اسم تفضيل ، عندنا فعل ثلاثي ، ورباعي ، وخماسي ، وسداسي ، وكل وزن له معنى ، وعندنا صيغ مبالغة اسم الفاعل ، عندنا أسرة تتألف من عشرات بل بضع عشرات الكلمات تنتمي إلى جذر واحد ، كتب ، الطاولة مكتب ، وهذا الذي نقرأ منه كتاب ، وأن تكتب على ورقة كاتب ، أما باللغة الأخرى ، كتب write ، والطاولة table ، والكتاب book من ثلاثة اشتقاقات ، أما في لغتنا فكل كلمة لها عدد كبير جداً من الاشتقاقات .
على كلٍ بين كلمة مِلك وبين مُلك ، وبين كلمة مالك ، وبين كلمة ملك ، إذاً الله عز وجل : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
الآية الكريمة : ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
هناك نقطة دقيقة جداً ، الله عز وجل : مالك كل شيء في الدنيا والآخرة ، لكن في الدنيا مالك الأشياء وفق الأسباب ، في الآخرة مالكها مباشرة ، أنت في الدنيا من أجل أن تأكل تزرع ، من أجل أن تشرب تحفر البئر ، إن أراد الله إكرامك ألهم عبداً ليكرمك ، إن أراد أن يعاقبك ألهم عبداً أن يقسو عليك ، فالمالك الحقيقي هو الله في الدنيا ، لكن على الشبكية ترى أشخاصاً أقوياء بعضهم رحماء ، بعضهم جبابرة ، بعضهم طغاة ، ترى الزلازل ، ترى البراكين ، ترى حروباً أهلية ، فالله عز وجل في الدنيا مالك الملك ، لكن عن طريق الأسباب الله يعطي بسبب ويأخذ بسبب ، أما في الآخرة ليس هناك أسباب عطاء مباشر وعقاب مباشر. التوحيد صحة جسدية لأنه يُلغي الشدة النفسية التي يعانيها الكافر :
﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ﴾
كل شيء أراده الله وقع ، وكل شيء وقع أراده الله ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، هذا شيء مريح جداً ، هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
تصور إنساناً موظفاً في معمل ، أصحاب هذا المعمل عشرة أشخاص ، لو أنهم غير متفقين ، واحد أمره أن يسافر ، والثاني أمره أن يحضر ، والثالث أمره أن يجري هذا الحساب ، فهذا الموظف بين عشرة أوامر متناقضة يتمزق ، وهذا شأن المشرك ، إن أرضى الله أغضب زيداً أو عبيداً ، إن أرضى زيداً أو عبيداً أغضب الله . ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء )
لكن شأن المؤمن في الدنيا أنه يوحد الله ، ويعبده ، ويعتقد اعتقاداً جازماً أن الرافع وحده هو الله ، وأن الخافض هو الله ، وأن المعز هو الله ، وأن المذل هو الله ، وأن المعطي هو الله ، وأن المانع هو الله ، لذلك لا ينافق ، ولا يستخذي ، ولا يذل نفسه .
(( اطلبوا الحوائج بعزِة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ رواه ابن عساكر عن عبد الله بن يسر ، ورواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي أمامة ]
ما هو لك لَكَ ، وما ليس لك ليس لك .
(( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام ورفعت الصحف ))
[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما ]
أخواننا الكرام ، التوحيد صحة ، صحة جسدية ، لأنه يلغي الشدة النفسية ، علاقتي مع الله . ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
( سورة الزمر )
إذا قرأت القرآن يطمئنك الرحمن لأن القرآن هو القول الثابت :
قال : ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (48)﴾
( سورة الطور الآية : 48 )
قال : ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51)﴾
( سورة التوبة الآية : 51 )
الآيات المبشرات : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾
( سورة فصلت )
أنت إذا قرأت القرآن يطمئنك الرحمن ، والقرآن هو القول الثابت . ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ (27)﴾
( سورة إبراهيم الآية : 27 )
ما ينقصنا هذه الأيام هو التوحيد وأن نطبق أمر الله تعالى :
إذا وحدت الله ورأيت أنه : ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84)﴾
( سورة الزخرف الآية : 84)
ما الذي تنخلع له قلوب البشرية اليوم ؟ أن قوة طاغية قوية جداً تريد أن تعيش وحدها ، تريد أن تبني أمجادها على أنقاض الشعوب ، وأن تبني ثروتها على إفقار الشعوب ، وأن تبني حياتها على موت الشعوب ، وأن تبني عزتها على إذلال الشعوب ، وأن أسلحتها فتاكة وشاملة وأنها لا ترحم ، هذا الكلام وحده يسبب أزمة قاتلة ، قال تعالى : ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ (119)﴾
( سورة آل عمران الآية : 119 )
التوحيد يلغي الشدة النفسية ، والشدة النفسية قاتلة أيها الأخوة ، ما لم تتأكد ، ما لم توقن أن الذي خلقك لن يسلمك إلى غيره ، وأن شأنك كله معه .﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ (123)﴾
( سورة هود الآية : 123 )
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله يرجع إليه ، فنحن ينقصنا التوحيد ، وينقصنا أن نطبق أمر الله عز وجل . ما كلفنا الله تعالى إلا أن نعد للطرف الآخر ما هو متاح بين أيدينا وعندئذٍ يتولى الله الباقي :
قال تعالى : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60)﴾
( سورة الأنفال الآية : 60 )
يلزمنا أن نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعته ، ويلزمنا أن نعد لهم القوة المتاحة وليست القوة المكافئة ، هذا هو طريق النصر الآن ، أن نؤمن إيماناً يحملنا على طاعة الله ، وأن نعد عدة تتناسب مع إمكاناتنا ، وما كلفنا الله فوق طاقتنا ، وما كلفنا إلا أن نعد للطرف الآخر ما هو متاح بين أيدينا ، وعندئذٍ يتولى الله الباقي .﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
زل فيزول ، ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ ﴾
هناك مليار قول الآن ، أقوال ، ونظريات ، وتحليلات ، وتخيلات ، وترهات ، العالم يضج بالمقولات ، لكن القول الحق هو قول الله عز وجل ، أكبر دليل على مصداقية هذا القرآن تحقق الوعد والوعيد، فالذي وعد الله به يتحقق رغم أنف كل البشر ، والذي توعد به يتحقق رغم أنف كل البشر .
كما تعلمون دولة عظمى تتحكم بالعالم ، لما اصطدم لوحان من القاعدة الصخرية في الأرض ، لوح آسيا ولوح أوقيانوسيا ، اقتربا واصطدما ، هذا الاصطدام شكل قوة تفجيرية تكافئ مليون قنبلة ذرية ، في تسونامي قبل ستة أشهر تقريباً ، هذا الاصطدام ولد ضغطاً شكّل موجاً مشى بسرعة مئة كم في الساعة ، فقطع مسافة ألف وستمئة كم في ست عشرة ساعة ، وسرعته عالية جداً ، وصل إلى شواطئ الهند بسرعة سبعين كم ، الموج قادر أن يحمل صخرة وزنها عشرين طنّاً يلقيها إلى مسافة بعيدة ، وهذا الماء الهائج ما ترك شيئاً ، مدن بأكملها ، قرى بأكملها ، الحصيلة تقريباً ثلاثمئة ألف وخمسة ملايين مشرد ، أما الذين كانوا على الشواطئ فهم نخبة أغنياء العالم ، بلغ عدد القتلى منهم تقريباً خمسة وعشرون ألفاً ، وكانوا في منتجعات من فئة العشر نجوم ، ولقد أراهم الله النجوم ظهراً في هذه المنتجعات ، هذا الموج يعطينا فكرة عن عظمة الله عز وجل ، في ثوان مليون قنبلة ذرية . الله عز وجل هو مسبب الأسباب :
الزلازل التي ترونها في كل مكان فهي دليل قوة الله عز وجل ، فلذلك المؤمن لا يرى إلا الله ، ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾
في آية قرآنية يقول الله عز وجل :﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾
( سورة الشورى )
قد يسأل سائل : بيد من كانت ثم صارت إليه ؟ الحقيقة هي بيد الله كانت ، لكن بيد الله عن طريق الأسباب في الدنيا ، بيد الله من دون أسباب يوم القيامة ، يعني الله عز وجل يخلق طفلاً عن طريق أمه وأبيه ، شاب وشابة يتزوجان ينجبان طفلاً ، فهذا الطفل من خلقه ؟ الله جل جلاله ، ولكن عن طريق زواج أبيه بأمه ، وهذا الماء عن طريق السحاب المسخر في السماء ، وعن طريق الأمطار ، وهذا النبات عن طريق البذور ، فالله عز وجل مالك الملك في الدنيا عن طريق الأسباب ، هو مسبب الأسباب . ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83)إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84)فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)﴾
( سورة الكهف )
﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾
أي يوم القيامة ، ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
الغيب ما غاب عنا ، علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾
أما نحن فنرى من في المسجد ، لكن لا نرى من في مسجد آخر ، فالمسجد الآخر غيب عنا ، لكنه غيب حاضر ، ومن في مساجد حلب الآن غيب عنا ، ولكنه غيب حاضر ، عندنا غيب ماض . ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44)﴾
( سورة آل عمران الآية : 44 )
عندنا غيب المستقبل ، غيب المستقبل لا يعلمه إلا الله ، قولاً واحداً . ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ (188)﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
الله عز وجل حكيم :
﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
الله عز وجل حكيم ، ومعنى حكيم أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله ، والذي وقع لو لم يقع لكان الله عز وجل ملوماً يوم القيامة ، مثلاً : لو أن أباً عنده ابن ، والابن بالصف الخامس ، قال الابن هذه الكلمة من دون أن يعي ما يقول ، قال له : أريد ألا أدرس ، قال له : كما تريد ، كلمة ، أجابه بكلمة واحدة ، فهذا باليوم الثاني ترك الدراسة ، واستيقظ ظهراً ، ولعب مع أصدقائه المنقطعين عن الدراسة ، وأمضى أوقاته في اللعب واللهو ، فلما كبرت سنه ، أصبح بلا شهادة ، وبلا علم ، وبلا حرفة ، وبلا مصلحة ، وفقير ، وغير متزوج ، وأصدقاؤه أطباء ، ومحامون ، ومهندسون ، لهم بيوت ، وزوجات ، وأولاد ، فتألم ألماً لا حدود له ، فقال لأبيه : يوم قلت لك : أريد ألا أدرس لمَ لم تضربني ضرباً مبرحاً ، أنا لا أعرف ، فيا ترى لو أن الأب منعه من هذا الطلب ، وعنفه ، وحمله على الدراسة ، لما كان الأب ملوماً بعد أن كبر ، طبعاً هذا المثل تمهيد لآية دقيقة جداً ، قال تعالى : ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
( سورة القصص )
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا ﴾
يوم القيامة ، ﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
الذي يقع الآن في العالم الإسلامي لو لم يقع لكان الله ملوماً ، يعني الناس يتمنون أن يعيشوا على سجيتهم ، في بحبوحة ، وفي غنى ، وفي طعام وشراب ، يستمتعون بالشهوات ، دون أن يحاسبوا ، وهذه المصائب الفقر ، والقهر ، والحروب ، والتهديدات ، وضعف الدخل ، وندرة الأعمال ، والبطالة ، وهذا الفساد العريض يحتاج إلى أموال طائلة ، في مليون سؤال ، لكن حينما يصل الإنسان إلى يوم القيامة ، ويكشف الله له ما ساقه له من المتاعب ومن مصائب من أجل أن يعيده إليه لذاب محبة لله عز وجل . كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع وإرادته متعلقة بالحكمة المطلقة :
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾
قال تعالى : ﴿ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)﴾
( سورة طه )
في آية ثانية : ﴿ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
إذاً معنى الحكيم الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً ، إذاً كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادته متعلقة بالحكمة المطلقة .
الإنسان متى لا يكون حكيماً ؟ كإنسان أنا أقول لكم : لا يكون حكيماً إذا جاءه ضبط لا يستطيع إيقافه ، فعمل عملاً غير حكيم ، يقول لك : هناك ضغوط علي ، ضغوط لا أستطيع تحملها ، ومتى يكون غير حكيم ؟ إذا وقع تحت إغراء لا يحتمله ، في الضغط والإغراء لا يكون حكيماً ، أو بالجهل لا يكون حكيماً ، لو أن مزارعاً وضع أربعة أمثال نسب السماد لاحترق الزرع كله ، فعمله غير حكيم لأنه جاهل ، ما عرف أن هذا السماد الكيماوي يحتاج إلى مقادير مدروسة ودقيقة ، فالإنسان لا يكون حكيماً في ثلاث حالات ، إذا كان تحت ضغط شديد ، أو تحت إغراء شديد ، أو بسبب جهل فاضح ، هل يمكن أن تنطبق هذه الصفات على الذات الإلهية ؟ مستحيل ، إذاً كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
ما قال والشر ، الشر أيها الأخوة ما له وجود ، وجوده سلبي ، ناتج من البعد عن الله عز وجل ، نحن ما عندنا مركبة مشوهة يسوقها إنسان ، لكن مركبة يقودها إنسان مخمور ، نزلت في الوادي ، وأصبحت بوضع لا يحتمل من التشوه ، هذه المركبة بهذا التشوه لا تحتاج إلى معمل ، المعمل يقدم لك مركبة ذات خطوط انسيابية جميلة جداً ، فالمعمل يقدم الشيء الكامل أما هذا السائق المخمور الذي نزل بمركبته في الوادي ، فتشوه منظرها هذا التشوه سلبي وليس إيجابياً ، ما في المعامل قوالب للحديد تصنع هذا الشكل المشوه . معنى الخبير يزيد على معنى العليم :
النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((والشر ليس إليك ))
طعام نفيس جداً بدل أن تضع الملح وضعت السكر ، لا يؤكل الطعام ، أو بدل أن تضع الملح وضعت مسحوق الغسيل ، كمسحوق أبيض ، الأكل لا يؤكل ، هل نقول : هذا المسحوق ، مسحوق الغسيل يعد شراً ، لا ! أسيء استخدامه فقط ، هو مادة أساسية في حياتنا ، والسكر مادة أساسية ، والملح مادة أساسية ، أما حينما تضع الملح في الحلويات بالمعمول بالعيد المعمول لا يؤكل ، انتهى ، فالملح ضروري ، الخطأ بالاستعمال ، الشر ما هو ؟ سوء تصرف بالإنسان فقط ، خلق الأنثى وخلق الذكر ، وأراد من الأنثى والذكر أن يتزاوجا ، حتى يكونا أسرة يسعد بها وتسعد به ، تنجب له أولاداً يملئون البيت سعادة ، وهي مضمونة المستقبل عنده ، وهو ضامن ولاءها وإخلاصها ، فأصل التصميم ذكر وأنثى زائد زواج ، فقط ، أما الزنا فهذا مخالفة منهج الله عز وجل ، فلما تتجه الفتاة نحو الزنا ، ما دام فيها مسحة جمال فعليها طلب ، فإذا انتهى جمالها أصحبت ملقاة في الطريق كالفأرة الميتة ، انظر إلى فتاة في سنها ، وقد سلكت طريق الحق ، لها أولاد ، ولها بنات ، ولها أصهار ، معززة ، مكرمة ، محترمة من زوجها ، وبناتها ، وأصهارها ، وأولادها ، والشر ليس إليك ، الشر سلبي ، بل إن الشر المطلق لا وجود له في الكون ، إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله ، إما أن تؤمن بشر مطلق ، أو أن تؤمن بإله واحد ، أحد ، فرد ، صمد ، لم يلد ، ولم يولد ، هذه المعاني تملأ القلب طمأنينة، والدعاء اللطيف الرائع للنبي صلى الله عليه وسلم ((والشر ليس إليك ))
الشر من صنع أنفسنا ، أوضح مثل مركبة من أغلى الأنواع يقودها إنسان مخمور ، نزل بها في الوادي ، لذلك العقل هو المقود ، والشهوة هي المحرك ، والشرع هو الطريق ، مهمة العقل أن يبقي المركبة بقوة اندفاعها على منهج الله عز وجل ، ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾
ما غاب عنا في الماضي أو الحاضر أو المستقبل .﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
كل شيء وقع أراده الله ، الإرادة متعلقة بالحكمة المطلقة ، الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، معنى الخبير يزيد على معنى العليم ، هناك معنى فرعي ، مثلاً : تصنع شيء له حمالة ، فالحمالة أنيقة جداً ، وموصولة وصلاً محكماً بهذا الشيء ، لكن ما فيها دارسة دقيقة جداً تشير إلى قوة تحمل هذه الحمالة ، فإذا ملئت هذه العلبة بحاجات ثقيلة وحملتها انفصلت الحمالة عن هذه العلبة ، نقول : هي أنيقة وجميلة ، وألوانها متناسبة ، وتثبيتها جيد ، لكن ما فيها دراسة دقيقة حول الوزن الذي يمكن أن يوضع في العلبة وبين قوة تماسك الحمالة مع العلبة .
أما إنسان أحياناً يمسك ابنه من يده ، ويحمله ، هناك دراسة دقيقة جداً ، هذه العضلات بالكتف قوة متانتها يمكن أن تحمل جسم طفل بأكمله ، أحيانا يكون الأب غاضباً من ابنه يحمله بعنف ، صار وزنه مضاعفاً ، مهما كنت غاضباً ، فما من أب حمل ابنه من يده وملصت يده ، تحدث معنا كثيراً في الحقائب ، أما الابن فلا يحدث معه هكذا ، هناك دراسة دقيقة جداً ، كلمة خبير تعني على التطبيق ، العلم المجرد علم أما مع التطبيق صار خبرة .

العفريني
09-23-2011, 01:57 PM
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)﴾
أيها الأخوة ، (إذ)ظرف زمان ، والله سبحانه وتعالى يريد أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم العقبات والصعوبات والمشقات التي ترافق الدعوة إلى الله ، فمعركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، والذي يتصدى للدعوة إلى الله يجب أن يوطن نفسه على أن المعركة مع الطرف الآخر معركة حامية وقاسية ومديدة ، وقد قال الله عز وجل :
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120)﴾
( سورة هود الآية : 120 )
إذاً أراد الله سبحانه وتعالى استنباطاً من تلك الآية أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بمتاعب وعقبات أبا الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، أي واذكر يا محمد وقت : ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
كلمة آباء تنسحب على الأب والجد وأب الجد وجد الجد مهما علوا :
أيها الأخوة ، الأبوة أصل ، فهذا الفرع من هذا الأصل ، وكلمة آباء تنسحب على الأب ، وعلى الجد ، وعلى أب الجد ، وعلى جد الجد ، مهما علوا ، لكن في هذه الآية ملمح ينبغي أن يكون واضحاً عندكم ، الآية الكريمة في البقرة : ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)﴾
( سورة البقرة )
إسحاق أبو سيدنا يعقوب ، وإبراهيم والد لسيدنا إسحاق ، ولكن جاء سيدنا إسماعيل وهو أخ إسحاق ، وقد أدرجت أسماؤهم على أنهم آباء ، فلذلك القرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى ، قد يسمى العم أباً ، وفي بعض الأحاديث الشريفة : (( العم والد ))
[ أخرجه سعيد ابن منصور في سننه عن عبد الله الوراق ]
أيها الأخوة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( خرجت من نكاح ، ولم أخرج من سفاح . من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ))
[ أخرجه العدني ابن عدي والطبراني عن علي ]
آزر كان مشركاً ، وكان من عبّاد الأصنام ، فلا يعقل أن يكون آزر أباً لسيدنا إبراهيم والنبي عليه الصلاة والسلام من نسل إبراهيم ، فلذلك آزر في رأي علماء كثيرين جداً ليس أبا لإبراهيم ولكنه عم إبراهيم .
أيها الأخوة ، هناك نقطة دقيقة جداً ، الله عز وجل يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾
( سورة التوبة الآية : 28 )
الذي يعبد غير الله بنص هذه الآية نجس ، إذاً يرجح أو في الأعم الأغلب أن آزر ليس أباً لإبراهيم ، ولكنه عمه . الله عز وجل عدّ العم أباً :
يقول عليه الصلاة والسلام : (( ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ))
[ورد في الأثر]
من لدن آدم إلى أن ولده أبوه وأمه ، لم يكن من سفاح بل كان من نكاح ، ولم يكن إلا من طاهرات وطاهرين ، إذاً هذا الذي يدعونا أن نعتقد أن آزر ليس أبا إبراهيم إنما هو عمه ، والدليل القطعي على ذلك أن الله عز وجل : ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾
إذاً إسماعيل ليس أباً ليعقوب ولكنه عم له ، وقد ورد ذكره في الآية على أنه أب لذلك الله عز وجل عد العم أباً ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( العم والد ))
أما حينما أخذ عم النبي العباس أسيراً في موقعة بدر فقال عليه الصلاة والسلام : (( ردوا علي أبي ))
[ورد في الأثر]
لم يقل عمي ، (( ردوا علي أبي ))
تأكيداً لهذه الحقيقة التي أشرت إليها ، طبعاً أراد بأبيه هنا عمه العباس الذي وقع أسيراً .
شيء آخر أيها الأخوة ، عندنا في اللغة كلمة إذا أطلقتها انصرفت إلى معنى ، وإذا قيدتها انصرفت إلى معنى آخر ، تقول : فلان ذو أخلاق ، أطلقتها تعني أخلاقاً فاضلة ، لكن هناك أخلاق ذميمة ، أما الأخلاق التي من نوع آخر فيجب أن تقيدها بكلمة ثانية ، فلان أخلاقه سيئة ، وفلان أخلاقي أو ذو أخلاق ، إذا اكتفينا بكلمة أخلاق تنصرف إلى الأخلاق الفاضلة ، أما إن أردنا الأخلاق السيئة يجب أن نذكر كلمة سيئة ، تطبيقاًُ لهذه القاعدة :
لو أن إنساناً طرق باب إنسان ، فتح ابنه ، يقول له : أبوك هنا ؟ يقول له : نعم أو لا ، إذا قال : أبوك فقط ، يقصد أباه الحقيقي ، أما إذا كان متبنى عنده يقول له : أبوك محمود هنا ؟ وأحياناً بعض الأصهار يتوددون إلى أهل زوجتهم ، ينادون عمهم أباً ، وأم زوجتهم أماً ، لكن يضطرون أن يقولوا : ماما فلانة ، لأنها في الحقيقة ليست أمهم ، فإذا أرادوا تكريم أم زوجتهم نادوها بكلمة أمي ، لكن أضافوا بعد هذه الكلمة الاسم الحقيقي ، كل هذا الكلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ولدت من نكاح ، لا من سفاح ))
[الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ]
(( وتقلبت بين أرحام الطاهرين وأرحام الطاهرات ))
[ورد في الأثر]
ميزة قريش على بقية القبائل :
آزر كان مشركاً ، ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾
كل هذا التفصيل ، وهذه المصطلحات ، وتلك الاستنباطات من أجل أن يثبت نسب النبي الطاهر من لدن آدم عليه السلام إلى أمه وأبيه ، ويجب أن نثبت أن النبي حينما يقول : (( العم والد ))
وفي قول آخر : (( والأخ الأكبر والد ))
(( الأكبر من الأخوة بمنزلة الأب ))
[ رواه الطبراني عن كليب الجهني ]
الخالة أم ، من أجل أن يبين تلك العلاقات المتينة التي أرادها الله أن تكون بين أفراد الأسرة .
أيها الأخوة الكرام ، قريش يعبدون الأصنام لا شك ، لكن في أعماق عقائدهم هذا النبي الكريم أبو الأنبياء ، ما ميزة قريش على بقية القبائل ؟ أنهم حول الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام ، وأن زوجته سعت بين الصفا والمروة فكان نبع زمزم ، وأن الذبيح الذي افتداه الله بكبش عظيم هو سيدنا إسماعيل ، إذاً الأحداث الكبيرة التي رافقت حياة سيدنا إبراهيم كانت في مكة ، إذاً في أعماق العقل الباطن لقريش أنهم يعظمون هذا النبي ، ويعظمون بيت الله الحرام ، وتحج إليه القبائل من كل حدب وصوب قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك الله عز وجل حينما لم يسمح لأبرهة أن يهدم الكعبة حفاظاً على مكانة قريش ، مع أن جيش أبرهة ليس جيشاً وثنياً إنه جيش يمثل الدين النصراني ، ومع ذلك لم ينتصر على أهل مكة ، ولم يهدم الكعبة حفاظاً على مكانة هذه القبيلة التي سوف تغدو قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾
( سورة قريش )
طبعاً كيف آمنهم من خوف ؟ لأن هذا الذي يفكر أن يعتدي على تجارتهم سيقدم إليهم في موسم الحج ، فلذلك جميع القبائل كانت تهاب قريش حفاظاً على أن يكون طريق الحج سالكاً وآمناً لأفراد قبيلته . الفرق بين الكافر والمؤمن أن الكافر مع النعمة والمؤمن مع المنعم :
شيء آخر ، ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً ﴾
ما أصل عبادة الأصنام ؟ أصلها أن الإنسان حينما جاءه نفع مادي من الشمس والقمر لم يتجاوز هذه النعمة إلى المنعم ، ولم يتجاوز هذا السبب من المسبب ، فعبد الشمس والقمر ، ولأن الشمس والقمر تغيبان في وقت آخر ، الشمس تغيب ليلاً ، والقمر يغيب نهاراً ، إذاً لا بد من أن يذكروا هذين الكوكبين اللذين منحا البشر الضياء ليلاً ونهاراً برمز يعبدونه ليلاً حتى لا تغيب عنهم قداسة هذا الإله المزعوم ، من هنا كانت الأصنام والأوثان ، والفرق بين الأصنام والأوثان أن الصنم منحوت على شكل معين ، فالوثن حجر ، والصنم شكل ، شكل من حجر ، فأصل عبادة الأصنام أن الإنسان حينما انتفع بالشمس عبدها وغفل عن أن لها خالقاً أنعم بها علينا . ﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ (37)﴾
( سورة فصلت الآية : 37 )
الشعوب البدائية رأت النعمة فعكفت على عبادتها ، الهند الآن يعبدون البقر من دون الله . ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5)﴾
( سورة النحل الآية : 5 )
شيء واضح جداً ، والإنسان أحياناً المشرك يبقى مع النعمة ولا يخترقها إلى المنعم ، الفرق بين الكافر والمؤمن أن الكافر مع النعمة ، والمؤمن مع المنعم . ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً (79)﴾
( سورة الأنعام الآية : 79 )
المؤمن يرى أن كل النعم من عند المنعم لذلك يمتلئ قلبه محبة وشكراً للمنعم :
نحن جميعاً كإسقاط على حياتنا اليومية قد تنعم بصحة ، من منحك هذه الصحة ؟ الله جل جلاله ، قد تنعم بزوجة طائعة منيبة ، من منحك إياها ؟ الله جل جلاله . ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
( سورة الروم )
قد ترزق أولاداً صغاراً يملؤون البيت فرحاً وسروراً وحياةً ونشاطاً ، من منحك هذا ؟ الله عز وجل ، هذا الفرق الواضح الصارخ بين المؤمن ، الذي يرى أن كل النعم من عند المنعم ، لذلك يمتلئ قلبه محبة وشكراً للمنعم . (( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس ]
لو أنه ركب مركبة ، أن الله عز وجل مكنني من شراء مركبة ، لو أنه تزوج ، لو أنه سكن بيتاً ، لو أنه تناول طعاماً طيباً ، لو أنه رأى ابناً لطيفاً جميلاً يضحك بين يديه ، فكل نعمة يراها المؤمن يعزوها إلى الله عز وجل ، وبالشكر تدوم النعم ، بينما أهل الدنيا يعبدون النعمة من دون الله .
لذلك مثلاً لو أن امرأة عالية الجمال أصبحت زوجتك ، فإن رأيت المنعم لم تطعها في معصية الله ، أما إن غفلت عن المنعم فإنك ستطيعها في معصية الله ، لو أنك كنت في وظيفة ذات دخل كبير ، وجاءك توجيه من مدير المؤسسة بعمل لا يرضي الله ، إذا رأيت أن هذا الإنسان هو سيد نعمتك ، ونسيت الله عز وجل تعصي الله وترضيه ، أما إذا رأيت أن هذه الوظيفة منحة من الله عز وجل ، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لا تطيع أحداً إلا فيما يرضي الله عز وجل ، هذا هو التوحيد .
نحن محاطون بنعم لا تعد ولا تحصى ، أهل الدنيا عبدوا هذه من دون الله ، لذلك الفاتحة نقرأها كل يوم عشرات المرات ، الحَمدُ ، الحمد يعني في نعمة ، كلمة الحَمدُ الآن التأوه ، معناها في نقمة ، البكاء فيه مشكلة ، الحَمدُ يعني في النعمة ، المشكلة بيننا وبين الطرف الآخر أن الحَمدُ عند المسلم لله وعند غير المؤمن لزيد أو عبيد ، لولي النعمة ، لآلهة في الأرض ، لطواغيت في الأرض ، أدق كلمة في الفاتحة الحَمدُ لله ، ليس هناك خلاف على الحمد في النعم ، أهل الدنيا يتمتعون بالصحة وبالجمال أحياناً ، وإن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، جميع النعم التي ينعم بها المؤمنون ينعم بها الطرف الآخر أضعافاً مضاعفة ، ومع ذلك يعبدون النعم من دون الله ، بينما المؤمنون يعبدون المنعم ولا يعبدون النعم . أهم شيء في هذا الدرس أنك حينما تنتفع من نعمة ينبغي أن ترى المنعم :
أيها الأخوة ، الله عز وجل يقول : ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴾
هم انتفعوا بالشمس وبالقمر ، ووقفوا عند السبب ، ولم يتجاوزوه إلى المسبب ، فأشركوا ، فجاء التوجيه الإلهي : ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
مرة على صور الأقمار الصناعية قطعة رمادية فوق الشرق الأوسط ، كانت أمطاراً غزيرة ، حدثني أحد الخبراء في الزراعة أن هذه الأمطار سببت مرعى في البادية تقدر قيمته بالمليارات ، لو لم تكن هذه المطر لكان حجم الاستيراد للعلف بالمليارات ، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
كأن أهم شيء في هذا الدرس أنك حينما تنتفع من نعمة ينبغي أن ترى المنعم ، وحينما تنتفع من سبب ينبغي أن تصل إلى المسبب ، وهذا الفرق كبير بين المؤمن وبين غير المؤمن ، أهل الغرب مع النعمة ، وأهل الإيمان مع المنعم .
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً ﴾
إله تتأله له ، تخضع له ، تحبه ، تشكره ، تتوكل عليه ، تعطيه وقتك ، تعطيه جهدك ، تعطيه عمرك ، تعطيه شبابك ، تعطيه محبتك ، تعطيه طاعتك ، تعطيه عملك ، أيعقل أن يكون هذا لصنم !
جاء ثعلب فبال على أحد أصنامهم ، فقال أحد الأعراب : أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ضل من بالت عليه الثعالب
* * *
محبتك ، وطاعتك ، وولاءك ، وإخلاصك لحجر ؟!
أقول لكم أيها الأخوة : لا يليق بك كإنسان خلق الله الكون من أجلك أن تكون لغير الله ، لمجرد أن تكون لغير الله إنك تحتقر نفسك .
تصور حاسوباً صناعيّاً ثمنه خمسون مليوناً بحجم هذه الطاولة ، يمكن أن يقدم لك خدمات وإنجازات تعود عليك بالمليارات ، يمكن أن تستخدمه طاولة ؟! ممكن ؟! إنك إن فعلت هذا احتقرته ، هذا الحاسوب مهيأ ليجعلك من أغنى الأغنياء ، وفيه تعقيدات في تصميمه تحار فيها العقول ، ومع ذلك تستخدمه طاولة ، إن هذا احتقار له ، سند بمليار ليرة ، ظهره فارغ ، أيعقل أن تستخدم ظهره كورقة لتكتب عليها مسودة ، ثم تمزقها ، أين عقلك ؟!! معنى الضلال :
أيها الأخوة ، الإنسان مخلوق لله : خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك : (( خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين ، لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك وعِزَّتي وجلالي إن لم ترض بِما قسَمْتُهُ لك فلأُسلِطَنَّ عليك الدنيا تركضُ ركْض الوحش في البريّة ، ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قسمْتُهُ لك منها ولا أُبالي ، وكنتَ عندي مَذْموماً .))
[ورد في الأثر]
(( تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة الكرام ، ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
ما هو الضلال ؟ أن تضع هدفاً ثم تبتعد عنه ، الإنسان هدفه السعادة ما من إنسان على وجه الأرض من الستة آلاف مليون وزيادة ، أصبحوا ستة مليارات وخمسمئة مليون ، ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى السلامة والسعادة ، وهي هدفه أن يسلم وأن يسعد ، من هو الذي في ضلال مبين ؟ هو الذي مشى في طريق الشقاء ، هو الذي مشى في طريق يتناقض مع علة وجوده وغاية وجوده . ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾
( سورة الكهف )
أزمة أهل النار وهم في النار : ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
( سورة الملك )
الإيمان ألا ترى مع الله أحداً :
أيها الأخوة ، هذا الكون أيعقل أن لا يكون له صانع ؟ أي أنت في تعاملك اليومي حينما تركب طائرة أو سيارة ، ألا تعتقد أن هناك معامل مساحاتها فلكية ، مرة شاهدت معمل طائرات ، شيء لا يصدق ، المساحات تفوق حد الخيال ، التقنية ، الرافعات ، القطع التي تجمع من معامل عديدة ، أنت حينما تركب طائرة توقن أن لهذه الطائرة عقولاً صممتها ، ومواد صنعت منها ، وتطبيقات عالية المستوى جمعت بينها .
الإنسان أعقد حالاته تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، أليس له خالق حكيم ؟ الناس الآن لا يقولون : أنا أعبد صنماً ، هذه ولت ، الشرك الجلي مستحيل أن يكون في العالم الإسلامي ، أن تجد صنماً يُعبَد في العالم الإسلامي ، مستحيل ، الشرك الجلي انتهى ، بدءاً من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن أمة التوحيد ، والحمد لله ، ولكن الشيء الخطير هو الشرك الخفي ، الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، أنت حينما تعتمد على مخلوق وتنسى خالقك هذا شرك ، حينما تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها فهذا شرك ، حينما ترى أن اللذة هي كل شيء في الحياة هذا شرك ، كأنك أغفلت الجنة ولم تعبأ بها ، ورأيت الدنيا هي الجنة ، الواحد لا يغتر أنه مؤمن ، أو أن هويته في العالم أنه مسلم ، أو معه هوية مكتوب عليها أنه مسلم ، أو ولد من أب وأم مسلمين ، أو ولد ببلد إسلامي ، الإيمان فوق هذا ، الإيمان ألا ترى مع الله أحداً ، الإيمان ألا تعتمد إلا على الله ، ألا ترجو إلا الله ، ألا تتوكل إلا على الله ، الله وحده يرفع ويخفض ، ويعطي ويمنع ، ويعز ويذل ، ويمنح ويمنع . ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾
( سورة فاطر )
الإيمان رؤية حقيقية وموقف :
أيها الأخوة : الإيمان رؤية ، رؤية حقيقية ، ومع هذه الرؤية موقف ، أما من السهل جداً أن تكون مع المؤمنين لكنك لا ترى قوياً إلا الذي تزعم أنه قوي ، وتنسى الله عز وجل ، نحن بامتحان صعب جداً مع العالم الغربي ، نهدد كل يوم . ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾
( سورة آل عمران )
ثم أيها الأخوة يقول الله عز وجل : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾
( سورة الأنعام )
الحقيقة في ملك وفي ملكوت ، فالله عز وجل مالك الملك ، فالله عز وجل أشار إلى أن إبراهيم رأى ملكوت السماوات والأرض ، رأى من بيده السماوات والأرض ، وهذا فرق آخر ، هذا التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، رأى ملكوت السماوات والأرض ، لذلك الآيات الكونية التي وردت في القرآن الكريم والتي تزيد على ألف وثلاثمئة آية الشيء الذي يلفت النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرحها ، ولم يذكر جوانبها ، ولا يوجد حديث عنها إلا ما ندر . الآيات الكونية تفتقر إلى أحاديث شريفة :
قد يلفت النظر أيضاً أن أي موضوع تعبدي فيه أحاديث تزيد على مئتي حديث ، موضوع البيوع ، موضوع الزواج ، موضع الطلاق ، أحاديث كثيرة جداً ، إلا أن هذا القسم في القرآن الكوني ، الآيات الكونية هذه تفتقر إلى أحاديث شريفة ، والذي يتساءل ما السبب ؟ الذي يمكن أن يكون جواباً مقنعاً أنه إما بتوجيه من الله عز وجل ، أو باجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن التوجيه أو الاجتهاد في أعلى درجات الحكمة ، لماذا ؟ لقد رأى ملكوت السماوات والأرض ، لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ملكوت السماوات والأرض ، قال تعالى : ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾
( سورة النجم )
في الإسراء والمعراج رأى الحقيقة ، رأى كل شيء ، رأى ما كان وما سيكون ، لكن لو أن النبي صلى الله عليه وسلم شرح هذه الآيات شرحاً عميقاً لرؤيته لملكوت السماوات والأرض لأنكر عليه أصحابه ، ولو شرحها شرحاً مبسطاً في مستوى فهم أصحابه لأنكرنا عليه نحن اليوم ، لذلك هذه الآيات التي تزيد على ألف وثلاثمئة آية تركت للتصور العلمي ، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب من هذه الآيات الباهرات التي تدل أن هذا الكلام كلام الله عز وجل ، الشهادة العظمى من الله للعباد أن هذا القرآن كلامه ، الآيات التي تندرج تحت الإعجاز العلمي في القرآن الكريم : ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
أنت مؤمن ، أن تجلس في مجلس مؤمنين القضية سهلة جداً ، ليس هناك مشكلة ، كيف ما قلت لهم يقولون لك : سمعاً وطاعة ، لكن بطولتك أن تجلس في مجلس ينكرون أصل الدين ، يلحدون بالله رب العالمين ، هل معك حجة ؟ قال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (83)﴾
( سورة الأنعام الآية : 83 )
أنا لا أتصور مؤمناً ليس معه حجة ، لا أتصور مؤمناً إلا إذا كان عابداً فقط بعيداً عن العلم ، ولكن هناك عابد ، وعالم : (( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ))
[ رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما ]
(( اغد عالماً ، أو متعلماً ، أو مستمعاً ، أو محباً ، ولا تكن الخامس فتهلك ))
[ أخرجه البزار الطبراني في الأوسط عن أبي بكرة ]
الموضوع الإخباري لا يصلح أن تتحاور به مع الكفار أما الشيء الثابت فهو هذا الكون :
أخواننا الكرام ، العابد مقاومته هشة ، بأقل ضغط ينهار ، وبأقل إغراء ينهار ، لكن المؤمن وقد رأى من آيات ربه لا يتضعضع لا أمام سبائك الذهب اللامعة ، ولا تحت سياط الجلادين اللاذعة ، هذا هو الإيمان ، ومن هؤلاء المؤمنين الواحد كألف ، ومن هؤلاء المعتقدين العباد الألف كأف ، وإذا صلح زمن سابق بالعبّاد فإن هذا الزمن الصعب الذي فيه الشبهات والشهوات لا يصلح إلا بالعلماء ، إن أردت لهذا الدين النمو والتقدم فاطلب العلم ، لأن الطرف الآخر لا يخضع إلا للعلم ، لا يخضع لشيء تؤمن به أنت وحدك .
كنت أقول دائماً للإخوة الكرام : حينما تتحاورون مع الطرف الآخر إياكم ثم إياكم ثم إياكم أن تطرحوا موضوعات إخبارية ، موضوع الملائكة إخباري ، لو قال لك إنسان ملحد: ما الدليل على أن هناك ملائكة ؟ ما معك دليل ، دليلك الوحيد أن الله ذكر الملائكة ، ما الدليل على أن هناك جِنَّاً ؟ ما معك دليل ، الدليل الوحيد أن الله ذكر الجن في القرآن الكريم ، فكل موضوع أخبرك الله به فهذا موضوع إخباري ، هذا الموضوع لا يصلح أن تتحاور به مع الطرف الآخر .
أما الشيء الثابت فهذا الكون ، هذا الكون يخضع له كل أهل الأرض ، القوانين ما لها علاقة بالأديان إطلاقاً ، قوانين الفيزياء والكيمياء والفلك ، قوانين الجسم والحياة والنبات والحيوان ، قوانين يخضع لها كل البشر ، فلذلك هذا الكون هو الثابت الأول لأنه ينطق بوجود إله ، وبكماله ، وبوحدانيته ، وهناك مليون دليل ودليل على أسماء الله الحسنى من الكون .
هذا الماء فيه خاصة لولاها لما كان هذا الدرس ، بل ما كان هذا المسجد ، بل لما كانت هذه المدينة ، بل لما كان هذا العالم . ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28)﴾
( سورة فاطر الآية : 28 )
هذا الماء عنصر من عناصر الكون ، يتمدد بالتسخين ، وينكمش بالتبريد ، لكن عند درجة زائد أربع تنعكس الآية ويتمدد بالتبريد ، ولولا هذه الظاهرة لتجمدت جميع البحار حتى أعماقها ، ولتوقف التبخر ، وتوقف المطر ، ومات النبات ، ومات الحيوان ، ومات الإنسان ، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
أول ثابت في الحوار مع الطرف الآخر هذا الكون والثابت الثاني القرآن الكريم :
هناك أشياء تحرك الصخر ، فإن أردت أن تحاور إنساناً فإياك أن تسمح له أن يطرح عليك قضايا إخبارية ، لأن دليلك الوحيد ذكر الله لها فقط ، هو ليس مؤمناً بالله أصلاً ولا بكتابه ، فأول ثابت في الحوار مع الطرف الآخر هذا الكون ، وكيف أنه ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله ، والثابت الثاني : هذا الكتاب ، القرآن الكريم ، فيه ألف وثلاثمئة آية هي سبق علمي لا يستطيع إنسان على وجه الأرض إلا أن يعتقد أنها كلام الله ، عندما يقول الله : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45)مِنْ نُطْفَةٍ (46)﴾
( سورة النجم الآيات : 45 ـ 46 )
لا من نطفة وبويضة ، ثم يكتشف العلم مؤخراً أن الذي يحدد كون المولود ذكراً أم أنثى هو الحوين والنطفة وليس البويضة ، يعلم أن هذا كلام الله عز وجل ، يقول الله عز وجل : ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (28)﴾
( سورة الشعراء الآية : 28 )
ثم يقول : ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)﴾
( سورة الرحمن )
ثم يقول : ﴿ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ (40)﴾
( سورة المعارج الآية : 40 )
لو درست الفلك لخررت لله ساجداً على هذا التفصيل ، مرة المشرق والمغرب ، ومرة المشرقين والمغربين ، ومرة المشارق والمغارب . إيمانك بكتاب الله وبسنة رسوله يجب أن يكون كإيمانك بوجودك :
إذاً : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
الإيمان يا أخوان ليس فيه حل وسط أبداً . ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا (15)﴾
( سورة الحجرات الآية : 15 )
إيمانك بهذا الكتاب ، وبالذي جاء بهذا الكتاب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالذي أرسل هذا النبي وهذا الكتاب كإيمانك بوجودك ، هذه اليقينيات ، هذا اليقين الذي يولد مناعة قوية جداً .
أنا قلت في بداية الدرس : اللهم أخرجنا من الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات ، الآن الشهوات في أعلى درجة ، مستعرة ، الآن الشهوات والفتن يقظة ، الدنيا كلها تدعو إلى المعصية ، والمؤمن يريد وجه الله عز وجل ، الدنيا كلها مع المعصية والتفلت . (( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم ، وأشدُ ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم ، وأَشدُّ ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))
[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
نحن في هذا الزمن ، كل شيء منحرف مقبول ، أما أن تضع فتاة على رأسها قطعة قماش تُمنع من الدخول في المدرسة بفرنسا ، أما أن ترتدي فتاة في أمريكا ثياب سحاقيات ويمنعها المدير لبقية مروءة فيه ، يقيم الأب عليه دعوة ويربح ثلاثين ألف دولار ، أما أن تضع فتاة قطعة قماش على رأسها فممنوع ، أليس كذلك ؟
لم يسمح لدولة إسلامية أن تدخل السوق المشتركة إلا إذا قالت : الزنا شيء طبيعي ، لا يسمى جريمة الزنا ، المعروف أصبح منكراً والمنكر أصبح معروفاً ، فلذلك : ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
علينا أن نتسلح بالعلم لأنه السلاح الأقوى الآن :
أنا أدعوكم أيها الأخوة لا أن تحضر درس ، قضية سهلة جداً ، أدعوك إلى أن تملك حجة قوية تصمد أمام أكبر الأدمغة بعداً عن الله عز وجل ، أدعوك إلى دليل قطعي يطأطئ له أهل الكفر ، أدعوك إلى أن تملك حجة ، هذا الكون أكبر حجة ، وهذا الكتاب أكبر حجة ، والأحاديث الصحيحة أكبر حجة ، ويكاد الإعجاز العلمي الآن هو المادة الأولى التي تقف في وجه العولمة وفي وجه محاربة الأديان ، فلذلك : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
الشيء المريح للمؤمن أن كل التطورات العلمية في صالح هذا الدين ، شاع في العالم الغربي أن الانحراف الجنسي الشذوذ وراءه جينات خاصة ، هذه فكرة مريحة جداً للشاذين ، لم يعمل شيئاً ، جيناته خاصة ، وهذه الفكرة لماذا شاعت هناك ؟ لأنها تغطي انحراف المنحرفين ، هم أنفسهم في أيام كلينتون ألقى بما يسمى بالقنبلة العلمية ، وهي الخارطة الجينية ، بعد أن ألقيت هذه الخارطة الجينية قال : من الثابت أن الجينات لا علاقة لها بالسلوك ، من يقول لك إن الجينات عند الشاذ خاصة ؟ لا ، الجينات لا علاقة لها بالسلوك لأنه لا يعقل أن يُركب في بعض الناس جينات خاصة ثم يحاسبون على شذوذهم ، مستحيل ! فأنت حينما تملك الحجة لكل قضية فأنت مؤمن ، والآن المعركة طويلة وعنيفة بين الإيمان والكفر ، ولا يصلح لهذه المعركة إلا العلم ، لا يصلح لها البساطة والسذاجة ، الله يتولانا بالحفظ ، هناك كلمات لطيفة لكنها لا تعني شيئاً ، ماذا يعني من إنسان يبين لك أن هذا الكون من دون إله ، اسمحوا لي أن أقول لكم : نحن جميعاً طرف واحد ، بطولتك ليست مع هؤلاء ، بطولتك مع إنسان يريد أن يضل ابنك ، مع إنسانة تريد أن تخرج ابنتك شبه عارية في الطريق ، وراءها فكر أن هذا الحجاب شيء تقليدي ، شيء لا قيمة له ، نحن المشكلة ليست مع بعضنا بعضاً ، الطرف الآخر بيده كل شيء ، بيده الإعلام ، بيده المناهج ، بيده الثقافة ، فما لم تكن لك حجة قوية لإحقاق الحق فالمشكلة كبيرة جداً ، وعلى كل واحد منكم مسؤولية ، هناك أحوال عالية جداً للمؤمنين ، لكن الآن سلاح العلم أقوى سلاح ، حينما يكون في مكان ، في الجامعات ، في المعاهد ، في الوزارات شباب مؤمنون ، متمكنون ، معهم الحجة القوية فالمستقبل لهذا الدين ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

العفريني
09-23-2011, 01:58 PM
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾
فرق كبير بين المُلك والملكوت ، المُلك ما تراه العين ، العين ترى شمساً وقمراً ونجوماً ، وترى جبلاً ، وبحراً ، وسهلاً ، وترى حيواناً ، وترى إنساناً ، وترى طائراً ، لكن الملكوت أن ترى ما وراء الطبيعة ، أن ترى خالق الكون ، أن ترى أسماءه الحسنى ، أن ترى صفاته العليا ، الملكوت أن تعبر النعمة إلى المنعم ، الخَلق إلى الخالق ، الحكمة إلى الحكيم ، النظام إلى المنظم ، التسيير إلى المسير ، أن ترى أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، بيده كل شيء ، بيده ملكوت كل شيء ، بيده النفع والضر ، والموت والحياة ، بيده أن يرفعك أو أن يخفضك ، أن يعطيك أو أن يمنعك ، أن يعزك أو أن يذلك ، حينما تخرق ما تراه عينك إلى ما يراه عقلك تكون قد رأيت جانباً من الملكوت ، قال تعالى :
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ، والله عز وجل واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، فلذلك مستحيل أن يكون المؤمن في غفلة ، المؤمن يرى ومعه حجة ، وفي نهاية هذه الآيات : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (83)﴾
( سورة الأنعام الآية : 83 )
المؤمن مرتبة جمالية مغموس في سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها :
أيها الأخوة ، خروج طفيف على خط الدرس ، هناك عبادة ، وهناك علم ، العابد مقاومته هشة ، جراء أي ضغط يخرق استقامته ، العابد مقاومته هشة ، جراء أي إغراء يفقد اتصاله بالله عز وجل ، لكن العالم لا يصرفه عن هدفه لا سياط الجلادين اللاذعة ولا سبائك الذهب اللامعة . (( والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية لابن هشام]
المؤمن رجل مبدأ ، المؤمن رجل قيم ثابتة ، المؤمن مرتبة علمية ، ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلّمه ، المؤمن مرتبة جمالية مغموس في سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها ، من أدق الآيات التي تعبر عن هذه الحقيقة : ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي (28)﴾
( سورة هود الآية : 28 )
الأمور واضحة ، خلق الكون ، خلق السماوات والأرض ، حقيقة الكون ، حقيقة الحياة الدنيا ، حقيقة الإنسان ، الإنسان لماذا هو مكلف ؟ لماذا هو مخير ؟ لماذا أودع فيه الشهوات ؟ لماذا منحه العقل ؟ لماذا فطره فطرة عالية ؟ لماذا أعطاه التكليف ؟ لماذا أعطاه التشريع ؟ ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾
أيها الأخوة ، المؤمن ينعم بنعمة لا تقدر بثمن ، الأمور واضحة ، فلسفة الحياة ، فلسفة الموت ، ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الحياة ؟ فلسفة الأرزاق ، فلسفة الحظوظ المختلفة ، كيف وزع الله الحظوظ في الدنيا وكيف سيوزعها في الآخرة ؟ توزيع جزاء لا توزيع ابتلاء ، ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾
لا تكفي البينة : ﴿ وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ (28)﴾
( سورة هود الآية : 28 )
هذه الرحمة لو وزنت أموال الدنيا ، لو أن كل ما في الأرض من أموال لك ولم تُمنَح رحمة الله فأنت الخاسر الأكبر . رحمة الله إذا أتيحت لك فأنت أسعد الناس ولو فقدت كل شيء والعكس صحيح :
﴿ وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾
لو أن هذه الرحمة حجبت عنك لكنت أشقى الناس ولو ملكت كل شيء ، لو أن هذه الرحمة أتيحت لك لكنت أغنى الناس ولو كنت في المنفردة ، المفارقة حادة ، ولو كنت في المنفردة وقد أتيحت لك رحمة الله فأنت أغنى الناس ، تسعد برحمة الله ، ولو فقدت كل شيء ، أهل الكهف لجؤوا إلى الكهف ، ماذا في الكهف ؟ كانوا في القصور فانتقلوا إلى كهف ليعبدوا الله فيه ، رحمة الله إذا أتيحت لك فأنت أسعد الناس ، ولو فقدت كل شيء . (( إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
رحمة الله إذا حجبت عنك فأنت أشقى الناس ولو ملكت كل شيء . ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)﴾
( سورة الأنعام الآية : 44 )
خذوا الدنيا ، خذوا الأموال ، خذوا الجمال ، خذوا البترول ، خذوا الثروات ، لكن الذي ملأ الله قلبه بالإيمان ، وأعطاه الحكمة ، وعرف سر وجوده وغاية وجوده ، هذا هو الغني الحقيقي ، الغنى والفقر بعد العرض على الله ، لا يسمى الغني غنياً في الدنيا ولا الفقير فقيراً إلا بعد العرض على الله ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
( سورة النساء )
وقال : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14)﴾
( سورة القصص الآية : 14 )
الغنى الحقيقي :
أخواننا الكرام ، الله أعطى الملك لمن لا يحب ، وأعطاه لمن يحب ، مادام شيئاً واحداً ، إعطاؤه لمن يحب ولمن لا يحب لا يعد دليلاً على قرب الإنسان إلى الله .
أحياناً إنسان غني يتكلم بسذاجة مضحكة ، أنه إذا طاف بلاد الدنيا الله عز وجل يحبه ، ويفتتح مقولة ما أنزل الله بها من سلطان : الله إذا أحب عبده أنظره ملكه ، سيدنا محمد البحر لم يره ، وقبع في أرض صحراوية ، ما فيها شيء . ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ (37)﴾
( سورة إبراهيم الآية : 37 )
(( دَخَلَ علَيّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قُلْنَا : لاَ ، قَالَ : فَإِنّي صَائِمٌ ))
[ مسلم عن عائشة]
الله عز وجل يقول : ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾
( سورة النجم )
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
أعطى الملك لمن لا يحب ، أعطاه لفرعون ، وأعطى المال لمن لا يحب ، أعطاه لقارون ، لكن أنبياءه العظام ماذا أعطاهم ؟ ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
فإذا كان عطاء الله لك من نوع العلم ، من نوع أنك تعرفه ، من نوع أنك تشكره ، من نوع أنك مستقيم على أمره ، من نوع أنك تبتغي رضوانه ، من نوع أن لك عملاً صالحاً تبتغي الله به ، فأنت الغني الحقيقي ، لذلك يروى عن سيدنا الصديق أنه : ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط .
يا رب ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك ؟ الذي وجدك لم يفقد شيئاً ، والذي فقدك لم يجد شيئاً ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ إذا كان الله معك سخر لك أعداءك الألداء ليخدموك ، وإذا كان الله عليك سمح لأقرب الناس إليك أن يتطاول عليك .
إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
***
كن مع الله ترَ الله معـك و اترك الكل وحاذر طمعـك
وإذا أعطاك من يمنعــه ثم من يعطي إذا ما منعــك
***
هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
المؤمن وحده في شباب دائم والشباب هو التجدد :
أخواننا الكرام ، الأنبياء قمم البشر ، قمم ، والمؤمن الموفق يضع نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم قدوة له ، في موقف سيدنا إبراهيم قدوة ، في موقف سيدنا نوح قدوة ، إنسان دخل السجن مظلوماً سيدنا يوسف قدوة ، إنسان له زوجة سيئة سيدنا نوح قدوة ، إنسان له أب مشرك سيدنا إبراهيم قدوة ، هؤلاء الأنبياء قمم البشر لكن كل نبي يمثل حالة إنسانية ، فإذا كنت مع الله فلك في هذا النبي الكريم قدوة حسنة .
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
نري الفعل مضارع ، يعني أنت في حياتك الدنيا لك رؤية متجددة ، كل يوم ترى رؤية لم ترها البارحة ، هذا التجدد في رؤيتك ، وهذا التجدد في معرفتك ، والرقي في صلتك بالله عز وجل هو سر السعادة في الدنيا ، الدنيا مملة ، لحكمة بالغةٍ بالغة كل شيء في الدنيا يمل ، لو أن لك بيتاً تزيد مساحته على أربعمئة متر ، وثمنه بعشرات الملايين ، بعد أن تسكنه بشهر أو أكثر يصبح شيئاً عادياً ، لو اقتنيت أغلى مركبة ، لو تزوجت أجمل امرأة ، طبيعة الحياة الدنيا متناقصة ، تألفها ، ثم تملها ، لذلك المؤمن وحده في شباب دائم ، والحقيقة أن الشباب هو التجدد ، فالإنسان حينما لا تتجدد حياته يغدو كهلاً ، ثم يغدو شيخاً كبيراً ، العلم يجدد الحياة ، فكلما ازددت علماً ازددت من الله قرباً ، أنت حينما تفهم آية فهماً عميقاً تحس أنك شاب ، وأنك حصلت على كنز ثمين ، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئاً .
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
يقين ، هناك وهم بالمئة ثلاثون ، وشك بالمئة خمسون ، وظن بالمئة تسعون ، وقطع بالمئة مئة ، حقائق الإيمان يجب أن تكون قطعية عندك ، يقينية ، لو أن البشر ، لو أن الستة آلاف مليون كفروا وأنت بلغت حق اليقين لا تكفر معهم ، الناس أحياناً يؤخذون بالكثرة ، هم مع الناس ، هذا الواقع ، أو هذا الوضع النبي عليه الصلاة والسلام ندد به ونهانا عنه : (( لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا ))
[الترمذي عن حذيفة]
المؤمن تحكمه عقيدته وقيمه ومبادئه :
المؤمن لا ينساق وراء معطيات البيئة ، لا ينساق وراء ما تعارف الناس عليه ، المؤمن لا يتأثر بالعادات والتقاليد ، المؤمن تحكمه عقيدته وقيمه ومبادئه ، فلذلك شخصية المسلم فذّة ، يرى ما لا يراه الآخرون ، يسمع ما لا يسمعه الآخرون ، يتحرك بطريقة عجيبة، يبتغي رضوان الله ، لأنه آمن بالآخرة فلا بد من أن تنعكس مقاييسه ، يرى الفوز لا في الأخذ بل في العطاء ، يرى الفوز لا في استهلاك جهد الآخرين بل في بذل الجهد للآخرين ، يرى الفوز لا في الراحة بل في التعب ، لا في الإخلاد إلى النوم بل في اليقظة ، يرى الفوز لا في متع الحياة بل في قيم الحياة ، ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
مثلاً : مرة جئت من حلب بمركبة عامة ، وصلت إلى شارع العدوي ، والأمطار كأفواه القِرب ، رأيت رجلاً يركض ، يمارس رياضة الركض أو المشي تحت المطر ، قلت : في الشام خمسة ملايين ، كلهم في بيوتهم وراء المدافئ يأكلون ويشربون ، ماذا في عقل هذا الإنسان من قناعات خالف بها أهل دمشق ؟! قناعته بالرياضة والحركة صيانة لقلبه ودعماً لصحته تفوق قناعات الناس جميعاً ، هذا مثل .
أنت حينما تؤمن كل من حولك يرى أن الذكاء في الأخذ وتراه أنت في العطاء ، كل من حولك يرى الذكاء في الراحة وتراه في التعب ، أن تأتي إلى مسجد ، وأن تجلس على ركبتيك ، ليس فيه مقعد وثير ، ولا ضيافة ، ولا شيء ، إلا تعريف بكتاب الله عز وجل ، هذا هو الفوز ، لو قبعت في بيتك ، حيث المقعد الوثير ، والزوجة أمامك والأولاد ، وتأكل ما لذ ، وتشتهي ما لذ وطاب ، لا تكون في مقياس أهل الإيمان فالحاً ، الفلاح في أن تتابع فهم كلام الله عز وجل .
إذاً أيها الأخوة ، العطاء العظيم ، الفوز الكبير ، النجاح ، الفلاح ، الذكاء ، التفوق ، العقل أن تعرف الله ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .
سيدنا إبراهيم رأى ملكوت السماوات والأرض كيف عبر عن هذه الرؤية ؟ قال : ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي (77)﴾
( سورة الشعراء )
الفرق بين الفرق الضالة والفرق المؤمنة :
كنت مرة في بلاد بعيدة ، وأخذني صديق إلى معبد لدين آسيوي ، والمعبد أنفق عليه مبالغ فلكية ، ستة ملايين من عملة هذه البلاد أنفقت على هذا المعمل .
أيها الأخوة ، الأصنام من البرونز ، وصدر الصنم من الماس البرلنت وهذا من أغلى أنواع الماس ، سبحانك يا رب ، يأتي إنسان يحمل شهادة عليا ، يسجد لهذا الصنم انبطاحاً ، قلت : كم كرم الله المسلمين بأنهم يعبدون خالق السماوات والأرض ، كم كرم الله المسلم حينما عرف خالق السماوات والأرض ، ورأيت آلة في مدخل المعبد لكسر جوز الهند، سألتهم : لمَ هذه الآلة هنا ؟ قال : من أجل أن يأكل الآلهة ، يحبون هذه الفاكهة ، أي آلهة ؟ إنسان من البرونز لا ينطق ، ولا يتكلم ، ولا ؟! فهذا الإنسان حينما يعبد صنماً ، حينما يعبد حجراً ، حينما يعبد شمساً وقمراً ، حينما يعبد شخصاً ، حينما يؤلّه شخصاً لا تجد له عقلاً .
أيها الأخوة ، الدين دين التوحيد ، لكن حتى الأديان السماوية حينما تنحرف تؤلّه أشخاصاً ، لذلك ما من فرقة ضالة في العالم الإسلامي إلا وفيها أربع خصائص ، تأليه الأشخاص ، تخفيف التكاليف ، اعتماد النصوص الموضوعة ، والنزعة العدوانية ، وما من فرقة مؤمنة إلا أساسها التوحيد ، وأساسها الاتباع ، وأساسها التمسك بدقائق الشريعة ، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ، أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ﴾
طريق مسدود .
شخص معه مرض عضال ، جاء إلى حجر وقال له : اشفنيِ ، ائتِ إلى طبيب ، ادخل مستشفى ، اسأل متخصصاً بهذا المرض مثلاً ، ماذا ينفع الحجر ؟ ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)﴾
( سورة الشعراء )
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾
ما قال الذي هو خلقني ، لأنه لا أحد يدّعِي أنه خلق الإنسان أحد ، ولكن عتاة الأرض وطغاة الأرض يدعون أنهم يدلّون على الطريق الصحيح كفرعون ، قال : ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾
( سورة غافر )
الهدى من الله وحده :
الخلق لم يدّعه أحد ، فسيدنا إبراهيم قال : ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾
لكن : ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾
يؤكد أن الهدى من الله وحده . ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى (120)﴾
( سورة الأنعام الآية : 71 )
وقال : ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾
( سورة الشعراء )
أيضاً هناك من يقول لك : لحم كتفك من خيري ، يقول لك : أنا معيل أسرة ، أنت معال ولست معيلاً ، أنت معال مع بقية أفراد الأسرة ، الشيء المتنازع عليه أكده بكلمة ﴿ هُوَ ﴾
والشيء المقطوع به لم يؤكده بكلمة ﴿ هُوَ ﴾
قال : ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
( سورة الشعراء )
الإنسان قد يذهب إلى طبيب ، وقد يأخذ الدواء ويشفى ، فيتوهم أن الطبيب هو الذي شفاه ، هذا الطبيب عالجه لكن الله هو الذي شفاه ، الشفاء من الله والطبيب يعالج .
إن الطبيب لـه علم يدل به إن كان للناس في آجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الـطبيب وخانته العقاقير
***
سيدنا إبراهيم بشَّر بقدوم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام :
من أبلغ العبر أن بعض الأطباء يمرضون باختصاصهم ، فإذا توهموا أنهم متمكنون في اختصاصهم ، ولن يصابوا بمرض من اختصاصهم ، لأنهم يأخذون بالأسباب أخذاً مبالغاً به ، فهؤلاء يؤدَّبون بأن يصابوا بأمراض هي من اختصاصهم .
والله التقيت مع طبيب متخصص في القلب في بلاد بعيدة ، وجدته مطمئن أنه لن يُصاب بهذا المرض ، وبعد فترة قيل لي : والله أصيب قبل أيام باحتشاء في قلبه وهو في الخامسة والأربعين . ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)﴾
( سورة الشعراء )
أيها الأخوة ، هذا من رؤية هذا النبي الكريم . ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (124)﴾
( سورة البقرة الآية : 124 )
إذاً سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء ، وهو نبي من أولي العزم ، ونبينا عليه الصلاة والسلام من نسله ، سيدنا إبراهيم قال : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ(129)﴾
( سورة البقرة الآية : 139 )
سيدنا إبراهيم بشر بهذا النبي الكريم : (( أنا دعوة أبي إبراهيم ))
[ رواه الطبراني عن العرباض بن سارية ]
الآيات التالية عن قصة الهدى وهي منهج لنا :
أيها الأخوة ، الآية الكريمة : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)﴾
( سورة الأنعام )
الآن عندنا قصة الهدى ، وقصة الهدى منهج لنا ، ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ﴾
الكوكب شيء ، والنجم شيء آخر ، النجم ملتهب ، والكوكب منطفئ ، الكوكب إن رأيته منيراً فهو يعكس ضوء نجم ، كالشمس والقمر ، الشمس نجم ، أما القمر فهو كوكب ، ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾
هنا إشكال كبير ، أيعقل أن يجري على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام كلام شرك ؟ عندنا أسلوب في الحوار اسمه مجاراة الخصم ، هو أسلوب إنكاري ، مثلاً : لو أن فتاة طويلة جداً ، وخطبها خطيب قصير جداً ، فلما رأته قالت لأمها : هذا خطيبي ؟ هي تنكر ذلك أشد الإنكار ، لا تناسب بينهما أبداً ، هذا خطيبي .
سيدنا إبراهيم في رأي بعض العلماء حينما قال : ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾
هو يجاري الخصم ، لو سلمنا معكم افتراضاً أن هذا الكوكب إله ، فمن يدير العالم في غيبته ؟ هذا هو المعنى ، هناك من يتهجم ، ويقول : كيف يقول : هذا ربي ؟ هذا كلام فيه ضعف تفكير ، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾
جن أي ستر ، والمجنون ستر عن الواقع ، والمِجن يسترك عن ضربة السيف ، والجنة وما فيها من سعادة بإقبال أهل الجنة على الله عز وجل لا يعرفها إلا من ذاقها ، أو ما فيها من جنات تجري من تحتها الأنهار قد تحجب المستمتع فيها عن غيره ، هكذا قال علماء اللغة ، ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾
أي ستره الليل ، ﴿ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾
مجاراة لكم ، ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾
من أعبده في النهار ؟ هذا في الليل ، لكن من أعبده في النهار ؟ وإذا أفل في النهار من يدير هذا الكون في النهار ؟ ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾
أنا أحب إلهاً معي دائماً ، أسأله في أية لحظة ، أدعوه في أي مكان ، أتكل عليه في أي ظرف ، أنا أعبد إلهاً يسمعني إن سألته ، ويجيبني إن دعوته ، ويحفظني إن صدقته . ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾
( سورة يوسف )
العقل لا يستقيم مع إله من دون الله عز وجل :
سيدنا إبراهيم يحاورهم ، هذا اسمه مجاراة الخصم ، هذا ربي ولنفترض أنه إله ، فمن يدير الكون في النهار ؟ ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾
تابع معهم الحوار : ﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)﴾
( سورة الأنعام )
أي أن تعبد شمساً ، أو قمراً ، أو كوكباً ، حجراً ، أو مدراً ، أو إلهاً من صنع يديك ، من التمر صنعته ، أو من الحجر نحته ، أين عقلك ؟
أخواننا الكرام ، العقل لا يستقيم مع إله من دون الله عز وجل ، لا يقبل ، والذي يعبد إلهاً من دون الله يصف نفسه بالحمق والغباء ، ماذا يفعل معك هذا الإنسان ؟ يقولون : إن طبيب الميكادو ـ الميكادو عند اليابانيين إله ـ طبيبه أسلم ، لأنه رأى هذا الإله في أواخر أيامه مصاباً بأمراض لا تعد ولا تحصى ، كيف تعبد إلهاً معه قرحة ؟ ومعه شلل ؟ ومعه التهاب مفاصل ؟ فالإنسان عندما يفكر لا يستطيع أن يستقيم عقله أن يعبد إلهاً من دون الله ، أما أن تعبد خالق السماوات والأرض فهذا شيء يتناسب مع العقل الراجح ، لذلك : (( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .))
[ورد في الأثر]
المؤمن إذا عزف عن الدنيا لكنه اختار الله عز وجل ، فالذي اختار الله هو أرجح الناس عقلاً ، والذي اختار الآخرة هو أشد الناس طموحاً ، إنسان طموح ! إنسان طموح صار معه مئة مليون ، مئتا مليون ، وبعد ذلك ؟ موت . الذي يضع كل أمله في الدنيا يغامر ويقامر :
الشيء الذي يحير عقول أهل الدنيا أنهم يمشون في طريق مغلق ، مسدود ، يعمل ليلاً ونهاراً إلى أن يصل إلى ثمرة في الدنيا ، بعد أن يصل إلى هذه الثمرة يأتي ملك الموت ، سمعت عن إنسان بقي يجمع أموالاً ثلاثين عاماً ليشتري بيتاً ، فاشترى بيتاً ـ القصة قديمة جداً في أحد أحياء دمشق المرتفعة ـ هذا البيت له شرفة ، وأنا رأيت هذا البيت ، وله إطلالة على دمشق ، بعد أن جلس في هذه الشرفة ، بعد ثلاثين عاماً وهو يجمع ثمن هذا البيت ، فقال بالحرف الواحد : الآن أمّنتُ مستقبلي ، عاش سبعة أيام بعد هذه الكلمة .
كل إنسان يضع أمله كله في الدنيا فهو يقامر ويغامر ، الإنسان يدفن تحت الأرض خلال دقيقة ، لا يشكو شيئاً ، وهذه الحوادث تكثر الآن ، لا يشكو شيئاً ، بين عشية أو ضحاها صار مرحوماً من أهل القبور ، فهذا الذي يضع كل مكتسباته في الدنيا يغامر ويقامر .
﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً ـ مشرقاً ـ قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾
قصْده أنه لا يعقل أن يكون الكوكب إلهاً ، من يدير الكون في النهار ؟ الآن رأى كوكباً أكبر ، القمر كوكب أكبر ، ﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ ﴾
ليس هذا إلهاً ، ولا هذا إلهاً ، فكيف تعبد إلهاً يغيب عنك ؟ ﴿ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾
أحياناً تحصل في الدنيا ، علقت آمالاً كبيرة على إنسان ، وأوهمك أن بيده كل شيء ، بيده أن ينقذك عند المحنة والشدة ، ومعك رقم هاتفه ، وبإمكانه أن يطال أي إنسان في بلدك ، فإذا لجأت إليه في ساعة حرجة قال لك : أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً ، ألا يصاب الإنسان بإحباط شديد ، إحباط شديد جداً ، لذلك كل من علق أمله بمخلوق وقع في إحباط شديد وقد ورد في الأثر القدسي : (( وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات بين يديه ، وأرسخت الهوى من تحت قدميه ، وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني ، وغافر له قبل أن يستغفرني ، ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ))
[ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
سيدنا إبراهيم يعلمنا أساليب الحوار :
قال تعالى : ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)﴾
﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً ﴾
الآن في النهار ، كنا في الليل ، وفي النهار تغيب هذه الكواكب والنجوم ، الآن في النهار ، ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ﴾
نستنبط أن هناك بحثاً عن الحقيقة ، نستنبط أن هناك تفكراً في ملكوت السماوات والأرض ، نستنبط أن هناك قلقاً يجب أن نعرف من هو الله ؟ من هو الذي خلقني ؟ من هو الذي يطعمني ويسقيني ؟ من هو الذي يشفيني ؟ .
أيها الأخوة ، ﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ﴾
الشمس ، وفي النهار ﴿ فَلَمَّا أَفَلَتْ ـ فلما غابت ـ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
كله شرك في شرك ، ﴿ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
هذا يسمونه أن تُجَاري الخصم ثم تضع الخصم في محنة كبيرة فكرية ، أسلوب من أساليب الحوار ، فسيدنا إبراهيم يعلمنا أساليب الحوار ، أنت أحياناً تجاري خصمك حتى يرتاح ، أنا أسلم لك أن هذا الذي تقوله صحيح ، فكيف نفسر هذه المشكلة ؟ وهذه المشكلة ؟ وكيف نحل هذه المشكلة ؟ ثم يعطي هذا النبي الكريم الكلمة الفاصلة : ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾
أنا لا أعبد شمساً ، ولا قمراً ، ولا نجماً ، ولا حجراً ، ولا مدراً ، ولا بقرةً ، ولا شخصاً أظنه أنه يعطي أو يمنع ، يرفع أو يخفض ، يعز أو يذل ، وما أكثر من يعبد أشخاصاً من دون الله ، وما أكثر من يعامل أشخاصاً كأنهم آلهة ، يطيعهم ويعصي الله ، يرضيهم ويغضب الله عز وجل ، إذا كانت عبادة الأصنام غير موجودة في العالم الإسلامي فعبادة الأشخاص موجودة دون أن تقول : إله ، لكنك تعامله كإله ، ترى أن طاعته أكبر من طاعة الله ، ترى أن رضاه أعظم من رضى الله عز وجل .
الشرك فيما مضى شرك عبادة الأصنام أما الشرك هذه الأيام فهو شرك عبادة الأشخاص :
من أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً ما قال : الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، الألف مليون مسلم في اليوم الواحد يقولون : الله أكبر ، دقق في هذا الكلام ، إذا أطعت مخلوقاً وعصيت خالقك فأنت ما قلت : الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة ، إذا غششت المسلمين ، وخالفت منهج رب العالمين ، وطمعت في مبلغ كبير من جراء هذا الغش فأنت ما قلت : الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة ، لأنك تتوهم أن هذا المبلغ الكبير الذي نلته من غش المسلمين أكبر عندك من طاعة رب العالمين ، من أطاع زوجته وعصى خالقه ، ما قال : الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لأنه رأى متوهماً أن طاعة الزوجة ورضاءها أفضل عنده من طاعة الله ورضائه .
إذاً إذا كان الشرك فيما مضى شرك عبادة أصنام فإن الشرك في العصور المتأخرة هو شرك عبادة الأشخاص ، ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ﴾
الطاعة هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ﴾
مائلاً ، من عبد الله ولم يحبه فما عبده ، ومن أحب الله ولم يعبده فما عبده ، من أطاع الله ولم يحبه فما عبده ، ومن أحب الله ولم يطعه فما عبده ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً﴾
مائلاً ، ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
الذي توهم أن جهة في الأرض لها فعل ، ولها عطاء ، ولها منع ، طبعاً على الشبكية هناك أشخاص في الأرض يعطون ويمنعون ، وأشخاص يرفعون ويخفضون ، وأشخاص إذا رضوا عنك تسعد برضائهم لأنهم أقوياء ، وأشخاص إذا هددوك لا تنام الليل لأنهم أقوياء ، هذا من الشرك . ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾
( سورة يوسف )
الإنسان إذا كان مشركاً يعطيه الله عز وجل مهلة ليتوب فإذا تاب غفر الله له شركه :
قال تعالى :
﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)﴾
﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾
يروى أن سيدنا موسى استسقى ربه ، فقال الله له ـ وهو كليم الحق ـ : إن فيكم عاصياً ، أي لا أستجيب لكم لأن فيكم عاصياً ، فقال موسى عليه السلام : فليغادرنا ، لم يغادر أحد ، والمطر انهمرت على قوم موسى ، فقال : يا رب ، من هذا الذي يعصيك ؟ فورد في هذه الآثار : أن عجبت لك يا موسى ، أستره وهو عاصٍ لي وأفضحه وهو تائب ، يبدو أنه تاب ، فالإنسان إذا كان مشركاً يعطيه الله عز وجل مهلة ليتوب ، فإذا تاب غفر الله له شركه ، ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾
الآن دققوا الآن مغزى الدرس كله : ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾
أي أنا لا أخاف من شيء . المؤمن لا يخاف إلا الله :
أخواننا الكرام ، الآن هناك قضية في التوحيد مهمة جداً ، عندنا فيروسات للأمراض ، عندنا أقوياء ، عندنا حيوانات مؤذية جداً لدغتها قاتلة كالحية والعقرب ، هناك أشياء مخيفة جداً ، زلازل ، براكين ، حروب أهلية ، حكام ظُلَّام ، فالإنسان ينبغي ألا يخاف أم يخاف ؟ قال الله عز وجل على لسان سيدنا إبراهيم : ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾
أوضح مثلٍ : لو أن وحشاً مخيفاً جائعاً يمكن أن يلتهم الإنسان في دقيقتين مربوط بزمام محكم بيد جهة قوية ، وبينك وبينه مسافة ، لكن هذا الزمام إذا أرخي وصل إليك ، وإذا شد أبعد عنك ، أنت علاقتك مع من ؟ مع الذي بيده الزمام ، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
المؤمن لا يخاف من الوحوش ، ولا من الأقوياء ، ولا من الظُلَّام ، ولا من الحيوانات القاتلة ، ولا من الأمراض ، ولا من الفيروسات ، الأخطار لا تعد ولا تحصى ، السيوف المسلطة على الإنسان في الدنيا لا تعد ولا تحصى ، الأخطار كبيرة جداً ، ومتعددة جداً ، ومتنوعة جداً ، لكن المؤمن لا يخاف إلا الله ، ويخاف من هذه الأشياء في حالة أن يسمح الله لها أن تصل إليك ، مثلاً هذا القوي أنا أخافه ولا أخافه ، أنا لا أخافه لأنه بيد الله . ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
( سورة الزمر )
لكنني أخافه إذا سمح الله له أن يصل إلي ، لذلك من أدق الأحاديث الصحيحة : (( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))
[الفردوس بمأثور الخطاب]
لا تخف من أحد ، خف من نفسك ، خف أن تعصي الله فيستحق هذا الإنسان العاصي التأديب ، فيسمح الله لقوي أن ينال منك . معنى التوحيد :
أدق ما في الدرس هو : ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾
هذا هو التوحيد . ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218)﴾
( سورة الشعراء )
قال تعالى : ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
.

العفريني
09-23-2011, 01:59 PM
﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾
هذا الدين كله دين التوحيد ، وقد لخصه الله عز وجل بكلمات .
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً (110)﴾
( سورة الكهف الآية : 110 )
هنا نقطة دقيقة جداً ، لا يكفي أن تُقر بالتوحيد ينبغي أن تتحرك ، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾
ليست العبرة أن تُقر أنه إله واحد ولكن العبرة أن ترجو لقاءه ، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
كنت أضرب مثلاً : في النظام العسكري المجند لا يستطيع أن يقابل قائد الفرقة ، مستحيل ، فوقه مراتب كثيرة جداً ، والنظام العسكري يقتضي التسلسل ، لكن لو أن هذا المجند رأى ابن قائد الفرقة على وشك الغرق فألقى بنفسه وأنقذه ، يستطيع أن يقابله ، ويجلسه إلى جنبه ، ويأتيه بالضيافة ، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
الشرك الجلي والشرك الخفي :
أكثر شكوى تأتيني أنه أحواله ضعفت ، صلاته ما فيها خشوع ، يؤدي الأعمال الصالحة من دون أن يشعر بقرب من الله عز وجل ، لكن هذه الآية هي الرد المفحم : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾
ومعنى لقاء ربه قد يكون هذا في الدنيا ، اللقاء الاتصال ، في الدنيا الاتصال ، في الآخرة دخول الجنة ، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
هنا : ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ﴾
لا إلى زيد ، ولا إلى عبيد ، ولا إلى فلان ، ولا إلى علان ، ولا إلى الشمس ، ولا إلى القمر ، ولا إلى الحجر ، ولا إلى المدر ، ولا إلى البقر ولا إلى الأصنام ، ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ﴾
لا يكفي أن توجه وجهك إليه ، ينبغي أن تكون مائلاً إليه ، العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه ، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
مرة ثانية أيها الأخوة ، في العالم الإسلامي ليس مطروحاً الشرك الأكبر وهو الشرك الجلي ، لكن الشرك الخفي موجود في العالم الإسلامي ، هي شهوة خفية ، الشهوة الخفية أنت ألهت شهوتك ، عبدت شهوتك من دون الله ، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله ، أما إني لست أقول لكم إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله .
﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
كلمة إشراك أن تعتمد على غير الله ، أن تعلق الأمل على غير الله ، أن ترجو غير الله ، أن تحب غير الله ، أن تخاف غير الله ، أن تخلص لغير الله ، أن تتجه لغير الله ، أنت حينما تعلم علم اليقين أنه لا رافع ولا خافض ، ولا معطي ولا مانع ، ولا معز ولا مذل إلا الله ، وصلت إلى التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . الآن : ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)﴾
قومه حاجوه بالشرك أن هذه أصنام تنفع وتضر .
الحجة لا تأتي مع الشرك بل تأتي فقط مع الإيمان :
أخواننا الكرام ، من المستحيل أن يكون مع الشرك حجة ، الحجة مع الإيمان . ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (83)﴾
( سورة الأنعام الآية : 83 )
لا يمكن أن تقوم للباطل حجة ، الحجة ضعيفة ، واهية ، متمزقة ، لا تقف على قدميها ، وإذا أصغيت إلى حجج أهل الدنيا رأيت شيئاً مضحكاً ، حججهم باطلة وداحضة عند الله عز وجل ، الحجة اليقينية القطعية المقنعة القاطعة لا يملكها إلا المؤمن قولاً واحداً .
بشكل أو بآخر أنا أتمنى لكل واحد منا أن يكون في أعلى درجة من امتلاك الحجة، لكن أقول لكم كلمة لعلها قاسية : ما لم تقم الحجة على المنكرين فإيمانك ليس كافياً ، ما لم تقم الحجة على غير المؤمنين فإيمانك ليس كافياً ، لأن الإيمان في الأصل ليس متداولاً بين المؤمنين ، بين المؤمنين وبين غير المؤمنين .
مرة حضرت مناقشة دكتوراه ، والكتاب ثمانمئة صفحة ، هي أطروحة ، الدكتور المناقش قال له كلمة ، قال له : هذا الكتاب لا يصلح إلا للمسلمين ، ولكن جهة أخرى إذا قرأته لها عليه ألف مأخذ ومأخذ ، قال له : إنك لا تصب ماء في وعاء فارغ ، إنك تصب ماء في وعاء ملآن .
أنت ما لم تفكر كيف يفكر هذا الإنسان الآخر ، الآن أكثر شيء مطروح الرأي والرأي الآخر ، وأنت كمؤمن يجب أن تعلم الرأي الأخر ، ويجب أن تملك حجة تدحض الرأي الآخر ، تدحضه بالعلم لا بالصياح والشتم ، هذا ليس من سلوك المؤمنين . الإنسان حينما لا يعلم من هو الله لا يملك الحجة :
يقول الإمام الغزالي : "ما ناقشني جاهل إلا غلبني ، ولا ناقشت عالماً إلا غلبته "، حجج أهل الدنيا بالصياح والضجيج ، والسّباب والشتائم ، أما الحجة العلمية علم لعلم ، حجة لحجة ، دليل لدليل ، لا يمكن أن تقوم حجة للباطل ، الحق لا يتعدد ، والمؤمن الصادق وحده يملك الحجة ، ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾
أي حاوروه ، أو ناقشوه ، أو جادلوه ، كلمة حوار كلمة مقبولة ، لكن كلمة جدال غير مقبولة ، حاجه هنا أتوا بحجج واهية ، على الشرك ، على أن هذه الأصنام تنفع وتضر ، ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾
( سورة هود )
إنسان معه جوهرة ثمنها مئة مليون أمام إنسان يحمل قطعة من الزجاج ثمنها قروش ، فأنت تعلم ماذا تملك ، والحقيقة أنت حينما لا تعلم من هو ربك ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنك ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عنك ، أنت حينما لا تعلم من هو الله لا تملك الحجة .
الآن نحن في العالم الإسلامي نعاني حالة إحباط سببها الغزو ، والتهديد ، والاحتلال ، والاتهام ، والضغوط ، هذا كله واقع لكن المؤمنين الصادقين لا يتأثرون به أبداً . ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾
( سورة آل عمران )
الشرّ في النفوس فقط أما في الأفعال فكل شيء وقع أراده الله تعالى :
أخواننا الكرام ، يجب ألا ترى مع الله أحداً ، على الشبكية ملايين القوى الجبارة في الأرض ، ملايين القوى الطاغية ، ملايين القوى الظالمة ، على الشبكية الشر ليس إلا في النفوس ، أما في الأفعال فكل شيء وقع أرداه الله وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، ما دام الشيء وقع فقد أراده الله ، والحقيقة الدقيقة أنه لكل واقع حكمة ، وليس كل موقع حكيماً ، قد يكون الموقع مجرماً ، ولكن لأن فعله وقع فهناك حكمة نعرفها أو لا نعرفها ، نكشفها أو لا نكشفها .
إذاً : ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾
ـ بآلهتهم ـ ﴿ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾
إنسان يأكل العسل ، ويأتي إنسان آخر ما ذاق العسل ، ما ذاق إلا الدبس ، فإذا أقسم هذا الإنسان الآخر أنه ما رأى طعماً أطيب من الدبس فهو صادق ، لأنه لم يذق العسل ، أنا لا أقول : المؤمن متكبر ، لا أبداً ، لكن المؤمن ذاق من أحوال القرب ما لم يذقه أهل الدنيا ، شعر بسعادة القرب من الله لم يشعر بها أهل الدنيا ، من هنا قال بعض العلماء : " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة القرب " ، وقالوا : "ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ " .
ما لم تكن سعيداً بما وهبك الله من نعمة التوحيد ، وما لم تكن محاجاً بالحجة اليقينية بما وهبك الله من الحق العتيد ففي الإيمان خلل . موضوع الخوف :
الآن موضوع الخوف ، قال : ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾
أي هذه الأصنام أحجار ، هذه لا تخيف ، والذي يخاف منها عطل عقله ، والحقيقة أحياناً ترى إنساناً في أعلى مرتبة اجتماعية ، قد يكون رئيس وزارة في العالم الغربي ، يذهب إلى فلكي ليتنبأ له ، معنى ذلك أن ضعف الإنسان يحوجه إلى جهة قوية يعتمد عليها وهذا أصل التدين . قال الله تعالى : ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
( سورة النساء )
نحن جميعاً ضعفاء لكن المؤمن قوى ضعفه بالله ، نحن جميعاً فقراء لكن المؤمن قوى فقره بالله عز وجل ، استغنى بالله ، نحن جميعاً جهلاء لكن المؤمن استنار بنور الله ، لذلك حاش يا رب أن نفتقر في غناك ، وأن نضل في هداك ، وأن نضامّ في سلطانك ، ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾
قديماً كانت الأصنام أما الآن فهناك طغاة في العالم ، طغاة ترتعد فرائص الدول منهم ، ليس الأشخاص بل الدول ، طغاة ترتعد فرائص الدول منهم لما عندهم من أسلحة فتاكة ، ولما في قلوبهم من قسوة كالحجر ، لا يعبؤون بالدمار ، مصلحتهم قائمة على الحروب ، هذه الدول القوية أخبرنا الخبراء أن مصالحها لا تتحقق إلا بالحروب ، فالحروب جزء من أنظمتهم ، ودائما عقود الأسلحة عقود إذعان ، قد يكون بمئة ضعف ، بألف ضعف ، لذلك مصالحهم لا تقوم إلا على الحروب ، هذه الجهات القوية التي ترتعد منها فرائص الدول أمام المؤمن ، ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾
بشكل مبسط جداً : وحش مخيف جائع مفترس ، يأكل الإنسان بلقيمات ، لكنه مربوط بزمام بيد جهة قوية حكيمة عادلة رحيمة ، أنت علاقتك مع هذه الجهة ، هذه الجهة لو شاءت لأرخت الزمام ووصل إليك ، ولو شاءت لشدت الزمام وأبعدته عنك ، هذه القصة كلها ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾
أي إلا أن أعاقب بمشيئة الله عن طريق هذا الوحش ، فهذا الوحش أخافه ولا أخافه ، لا أخافه لأنه لا يملك نفعاً ولا ضراً ، وأخافه إن أراد الله لي التأديب فاستخدمه أداة لذلك .
الفكرة دقيقة ، أنا لا أخاف هذا الطاغية ، لأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ، وأخافه إن شاء الله لي التأديب عن طريقه ، سمح له أن يقترب مني :
(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يخافن إلا ربه ))
[مسند الفردوس]
لا ينجي المسلم إلا أن تكون عقيدته تحقيقاً لا تقليداً :
الآن : ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
علم الله متعلق بعدله ، مادام الله يعلم والأمر بيده وهو القوي : ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
( سورة الزمر )
وقال : ﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54)﴾
( سورة الأعراف الآية : 54 )
أنا لا أخاف من هؤلاء الشركاء ، ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾
وربي يعلم ، أجمل كلمة سمعتها مرة الحمد لله على وجود الله ، الله يعلم ، أحياناً الإنسان يُتَهَم تهمة باطلة ، أحياناً الذي بيده أمره لا يعلم حجم عمله ، مثلاً : موظف مخلص ، دؤوب ، يعمل بإخلاص ، بجهد كبير ، فتعب كثيراً ، خرج من مكتبه إلى الممشى ليستنشق الهواء ، خرج المدير العام من مكتبه ، ما هذه الفوضى ؟! لأنه لا يعلم ، لا يعلم حقيقتك إلا الله ، فأنت إذا تعلقت بغير الله تصاب بخيبة أمل كبيرة جداً ، هذا الذي تظنه يعلم لا يعلم ، لأنه بشر مثلك ، لا يرى إلا بعينيه ، لا يرى إلا الظاهر ، ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
الآن مثلاً الآية الكريمة : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19)﴾
( سورة محمد الآية : 19 )
ما قال : فقل ، لو قال : فقل ، لقبلت عقيدة المؤمن تقليداً ، ولو قبلت عقيدة الإنسان تقليداً لكانت كل الفرق الضالة ناجية عند الله ، لماذا ؟ لأنهم سمعوا ممن يقف على توجيههم كلاماً فصدقوه ، إلا أن العقيدة لا تقبل إلا تحقيقاً وتدقيقاً ، مدللة بالأدلة ، معللة بالحكم ، فلو أن العقيدة تقبل تقليداً لانتهى الأمر ، لكن العقيدة لا تقبل إلا تحقيقاً ، لذلك لا ينجي المسلم أن يكون أبوه مسلماً ، وأمه مسلمة ، لا ينجي المسلم إلا أن تكون عقيدته تحقيقاً ، فالآية : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
لا إله إلا الله الأمر بيده ، هو الرافع ، هو الخافض ، هو المعطي ، هو المانع ، هو المعز ، هو المذل . كل شيء من الله فإذا جاءك من الله ما تكره فابحث عن ذنبك :
قال تعالى : ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (19)﴾
( سورة محمد الآية : 19 )
ما علاقة القسم الثاني بالقسم الأول ؟ أنت حينما يأتيك شيء تكرهه يجب أن توقن أن هذا من فعل الله ، وأن هذا سمح الله به ، وأن هذا أراده الله ، لكن لئلا تتهم الله بالظلم ابحث عن خلل في استقامتك ، ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
بين جزئي الآية تكامل : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
فإذا جاءك من الله ما تكره ، مادام كل شيء من الله ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
كل شيء من الله فإذا جاءك من الله ما تكره فابحث عن ذنبك .
هناك قاعدة في الأمن الجنائي لطيفة : في أية جريمة عندهم قاعدة ابحث عن المرأة ، في الأعم الأغلب وراء كل جريمة امرأة ، ليست هي القاتلة ، لكن هي المسببة في القتل ، أنا أقول لكم : طبقوا هذه القاعدة بشكل آخر ، حينما يأتيك ما لا يرضيك ابحث عن الخطأ ، ابحث عن الذنب ، ابحث عن الخلل ، ابحث عن الظلم . أمثلة من الحياة العامة عن تأديب الله لعباده :
أحد الأخوة الكرام متفوق جداً في اختصاص نادر ، المعامل الضخمة فيها حواسيب صناعية ، هذا الأخ متخصص بإصلاح الحواسيب الصناعية ، ويتلقى أجراً فلكياً ، فمرة استدعي لإصلاح حاسوب لمعمل ، وطلب مبلغاً كبيراً ، فصاحب المعمل جادله كثيراً ، وساومه كثيراً ، حتى ضاق به ذرعاً ، وقال له : أنا لست بحاجة إليك ، أنت بحاجة إلي ، فإن شئت الأجر فأنا جاهز ، وإلا فاسمح لي ، فصاحب المعمل أذعن له ، الأخ صادق ومؤمن ، يغلب على ظني أنه صالح ، ولا أزكي على الله أحداً ، في العادة يستغرق الإصلاح ربع ساعة، نصف ساعة ، ساعة ، أول يوم من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساء ما تبيّن معه شيء ، ثاني يوم بأكمله ، ثالث يوم بأكمله ، رابع يوم ، خامس يوم ، سادس ، سابع يوم ، ثامن يوم ، ما اكتشف الخلل ، والأجر على الإنجاز لا على الساعات ، على الإنجاز ، ثمانية أيام ضاعت من وقته ، ولم يكشف الخلل ، قال لي : عدت إلى البيت في اليوم الثامن عالجت نفسي فيها خلل ، دقق وبحث حتى وصل إلى هذه الكلمة : أنا لست بحاجة إليك ، أنت بحاجة إلي ، إن قبلت بهذا الأجر فأنا آتيك غداً وإلا فاعذرني ، فيها كبر ، فيها اعتداد ، أقسم بالله العظيم في اليوم التاسع خلال ربع ساعة ، طبعاً استغفر ، ودفع صدقة ، واصطلح مع الله ، أقسم بالله العظيم باليوم التاسع بربع ساعة الخلل انكشف ، والمشكلة حُلت ، تأديب .
أخ ثانٍ عنده معمل ألبسة ، أخ في المسجد علم أن هذا الأخ عنده معمل ألبسة ، واقترب العيد ، فذهب إليه ، وطلب قطعتين لأولاده ، طبعاً شراء ، لكن هذا المعمل يبيع ثلاثين دزينة ، أربعين دزينة ، اعتبر صاحب المعمل أن القطعتين إهانة له ، قال له : أنا لا أبيع بالمفرق ، قال له : لا عليك ، شكراً ، فودعه ، وخرج من معمله ، أقسم بالله العظيم ـ وهو بيننا الآن ـ ما دخل إلى معمله إنسان مدة ثلاثة وثلاثين يوماً ، الله أدبه ، هذه الكلمة كبيرة ، إنسان جاء ليشتري وعنده أولاد ، لكل ولد قطعة ، لا يريد ثلاثمئة دزينة يريد ثلاث قطع فقط ، فأنت كبرت نفسك أن تبيعه هذه القطع الله عز وجل أدبه ، يوجد ملايين من هذه القصص . فحينما تعتد بنفسك ، حينما تقول : أنا ، حينما تتحدث عن خبرتك ، حينما تعجبك نفسك ، خطبة رائعة جداً ، نزل الخطيب الله أكبر ، ونسي الفاتحة ، بدأ بالآية فوراً ، الخطبة رائعة جداً ، نسي أن يقرأ الفاتحة ، والخطبة على الإذاعة أيضاً ، فهذا حينما تقول أنا . إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك :
أخواننا الكرام ، درسان في القرآن ، درس بدر ، ودرس حنين ، وهذان الدرسان ينبغي أن تلحظهما كل ساعة في حياتك ، درس بدر : ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (123)﴾
( سورة آل عمران الآية : 123 )
معنى أذلة ؛ مفتقرون إلى الله ، اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين ، ادع بهذا الدعاء دائماً .
كنت مرة بطرابلس أشهر طبيب نسائي وأعلى سعر يتقاضاه هو ، له زميل طبيب زوجته ولادتها صعبة ، فأرسلها إليه كي يصف حالتها ويتولى توليدها ، قال له : هل هي بحاجة إلى طبيب آخر ؟ قال له : أنا أذكى طبيب بكل المنطقة ، باعتداد ما بعده اعتداد ، يبدو أنه بهذه النفسية ارتكب خطأ لا يرتكبه حلاق ، فأول مرة في تاريخ لبنان الحديث تسحب منه شهادته ، ويغرم بمبلغ يفوق كل ممتلكاته ، لأنه أمات المريضة بخطأ شنيع .
لذلك درس حنين : لن نغلب من قلة ، هذا درس حنين ، هكذا الصحابة قالوا ، خاضوا مع النبي حروباً ، بذلوا له أرواحهم ، وأموالهم . ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (18)﴾
( سورة الفتح الآية : 18 )
مع كل هذه الميزات لما قالوا : لن نغلب من قلة ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
( سورة التوبة )
هناك درسين درس بدر ودرس حنين ، تقول : الله ، يتولاك ، تقول : أنا ، يتخلى عنك ، كلام واضح ، ناصح ، ناصع ، مبين ، مع كلمة (الله) يتولاك ، مع كلمة (أنا) يتخلى عنك ، في حرفتك ، في دراستك ، يا رب ، أنا متقن للحساب أما الجبر فعليك ، مرة قال له : أنا متقن مادة الجبر يا رب فسقط بالجبر ، أحياناً الإنسان تغلق عليه أفكاره .
أقول لكم مرة ثانية : القصص حول هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى ، تقول (أنا) يتخلى عنك ، تقول (الله) يتولاك ، أنا لا أريد مجاملات مع الله ، كله بفضل الله ، أريد حقيقة ، هل ترى أنه فضل الله عليك ؟ هل ترى أنك من دون الله لا شيء ؟ هل ترى أن الله سمح لك بالصحة ؟ سمح لك بالزواج ؟ سمح لك بكسب المال ؟ سمح لك أن تنطق بالحق ؟ إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك . السلطان في الآية التالية هو الحُجّة :
أيها الأخوة ، هناك سؤال : ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
( سورة الأنعام )
هنا السلطان الحُجَّة ، أنت لا تخاف من أنك أشركت بالله صنماً أو جهة لا تملك شيئاً ، ولا تخاف أنك أشركت الله عز وجل ، ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾
وأنا تدعوني أن أخاف من صنم بلا سلطان ، بلا دليل ، ولا تخاف أنك أشركت بالله ما لم ينزل عليك سلطاناً .
الآن السؤال مرة ثانية : تريدني أن أخاف من صنم ، ليس هناك من حجة أو دليل مقنع على أنه إله ، ولا تخاف أنك جعلت مع خالق السماوات والأرض شريكاً ، ليس هناك سلطان على شركه مع الله عز وجل ، ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
طبعاً إنسان يعتمد على حجر أو على صنم أم إنسان يعتمد على خالق السماوات والأرض ؟!! أي نوع من أنواع الإيمان له من الله حجة :
قال تعالى : ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
( سورة الأنعام )
أخواننا الكرام ، مرة الحسن البصري سيد التابعين كان عند والي البصرة ، وهو عنده جاء توجيه من يزيد ، إذا نفذه أغضب الله عز وجل ، وقع هذا الوالي في قلق شديد ، إن أغضب يزيد أزاحه من مكانه ، وإن أغضب الله أدخله النار ، قال له : ماذا أفعل ؟ ـ اسمعوا هذا الجواب يا أخوان ، هذا الجواب يجب أن يكون شعار كل إنسان ـ قال له : إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله .
إذا أخلصت لإنسان من دون الله ، وعبدته من دون الله ، لا يمنع عنك الورم الخبيث ، ولا الأمراض الوبيلة ، ولا حادث مروع ، ولكنك إذا كنت مع الله ، وأراد هذا الشريك الذي يدَّعيه الناس شريكاً لله أراد بك شراً فالله يحميك منه ، إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ، ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾
هذا الذي اعتمد على الله ، وهذا الذي اعتمد على صنم ، ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
جاء الجواب : ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾
قال العلماء : الظلم هنا الشرك ، لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾
( سورة لقمان )
﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾
وحدهم ، لم يقل أولئك الأمن لهم ، ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ﴾
على أنك مؤمن متواضع ، أي نوع من أنواع الإيمان له من الله حجة ، ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
فأنت حينما تملك حجة ناصعة واضحة قطعية ، فهذا دليل أنك مؤمن ولله الحمد .

العفريني
09-23-2011, 02:00 PM
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾
من أولى خصائص المؤمن أنه يملك حجة على الطرف الآخر ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، ولو اتخذه لعلمه ، شخصية المؤمن شخصية علمية ، وشخصية أخلاقية ، وشخصية جمالية ، شخصية علمية لأنه تتعرف إلى الله ، تتعرف إلى الحقيقة المطلقة ، وشخصية أخلاقية لا سبيل إلى أن يتقرب إلى الله عز وجل إلا بخلق عالٍ :

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة]
كفرق صارخ بين مؤمن وغير مؤمن الخلق ، هذا الذي قاله ابن القيم : " الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق ، زاد عليك في الإيمان " .
الجانب الثالث الجانب الجمالي ، هناك جانب معرفي ، وجانب خلقي ، وجانب جمالي ، على علم ، معه حجة ، على خلق ، من أسعد الناس ، سعادته لا تنبع من الخارج تنبع من داخله ، اللذائذ تأتي من الخارج ، اللذائذ الحسية تحتاج إلى مال ، تحتاج إلى وقت ، تحتاج إلى صحة ، تأتي من الخارج ، من طعام ، من بيت ، من امرأة ، من مركبة ، من مزرعة ، فلذلك المؤمن سعادته من داخله ، يملكها ، وما من واحد من بني البشر إلا ويملك أسباب سعادته ، فلذلك قال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
وقصص الأنبياء ليست لأخذ العلم بل للاقتداء ، وقد يبتعد ذهن المؤمن عن قصص الأنبياء السابقين ، لماذا ذكرهم الله في القرآن الكريم ؟ ذكرهم لنا ، ذكرهم ليكونوا قدوة ، وهذا الذي يقول : أنا لست نبياً ، هذا كلام سخيف ، من قال لك : إنك نبي ، لكن أنت مأمور أن تقتدي بالأنبياء ، وفي الحديث الشريف الصحيح : (( إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً العقيدة :
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾
هناك من يرى مفارقة بين قول الله عز وجل : ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (285)﴾
( سورة البقرة الآية : 285 )
وبين قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (253)﴾
( سورة البقرة الآية : 253)
من حيث فحوى الدعوة الرسل جميعاً دعوتهم واحدة . ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء )
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً العقيدة ، لا إله إلا الله ، السلوك طاعته ، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
هذا الدين السماوي على اختلاف الشرائع ، هناك دين أرضي . ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾
( سورة الكافرون )
المؤمن الحق منطلقه التوحيد :
المؤمن في أي مكان في الأرض يخضع لله عز وجل ، منطلقه التوحيد ، حركته العبادة ، الجانب المعرفي التوحيد ، لذلك يكاد يكون الدين توحيداً ، أما كدين يعتقد أتباعه أن الله خلق السماوات والأرض ، هذه العقيدة يعتقدها الشيطان أيضاً ، قال : ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)﴾
( سورة ص )
وقال : ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾
( سورة ص )
وقال : ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾
( سورة الأعراف )
أن تعتقد أن لهذا الكون إلهاً وهو رب عزيز ، دون أن ترى أن كل شيء بيده .
أخواننا الكرام ، الفيصل بين المؤمن الذي يستحق نصر الله عز وجل ، وبين المؤمن الذي هو رقم لا معنى له في عداد المؤمنين هو التوحيد ، الموحد لا يرى معطياً إلا الله ، ولا مانعاً إلا الله ، ولا رافعاً إلا الله ، ولا خافضاً إلا الله ، ولا معزاً إلا الله ، ولا مذلاً إلا الله ، لذلك المؤمن الموحد لا ينافق ، لماذا ينافق ؟ هذا الذي ينافق له ليس بيده شيء ، لا يملك لك ضراً ولا نفعاً ، ولا حياتاً ولا موتاً ، ولا رزقاً ، ولا مرضاً ولا صحة ، أنت حينما تؤمن أن الذي يملك نفعك وضرك هو الله ، يملك أن يعطيك أو يمنعك . أي خلل في السلوك يعزى إلى ضعف التوحيد وأي انضباط يعزى إلى قوة التوحيد :
الحقيقة كلمات التوحيد كلمات سهل فهمها ، أما كواقع تعيشه ؛ مثلاً : لو أن طالباً على مقعد الدراسة كان إلى جانبه طالب آخر ، الأول كان يعمل عملاً بسيطاً بدخل محدود جداً ، والثاني أصبح معه ملايين مملينة ؟ الأول مؤمن ومطيع لله ، والثاني متلفت من أي منهج ، الآن الأول لو قال : ليتني مثل فلان ، يؤكد أنه لا يملك من الإيمان ذرة ، لأن الله عز وجل قال : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب )
ما رأى أنه فاز فوزاً عظيماً بهذه الطاعة ، رأى أنه محروم ، وهذا المتفلت المنحرف قد أوتي شيئاً ثميناً .
لذلك فهم النص شيء وأن تعيشه شيء آخر ، فرق كبير بين أن تقول : مليار وبين أن تملكها ، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها ، فآيات التوحيد قد ننطق بها ، وقد نقول : لا إله إلا الله ، وقد نقول : لا معطي ولا مانع إلا الله ، وقد نقول : لا معز إلا الله ، ولا مذل إلا الله ، ولكن أن تؤمن بكل خلية في جسمك ، وبكل قطرة في دمك أن أهل الأرض أقويائهم وطغاتهم لا يملكون لك شيئاً ، هذه مشكلات المسلمين ، يرون أن الأقوياء بيدهم مصيرنا ، بيدهم أمننا ، بيدهم رفاهيتنا ، بيدهم أن يعذبونا ، هذه مشكلة المشكلات في العالم الإسلامي لذلك : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
أنت حينما تشعر أن أمرك بيد الله ، وصحتك بيد الله ، ورزقك بيد الله ، ومن فوقك بيد الله ، ومن تحتك بيد الله ، ومن حولك بيد الله ، ونجاحك بعملك بيد الله ، أنت حينما تؤمن بهذا لن تنافق ، ولن تكذب ، ولن تعصي خالقاً وتطيع مخلوقاً انتهى الأمر ، لذلك أقول لكم : أي خلل في السلوك يعزى إلى ضعف التوحيد ، وأي انضباط في السلوك يعزى إلى قوة التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
تجد بالمؤمن في توازن ، في أمن ، في رضا ، في أمل ، في تفاؤل ، الدنيا مهما اسودت لا تسحقه ، والأخبار مهما ساءت لا توقعه في اليأس ، يرى أن الله بيده كل شيء ، وأنا أقول دائماً : استمع إلى الأخبار ما شئت ، واقرأ كل التحليلات ، وكوِّن رأياً خاصاً ، ولا تنس ثانية واحدة أن الله موجود ، وأن الأمر بيد الله ، وأن يد الله فوق أيديهم ، وأن الله سبحانه وتعالى يقلب الموازين في يوم واحد ، بل في دقيقة واحدة ، بل في ثانية واحدة . سرّ ألفة المؤمنين أنهم ينطلقون من مثل عليا :
﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾
الأنبياء بحسب مرتبهم درجات ، وبحسب دعوتهم سواء . ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (253)﴾
( سورة البقرة الآية : 253 )
هناك رسل من أولي العزم ، وهناك رسل ليسوا من أولي العزم ، وهناك أنبياء ، أما دعوة أهل الحق فهي واحدة .
أخواننا الكرام ، أينما ذهبت في شرق الأرض وغربها ، المؤمن الموصول بالله ، في صفاته ، وفي أخلاقه ، وفي حركته ، وفي تصوراته ، يطابق أي مؤمن آخر ، لذلك أكبر تفسير علمي للأخوة الإيمانية هو التطابق ، التطابق التام بين مفردات خصائص النفس ، أنت الآن لماذا تجلس مع إنسان عشر ساعات ولا تمل ؟ لأن نقاط التشابه بينك وبينه كبيرة جداً ، ولماذا لا تحتمل أن تجلس مع إنسان ربع ساعة ؟ لأن نقاط التشابه قليلة جداً ، النظيف لا يحتمل أن يجلس مع القذر ، ونظيف اللسان لا يحتمل أن يجلس مع بذيء اللسان ، الوفي لا يطيق الخائن ، والصادق لا يطيق الكاذب ، فسرّ ألفة المؤمنين أنهم ينطلقون من مثل عليا أنهم نظيفون من الداخل ، أنهم أعفة ، أنهم صادقون ، أنهم أمناء ، أنهم رحماء ، أنهم عقلاء ، أنهم يحبون الله ورسوله ، لذلك رُبّ أخ لك لم تلده أمك .
الشيء الذي يحير يا أخوان ، قد يسافر إنسان إلى أطراف الدنيا ، في أي مكان يلتقي مع المؤمن كأنه أخوه ، يا رَبّ لا أعرفه ‍‍‍، قد تسافر إلى آخر الدنيا فتلتقي مع إنسان متصل بالله ، لطيف ، منطقي ، وفي ، صادق ، أمين ، عفيف ، فهذه سر ألفة المؤمنين ، وهؤلاء الذين يخرفون ويقولون : الدين عامل تفرقة ، لا ، الدين عامل وحدة ، أما هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل فقد قال الله عنهم : ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (14)﴾
( سورة الحشر الآية : 14 )
عظمة هذا الدين أن المثل العليا أصبحت واقعية :
قال تعالى : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)﴾
( سورة الأنعام )
أخواننا الكرام ، دائماً وأبداً المثل العليا تحتاج إلى مثل ، والمشكلة أنك إذا قرأت عن المثل العليا ولم ترَ هذه المثل في إنسان أمامك عندئذٍ لا تحفل بها ، لذلك الآن كلمة السخرية بلا مثاليات ، وكأن كلمة مثالية تهمة ، لماذا ؟ لأن الناس ينطقون بها ولا يفعلونها ، فأصبحت شيئاً ليس واقعياً ، لكن عظمة هذا الدين أن المثل العليا أصبحت واقعية .
امرأة رائعة الجمال ، خطبها كبار الصحابة ، وعند رسول الله صحابي فقير جداً ، معدم ، وفوق فقره الشديد كان دميماً ، وفي بعض الروايات كان أعور العين ، دميماً ، فقيراً ، وفي رواية أنه يعرج ، لا يملك شيئاً من مقومات الجمال ، مع فقر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشفق عليه ، قال له : يا جليبيب ، ألا تتزوج ؟ فقال له : من يزوجني يا رسول الله ؟ هو يرى أن زواجه مستحيل ، من سابع المستحيلات أن تقبل به فتاة في الأرض ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أقام مجتمعاً فاضلاً ، جاءه بعض الصحابة وأخبره أن ابنته هذه رائعة الجمال مات عنها زوجها ، فقال له : إني أخطب ابنتك ، فطار من الفرح ، ماذا ظن ؟ أن النبي يخطبها لنفسه ، قال له : لا ، ليست لي ، لجليبيب ، إنسان عنده فتاة بارعة الجمال ، قد يخطبها علية القوم ، النبي يريد أن يزوجها لهذا الفقير ، وفي رواية أعور ، وفي رواية دميم ، قال : أريد أن أستأمر أمها ، ما تحمل الصدمة ، فجاء إلى أمها ، وقال : جاء رسول الله يخطب ابنتنا ، ففرحت ، قال : لا ، ليست له ، ولكن لجليبيب ، قالت : والله لا يكون ذلك ، فسمعت البنت الحوار بين أمها وأبيها ، قالت : أنا أوافق ، لأن رسول الله لا يضيعني .
هذا المجتمع ، فُتِحت أقطار الأرض بهذه القيم ، وافقوا ، وافقوا ، لأن البنت وافقت ، ثم ما معه شيء يقيم فيه حياته الزوجية ، بعض الصحابة تبرع له ببعض المبلغ ، بدأ يجهز البيت والحاجات الأساسية الخشنة جداً ، وفي يوم عرسه نادى داعي الجهاد ، فانخرط في الجهاد ، وبعد المعركة ـ هذا في معركة أحد ـ تفقد النبي أصحابه وسأل عن الذين استشهدوا ، فذكروا أسماءهم ، قال : هل بقي أحد لم تذكروه ؟ قالوا : لم يبقَ أحد ، قال : أين جليبيب ؟ فتفقده بنفسه في أرض المعركة ، فرآه مستشهداً ، حمله على يديه ، وقال الصحابة الكرام : ما زال نهاده ساعدي رسول الله حتى حفر له القبر ودفن ، هذه الفتاة خطبها كبار الصحابة بعد ذلك . قدوة المؤمن أنبياء الله :
أنا أقول : هاتوا لي مجتمعاً يقيم للحق شأناً كبيراً ولا يقيم للقيم المادية شأناً كبيراً ، أفتح لكم بهم أطراف الدنيا ، الآن المسلمون في إطار إسلامي لكن ليس فيه مضمون إسلامي ، الآن طرق الزواج كلها مغلقة والسبب مطالب الأهل فوق طاقة الشباب يُحمّل الشاب ما لا يحتمل، فصار طريق السفاح أقرب من طريق النكاح ، وهذه الدعارة المتفشية في العالم سببها هذا .
أيها الأخوة الكرام ، ما لم يكن مجتمع المؤمنين مجتمعاً صارخاً بكماله ، بتواضع أفكاره ، بتضحياتهم ، بتحكيم قيم الشرع فوق قيم الدنيا فلا سبيل إلى التقدم .
هؤلاء الأنبياء قمم البشر ، وأنا أقول لكم : قل لي من قدوتك في الدنيا أقل لك من أنت ، أنا مؤمن أن المؤمن قدوته أنبياء الله ، وكل نبي له خاصة ، هناك نبي يأكل من عمل يديه سيدنا داود ، فالمحترف لا يرى أنه أقل ممن له تجارة عريضة : (( أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هناك نبي كان أبوه مشركاً ، سيدنا إبراهيم ، عابد صنم ، وثنيّ ، وهناك نبي زوجته كانت سيئة جداً ، سيدنا لوط وسيدنا نوح ، وهناك نبي ابنه سيئ سيدنا نوح ، فكل نبي له ظرف ، فأنت لك أسوة حسنة بهؤلاء الأنبياء . ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ﴾
بعضهم يكتشف أن الهبة بلا مقابل ، فقد تكون من ألمع الناس وليس ابنك كما تتمنى ، هذا امتحان صعب ، صعب جداً ، ولعل الله أراد من هذا الامتحان أن يجعل من نسلك هذا الابن ، فلعلك تصلحه ، وقد تجد إنساناً ؛ رجلاً صالحاً وزوجته ليست ملتزمة كما ينبغي ، أيضاً لحكمة أرادها الله عز وجل لعلها تصلح معه ، هذه الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء ، فكلما حدث أمر قد تجد في نبي من هؤلاء الأنبياء العظام قدوة لك ، يُعدّ هذا النبي في سلوكه منهجاً ترسم معالمه فيما بينك وبين نفسك . الأنبياء جميعاً يجب أن يكونوا منهجاً للبشرية :
سيدنا داود رجح جانب القرب من الله على خدمة الخلق فعوتب ، سيدنا سليمان رجح جانب العمل الصالح على القرب من الله فعوتب ، فكل نبي نموذج ، نحن في حاجة أن ندرس طبيعة هذا النبي الكريم ، و ما الذي تفوق فيه ، ومن الذي عوتب من أجله ، لتكون هؤلاء الكوكبة من أعلام أهل الأرض منهجاً للبشرية ، طبعاً نحن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يمنع مثلاً أن تقرأ قصة سيدنا يونس حينما وجد نفسه فجأة في بطن الحوت . ﴿ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
درس بليغ ، ويعطي هذا الدرس ثقة بنصر الله لا حدود له ، ممكن لإنسان مؤمن وهو بريء مئة بالمئة أن يدخل السجن لحكمة أرادها الله ، فإذا قرأ في القرآن أن نبياً كريماً عند الله دخل السجن ، هذه القصة تعطيه طمأنينة لا حدود لها ، لأن السجن قد يدخله إنسان بريء ، وقد دخله نبي كريم ، الحديث طويل ، كل نبي بماذا تفوق ؟ نبي كان وسيماً جداً ، سيدنا يوسف ، وكان أعزب ، وكان بعيداً عن أهله ، وكان في قصر العزيز ، وراودته امرأة العزيز ، وهي سيدته ، وليس لصالحها أن يعلم أحد بهذا ، وهو غريب ، وشاب ، ووسيم ، وعبد ، ومأمور ، عدّ علماء التفسير أكثر من عشر استثناءات تدعوه إلى أن يقترف الفاحشة ، ومع ذلك قال : ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾
( سورة يوسف )
النبي يسعى بكل ما أتاه الله عز وجل لترسيخ الحق دائماً :
الشباب جميعاً من قدوتهم الحقيقي ؟ سيدنا يوسف ، وأصحاب الصناعات من قدوتهم؟ سيدنا داود ، وحينما يشتد الهول ويحتد الخطب ويهدد المؤمنون يأتي قول سيدنا هود : ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
سيدنا إبراهيم كان فتىً ، ومن فتوته كان حريصاً على التوحيد وكسر الأصنام ليعلّم هؤلاء الوثنيين درساً لا ينسى ، قال : ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)﴾
( سورة الأنبياء )
تجد النبي يسعى بكل ما أتاه الله عز وجل لترسيخ الحق دائماً .
أنا أتمنى أنك إذا قرأت قصص الأنبياء والمرسلين أن تجعل من كل نبي قدوة لك ، هذا في جهاده ، هذا في صبره ، هذا في صبره على بلاء الله عز وجل كسيدنا أيوب ، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم كمالات الأنبياء جميعاً في شخصه ، فقال الله عز وجل : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
( سورة القلم )
الله عز وجل منح الإنسان نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد :
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ﴾
أحياناً هناك شيء غير واضح في الشرع ، فيأتي إنسان لا يطبق هذا الحكم الشرعي حتى يفهم ما الحكمة ، إذاً هو لا يعبد الله ، يعبد ذاته ، فالأمر إذا لم يفهمه لا يطبقه ، القضية سهلة جداً ، قد تأتمر بأمر عدو له لصالحك ، لو لك عدو قال لك : ابتعد عن الملح الزائد ، مثلاً ، فهو يرفع الضغط ، والضغط هو القاتل الصامت ، وأنت على وعي صحي ، فتقنع بهذه النصيحة ، فتبتعد عن الملح ، فأن تطيع الشيء لوضوح حكمته ، قضية سهلة جداً ، لا تكلف إطلاقاً ، ولكن أن يقال لإنسان له ابن كالبدر ، وهو نبي مثله : اذبحه ، هذا الأمر لا يقبل لا على مستوى خلقي ، ولا مستوى على تشريعي ، ولا على أي مستوى ، غير معقول . ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (102)﴾
وقال :
﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ (102)﴾
( سورة الصافات : 102 )
الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، تجده في قضية من الدين يقول : ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾
مأخذ ، ترك الدين من أجل كلمة واضربوهن ، فهمت تفسيرها ؟ فهمت أبعادها ؟ فهمت حكمتها ؟ أو المرتد يُقتَل ، من قال لك: يُقتَل ؟ يُستتاب ، فتجد شخصاً همه أن يبحث عن المآخذ في هذا الدين ويجعل هذه المآخذ مبرراً للانصراف عن الدين ، وكل مأخذ تتوهمه مأخذاً هو له كمال ما بعده كمال ، الآن المرأة يؤلمها ألماً شديداً أن تكون شهادتها نصف شهادة الرجل ، وقد غاب عنها أن المسلمين في شتى أقطارهم يعدون مليار وأربعمئة مليون ، لو أنهم متوحدون في عباداتهم ، يمكن لامرأة واحدة بشهادتها الوحيدة أن تدخل مليار وأربعمئة مليون مسلم في ثاني أكبر عبادة بشهادتها وحدها وهي الصوم . بعض أساليب تشويه الدين :
رجل يملك مليارات ، وأنجب طفلاً ، ومات ، فإذا صرخ قبل أن يموت فهناك مسألة في المواريث ، وإذا لم يصرخ فهناك مسألة أخرى ، وقد يكون الفرق في مئتي مليون ، من هي المرأة التي تشهد وحدها أنه صرخ أم لم يصرخ ؟ القابلة فقط ، يخفون هذا الشأن الكبير للمرأة ، كل قضايا النساء المرأة وحدها تشهد ، وحدها ، بينما في كل قضايا الرجال الحكم الشرعي يحتاج إلى شاهدين ، أما المرأة فتشهد وحدها ، وشهادتها مضاعفة ، أما إذا اتهمت في شرفها فشهادتها بأربع شهادات ، انظر إلى النقاط الإيجابية ، لا يعرفون من الدين إلا أن المرأة شهادتها بنصف شهادة ، في أي موضوع ، في جريمة جنسية ، في علاقة مالية معقدة جداً ، هي اهتماماتها عاطفية ، اهتماماتها بعيدة عن الجرائم ، وعن قضايا المال ، والصرف ، والأسعار ، فلذلك الله في شأن لا يعنيها ، وفي شأن هي بعيدة عنه ، وفي شأن هي فوقه أعفاها من تكون وحدها مسؤولة ، عندما تقول المرأة : عندنا كلمتان ، شهادتها نصف شهادة ، واضربوهن ، تقول : إقامة شرع الله ، هذا الشرع الذي فيه مليار قضية لا نفهم منه إلا قطع اليد فقط ، النكير الغربي يشوه الدين ، إذا تكلم شخص كلمة : أنني أريد أن أطبق شرع الله ، لا يقفز إلى الذهن إلا قطع اليد ، أريد أن أعالج وضع المرأة في الإسلام ، لا يقفز إلا الذهن إلا أن شهادتها نصف شهادة . ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (282)﴾
( سورة البقرة الآية : 282 )
هناك كيد ، أما أنت حينما تفهم دينك فهماً عميقاً قضية الأسر فرضاً ، أو العبودية ، اسمع الحق ، أنت صاحب رسالة من السماء ، أنت المسلم . ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
( سورة البقرة الآية : 143 )
يجب أن تنتشر هذه الرسالة ، الآن دول قوية ثقافتها تفرضها على كل الشعوب وبالقوة ، أليس كذلك ؟ ثقافة القطب الواحد ألا تفرض على كل الشعوب بالقوة وبالضحايا ، وهي من عندهم وليست من السماء ، فكيف إذا كان معك وحي السماء ؟!! نستطيع أن نأخذ من كل نبي شيئاً عظيماً يعيننا على مواجهة الحياة :
الله عز وجل أمرك أن تنشر هذا الدين ، كيف ؟ أن تعرضه على الطرف الآخر ، فإن قبلوه فهم منا ونحن منهم ، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وإن رفضوه نتعايش معهم ، نعفيهم من أن يخوضوا حروبنا ، ونأخذ البدل النقدي منهم فقط ، نحمي لهم أهلهم وأولادهم وأموالهم ، فإن رفضوا إلا أن يقاتلوا ، نحن نحرص على أن نأسرهم لا أن نقاتلهم ، لا يوجد في الإسلام شيء اسمه إبادة ، كان الصحابة الكرام يطعمون أسراهم أطيب الطعام ، ويأكلون أردأه ، وقد خلع النبي قميصه وألبسه لأسير ، الإنسان الأسير حينما تكرمه ، تطعمه ، تطمئنه ، تبالغ في إكرامه ، ينبغي أن يحبك ، وأن يسلم ، قال : ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإخوانكُمْ فِي الدِّينِ (11)﴾
( سورة التوبة الآية : 11 )
هذه القصة كلها ، يصبح رقّاً وعبودية وسوق نخاسة ، فالكيد على الإسلام كبير جداً.
والله أيها الأخوة ، ما دام هذا الإسلام منهج الله عز وجل فكمال هذا الدين مطلق ، ولكن يتعرض الإسلام إلى تشويهات ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا سيما في هذه الأيام ، المسلم متهم سلفاً ما لم تثبت براءته ، ولن تثبت ، ولو ثبتت لا يقر بذلك ، أي حدث عنيف في الأرض فاعله مسلم . تقرأ قصة إبراهيم في طواعيته لله ، في ثقته بالله ، في عبوديته لله ، ولو لم يفهم الحكم ، تقرأ قصة يوسف ، قصة نوح عاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، الآن إذا دعا إنسان إلى الله ولم يجد من يستمع إليه يقول لك : هذا العمل لا جدوى منه ، يترك فوراً ، أو إذا سئل سؤالاً معيناً من جهات معينة يلغي الدرس كله ، يقول لك : لا أريد أن أوجع رأسي ، أين سيدنا نوح ؟ ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً (14)﴾
( سورة العنكبوت الآية : 14 )
ممكن أن تأخذ من كل نبي شيئاً عظيماً يعنيك على مواجهة الحياة . يجب على الداعية أن يفكر أن يكون له خلفاء لتستمر الدعوة :
هؤلاء الأنبياء : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ ﴾
سيدنا هارون كان فصيحاً ، وسيدنا موسى كان عنده حبسة : ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27)﴾
( سورة طه )
من هو الرسول ؟ سيدنا موسى ، معنى ذلك ما كل فصيح له مقام عند الله كبير ، نحن أحياناً نتوهم أن كل إنسان فصيح له مكان كبير ، ما هذه الخطبة يا أخي ‍؟ العبرة بفصاحة القلب ، العبرة بتقوى القلب ، العبرة بطهارة النفس ، فسيدنا هارون كان نبيّاً ، لكن من هو الرسول ؟ الذي معه حبسة ، أي سيدنا موسى عليه السلام : ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27)يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29)هَارُونَ أَخِي (30)﴾
( سورة طه )
وزكريا : ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4)وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6)﴾
( سورة مريم )
يفكر الداعية أن يكون له خلفاء ، أن تكون الدعوة مستمرة ، لمَ الأضواء كلها مسلطة على شخصه فإذا مات انتهت الدعوة ، مادام هو حيّاً فهو بأعلى درجة من التكريم ، لكنه ما فكر أبداً أن تستمر هذه الدعوة من بعده ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، لذلك بقدر إخلاصك تهيئ من يخلفك في هذه الدعوة . كل نبي فيه شيء براق في حياته ينبغي أن يكون منهجاً لنا :
كل نبي فيه شيء براق في حياته ينبغي أن يكون منهجاً لنا ، أحيانا تجد كبار العلماء ماتوا دون الخمسين ، سيدنا الشافعي مات دون الخمسين ، النووي مات دون الخمسين وترك آثاراً لا يعلم خيراتها إلا الله ، ترك مؤلفات لا يعلم آثارها إلا الله ، العمر الزمني أتفه عمر .
أنا أذكر بعض الخواطر حول هؤلاء الأنبياء ، كل نبي فيه شيء صارخ ، يمكن أن يكون منهجاً لنا في حياتنا . ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ ﴾
يونس : ﴿ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (87)﴾
( سورة الأنبياء الآية : 87 )
سيدنا يونس غلب عليه أن قومه لن يهتدوا بدعوته ، فالله أجرى له درساً بليغاً نتعلمه نحن أيضاً ، ﴿ وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
﴿ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخوانهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)﴾
ألا تتأثر بقوله تعالى :
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾
( سورة الطور الآية : 21 )
لو أن إنساناً أنجب أولاداً واعتنى بإيمانهم حتى بلغوا مرتبة عالية ، قد يأتي من ذريتهم ملايين مملينة يوم القيامة ، كل هؤلاء الملايين في صحيفة الأب الذي علم ابنه ، لذلك: (( أفضل كسب الرجل ولده ))
[ رواه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]
التمييز يوم القيامة :
الآن لا يملك المسلمون إلا أولادهم ، لا يملكون شيئاً ، والورقة الرابحة الوحيدة في أيديهم أولادهم ، لذلك كل إنسان يجب أن يبذل قصارى إمكاناته كي يكون ابنه مؤمناً ينفع الناس من بعده ، حتى سيدنا عمر يقول : " أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة إلا رجاء ولد ينفع الناس من بعدي " . ﴿ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخوانهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
فإذا هدى الله عز وجل الواحد إلى صراط مستقيم ، فحركته في الحياة وفق منهج الله ، يعرف الحلال والحرام ، يأخذ ما له ويدع ما ليس له ، يضبط لسانه ، يضبط عينيه ، يضبط يده ، يضبط مجلسه ، يضبط أسرته ، يضبط دخله ، يضبط إنفاقه ، هذه نعمة لا تعدلها نعمة .
أيها الأخوة ، لكن نحن الآن في العالم الدراسي الشعبة فيها ستون طالباً ، الكسول والمتفوق لهما اللباس المدرسي نفسه ، لا يرى بالعين من هو المتفوق ، أما عند الامتحان فيكرم المرء أو يهان ، ضمن العام الدراسي الأمور غير واضحة ، لكن بعد الامتحان فلان ناجح بامتياز ، فلان جيد جداً ، جيد ، مقبول ، راسب ، وهناك راسب باستحقاق ، وآخذ الصفر وراسب بجدارة . فالتمييز يوم القيامة . ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55)هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)﴾
بعد هذا :
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)﴾
( سورة يس )
ابتعدوا عنهم ، ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
فأنت عندما تقرأ القرآن يجب أن تتغلغل هذه المعاني إلى أعماقك ، الآن قد تجد مؤمناً ضعيفاً موظفاً بيته ستون متراً ، دخله أقل من حاجته بكثير ، لا أحد يأبه له ، ولكن له وزن عند الله كجبل أحد ، لأن النبي الكريم مرة دخل أحد الصحابة الفقراء ، قام وهش له وبش ، وقال : أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل ، قال : أو مثلي ؟ قال : نعم يا أخي ، أنت ، خامل في الأرض علم في السماء . من كان مؤمناً و مستقيماً فلا ينبغي له أن يذلّ نفسه :
أنت لا تهتم لمرتبتك الاجتماعية ، قد تكون حاجباً ، قد تكون موظفاً من الدرجة الخامسة ، ضارب آلة كاتبة على الوارد والصادر ، لكنك مؤمن ، ومستقيم ، وتحب الله ورسوله ، وبيتك إسلامي ، ودخلك حلال ، ما أكلت حراماً أبداً ، قلامة ظفرك تساوي مليون إنسان يعصي الله ، فأنا أحب إذا كنت مؤمناً ومستقيماً أن تعرف من أنت ، لا تكن هيناً على الناس ، اعرف قدر نفسك ، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه : (( اطلبوا الحوائج بعزِة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ رواه تمام وابن عساكر عن عبد الله بن يسر ]
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)﴾
من يشاء الهداية من عباده يهديه الله عز وجل ، هذا المعنى الدقيق ،
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ﴾
مبذول ، ﴿ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾
لا تكن جبرياً ، لا تفهمها فهماً ما أراده الله ، حتى يشاء الله أن أهتدي ، الله هداك وانتهى ، مثل الإذاعة تبث ، ومعك جهاز استقبال ، عندما يخطر في بالك تستقبل الإذاعة ، جاهزة ، تكلفك حركة صغيرة ، أخي حتى يبثوا ، البث مستمر ، ما عليك إلا أن تلتقط هذا البث ، الله هداك ، وانتهى الأمر ، نصب لك الكون كله يدل على عظمته ، أرسل له رسلاً ، بعث أنبياء ، أنزل كتباً ، كل أفعاله تدل عليه ، أخي حتى يهديني الله ، سيأتيك وحي حتى يهديك الله ؟ الله هداك ، وانتهى الأمر ، بقي أن تستقبل هذا الهدى ، بقي أن تأتمر بما أمر . دين الله دين توحيد :
أخواننا الكرام ، مرة ثانية ، في هذه الآية عدد كبير من الأنبياء ، لكن أنبياء الله عز وجل لم يُذكروا جميعاً في القرآن الكريم . ﴿ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78)﴾
( سورة غافر الآية : 78 )
قد تستمعون إلى بعض الصالحين في بلاد بعيدة كانوا أنبياء ، لكن بعض الأتباع ألهوهم بعد موتهم ، على كلٍ الأنبياء الذين ذكروا في القرآن الكريم هذه آية فيها عدد كبير منهم ، والعبرة أن تقرأ قصة كل نبي ، وأن تستنبط منها درساً في حياتك يعينك على متابعة الطريق إلى الله عز وجل ، ﴿ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخوانهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
لأن دين الله دين توحيد ، الأمر بيد الله وحده ، يد الله تعمل وحدها .

العفريني
09-23-2011, 02:01 PM
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)﴾
أولاً : الله عز وجل حينما قال :
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾
( سورة الليل )
أي تولى بذاته العلية هداية خلقه ، وكلمة( على ) مع لفظ الجلالة تعني أن الله ألزم نفسه إلزاماً ذاتياً أن يهدي عباده ، وحينما تعتقد أن الله لا يهدي عباده ، ولا ينزل على رسله الكتب ، ولا يرسل الأنبياء فإنك لا تعرفه إطلاقاً ، فمن لوازم كماله هداية خلقه .
بشكل مبسط : أب جالس ، ابنه الصغير يقترب من المدفأة ، هل يبقى ساكتاً ؟ يتحرك ، ينبه ، يحذر فإن لم يستجب قام من مجلسه ، وأمسكه ، وأبعده عن المدفأة ، هذا الحد الأدنى من لوازم الأب الرحيم .
فمجرد أن تتوهم أن الله يبقي عباده من دون إرشاد ، أو توجيه ، أو تعريف ، أو هداية فأنت لا تعرف الله ، وبعد قليل تأتي الآية الكريمة : ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ (91)﴾
( سورة الأنعام الآية : 91 )
الله عز وجل لا يبين لك الهدف يبين لك الطريق إلى الهدف :
حينما تقول : ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾
أي إنك لا تعرف الله ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
آية ثانية : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ (9)﴾
( سورة النحل الآية : 9 )
قال علماء التفسير : وعلى الله بيان سبيل القصد ، الآن الله عز وجل لا يبين لك الهدف يبين لك الطريق إلى الهدف ، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾
أي على الله بيان سبيل القصد ، الطريق الموصل إلى الهدى .
إذاً : هناك من تسأله : لمَ لا تصلي ؟ لمَ لا تستقيم ؟ يقول لك بسذاجة ما بعدها سذاجة : لم يهدنِي الله بعد ، الجواب : الله عز وجل هداك وانتهى الأمر ، بقي أن تستجيب .
إذاعة تبث برامجها على أمواج الأثير ، ومعك جهاز استقبال ، أنت مكلف أن تحرك مؤشر هذا الجهاز إلى المحطة ، فإن لم تفعل فالذنب ذنبك ، فأنت المقصر ، وأنت المسؤول ، البث مستمر ، بقي أن تتلقى هذا البث .
الهداية مستمرة ، الله عز وجل هداك بهذا الكون ، كل شيء في الكون ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، وهداك بهذا القرآن ، وهداك بالنبي العدنان ، وهداك بالدعاة المخلصين ، وهداك بالمعالجة النفسية ؛ بين ضيق ، بين كآبة ، بين انشرح ، بين تفاؤل ، وهداك بأفعاله ، إن أحسنت دعمك بمكافئة ، وإن أسأت نبهك بعقوبة ، فيهديك بخلقه ، ويهديك بكلامه ، ويهديك بنبيه ، ويهديك بالعلماء الصادقين ، ويهديك نفسياً ، ويهديك بأفعاله ، تقول : حتى الله يهديني ، الله هدايته مستمرة ، بقي أن تستجيب ، والآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24)﴾
( سورة الأنفال الآية : 24 )
الطريق إلى معرفة الله التفكر في خلق الله :
إذاً ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ﴾
ذلك تعود على شيء سابق ، سيدنا إبراهيم لما رأى قال : ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)﴾
( سورة الأنعام )
وقال : ﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ (77)﴾
( سورة الأنعام الآية : 77 )
وقال : ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي (78)﴾
( سورة الأنعام الآية : 78 )
الطريق إلى معرفة الله التفكر في خلق الله ، هذا دليل قوي جداً ، ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾
ما الذي يمنع أن يعود فعل يشاء على الإنسان ؟ ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾
الهداية ، أنت مخير ، لماذا تريد أن تجعل الهداية قضاء وقدراً وألا تجعلها اختياراً ؟ لأنك إن جعلتها قضاء وقدراً توهمت أنك لست مسؤولاً عن عدم الهداية ، أما حينما تجعلها اختياراً فأنت المقصر ، ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾
في آيات كثيرة جداً ، على كلٍ لو أن هناك ألف آية يشم منها رائحة الجبر ، وفي آية واحدة محكمة تنطبق بالاختيار ، كل الآيات المتشابهات تحمل على هذه الآية المحكمة ، هذه قاعدة أصولية ، حينما يقول الله عز وجل : ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ (148)﴾
( سورة الأنعام الآية : 148 )
قال علماء التفسير : هذه الآية أصل في أن الإنسان مخير ، أية آية يشم منها رائحة الجبر تحمل على هذه الآية ، يهدي به من عباده من يشاء الهداية ، تريد أن تهتدي الهدى جاهز ، تريد أن تعصي المعصية جاهزة ، أنت مخير افعل ما تشاء . في اللحظة التي تتوهم فيها أنك مسير في كل شيء وقعت في خطأ قاتل :
قال تعالى : ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (148)﴾
( سورة البقرة الآية : 148 )
وقال : ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
وقال : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان )
في اللحظة التي تتوهم فيها أنك مسير في كل شيء وقعت في خطأ قاتل ، عندئذٍ لا معنى لا للجنة ، ولا للنار ، ولا للثواب ، ولا للعقاب ، ولا للأمانة ، ولا للتكليف ، ولا للمسؤولية ، وكل ما في الدين يصبح تمثيلية سمجة .
أحياناً يعلن عن مسابقة ، ويتقدم المئات ، وتؤلف لجان لفحص المتسابقين فحصاً تحريريّاً ، وفحصاً شفهيّاً ، وقدرات ذكاء ، وقدرات عامة ، وخاصة ، والذي سوف يقبل معروف سلفاً قبل إجراء المسابقة ، أليست هذه تمثيلية سمجة .
أيعقل أن خالق الأكوان ، مبدع الإنسان ، خلقه كافراً وقدَّر عليه الكفر ؟ وقدر عليه المعصية ، ثم يرسل له الأنبياء والمرسلين ، وينزل الكتب ، ويدعوه إلى الهدى والإيمان، كلام لا معنى له .
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إيّاك إياك أن تبتل في الماء
***
الإنسان مسير ومخير :
كمال الله عز وجل يفوق الخيال . ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾
( سورة سبأ )
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾
بالمناسبة ، وبكلام مختصر ، أنت مسير ومخير ، أنت مسير في كونك ذكراً أو أنثى ، أحد سألك : ما تحب أن تكون ؟ لا أحد سألك ، أنت مسير في أبيك ، هل اخترت أباك؟ أبداً ، اخترت أمك ؟ لا ، اخترت أنت مولود في دمشق عام 1949 ؟ لا ، لو ولدت في شيكاغو مثلاً ، في ألاسكا ، لو ولدت قبل الإسلام ، في الجاهلية ، كونك ولدت ذكراً أو أنثى ، من فلان وفلانة ، في المكان الفلاني ، في الزمان الفلاني ، الآن شكلك ، قدراتك ، إمكاناتك ، هذه كلها أنت فيها مسير ، ولكن لو كشف الله لك الغطاء لا بد من أن تذوب محبة لله ، لأنه اختار لك أفضل شيء لإيمانك ، وهذا معنى قول النبي الكريم : (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس وعن عمران بن حصين ]
يسر لك زماناً معيناً ، مكاناً معيناً ، أباً معيناً ، أماً معينة ، جنساً معيناً ، هذا الذي اختاره الله لك هو أقرب شيء لمصلحة آخرتك ، لذلك ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني ، هذه واحدة ، أما حينما كلفك فأنت مخير ، كلفك أن تكون صادقاً ، وأميناً ، وعفيفاً ، وكلفك بالصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، وكلفك بغض البصر ، وكلفك بالنطق بالحق ، ونهاك عن الغيبة ، والنميمة ، والبهتان ، وقول الزور ، ونهاك أن تؤذي إنساناً بكلمة أو بتصرف ، فهناك أوامر ومنهيات ، أنت في هذا النطاق مخير ، بالتعبير الدقيق مخير فيما كلفت به .
هناك تفسير ثانٍ : لو أن إنساناً اختار أن يؤذي المسلمين ، ذكي جداً ، معه وسائل عالية جداً ، وغش المسلمين ، النقطة الدقيقة جداً الله عز وجل رب ، والرب يختلف عن السيد، لو كنت صاحب مؤسسة تجارية وعينت موظفاً ، وكلفت إنساناً أن يراقبه ، يراقب دوامه ، يحصي عليه أخطاءه ، لكن لا يتعاطف معه ، فالمهمة الأولى أن تسجل عليه أخطاء ، فإذا بلغت حداً غير مطلوب فصلته ، لو أن ابنك داوم يوماً بالمؤسسة هل يصبح هدفك أن تسجل أخطاءه ؟ لا ، تعالجه واحدة وَاحدة ، كلما أخطأ تنبهه . الله تعالى يسيّر عبده ليؤدبه :
الله عز وجل هيأ لك أفضل ما يناسبك ثم خيرك ، الآن لو اخترت اختياراً خاطئاً يسلب منك اختيارك ويسيّرك ليؤدبك . (( إن الله إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))
[ أخرجه الخطيب في التاريخ عن ابن عباس ]
هناك تسيير ثان ، التسيير الأول : هيأ لك أفضل ظرف ، وخصائص ، ومواصفات كي تكون من أهل الجنة ، ثم خيرك ، لو أسأت الاختيار يعالجك في الدنيا . ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30)﴾
( سورة الشورى الآية : 30 )
(( ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر ))
[ رواه ابن عساكر عن البراء ]
أنت تقع في التسيير الثاني ، مهما كنت ذكياً ، مهما كنت عاقلاً ، مهما تراكمت خبراتك ، حينما تقتضي حكمة الله تأديبك يأخذ منك لبك ، ويأخذ منك خبرتك ، ويأخذ منك علمك ، وتتورط في عمل تدفع ثمنه باهظاً ، هذا التسيير الثاني .
أول تسيير لصالحك ، ثاني تسيير كي يربيك ، فأذكى الأذكياء يرتكب أكبر حماقة أحياناً ، حينما يرتكب هذه الحماقة يساق له عذاب أليم كي يلفت الله نظره إلى معصية كبيرة .
إذاً الله عز وجل رب العالمين ، تذكر مثلاً ابنك بالمؤسسة ، ليس الموضوع تسجيل أخطائه ، الموضوع محاسبته عن كل خطأ على حدة ، فوراً ، فكلما علا مقامك عند الله جاء التأديب سريعاً ، إذا أحب الله عبده ابتلاه ، وكلما ضعف إيمانك جاء التأديب متأخراً إلى أن تتراكم الذنوب ، فيأتي تأديب قد لا تحتمله . أنواع المصائب :
إذا أحب الله عبده ابتلاه ، هذا معنى قوله تعالى : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾
( سورة البقرة )
إذاً مصائب المؤمن مصائب دفع ومصائب رفع ، مصائب العاصي والكافر مصائب قصم أو مصائب ردع ، مصائب الأنبياء مصائب كشف ، ينطوي على حقيقة إنسانية باهرة لا تظهر إلا في الظروف الصعبة ، الأنبياء مصائبهم مصائب كشف ، المؤمنون مصائب دفع أو رفع ، العصاة مصائب تأديب ، الكفار مصائب قصم ، و كل مصيبة تشبه أختها ، ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
الإيمان هو التوحيد ، والشرك نقيض التوحيد ، الشرك أن تتجه لغير الله . أوضح مثل أردده كثيراً : ركبت قطاراً من دمشق إلى حلب ، ولك في هذه المدينة مبلغ كبير جداً ، ما عليك إلا أن تذهب إليها لتأخذ المبلغ ، قد ترتكب أخطاء كثيرة في القطار ، قد تقطع بطاقة من الدرجة الأولى ، وتجلس في الدرجة الثالثة ، هذا خطأ كبير ، لكن القطار يمشي باتجاه حلب ، قد تجلس مع شباب ليسوا لبقين وتنزعج منهم انزعاجاً شديداً ، هذا خطأ ثان ، لكن الطريق متجه إلى حلب ، قد تتلوى من الجوع ولا تعلم أن في القطار مطعماً ، هذا خطأ ثالث، لكن القطار يتجه إلى حلب ، قد تجلس بعكس القطار تصاب بالدوار ، هذا خطأ رابع ، لكن القطار متجه إلى حلب ، هذه أخطاء المؤمن ، لكن القطار باتجاهه إلى حلب والقبض جاهز ، أما الخطأ الذي لا يغتفر فأن يكون التوجه إلى حلب والقبض في حلب وأن تركب قطار درعا، القطار فخم لكن ما فيه شيء . الشرك ذنب لا يُغفَر :
الشرك أن تتجه لغير الله ، لا يستطيع أن يعطيك ، ولا يحميك ، ولا يسعدك ، ولا يحفظك ، ولا يغنيك ، ولا يرفعك ، لا يفعل شيء ، فلذلك الشرك ذنب لا يُغفَر ، ليس معنى لا يغفر قسوة لا ، لا يغفر تحصيل حاصل .
إنسان يتلوى من ألم الزائدة الدودية ، الطريق المناسب إلى المستشفى ، ولو اتجه إلى مقصف ، في هذا خطأ كبير ، أخي نحن نرفض أن نعالجه ، لا ، لا ترفض ، المحل الذي يذهب إليه ليس فيه معالجة ، ليس موضوع رفض ، المكان الذي سيذهب إليه فيه مطعم ، فيه أكل ، ليس فيه مستشفى ، وليس فيه فتح بطن ، وليس فيه مخدر ، وليس فيه طبيب جراح ، فإذا قلنا : نحن لا نعالج إنساناً معه التهاب زائدة إذا توجه إلى المقصف ، طبعاً المقصف ما فيه مستشفى ، فأنت حينما تتجه اتجاهاً خاطئاً لا تجد شيئاً ، أما إذا اتجهت إلى الله فعنده كل شيء ، عنده سلامتك ، وعنده سعادتك ، وعنده توفيقك ، وعنده سرورك ، وعنده كل شيء ، لذلك الإنسان في بعض المناجاة يقول : يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
" ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء " . الآن فهمنا معنى قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (48)﴾
( سورة النساء الآية : 48 )
ليس قسوة ، هناك تعبير أصولي تحصيل حاصل ، أنت اتجهت إلى لا شيء ، لن تجد شيئاً ، ليس موضوع حرمان ، لا ، موضوع أن هذا المكان الذي اتجهت إليه ليس فيه شيء ، ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
كنت مرة في تركيا ، وحُدثت حديث مهندس كبير جداً يُعد أحد خمسة مهندسين في العالم ، هو الذي أنشأ ثاني أطول جسر في العالم ، جسر اسطنبول المعلق بالحبال ، هذا الجسر ثاني أطول جسر في العالم يصل بين قارة آسيا وأوربا ، ويعبره في اليوم ثلاثمئة ألف سيارة ، المهندس الذي أنشأ هذا الجسر من اليابان ، وفي يوم تدشين الجسر ، وكان بصحبة رئيس الجمهورية ، ألقى هذا المهندس بنفسه في النهر ، طبعاً نزل ميتاً ، ذهبوا إلى غرفته في الفندق ، فإذا ورقة كتب عليها ، " ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً ، فأردت أن أذوق طعم الموت " ، هذه القصة نموذجية ، إنسان بلا هدف ، ما له هدف أشرك ، وجد الطريق مسدود ، أموال كثيرة بلا سعادة . العبرة أن تختار هدفاً أكبر من طاقاتك :
قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
( سورة طه )
أخواننا الكرام ، حقيقة أتمنى أن تكون واضحة عندكم ، أحياناً الإنسان وهو شاب يطمح بزوجة معينة ، ذات شكل معين ، يطمح ببيت نمطه حديث ، ليس فيه جدران أبداً ، مثلاً يطمح بمركبة من مستوى معين ، بوظيفة معينة ، ما دامت هذه الأحلام لم يصل إليها يمكن أن يكون سعيداً تجاوزاً ، متى يبدأ شقاؤه ؟ إذا بلغ هذه الأهداف كلها ، تَعَيَّن بوظيفة ، واشترى بيتاً ، وتزوج ، وعنده هذه المركبة ، أحاط بهم ، بدأ يشعر بالفراغ .
أخواننا الكرام ، أنت مصمم لأهداف لا نهائية ، حينما تختار أهداف نهائية محدودة تشقى بها ، الآن سبب شقاء العالم الغربي أنه وصل إلى قمة الرفاهية ، حياة مملة جداً كل شيء ميسر بأعلى درجة ، نظام صارم مستحيل أن تخالفه ، أنت لا بد أن تسافر ، وأنت بأقصى الغرب ، وبينك وبين الشرق خمس ساعات بالطيران ، ترسل بريداً إلكترونياً أن هيئوا لي جواز سفر بالمطار ، تأتي بعد ساعة تجد الجواز جاهزاً ، ما من مشكلة .
كنت في بلد ، الثلاجة فيها حساسات الكترونية ، كمية البيض لو قلّت البراد فيه إنترنت ، يتصل بالسوبر ماركت ، يعطي رقم البطاقة المالية لصاحب البيت ، يطرق الباب تأتي الكمية الناقصة ، كل نواقص الثلاجة تأتي آلياً للبيت ، حياة لا معنى لها ، تصبح مملة .
لذلك الإنسان بلا هدف كهذا المهندس الذي ألقى بنفسه في النهر ، ليس له هدف في الحياة ، هدفه المال وصل له ، تجلس مع إنسان بلغ كل أهدافه ، الجلسة معه لا تطاق ، كل شيء أمّنه ، ما لها معنى ، السيارة عنده ، والبيت الفخم ، والطعام الطيب ، كله تناوله ، أما إنسان له هدف كبير يبقى شاب في الثامنة والتسعين ، شاب ، ما من إنسان يشيخ مؤمناً ، هدفه الله ، مهما سعى لا يزال أمامه الكثير ، العبرة أن تختار هدفاً أكبر من طاقاتك ، أنت في شباب دائم ، لا تشعر بالفراغ أبداً ، في ذهن المؤمن مشاريع لا يعلمها إلا الله لو كان اليوم مئة ساعة ، كله ممتلئ . الإنسان مصمم ليعرف الله فإذا وضع هدفاً صغيراً يشقى به :
لذلك أيها الأخوة ، ما لم تختر هدفا كبيراً فأنت شقي ، حينما تختار هدفاً صغيراً إذا بلغته بدأت المتاعب ، بدأ الملل ، بدأ السقم ، بدأ الضجر ، بدأ التأفف ، لذلك العالم الغربي لما بلغوا أهدافهم انحرفوا ، لا ترضيه زوجته ، يبحث عن متعة أخرى ، وقد تكون شاذة ، أكثر أسباب الشذوذ هو الملل ، لأن هدفه المادي حققه ، حينما تذهب إلى الشرق والغرب تجد نموذج إنسان ليس له هدف ، ولا رسالة ، له هدف طبعاً مادي ، قصر فخم جداً ، لا بد من عدة مركبات ، مركبة للعائلة ، للنزهات ، لكل فرد بالأسرة مركبة بحسب رغبته ، قارب سياحي فخم جداً ، هذا مرفوع على عجلات للعطل ، طيران شراعي يمارس فيه هواياته في العطل ، لكن بعد حين كله يمل منه ، لأن الإنسان مصمم ليعرف الله ، فإذا وضع هدفاً صغيراً يشقى به ، أنت حينما تضع هدفاً كبيراً تبقى شاباً طوال حياتك ، معقول من إنسان يبدأ بالتدريس في الثامنة عشر ويموت في الثامنة والتسعين وهو يُدَرِّس ! وكان إذا رأى شاباً يقول له : يا بني أنت تلميذي ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جدك تلميذي ، وهو منتصب القامة ، حاد البصر ، مرهف السمع ، أسنانه في فمه ، يقال له : يا سيدي ما هذه الصحة ؟! يقول : يا بني ، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً .
ابحث عن هدف كبير ، أمور الدنيا تأتي وهي راغمة ، والله في حديث قدسي لا يوزن بالدنيا : (( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ))
[أخرجه البزار والبيهقي من حديث عمر بن الخطاب وفيه صفوان بن أبي الصفا ذكره ابن حبان ]
تجد إنساناً لا هم له إلا أن يشتري بيتاً ، فقط ، أنا لست ضد شراء البيت ، البيت مأوى ، لكن ما له هم ثان إطلاقاً ، لا يفكر بشيء ، يشتري بيتاً ، يكدح ثلاثين أو أربعين سنة ويأخذ بيتاً تقدر مساحته بستين متراً ، شمالي ، قبو ، الله خلقك لهذا ؟ (( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ))
قد يسكن إنسان بيتاً صغيراً ، وشمالياً ، وقبواً ، لكن يعيش بجنة ، إذا كان لك هدف كبير فأنت في جنة . أنواع الإحباط :
يقول بعض العلماء : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعلوا أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، له قول آخر : " من لم يذق طعم الجنة في الدنيا ليس له جنة في الآخرة ، إنما هي جنة القرب " ، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾
( سورة الرحمن )
﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا ﴾
لو اتجهوا إلى جهة أرضية لانتهوا ، ﴿ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
الإحباط نوعان : إما أن يكون العمل سيئاً ، أو العمل جيد بنيَّة سيئة ، كلاهما إحباط ، قد يكون لك عمل إنساني كبير ، الهدف مادي فقط ، يقول لك مستشفى عمل إنساني ، لكن يصاب الإنسان بالجلطات إذا رأى الفاتورة ، لا يكون معه أزمة قلبية ، يعطونه الفاتورة يظهر معه أزمة قلبية ، إذاً هذا لم يعد عملاً إنسانياً ، هناك أعمال ظاهرها خير ، إنسان أسس مدرسة ، القسط فوق طاقة الإنسان ، قد يكون العمل إنسانياً لكن النية مادية ، الهدف منه مادي إذاً عمله محبط ، أو قد يكون العمل سيئاً ، مثلاً يمكن للإنسان أن يفتح ملهى أحبط الله عمله ، أو يفتح مدرسة ، أو مستشفى بنية الربح فقط ، لا يرحم ، كلاهما عمله محبط ، إما عمل سيء في أصله ، وإما عمل جيد بنية سيئة ، لا عمل له عند الله عز وجل ، يلقى الله بلا عمل، يا رب تعلمت العلم ، يقول لك : تعلمت العلم ليقال عنك عالم ، وقد قيل ، خذوه إلى النار ، يا رب قرأت القرآن ، يقول : نعم ، قرأت القرآن ليقال عنك : قارئ وقد قيل ، خذوه إلى النار ، يا رب ، قاتلت في سبيلك ، يقول : نعم ، قاتلت ليقال عنك : شجاع ، وقد قيل ، خذوه إلى النار ، هذا معنى حبط عمله ، يعني عمله فقد قيمته .
أحياناً دواء ثمنه ثلاثة آلاف ، له صلاحية ، مضت هذه المدة ، ما بقي له قيمة ، دخلت الامتحان ما أجبت ولا بكلمة ، الورقة بيضاء ، عدت إلى البيت ، قرأت البحث فهمته ، لكن متى ؟ بعد فوات الأوان ، حبط عمله ، يعني سقط عمله ، يعني سقطت قيمة عمله ، فالعمل إما أن يكون سيئاً وإما أن يكون عملاً إنسانياً مقبولاً ولكن النوايا ليست طيبة . مقام النبوة اتصال دائم بالله أما المؤمن فساعة وساعة :
لذلك أيها الأخوة الآية الدقيقة : ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي (80)﴾
( سورة الإسراء الآية : 80 )
أليس القرآن بليغاً وموجزاً ، لمَ لم يقل الله عز وجل : ربي اجعلني صادقاً وانتهى الأمر ؟ لا ، الدخول قد يكون صادقاً ، لكن الخروج ليس صادقاً ، فالبطولة أن تدخل صادقاً وأن تخرج صادقاً ، الصعود للقمة صعب جداً لكن السقوط منها سهل جداً ، الإنسان إذا بلغ القمة بطولته ليس في بلوغها ولكن في البقاء فيها ، لهذا لما فتح عليه الصلاة والسلام مكة دخلها مطأطئ الرأس ، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره ، ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا ﴾
اتجهوا لغير الله لسقط عملهم ، إما سقوط حقيقي ، أو سقوط من حيث النوايا . ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)﴾
هؤلاء الأنبياء العظام
﴿ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾
المنهج ، ﴿ وَالْحُكْمَ ﴾
شرحه ، ﴿وَالنُّبُوَّةَ ﴾
الاتصال الدائم بالله عز وجل ((إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا .))
[ابن سعد عن عطاء مرسلاً]
(( لو تكونون كما أنتم عندي لصافحتكم الملائكة بأجنحتها ))
[البخاري عن حنظلة]
إذاً مقام النبوة اتصال دائم بالله ، نحن كمؤمنين ساعة وساعة ، لكن إياكم ، ثم إياكم ، ثم إياكم أن تفهموا ساعة طاعة وساعة معصية ، معاذ الله ، ساعة إقبال ، وساعة فتور فقط ، الطاعة مستمرة ، لأن أكثر الناس يقول : ساعة لك وساعة لربك ، هذا كلام شيطاني ، يعني اعص الله وصلِ ، اذهب إلى الملهى وصلِّ قيام الليل ، ساعة لك وساعة لربك ، هذا كلام الشيطان بالضبط . المؤمن وكيل عن الله :
المؤمن ساعة وساعة ، أي ساعة تألق ساعة فتور ، "إن للنفس إقبالاً وإدباراً ، إن أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإن أدبرت فاحملوها على الفرائض " .
ساعة تألق ساعة فتور ، أما الأنبياء اتصال دائم ، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِين ﴾
الإنسان حينما لا يقيم وزناً للهدى يأتي من يقيم له وزناً ، أنت حينما تزهد بالحق هناك من يرغب فيه ، أي : ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾
( سورة محمد )
لا تمنّ على الله ، إن مننت عليه يستبدل بك إنساناً آخر ، أنت بعمل صالح لا تزهد به ، لا تهمله ، إن أهملته أقصاك الله عنه وجاء بإنسان آخر ، أنت بنعمة كبيرة ؛ نعمة مجلس العلم ، لا تهملها إن أهملتها يأتي من ينتفع به .
﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾
هناك استنباط لطيف جداً في هذه الآية : أن المؤمن وكيل عن الله ، كأن الله وكَّله أن يعرف الناس به ، الله وكَّله أن ينصح الناس ، أن يبلغهم الحق ، أن يأخذ بيدهم ، أن يصلح شأنهم ، أن يصلح ذات بينهم ، أن يُعرِّفهم بالخالق ، أن يُعرِّفهم بأحكام الشريعة ، ﴿ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾
المؤمن الصادق قدوته الأنبياء والمرسلون :
قال تعالى : ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)﴾
( سورة الأنعام )
الأنبياء ، الله ذكر الأنبياء جميعاً تقريباً ، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾
أي اجعلهم مثلاً أعلى ، اجعلهم قدوة اقتدِ بهم ، أنا أقول لكم كلمة دقيقة جداً : المؤمن الصادق قدوته الأنبياء والمرسلون ، قدوته في الدرجة الأولى النبي عليه الصلاة والسلام ، في بيته ، في أحواله ، في تواضعه ، في تقشفه ، في محبته لأهله ، في محبته لأولاده ، في صبره على أخوانه ، قدوتك النبي عليه الصلاة والسلام ، والشاب في ريعان الشباب قدوته سيدنا يوسف ، فتاة في ريعان الشباب قدوتها السيدة مريم بعفتها ، وطهارتها ، وسموها ، أب قدوته نبي كان أباً رحيماً ، وهكذا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو الأول ، وكل نبي له قصة ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾
هذه هاء السكت ، أي اقتدِ ، ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾
أي علامة أنه نبي لا يسأل أجراً ، علامة أنه متبع للنبي لا يسأل أجراً ، موضوع الأجر موضوع آخر .
مثل أنا أستخدمه للتوضيح : لو أن ملكاً طلب من أستاذ لغة عربية أن يعطي ابنه دروساً ، الملك ماذا يعطي ؟ أقلَّ عطاء أن يعطيه بيتاً وسيارة ، فهذا المعلم أفقه ضيق جداً ، بعدما انتهى الدرس ، قال لهذا الطالب الذي هو ابن الملك : أين الأجرة ؟ قال له : كم ؟ قال : ألف ليرة ، قال : تفضل ، من ضيق أفقه طلب أجرة . فأنت حينما تعرف الله ، وتقدم عملاً لوجه الله ، ما الذي يهينك ؟ أن تُعطى أجرة . ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ (29)﴾
( سورة هود الآية : 29 )
علامة إيمانك ، وعلامة معرفتك بالله وكرمه ، وعلامة معرفتك بالآخرة أن تترفع عن الأجرة . علامة الصادقين أنهم لا ينتفعون بالدعوة :
والله هذه الآية دقيقة جداً ، علامة الصادقين أنهم لا ينتفعون بالدعوة ، ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾
فدائماً الأجر علامة .
الآن إنسان لا يمكن أن يقدم شيئاً من دون أجر ، مادي ، يظن أنه ذكي لكن الحقيقة أنه غبي ، الذكي الذي لا يسأل أجراً ، الذكي الموفق الفالح الناجح العاقل هو الذي يطلب الأجر من الله ، ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9)﴾
( سورة الإنسان )
بل الذي يزداد عمله بالثناء ويقلّ بعدم الثناء ، والذي يزداد عمله بالأجر ويقلّ بلا أجر مادي ، وبعيد عن أن يكون وكيلاً عن الله ، ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾
لذلك المجتمع المادي لا يتفهم عمل العلماء .
مرة زارني شخص من ألمانيا ليجري معي دارسة حول علماء دمشق ، فلما عرف أن هناك ثمانية عشر درساً في الأسبوع قال لي : كم تأخذ عليها ؟ قلت له : لا شيء ، اختل توازنه ، لم يدخل في برنامجه إنسان يعطي شيئاً من دون أجر ، لم يدخل في برنامجه أبداً ، مع أن المؤمن يبني حياته على العطاء ، حياته كلها مبنية على العطاء ، أي يأخذ ما يحتاجه فقط ، أما الباقي فلخدمة الخلق .
لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء عاشوا للناس والأقوياء عاش الناس لهم ، فرق كبير ، الأنبياء ملكوا القلوب والأقوياء ملكوا الرقاب ، فأنت كتابع للنبي يجب أن يكون كمالك رأسمالك ، وأنت كتابع لنبي يجب أن يكون سلاحك لا ما تملك من سلطة بل ما تملك من كمال ، يجب أن تملك القلب لا أن تملك الرقبة ، يجب أن تعيش للناس لا أن يعيش الناس لك ، هذا الحد الأدنى من الإيمان ، لذلك مجتمع الإيمان مجتمع فيه جنة ، كل إنسان يقدم للآخر ما يحتاج ، أما في عالم المادة لا يمكن أن يقدم لك فكرة ، ولا كلمة ، ولا نصيحة إلا بأجر مسبق ، هذا الإنسان يشبه المعلم الذي طلب من ابن الملك الأجر فوراً ، خسر البيت الفخم والمركبة وأخذ على الدرس ألف ليرة ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾

العفريني
09-24-2011, 01:09 PM
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)﴾
أيها الأخوة الكرام ، النقطة الأولى في هذه الآية : أنه لا يكفي أن تؤمن بالله ، ينبغي أن تؤمن بالله العظيم لأن إبليس آمن بالله ولأن المنافق يذكر الله ، حينما قال عز وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾
( سورة الأحزاب )
الأمر ينصب على الذكر الكثير ، وحينما قال الله عز وجل : ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
( سورة الحاقة )
الأمر ينصب على العظيم ، لذلك أنت حينما تنكر أن يرسل الله رسولاً ليرشد العباد إلى طريق سلامتهم وسعادتهم ، أنت حينئذٍ لا تقدر الله حق قدره ، أنت لا تقبل من أب عادي يرى ابنه متجهاً إلى المدفأة ، ولا يتكلم بكلمة ، ولا يتحرك ، ولا يشير . ينبغي أن نقدر الله حقّ قدره :
أنت حينما تتوهم أن الله خلق الكون وكفى ولم يرسل رسولاً ، أو أن هذا الذي يقول كلاماً لا جدوى منه ، الناس خُلِقوا هكذا بعضهم للجنة وبعضهم للنار ، والأمور كلها مكتوبة مسبقاً ، ولا دخل للإنسان في تغيير مصيره وانتهى كل شيء ، أنت بهذا لا تعبد الله ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
إذاً المعنى المخالف : ينبغي أن نقدر الله حق قدره ، لذلك : ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾
( سورة القدر )
لو أنك عبدت الله ثمانين عاماً ، والثمانون عاماً تساوي ألف شهر ، ثمانون عاماً تعبد الله ولا تقدره ، في ليلة واحدة تقدر الله حق قدره ، هذه الليلة خير لك من ألف شهر ، لذلك هذا الفرق بين العالم والعابد ، العابد مقاومته هشة ، أقل ضغط يخرجه من استقامته ، وأقل إغراء يخرجه من استقامته ، وحينما كانت المجتمعات سليمة يمكن إلى حد ما أن ينجو العابد ، لكن والله الذي لا إله إلا هو في هذا الزمن ؛ زمن الشبهات ، زمن الشهوات ، زمن الضلالات ، زمن التفلت ، زمن أن النساء في الطريق كاسيات عاريات ، زمن أن معظم كسب الناس يشوبه الربا ، في هذا الزمن لا يمكن لعابد أن يصمد لا أمام إغراء الدنيا ، ولا أمام ضغوط الطرف الآخر ، لذلك : (( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ))
[ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]
هذا معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى شاباً يتعبد الله وقت العمل قال له : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك ، أما حينما شكا له إنسان شريكه طالب العلم ، قال له : لعلك ترزق به ، لأن العابد يبحث عن متعته الروحية ، بينما العالم يبحث عن هداية قومه ، لذلك لمجرد أن تظن أن الله خلق الخلق دون هداية ، دون كتب ، دون رسل ، دون أنبياء ، دون دعاة ، الحق لا يضمحل ، قد ينمو الباطل ، وقد تتسع دوائر الباطل ، أما أن يسيطر الباطل على الساحة فهذا مستحيل ، والخطورة أن يسيطر ، أما إذا بقي للحق بقعة ضوء واحدة ، هذه تتنامى ، ليست العبرة أن يكون الناس في ضلال مبين ، ولكن الخطورة أن تخلو بلدة أو مدينة من أهل الحق ، وأهل الحق متواجدون في كل مكانٍ دائماً ، ولكنهم قلة ، ولكنهم في التعتيم ، وليسوا تحت الأضواء ، فابحث عنهم ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾
العمل الصالح بيد الله يقدره على يد الصادقين :
بالمناسبة لا يستطيع مخلوق أن يقدر الله حق قدره ، بل قيل : لا يعرف الله إلا الله ، حتى سيد الخلق وحبيب الحق لا يعرف الله المعرفة المطلقة ، هو أعلى إنسان عرف الله لكنه لا يعرف الله إلا الله ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حسم هذه المشكلة فقال : (( سبحانك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود ، الترمذي ، النسائي ، ابن ماجه عن عائشة ]
أي يا رب نحن عاجزون أن نعرف قدرك ، لكن نتفاوت فيما بيننا في نسبة هذه المعرفة ، فكلما ازدادت المعرفة ازدادت معها الخشية ، كلما ازدادت هذه المعرفة ازداد معها العمل الصالح ، لأن العمل الصالح من عند الله ، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك ، أنت ضعيف ، لكن العمل الصالح بيد الله يقدره على يد الصادقين ، فأنت لا تملك إلا أن تكون صادقاً في طلب العمل الصالح ، إن طلبت أن يقدر الله على يديك عملاً صالحاً قدره على يديك وأنت ضعيف ، لذلك ما يجري على أيدي العلماء في التاريخ الإسلامي أقول لكم : لا يتناسب مع قدراتهم بل مع صدقهم في طلب هذا العمل الصالح ، وكلما ازدادت معرفتك بالله عز وجل ، وكلما ازداد إصرارك على طلب مرضاته أجرى الله على يديك الخير ونسبه إليك ، هو من عنده ، لكنه نسبه إليك ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾
المعاصي كثيرة ومتدرجة :
بالمناسبة أيها الأخوة ، المعاصي كثيرة ومتدرجة ، وفي مرة من المرات في بعض السور القرآنية رتبت ترتيباً تصاعدياً . ﴿ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (90)﴾
( سورة النحل الآية : 90 )
وقال : ﴿ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2)﴾
( سورة المائدة الآية : 2 )
وقال : ﴿ الشِّرْكَ (13)﴾
( سورة لقمان الآية : 13 )
وقال : ﴿ الْكُفْرِ (74)﴾
( سورة التوبة الآية : 74 )
النقطة الدقيقة أن على رأس هذه المعاصي : ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾
( سورة الأعراف )
إن معرفتنا بالله من خلال الكون ومن خلال القرآن يكشف لنا سرّ أفعاله وتصرفاته :
عد للمليون قبل أن تقول على الله ما لا تعلم ، بل إن بعض العلماء قال : العوام لئن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ، راجع حساباتك ، اعمل جرداً لتصوراتك ، كيف تظن ؟ هل تظن بالله ظن السوء لا سمح الله ، قال تعالى : ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ (6)﴾
( سورة الفتح الآية : 6 )
لا بد في هذه المناسبة من أن أبين أن الله عز وجل يُعرَف من خَلْقه ، من الكون ، من آياته الكونية ، ويعرف من كلامه ، من آياته القرآنية ، ويعرف من أفعاله ، من آياته التكوينية ، لكن إن كانت معرفتك بآياته الكونية ضعيفة ، وإن كانت معرفتك بآياته القرآنية ضعيفة ، وبدأت بآياته التكوينية فهذا حقل كله ألغام ، لأنك تقع في حيرة كبيرة ، ترى شعوباً ناعمة البال ، غنية ، بيدها مقادير أهل الأرض ، وتفعل ما تريد فيما يبدو لك ، وأمرها نافذ في كل مكان ، وهي غارقة في كل أنواع المعاصي والآثام ، وترى مجتمعات إسلامية تعاني ما تعاني ، تعاني من الفقر ، والقهر ، وما إلى ذلك ، لا بد من أن تبدأ بمعرفة الله من الكون ، من آياته الكونية ، فكل ما في الكون ينطق بأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، ثم لا بد بعدها من أن تنتقل إلى آياته القرآنية ، فكل القرآن يعرف بالله عز وجل ، فإذا أتقنت آياته الكونية ، ثم أتقنت آياته القرآنية ، ووصلت إلى آياته التكوينية ، عندئذٍ تكشف لك معرفتك بالله من خلال الكون ومعرفتك بالله من خلال القرآن سر أفعاله وتصرفاته .
للتوضيح : أنت في مسجد ، وهناك عدد محدود من الأشخاص ، وعلى بعض المشاجب معطف ، وإنسان جالس قريب من هذا المعطف ، التفت وراءه ثم قام إلى المعطف ، ومد يده إلى جيب المعطف ، وأخذ عشر ليرات ، ووضعها في جيبه ، لو أن إنساناً صوره هذه الصورة عن ماذا تنبئ ؟ إنسان دنيء أراد أن يسرق عشر ليرات من معطف معلق على مشجب في المسجد ، لو جاء من يقول لك : إن هذا الإنسان الذي قام ومد يده إلى جيب هذا المعطف ، وأخذ عشر ليرات هو الذي بنى المسجد ، وقد كلف بناؤه سبعاً وثلاثين مليون ليرة، وأن سائلاً طلب منه صدقة ، فالتفت فوجده ، فقام إلى معطفه ، وأخذ العشر ليرات ، اختلف الوضع اختلافاً كبيراً جداً . الدنيا محدودة والعبرة للآخرة :
أنت حينما تقرأ القرآن ، وتقرأ قوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)﴾
( سورة الأنعام الآية : 44 )
الآية واضحة : ﴿ أَبوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
على أموال ، على بلاد جميلة ، على نساء جميلة ، على إعلام ، على أسلحة دمار شامل ، على سيطرة ، على قبضة من حديد ، الله عز وجل شاء لهم ذلك ، لكن هذه الدنيا محدودة والعبرة للآخرة ، قال تعالى : ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾
( سورة الأعراف )
قال : ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾
( سورة القصص )
على الإنسان أن يُدخِل الآخرة في حساباته :
الله عز وجل بيَّن لنا في القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود ، لقد أثنى عليهم مع أن الملك أحرقهم ، بمقاييس أهل الأرض لم ينتصروا ، أحرقوا ، وماشطة بنت فرعون ألقى أولادها الخمسة في الزيت المغلي ، ثم ألقاها ، ولم تنتصر ، لكن هذا هو النصر ، لكنها ثبتت على عقيدتها ، ولها الجنة إلى أبد الآبدين ، أما الذي ألقى أولادها وألقاها في الزيت المغلي فقد قال تعالى : ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً (46)﴾
( سورة غافر الآية : 46 )
من ستة آلاف عام ، وكل عام ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً . ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾
( سورة غافر)
لا يمكن أيها الأخ أن تفلح إن أردت أن توازن بين إنسانين ، بين بلدين ، بين شريكين ، بين مشروعين ، بين فئتين ، إلا أن تدخل الآخرة في حساباتك .
مطعم لا يستطيع بيع الخمر لأن صاحبه مؤمن بالله ، إذاً لا يستطيع أن يكون من نوع الخمس نجوم أبداً ، مطعم دخله محدود ، يغطي مصروف صاحبه ، ومطعم أحياناً دخله اليومي مليون ليرة ، لكنه يبيع الخمر ، فإن نظرت إلى الدنيا الفرق كبير ، والبون شاسع بين المطعمين ، وبين الدخلين ، وبين الأموال المتدفقة على المطعم الثاني ، لكنك إذا أدخلت الآخرة مع المطعمين كان المطعم الذي لا يبيع الخمر ربحه المحدود هو الناجي ، فهذه نصيحة حيثما أردت أن توازن فأدخل الآخرة ، في أعمال دخلها كبير جداً ، بالميزان المادي أعلى ربح بالأرض ربح تاجر المخدرات ، من ليرة إلى مئة ألف ضعف ، مكان زراعة المخدرات ومكان بيعها ، تجار الأسلحة ، هناك تجارة دخلها فلكي ، لكن بميزان الآخرة جريمة ، جريمة كبيرة . ما لم ندخل الآخرة في حسابات الموازنات فلن نتلقى النتائج الصحيحة :
لذلك ما لم تدخل الآخرة في حسابات الموازنات فلن تتلقى النتائج الصحيحة ، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا ﴾
لمجرد أن تقول .
مثلاً : بالتعبير الدارج ، طاسات معدودة بأماكن محدودة ، أي أن الله عز وجل قدَّر على هذا الإنسان شرب الخمر ، أجبره على شرب الخمر ، حرمه عليه ، وأجبره على شرب الخمر ، ويوم القيامة يدخله النار ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا ﴾
إنما هما قبضتان ، من دون تفسير عميق ، قبضة إلى الجنة ولا أبالي ، وقبضة إلى النار ولا أبالي ، لمجرد أن تقول هذا الكلام من دون تحقيق ، من دون تدقيق فأنت لا تعرف الله . ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾
( سورة سبأ )
وقال : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
( سورة الزلزلة )
وقال : ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا (57)﴾
(سورة القصص الآية : 57 )
هناك من يقول : لا أستقيم ولا أصلي ، أخاف على مستقبلي وعلى مستقبل أولادي ، هناك من يتصنع المعصية ليوهم الناس أنه بعيد عن الدين ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾
هؤلاء الذين قالوا بعضهم من أهل الكتاب ، أنتم أهل كتاب ، وأنتم معكم التوراة ، والتوراة كتاب الله ، فلماذا قبلتم التوراة على أنه كتاب الله ، ولا تقبلوا القرآن على أنه كتاب الله ؟ لماذا ؟! لا يمكن أن يكون مع الشارد عن الله حجة :
مثل هذا الذي يرفض دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كمثل مدير بريد تابع لوزير النقل ، رئيس الجمهورية غَيَّر الوزارة وجاء بوزارة جديدة ، فمدير النقل هذا يرفض أن يكون تابعاً للوزير الجديد ، ويصر على أن تكون علاقاته مع الوزير السابق ، ما معنى هذا ؟ هذا استعصاء على رئيس الجمهورية ، هذه معصية كبيرة ، لم يعبأ بتشكيل الوزارة الجديدة ، ولا بهذا الوزير الجديد الذي اعتمده رئيس الجمهورية ، فلذلك كما أن هذا النبي الكريم معه التوراة ، وهذا النبي الكريم معه القرآن ، وكما أن هذا النبي الكريم معه معجزة ، وهذا النبي الكريم معه معجزة ، فلماذا آمنت بهذا الكتاب ولم تؤمن بهذا الكتاب والإله واحد ؟ فإذا قلتم : ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾
جيد ، أنتم أهل كتاب ، وأنزل عليكم التوراة ، فلماذا تؤمنون بالتوراة ولا تؤمنون بالقرآن ؟ من الإله الذي أنزل التوراة ؟!! أما المشركون عباد الأوثان أهل مكة فقالوا : ﴿ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ (157)﴾
( سورة الأنعام الآية : 157 )
إذاً أيها المشركون ، يا أهل مكة : أنتم تتمنون أن ينزل عليكم الكتاب لتكونوا أهدى من هؤلاء اليهود ، إذاً أنتم مؤمنون أن إلهاً عظيماً ينزل الكتب السماوية ، فلماذا ترفضون هذا الكتاب ؛ الحجة للمؤمنين ؟ لا يمكن أن يكون مع الشارد عن الله حجة ، ﴿ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ ﴾
أحياناً أنت تقرأ نصّاً تهتدي إلى حل هذه المشكلة ، هذا هدى ، لكن أحياناً يلقي الله في قلبك نوراً يكشف لك الحقيقة ، فهناك هدى بياني ؛ كلام ، طريق السلامة ، طريق السعادة ، طريق السعادة الزوجية ، طريق النجاح في التجارة ، طريق السلامة العامة ، طريق العلاقات الاجتماعية الناجحة . أخطر شيء في الدين القضية الانتقائية :
الله عز وجل في القرآن والسنة ، في القرآن كلامه ، وفي السنة بيان رسوله المعصوم ، بيَّن الهدى ، أما النور : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ (28)﴾
( سورة الحديد الآية : 28 )
وقال : ﴿ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾
لا بد من شرح هذه الفكرة ، أحياناً دفتر مجلد بتجليد تقليدي ، الأوراق ثابتة فيه ، ثابتة ومسلسلة ، لكن أحياناً هناك دفاتر فيها نابض ، والأوراق تُضاف وتُحذف ، بإمكانك أن تحذف ورقة أو أن تضيف ورقة .
هؤلاء أهل الكتاب جعلوا كتابهم التوراة قراطيس ، يعني أوراقاً متحركة ، يخفون بعضها ، ويظهرون بعضها الآخر ، هذه قضية اسمها انتقائية ، وأخطر شيء في الدين القضية الانتقائية ، الذي يعجبك تأخذه ، والذي لا يعجبك لا تأخذه ، والحكم الذي يحقق مصالحك تؤمن به ، والحكم الذي لا يحقق مصالحك تنكره أو تخفيه ، إما أن تنكر ، أو أن تخفي ، أو أن تتناسى ، هناك لعب بالكتاب ، وقد يسأل سائل : كيف غيروا ، وطوروا ، وبدلوا ، وحذفوا ، وزورا ؟ نقول : الله عز وجل لم يحفظ التوراة والإنجيل حفظاً تكوينياً ، بل حفظه حفظاً تكليفياً ، نحن عندنا أمر تكليفي ، وعندنا أمر تكويني ، الأمر التكليفي كلام الله ، والأمر التكويني فعله ، الله عز وجل ينهانا عن شيء ومعظم الناس يفعلونه ، فهذا أمر تكليفي يُعصى ؛ تماماً كلوحة ممنوع المرور ، الطريق سالك ، لك أن تمشي في طريق منع المرور فيه ، هناك ثمن طبعاً ، مخالفة ، مبلغ تدفعه ، جزاء ، لكن لو أن هذا الطريق منع بطريقة تكوينية ، وضعت مكعبات من الإسمنت المسلح على عرض الطريق ، هذا فعل وليس أمراً . الله عز وجل تولى حفظ القرآن بأمر تكويني لا بأمر تكليفي :
الله عز وجل حفظ الكتابين السابقين حفظاً تكليفياً ، والحفظ التكليفي يعصى ، لأن معجزة سيدنا موسى ليست متصلة بالتوراة ، ومعجزة سيدنا عيسى ليست متصلة بالإنجيل ، فالإنجيل كلام الله ، أمر الأنبياء بحفظه ، لكن أتباع الأنبياء لم يحفظوه ، قال تعالى : ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (44)﴾
( سورة المائدة الآية : 44 )
بينما القرآن الكريم لأنه آخر الكتب ، ولأنه لكل الأمم والشعوب ، ولأنه رحمة للعالمين ، ولأنه لنهاية الدوران ، فلا بد من أن يتولى الله حفظه ، يتولى حفظه لا بأمر تكليفي بل بأمر تكويني ، هذه قضية إيمانية ، هذا القرآن الذي بين أيديكم العناية الذي يتلقاها القرآن العقل لا يصدقها ، لماذا ؟ لا نعلم ، لأن الله حفظ هذا القرآن بأمر تكويني .
الذي بين أيديكم هو الكلام نفسه من دون زيادة ، بل إن هناك أبحاثاً كثيرة ترقى إلى مستوى الصحة في الإعجاز الرياضي ، لو أنك بدلت حرفاً مكان حرف لاختل نظام القرآن الرياضي ، حرف واحد ، في القرآن نظام رياضي مدهش ، لو بدلت حرفاً واحداً ، ذلك لأن الله تولى حفظ القرآن بأمر تكويني ، لا بأمر تكليفي ، لأن المعجزة متصلة بالكتاب ، المعجزة في القرآن علمية عقلية ، فإذا لم يحفظ ضاع ، وهذا دليل على أن هذا القرآن كلام الله ، لكن أهل الكتاب جعلوه قراطيس ، يبدون شيئاً منها ويخفون أشياء كثيرة . ﴿ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن كثيراً مما أخفاه اليهود ، معنى ذلك القرآن الذي جاء به من عند الله هم أخفوا كثيراً ، وجعلوه قراطيس ، أبدوا ما راق لهم وأخفوا ما لا يروق لهم ، فجاء النبي فضحهم ، لذلك : ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ ﴾
﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44)﴾
( سورة آل عمران الآية : 44 )
جاء القرآن بقصص وقعت قبل آلاف السنين ، وهي مطابقة لما في كتبهم ، وقد أخفوا بعض الآيات عن المسلمين ، وجاء القرآن وأظهر هذه الحقائق التي أخفاها أهل الكتاب إذاً : ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ ﴾
معنى اللعب :
في النهاية أنت إذا دخلت في حوار مع إنسان ، أو في جدال مع إنسان ، وتعنت ، وركب رأسه ، ولم يستجب ، ولم يقبل ، ولم يؤمن ، ولم يصدق تقول له الله عز وجل يقول : ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾
هو يعلم كل شيء ، وهناك من يقول : الحمد لله على وجود الله ، ﴿قُلِ اللَّهُ﴾
هو الذي يعلم ، وهو الذي يرى ، وهو الذي سيحاسب ، وهو الذي سيفصل بين خلقه يوم القيامة . ﴿ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (17)﴾
( سورة الحج الآية : 17 )
﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ كن معتصماً بالله ، كن مصدقاً لكلام الله ، كن متوكلاً على الله ، لا تعبأ بهم ، لا تهتم لهم ، لا تحذر منهم ، ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
ما معنى خوض ؟
أحياناً يركب الإنسان مركبة في أيام الشتاء ، يقطع شارعاً كبيراً مغطى بالماء ، يمشي بقلق شديد ، لماذا ؟ الماء غطى طبيعة الأرض ، لعل تحت الماء حفرة كبيرة وقع في مطب كبير ، هناك مجهول ، فالذي يخوض في الماء لا يعلم أين القعر ولا يعلم ما في القعر ؟ لعل في القعر صخرة ، لعل في القعر حفرة ، لعل في القعر مثلاً تمساحاً . ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
هم يلعبون ولا يبحثون عن الحقيقة ، الدنيا عندهم : ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20)﴾
( سورة الحديد الآية : 20 )
اللعب العمل العابث ، اللعب العمل الذي لا جدوى منه ، اللعب العمل الذي ليس له أثر مستقبلي ، فلذلك اللعب لا يمكن أن يقف في وجه الوحي ، هذا وحي السماء ، ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
كما قلت : هناك أعمال جادة لها أثر مستقبلي ، هذه تفضي إلى الجنة ، وهناك أعمال عابثة . خُلق الكون لإسعاد البشر في الدنيا والآخرة :
الله عز وجل : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ (115)﴾
( سورة المؤمنين الآية : 115 )
وقال : ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
( سورة القيامة )
هم يلعبون ويظنون أن هذا الكون خلق عبثاً ، أو خلق بالباطل ، خلق بالحق لهدف عظيم ، وخلق لإسعاد البشر في الدنيا والآخرة ، ﴿ قُلِ اللَّهَُ ﴾
بيده كل شيء وهو : ﴿ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)﴾
( سورة هود )
هو يفصل بيننا ، وإذا كنت معه لا تخاف ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)﴾
لن نتحد ولن نتوافق إلا إذا كنا على الحق جميعاً :
أخواننا الكرام ، مثل دقيق جداً أتمنى أن يكون واضحاً عندكم : دائرة لها مركز ، ومن هذا المركز تخرج خطوط كثيرة جداً إلى المحيط ، الخطوط كالأشعة ، فإذا كان أحدنا على أحد هذه الخطوط ، كلما اقترب من المركز ضاقت المسافة بينه وبين الخط الآخر ، كلما ازداد قرباً من المركز المسافة قلت ، لأنه من هذا المركز تنطلق خطوط نحو المحيط ، الخطوط بهذا الشكل ، هنا المركز ، والخطوط تنطلق من هنا ، فكلما ابتعدت عن المركز كانت المسافة أكبر ، وكلما اقتربت من المركز قلّت المسافة ، فإذا وصلت إلى المركز انعدمت المسافة .
نحن لا نتّحد ، ولا نتوافق ، ولا يصدق بعضنا بعضاً إلا إذا كنا جميعاً في مركز الدائرة ، أما إذا كنا على خطوط كلما قلّت المسافة بينك وبين المركز قلّت بينك وبين الخط الآخر ، فنحن متى نتعاون ؟ متى نتحد ؟ إذا كنا على الحق جميعاً ، لذلك قال تعالى : ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14)﴾
( سورة المائدة )
﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾
فيه الخير الكثير ، ﴿ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾
يصدق ما في التوراة والإنجيل ، لأن المصدر واحد ، من عند الله ، لأن هذه الكتب الثلاثة من مشكاة واحدة ، من عند الله ، ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾
أم القرى مكة ، ومن حولها ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾
الذي يسعى إلى الآخرة يؤمن بهذا الكتاب ، أما الذي يسعى إلى الدنيا فالقضية دقيقة جداً ، الإنسان أحياناً يكون على كتاب نسخ بكتاب جديد ، لكن مصالحه مع الكتاب السابق ، لو أنه دخل في هذا الدين تعطلت مصالحه التي كانت بها ، فلذلك إن آمنت بالآخرة تؤمن بالقرآن ، أما إن آمنت بمصالحك في الدنيا طبعاً لا تؤمن ، وهذه مشكلة المشكلات .
أحياناً يكون الإنسان متمكناً ، وقد حصل على مكتسبات كثيرة من كتاب نسخ من كتاب جديد ، فعدم إيمانه بالكتاب الجديد لا لأنه ليس قانعاً به ولكن لأنه يحافظ على مكاسبه ، آمن بالدنيا محافظ على مكاسبه ، ولو آمن بالآخرة لآمن بالكتاب الجديد ، ﴿ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

العفريني
09-24-2011, 01:52 PM
﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)﴾
أيها الأخوة ، كما يقولون : الشيء بالشيء يذكر ، الآية الأولى من سورة البقرة :
﴿ الم (1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)﴾
( سورة البقرة )
مطلع سورة البقرة أي كلمة يمكن أن تقف عليها : ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾
يعني إذا كان في الأرض كلها كتاب واحد فيه مبادئ سلامتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة فهو القرآن الكريم ، ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾
إن قلت : ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ﴾
حقاً هو الكتاب الذي فيه مبادئ سلامتنا وسعادتنا ، إن قلت : ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
أيضاً يصح أن نقف عند كلمة فيه ، أيضاً إذا قلت : ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى ﴾
أيضاً يصح أن نقف عند هذه الكلمة .
أما الآية اليوم : ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ ﴾
هذا الذي بين يديكم ، هذا القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ، وسوف أوضح في هذا الدرس إن شاء الله بعضاً من عجائبه . نزول القرآن الكريم دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا :
أولاً : ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ ﴾
قال علماء العقيدة : إن القرآن الكريم أنزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا . ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾
( سورة القدر )
أما إذا قلت : ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)﴾
( سورة الشعراء )
عندئذٍ نزل منجماً ، آيةً آية ، مجموعة آيات مع بعضها في مناسبة معينة في ثلاث وعشرين سنة ، إذاً الفرق بين أنزلناه وبين نزل فرق كبير ، أنزلناه بهمزة التعلية ، أي أن الله عز وجل أنزل هذا القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا مرة واحدة ، في ليلة واحدة ، في ليلة مباركة ، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾
أما أن ينزلَ نزلَ ينزلُ القرآن تباعاً منجماً بحسب المناسبات ، نزل في ثلاثة وعشرين عاماً بحسب المناسبات ، وهناك حديث طويل حول حكمة أنه نزل منجماً .
أيها الأخوة ، أما معنى مبارك قد تقول أنت : بارك الله في الطعام ، أي طعام قليل أكله عدد كبير ، وشبعوا ، دخل قليل ، بارك الله به ، انتفعت به انتفاعاً كثيراً ، إذاً بارك الله لك في مالك ، وقد يكون قليلاً تنتفع به كثيراً ، وإذا بارك الله لك في صحتك تنتفع بها كثيراً ، وإذا بارك الله لك في زوجتك تنتفع بها كثيراً ، وإذا بارك الله في أولادك تنتفع بهم كثيراً ، الشيء المبارك هو شيء قليل تنتفع به كثيراً ، هذا تقريب ، كتاب مبارك ، ماذا أقول لكم ؟ الكتب التي في الأرض لا تعد ولا تحصى ، أحياناً تمسك بكتاب علمي في آخر الكتاب ثلاث وثمانون صفحة ، مراجع ومصادر في موضوع واحد ، عدد الكتب التي على سطح الأرض يكاد العقل لا يصدقه ، بعض الإحصاءات في اليوم الواحد يطبع من الكتب ما لا تستطيع أن تقرأه في مئتي عام . القرآن لكل زمان ومكان وكل حرف فيه يُعدُّ قانوناً :
الله عز وجل قال : ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾
فيه كل مبادئ سلامتنا ، فيه كل مبادئ سعادتنا ، فيه سلامتنا وسعادتنا في الدنيا ، وفيه فوزنا يوم القيامة ، وفي الجنة إن شاء الله ، فيه قصص الأقوام السابقة ، فيه مشاهد من يوم القيامة ، فيه أمر وفيه نهي ، فيه آيات كونية ، مع أنه كتاب لا يزيد على ستمئة صفحة ، فيه كل الخير ، والذين عكفوا على تفسير هذا القرآن ألَّفوا ملايين الصفحات ، ولا تنقضي عجائبه حتى الآن ، وهناك بعض التفاصيل : لو قرأت كتاباً أُلِّف قبل ألف عام لا يمكن أن تحتمل الأخطاء العلمية التي فيه ، بعد ألف عام تستصغر المؤلف والكتاب ، أما كتاب ينزله الله قبل ألف وأربعمئة عام ، وقفز العلم قفزة خيالية قي الخمسين عاماً الأخيرة ، تطور العلوم من آدم إلى ما قبل خمسين عاماً من كفة ، ومن خمسين عام إلى الآن التطور في كفة ثانية ، ومع ذلك لم يظهر في هذا التطور العملاق في العلوم ، في الفلك ، في الرياضيات ، في الطب ، في الهندسة ، في علم الأجنة ، في التاريخ ، في الجغرافيا ، مع هذا التطور المذهل الذي يعد انفجاراً في المعلومات ، نحن في ثورة المعلومات ، نحن في ثورة الاتصالات ، يعبرون عن التطور السريع بالانفجار ، مع انفجار البحوث العلمية والمكتشفات ، في شتى العلوم والفنون والآداب ، لا تجد في هذا القرآن كلمة واحدة ينفيها العلم الآن .
إذاً معنى : ﴿ مُبَارَكٌ ﴾
أن الخير الذي يأتيك منه في صحتك ، في زواجك ، في تربية أولادك ، في عملك ، في سمعتك ، في مكانتك ، في سلامتك ، في سعادتك ، في معرفة سر خلقك ، في معرفة ماذا بعد الموت ؟ وأين كنت قبل الموت ؟ ولماذا أتى الله بك إلى الدنيا ؟ كم من الحقائق تسعدك وتطمئنك ؟ ونجعلك تضع يدك على سر الوجود وغاية الوجود ، هذا المعنى الأول مبارك ، أي صفحات قليلة فيها خير كثير .
صدقوا أيها الأخوة ، أحياناً تقرأ قصة ، هناك قصة مشهورة حجمها ثمانمئة صفحة تقرأها ، حوادث ، وتحليل ، وعقدة ، وحل ، كلها تلخص في كلمة واحدة ، الإنسان أقوى من أي عقبة توضع أمامه ، أما أن تقرأ الحرف الواحد في القرآن يعد قانوناً الحرف الواحد ، الله عز وجل يبين أن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين . القرآن الكريم هو خاتم الكتب السماوية لذلك ينبغي أن يغطي كل الحالات البشرية :
أول شيء الأداء المبارك ، أن هذا الكتاب ينفعنا في دنيانا ، وفي أخرانا ، وفي نفوسنا ، وفي أجسامنا ، وفي علاقاتنا ، وفي كل شؤون حياتنا ، المعنى الآخر أن هذا القرآن جاء في عصر محدود جداً ، والمعلومات قليلة جداً ، والحياة بسيطة جداً ، ولكنه استمر إلى أعقد العصور في تاريخ البشرية ، ومع ذلك استمر بقوة ، استمر بجدة ، ما سر ذلك ؟
الحقيقة هناك شيء دقيق جداً من هذه الأشياء الدقيقة أن القرآن فيه ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ، لماذا امتنع النبي عن تفسيرها ؟ ولا حديث يشرح آية كونية ، مع أنه في أي موضوع عبادي أكثر من مئتين في البيوع ، في الموضوعات التشريعية مئات الأحاديث ، من ألهم النبي ذلك ؟ ذلك لأن الله لو سمح للنبي أن يفسر هذا القرآن تفسيراً بسيطاً لطيفاً مألوفاً يستوعبه أصحابه في عصر بسيط جداً من حيث المعلومات لأنكرنا عليه كل هذه التفسيرات ، ولشككنا في نبوته ، ولو أنه فسره تفسيراً عميقاً يتناسب مع أحدث البحوث العلمية الآن لأنكر عليه أصحابه ، فكيف يمكن لكتاب ينزل في عصر ، ويستمر تأثيره إلى عصور متقدمة جداً دون أن تجد خلل في كلمة واحدة .
إذاً معنى : ﴿ مُبَارَكٌ ﴾
المعنى الأول أنه يشمل كل شؤون حياتك ، بدءاً من عقيدتك وانتهاء ببعض التوجيهات في طعامك ، كلوا من ثمره إذا أينع ، فيه تحذير من أن تأكل الثمرة قبل أن تنضج ، بدءاً من عقيدتك إلى توجيهات في شؤون طعامك ، هذا الكتاب المعجز أيها الأخوة هو الذي يستمر بك إلى ما شاء الله .
بالمناسبة ، يتميز هذا الكتاب عن بقية الكتب السماوية ، أن الكتب السماوية إنما أُنزلت لأقوام محدودين ، الإنجيل جاء به السيد المسيح ، والتوراة جاء بها سيدنا موسى ، أما القرآن فهو لكل الشعوب ، ولكل الملل والنحل ، ولكل البشر ، إلى نهاية الحياة ، هذا آخر الكتب ، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، كذلك هذا الكتاب القرآن الكريم هو خاتم الكتب السماوية ، إذاً ينبغي أن يغطي كل الحالات البشرية . مثلاً في القرآن الكريم : ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (28)﴾
( سورة الشعراء الآية : 28 )
واضحة ، تأتي آية : ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)﴾
( سورة الرحمن )
الله عز وجل أحياناً يخاطب الأقوام بأسلوب تحتمله عقولهم :
الآن هناك مشرق واحد ، صار هناك مشرقان ، تأتي آية : ﴿ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ (40)﴾
( سورة المعارج الآية : 40 )
هناك معبد في مصر بناه الفراعنة فيه ثلاثمئة وخمس وستون نافذة ، وكل يوم تدخل الشمس من واحدة من هذه النوافذ ، الله عز وجل حينما أهلك بعض الأقوام ذكرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة ، كل يوم تدخل الشمس إلى هذا المعبد من نافذة واحدة ، زوايا هذه النافذة تتناسب مع أحد أيام السنة ، الشمس في يوم من الأيام لها زاوية شروق ، في اليوم التالي تنتقل هذه الزاوية ، وهكذا .
إذاً : ﴿ رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ﴾
هذه آية ، أي كل يوم في مشرق ، ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ﴾
هناك أقصى مشرق وأقصى مغرب ، لو أن إنساناً له بيت مرتفع في جهة الشرق يرى بشكل واضح أن الشمس تشرق في الصيف من القسم الجنوبي ، وفي الشتاء من القسم الشمالي ، أو بالعكس ، في الشتاء من القسم الجنوبي ، وفي الصيف من الجهة الشمالية.
إشارات إلى قضايا علمية الآن عُرفت ، أحياناً يخاطب الله الأقوام بأسلوب تحتمله عقولهم ، هناك الآن من يزعم أن الأرض مسطحة ، مع أن الأرض التقطت صورها من القمر كرة ، الآن هناك من يزعم أن الأرض مسطحة ، فكيف إذا قال الله للبشر قبل ألف وأربعمئة عام الأرض كرة ، الآية الثالثة الأرض كرة يكذبون هذا القرآن كله ، لكن : ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ (88)﴾
( سورة النمل الآية : 88 )
الأرض إذاً تنطلق بدورة حول الشمس . ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ (5)﴾
( سورة الزمر الآية : 5 )
لا يتداخل الضوء مع الظلام في شكل هندسي إلا الكرة ، المكعب تداخل ما في الضوء يظهر إذا دار المكعب ، وفي جانبه منبع ضوئي الضوء يظهر فجأة ، ويختفي فجأة ، أما الكرة يتداخل ضوء المنبع الضوئي مع الظلام تداخل عجيب ، تماماً إذا غابت الشمس يتداخل الضياء مع الظلام إلى أن يأتي وقت العشاء فيغيب الشفق الأحمر . بعد تقدم العلم اكتُشفت حقائق كانت مخبوءة في بعض الآيات :
إذاً الله عز وجل ذكر الأشياء العلمية بطريقة تحتمله العقول ، لكن بعد حين يتقدم العلم فيكشف حقيقة كانت مخبوءة في بعض الآيات تتضح للعيان ، هذا المعنى الجديد المخبوء لا يلغي المعنى الأول ، الأول مقبول كيف ؟ الله عز وجل قال : ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾
( سورة الطارق )
المعنى البسيط أن هذا الماء الذي في البحار يتبخر ، ويصعد إلى السماء فيرجع أمطاراً واضحة ، يتقدم العلم ويكتشفون أن طبقة اسمها طبقة الأثير كل الأمواج الكهرطيسية المنطلقة إلى الفضاء الخارجي ترتد إلى الأرض من خلال هذه الطبقة ، ولولا هذه الطبقة لما كان هناك إرسال إذاعي إطلاقاً ، ولا لاسلكي ، ولا تلفزيوني ، بفضل هذه الطبقة تنطلق هذه الموجات الكهرطيسية إلى الفضاء الخارجي ثم ترتد إلى الأرض ، إذاً المعنى الآخر : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾
ثم يكتشف علماء الفلك أن كل نجم في الكون يدور في مسار مغلق حول نجم آخر ، بمعنى أنه يرجع إلى مكان انطلاقه النسبي ، وكلما تقدم العلم ظهر معنىً جديد لا يلغي المعنى السابق ، من يستطيع أن يصيغ الحقيقة صياغة يفهمها كل عصر بحسب معطياته ، فإذا جاء عصر آخر وتقدم العلم كشف عن معنىً جديد لهذه الآية دون أن يلغي المعنى الأول ، شيء لا يصدق .
إذاً الله عز وجل حينما يخاطب الناس بهذا القرآن الكريم يخاطبهم بطريقة تحتملها عقولهم ، فإذا تقدم العلم كشف معنىً في القرآن مخبوءاً فيه تبدى وقت التقدم العلمي . أمثلة عن إعجاز الله في الكون كما ورد في بعض الآيات القرآنية :
جميعنا نقرأ الآيات : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)﴾
( سورة النجم )
الآن العلم كشف أن الذي يحدد نوع الجنين ليست البويضة لكنها النطفة ، هناك كروموزوم x أو y ، أحدهما يحدد نوع الجنين ، الله عز وجل قال : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾
( سورة الرحمن )
في أثناء صعودهم إلى الفضاء وتصوير البحار وجدوا أن هناك خطاً كل بحرين ، هو خط تمايز لونين ، فانتبهوا لهذه الظاهرة ، علماء البحار بحثوا عنها فاكتشفوا في النهاية أن لكل بحر تركيباً وخصائص يتميز بها ، ولا يمكن أن تتداخل مياه البحار فيما بينها ، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ﴾
مياه البحر الأحمر لها كثافة ، ولها ملوحة ، ولها خصائص ، ولها مكونات ، مع أن البحر الأحمر موصول بالمتوسط ، موصول بالبحر العربي ، ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
عندنا في الأرض مكان فيه أشعة شمس ومكان فيه ضوء ، ضوء وليس أشعة ، السبب أن أشعة الشمس عندما تسلط على ذرات الهواء ذرات الهواء تعكس هذه الأشعة بكل الاتجاهات فتجد في الأرض الضوء لكن ليس هناك شمس .
البيت الشمالي فرضاً فيه ضوء ، ترى الأشياء في البيت بوضوح لكن ليس فيه أشعة شمس ، هذا اسمه انتثار الضوء . لكن لو صعدت في الفضاء الخارجي ووصلت إلى طبقة انعدام الهواء طبقة الهواء سماكتها خمس وستون ألف كم ، بعد هذه المسافة يقول رائد الفضاء : لقد أصبحنا عمياناً لا نرى شيئاً ، أما أن تأتي آية قبل ألف وأربعمئة عام يقول الله عز وجل : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)﴾
( سورة الحجر )
فكيف هذا القرآن الكريم : ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾
بكل معاني البركة ، مبارك في أنه يعطيك عطاءات ملايين الصفحات مع أنه بحجم محدود ، مبارك بما أنه يمتد أثره إلى كل العصور . كلما تقدم العلم اقترب من حقائق القرآن الكريم :
أخواننا الكرام ، عندنا نعمة كبيرة ينعم بها المسلمون ، أنه لا يمكن أي يظهر حدث أو اكتشاف أو شيء ينقض ما في القرآن الكريم ، بالعكس كلما تقدم العلم اقترب من حقائق القرآن الكريم ، وأنا أحذر من أن تثني على القرآن إذا وافق العلم ، بل أؤكد ينبغي أن تثني على العلم إذا وافق القرآن ، إن الأصل هو القرآن ، فكلما اقترب العلم من حقائق القرآن يكون قد اقترب من الحقيقة المطلقة التي جاءت في القرآن الكريم ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام يصف هذا القرآن الكريم أنه لا تنقضي عجائبه . ﴿ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (31)﴾
( سورة فاطر الآية : 31 )
﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾
بين يديه التوراة والإنجيل ، والقرآن الكريم يصدق ما في التوراة وما في الإنجيل ، والذين يعلمون حقيقة الإنجيل والقرآن يرون أن هذه الكتب الثلاث تنطلق من مشكاة واحدة . ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾
بعضهم يقول : هذا كتاب للعرب وحدهم والدليل هذه الآية ، من قال لك ذلك ؟ ما معنى : ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾
الآن النقطة ما هو الذي حولها ؟ حولها دائرة ، هذه الدائرة تتسع ، وتتسع ، وتتسع حتى تشمل أهل الأرض ، كما قال الله عز وجل في آية أخرى : ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ (123)﴾
( سورة التوبة الآية : 123 )
الجهاد لا يقف ، كلما فتحت بلداً بقي عليك أن تفتح البلد الذي يليه ، معنى ذلك أن الجهاد لا يقف إلى يوم القيامة حتى يعم الحق الأرض كلها . مكة المكرمة تعد الوسط الهندسي للقارات :
الشيء الغريب أنه في مصر في مركز بحوث علمية تابع لجامعة القاهرة اكتُشِف أن مكة المكرمة مركز الأرض ، الوسط الهندسي للأرض . مثلاً لو جئت بمربع ووصلت خطاً بين زاويتيه وخط آخر بين زاويتيه الأخريين يتقاطع الخطان في نقطة ، هذه النقطة اسمها الوسط الهندسي لهذا المربع ، وقد يكون الحجم مكعباً ، لو أخذت النقاط الثمانية ووصلت بينها بخطوط تتقاطع هذه الخطوط في نقطة في مركز هذا المكعب ، هذه النقطة نقول : هي الوسط الهندسي للمكعب ، اكتشف أن مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي للأرض ، الدليل : نحن عندنا عالم قديم وعالم جديد ، العالم القديم عدا أمريكا ، أوروبا ، وإفريقيا ، آسيا ، أستراليا ، هذه القارات الأربع لو أخذنا أبعد نقطة فيها من كل الاتجاهات ، ثم وصلنا أقطاراً من كل نقطتين متقابلتين متباعدتين هذه الأقطار تتقاطع في مكة المكرمة ، مكة المكرمة تبعد عن أي نقطة نائية في القارات الأربع ثمانية آلاف وخمسمئة كم ، لو ضممت العالم الجديد إلى القارات الخمس ضممت أمريكا ، تصبح مكة المكرمة وسط هندسي للعالم كله ، وتبعد عن أي نقطة في العالمين ثلاثة عشر ألفاً وخمسمئة كم ، يعني أم القرى حقيقة هي في الوسط الهندسي للأرض ، والشيء اللطيف أنه لا يقابلها في الطرف الآخر مدينة يقابلها المحيط الهادي ، مدينة واحدة هي مكة المكرمة تعد الوسط الهندسي للقارات الخمس ، أو للقارات الأربع ، لذلك قال تعالى : ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾
من حولها كقوله تعالى : ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ﴾
هذه الدوائر تتسع ، وتتسع ، وتتسع ، في عهد النبوة مكة المكرمة اتسعت إلى أن وصلت إلى الشام ، وإلى المغرب ، وإلى الصين ، ولا يزال الحق يتسع ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث قال : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))
[ رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد عن تميم الداري ]
أي مكان في الأرض فيه ليل ونهار الحق سيصل إليه ، وأنا سافرت إلى أقصى مدينة في العالم ، في أستراليا المدينة التي تقع في أقصى الجنوب ؛ ملبورن ، وفيها إذاعة إسلامية ، والدروس ، والقرآن ، والشرح ، والتفسير ، والأناشيد ، سبحانك يا رب ، (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))
معنى ذلك : ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾
ولو ذهبت إلى أقاصي بلاد الغرب ؛ لوس أنجلوس يعقد فيها كل عام مؤتمر إسلامي كبير يضم عشرات الألوف ، يحجز فندق بكل طوابقه الثلاثين لاستقبال زوار هذا المؤتمر من شتى بقاع أمريكا ، وتلقى فيه المحاضرات لأربعة أيام في عيد الشكر عندهم ، (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))
﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
الإيمان باليوم الآخر وحده هو الذي يحملك على أن تستقيم :
أيها الأخوة ، هناك ملاحظة ذكرتها في الخطبة اليوم ، هناك من يقول : ما الباعث على أن يأتمر الإنسان لبعض الأوامر ، ما الباعث على أن يلتزم الإنسان ببعض القيم؟ الصدق قيمة ، والأمانة قيمة ، والعفة قيمة ، والورع قيمة ، والعدل قيمة ، والعفو قيمة ، والحلم قيمة ما الذي يدفعك على أن تكون عادلاً ومنصفاً ؟ ما الذي يدفعك إلى أن ترحم من حولك ؟ الحقيقة هناك نظريات ، بعضهم يقول : العقل ، الذين يخترعون الأسلحة الفتاكة في العالم ، والتي تبيد الجنس البشري هم أذكياء جداً وعقلاء ، لكن بالمناسبة ما كل ذكي بعاقل ، الذكي ما تفوق بما هو فيه ، في اختصاصه فقط ، أما إذا غفل عن سر وجوده وغاية وجوده ولم يتعرف إلى ربه فهو مجنون ، مع أنه ذكي ، من هو العاقل ؟ الذي عرف الله ، العاقل الذي عرف سر وجوده ، عرف غاية وجوده ، العاقل الذي ائتمر بالأمر ، وانتهى عما نهى الله عنه ، العاقل الذي اتصل بالله عز وجل ، العاقل هو الذي عمل للآخرة ، إذاً : ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾
إذاً العقل لا يكفي ، الآن الضمير ، أخي ، عنده ضمير حي ، الضمير الحي أحياناً ينهار أمام إغراء كبير ، أو أمام ضغط كبير ، كما ترون وتسمعون ، تجد شخصاً في أعلى درجة من الفهم والوعي يقول لك : عنده ضمير مسلكي ، بعد هذا وجد أنه مختلس مبالغ فلكية ، أين ضميره المسلكي الذي تحدثنا عنه ؟ لا يكفي الضمير ، ولا يكفي العقل ، وهناك مبادئ كثيرة جداً ، أنا الذي أراه وأثق بصوابه معتمداً على ما في القرآن الكريم الإيمان باليوم الآخر وحده هو الذي يحملك على أن تستقيم .
قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق وأمين ، ولكن أين الله ؟ الباعث الوحيد على أن تستقيم أن تؤمن أن الله سيسألك يوم القيامة عن كل شيء :
أنت لا تستطيع أن تستقيم على أمر الله إلا إذا خفت من يوم الحساب ، لو أن واحداً ذهب إلى مدينة مجاورة ، وفي نيته أن يشتري أغراضاً كثيرة لبيته ، في طريق الذهاب وجد تفتيشاً يفوق حد الخيال ، لا يسمح ولا بدواء ، كل ما في جيوبه يضعه على الطاولة ، كل حقائبه تفتش حاجةً حاجة ، وأكمل إلى المدينة ، فوجد غسالة صغيرة ، يقول لك : لن تعبر هذه ، كلما اشتهى أن يشتري شيئاً يرى المنظر الذي رآه في الذهاب ، يقول : هذه لن تعبر معي ، هذا حال المؤمن ، قبل أن يقول كلمة ، قبل أن ينبس ببنت شفة ، قبل أن يعطي ، قبل أن يمنع ، قبل أن يغضب ، قبل أن يرضى ، قبل أن يصل ، قبل أن يقطع ، يحاول أن يجيب ربه عن سؤال لماذا فعلت كذا ؟
أيها الأخوة ، مرة ثانية : الباعث الوحيد على أن تستقيم ـ وهذا كلام واضح كالشمس ـ أن تؤمن أن الله سيسألك يوم القيامة عن كل شيء . ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
وقال : ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
( سورة الزلزلة )
سوف تُسأل عن كل شيء من دون استثناء ، لذلك الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح . آيات العفو والمغفرة :
إياك أن تستجيب لمن يقول لك الله غفور رحيم ، اقرأ القرآن في ثماني آيات : ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾
( سورة النحل )
لذلك : ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾
( سورة الحجر )
وقال : ﴿ لِمَنْ تَابَ (82)﴾
( سورة طه الآية : 83 )
وقال : ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
( سورة الحجر )
وقال : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾
( سورة الزمر )
كل آيات المغفرة والعفو تعني الذي تاب قبل أن يموت ، أما الذي لم يتب فحالته صعبة جداً . ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
( سورة الإنسان )
الإنسان يجب ألا يفهم القرآن على غير ما أراد الله عز وجل . الصلاة هي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يسقط بأي حال :
إذاً : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
أخواننا الكرام ، أركان الإسلام خمسة ، النطق بشهادة لا إله إلا الله ، وهذه ينطق بها مرة واحدة في العمر ، والصيام يسقط على المسافر والمريض ، والحج يسقط على المريض والفقير ، والزكاة تسقط عن الفقير ، ماذا بقي من أركان الإسلام كفرض متكرر لا يسقط بحال ؟ هو الصلاة .
أخواننا الكرام ، قال بعض العلماء : في الصلاة جانب من النطق بالشهادة ، أنت في القعود الأوسط والأخير تقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وفي الصلاة جانب من الحج ، لأنك تتجه في صلاتك إلى بيت الحرام ، وفي الصلاة جانب من الصيام ، لأنك في الصلاة فضلاً عن أنك تمتنع عن الطعام والشراب ، تمتنع عن الكلام والحركة في غير موضوع الصلاة ، وفي الصلاة جانب من الزكاة ، لأن الوقت أصل في كسب المال ، عندك محل تبيع مثلاً المرطبات في الصيف ، وعليه إقبال شديد ، فإذا أردت أن تصلي في المسجد ينبغي أن تغلق هذا المحل ، إذاً فاتك ربح كثير في وقت الصلاة ، فلذلك الوقت أصل في كسب المال ، فأنت حينما تقتطع من وقتك وقتاً لأداء الصلوات كأنك تنفق المال الذي يمكن أن يحصله من وقت الصلاة ، إذاً في الصلاة معنى الزكاة ، وفي الصلاة معنى الحج ، وفي الصلاة معنى الصيام ، وفي الصلاة معنى النطق بالشهادة ، وفي الصلاة معنى الاتصال بالله عز وجل ، إذاً هو الفرض الوحيد الذي لا يسقط بحال . حينما تؤمن أنه لا بدّ من أن تحاسب حتماً تستقيم :
لذلك : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ به ﴾
هناك أوامر ، وهناك نواهٍ ، فإذا لم يؤمن الواحد بالآخرة حقيقة لا يعبأ بهذه الأوامر ، والدليل : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
( سورة الليل )
صدق أنه مخلوق للجنة ، تصديقه هذا حمله على أن يتقي أن يعصي الله ، وحمله على أن يعمل الصالحات تقرباً إلى الله ، ﴿ أَعْطَى ﴾
عملاً صالحاً ، ﴿ وَاتَّقَى ﴾
أن يعصي الله ، لأنه صدق بالحسنى ، هذا الإنسان : ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾
( سورة الليل )
ييسر إلى ما خُلق له من سلامته في الدنيا وسعادته في الآخرة . ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾
( سورة الليل )
إذا كذب إنسان بالآخرة فعلاً فما مِن داع ليستقيم ، الآن عملياً دعك من أقوال الناس ، أقوال الناس لا تقدم ولا تؤخر ، يقول لك : أعوذ بالله ، أنا أؤمن بالآخرة ، لماذا تكسب المال الحرام ؟ لماذا تفعل المعاصي والآثام ؟ المؤمن بالآخرة لا يعصي الله ، فأنت حينما تؤمن أنه لا بد من أن تحاسب حتماً تستقيم ، لذلك قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
هنا معنى يؤمنون به ، يؤمنون بالأمر والنهي ، يأخذون بالأمر ، ويدعون ما نهى الله عنه .
أنت عندما تكون راكباً مركبة ، والإشارة حمراء ، وشرطي واقف إلى جانب الإشارة ، وشرطي آخر على دراجة ، وضابط بسيارة ، أنت مواطن من الدرجة الخامسة ليس لك أي قوة ، ماذا تفعل ؟ ما في مئة مليون إنسان بهذه الصفة في الإشارة الحمراء ، وهناك من يضبطك بمخالفة ولا يرحمك ، وأنت لا تقوى على أن ترد هذه المخالفة ، فأنت إن آمنت بالآخرة لا يمكن أن تعصي الله ، والدليل أن الله عز وجل قال : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
( سورة الطلاق )
اختار الله من بين أسمائه اسمين فقط ، اختار اسم القدير واسم العليم ، لأنك حينما تعلم أن الله يعلم وسيحاسب وسيعاقب لا يمكن أن تعصيه ، وأنت حينما تعلم أن هذا الشرطي سوف يكتب ضبط ، وسوف تسحب منك الإجازة ، وقد تدفع مبلغاً كبيراً وقد تحجز المركبة ، وأنك ضعيف لا تقوى على فعل شيء ، حينما تعلم أن علم الله يطولك ، وأن قدرته تطولك فلا يمكن أن تعصيه . الحياة لا تصح إلا بالإيمان بالله :
أنا أؤمن ، أؤمن لا بعقل ، ولا بمنطق ، ولا بتربية بيتية ، ولا بضمير حي ، ولا بضمير مسلكي ، ولا بأي شيء آخر ، ليس إلا أن تخاف من الله ، آتي لك بمثل بسيط : لو أن الصيام بأمر من دولة ، فأعطت أمر بالصيام ، كم من إنسان يصوم حقيقة ؟ ولا واحد ، يدخل إلى البيت ويشرب .
الحياة لا تصح إلا بالإيمان بالله ، تجد المؤمن ، قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ، قال له : ليست لي ، قال له : خذ ثمنها، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق وأمين ، ولكن أين الله ؟ أما أن يأتي إنسان ، ويضع قانون السرعة مئة ، مئة ميل بأمريكا ، ركبت سيارة وجدت فيها صوت جرس ، قلت له : ما هذا الصوت ؟ قال لي : رادارات تكشف السرعة الزائدة ، أنا اشتريت جهازاً يحذرني من الرادار قبل خمسة كيلومترات ، تكون سرعته مئة وثمانين تنزل للمئة ، معنى ذلك أن واضع القانون ذكي ، والمواطن أذكى .
الآن الدول تخترع جهازاً يكشف أجهزة السيارات ، هذه قضية لا تنتهي ، هي حرب بين عقلين ، لأن المشرع أرضي ، ما دام التشريع أرضيّاً فهكذا الأمر ، والله قصص التحايل على القوانين شيء لا تنتهي ، لأن المشرع إنسان والمواطن إنسان ، هذا عاقل وهذا عاقل ، هذا ذكي وهذا أذكى ، فيمكن أن تفرغ كل القوانين من مضمونها ، أما إذا كان التشريع سماويّاً الله معك لا تستطيع ، ولكن أين الله ؟ أنا أرى أنه لا تستقيم الحياة إلا بالإيمان بالله ، ولا أقبل أي تعليل للانضباط إلا أن يكون التعليل أن تؤمن باليوم الآخر الآية الكريمة : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

العفريني
09-24-2011, 01:55 PM
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)﴾
أيها الأخوة الكرام ، بادئ ذي بدء ، قال علماء البلاغة : الكلام العربي خبر وإنشاء ، الخبر هو الكلام الذي يصح أن تقول لقائله : صادق أو كاذب ، يقول لك : سافر أخي ، إن سافر أخوه فهو صادق وإن لم يسافر فهو كاذب ، أما حينما أسألك : ما اسمك ؟ لا يصح أن تقول لي : صادق أو كاذب ، أنا أسألك ، فالسؤال ، والاستفهام ، والنداء ، والتمني ، والترجي ، والتعجب ، هذه كلها أساليب الإنشاء ، لأن أفعال هذه الأساليب لم تقع بعد ، فالشيء الذي لم يقع لا يصح أن يوصف بأنه كذب أو صدق ، أما الشيء الذي وقع فتخبر عنه فإن وقع يكون القائل صادقاً ، وإن لم يقع يكون القائل كاذباً .
قد يأتي الخبر محل الإنشاء والعكس صحيح :
كل الكلام العربي إما أنه خبر أو إنشاء ، لكن أحياناً السياق سياق إنشاء ، فتأتي في القرآن الكريم عبارة بسياق الخبر ، مثلاً : أراد الله عز وجل أن يأمر الوالدات أن يرضعن أولادهن ، لمَ لمْ يقل : يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن ؟ بل قال : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ (233)﴾
( سورة البقرة الآية : 233 )
السياق سياق إنشاء ، أمر ، فالأمر ، والاستفهام ، والنداء ، والتمني ، والترجي هذه أساليب الإنشاء ، فجاءت الآية خبراً : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ (233)﴾
( سورة البقرة الآية : 233 )
الحكمة جاءت أيها الأخوة أنك إذا أمرت إنساناً ألا يتأخر أوقعت في روعه أنه يمكن أنه يتأخر ، لكنك تنهاه عن أن يتأخر ، فأي أمر مبطن باحتمال مخالفته ، لو قال أب لابنه : إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة ، معنى ذلك كأن الأب ألقى في روع ابنه أنه بإمكانه أن يأتي الساعة التاسعة ، لكن الأب يغضب ، فكل أمر فيه بذور مخالفته ، فإذا كان الأمر خطيراً جداً يلغى أسلوب الإنشاء أصلاً ، ويحل محله أسلوب الخبر ، شأن الوالدات أن يرضعن أولادهن ، وهذه قضية لا مساومة عليها ، ولا تقبل غير ذلك ، هذه الحكمة أن يأتي الخبر محل الإنشاء ، أحياناً القضية بالعكس ، الذي يفتري على الله ظالم ، هذا خبر ، الآية هنا : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾
هذا سؤال ، استفهام ، والاستفهام إنشاء ، لكن السياق هنا سياق خبر ، معنى ذلك أن الله يريد أن نفكر أن هؤلاء الذين يكذبون هم أشد كذباً ، إن أشد الناس كذباً لا للذي يفتري على البشر كلاماً ما قالوه ، ولكن الذي يفتري على خالق البشر ، هنا السياق يقتضي الخبر ، لكن جاء عن طريق الاستفهام الإنكاري ، أي لن نجد على وجه الأرض إنساناً أشد ظلماً لنفسه ممن يفتري على خالق السماوات والأرض الكذب . الفرق بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :
أحياناً تأتي آية : ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (27)﴾
( سورة النور الآية : 26 )
أي هل هذا من أمر الله التكويني أم التكليفي ؟ وتعلمون أن أمر الله إما أن يكون تكوينياً ، يعني أفعاله ، وإما أن يكون تكليفياً ، يعني أوامره ، عندنا أمر تكويني ، وعندنا أمر تكليفي ، لما اختلف سيدنا موسى مع سيدنا الخضر ، سيدنا الخضر معه الأمر التكويني ، معه حكمة ، أفعال الله عز وجل ، سيدنا موسى معه الأمر التكليفي ، فلما خرق السفينة هذا مخالف للأمر التكليفي ، فاعترض عليه سيدنا موسى ، الآن الله عز وجل حينما قال : ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
ما المقصود بذلك ؟ ، ألا نجد امرأة طيبة تحت رجل سيئ جداً ؟ ثم ألا نجد رجلاً طيباً معه امرأة سيئة جداً ؟ طبعاً ، إذاً هذا الأمر ليس تكوينياً ، لو كان تكوينيّاً لما كانت قوة على وجه الأرض إلا أن يكون الطيبون للطيبات ، ما دام في الحياة إنسان طيب معه امرأة خبيثة ، أو إنسان خبيث معه امرأة طيبة ، إذاً هذا الأمر ليس أمراً تكوينياً ولكنه أمر تكليفي ، يعني اجعلوا الطيبين للطيبات ، تتسرع في قبول هذا الخاطب ، لا تسأل عن دينه ، لا تسأل عن صلاته ، لا تسأل عن مرجعيته ، لا تسأل عن خوفه من الله ، فإذا تزوجها ، وبالغ في إذلالها ، وفي التنكيل بها تقول : قسمة ونصيب ، هذا كلام غلط ، هناك خطأ في اختيار الزوج ، وخطأ في السؤال عنه ، وخطأ في قبول هذا الزوج زوجاً لابنة مؤمنة طاهرة، إذاً الطيبون للطيبات أي احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات ، هذا أمر تكليفي ، وليس أمراً تكوينياً ، كذلك حينما قال الله عز وجل : ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً (97)﴾
( سورة آل عمران الآية : 97 )
هل هذا أمر تكليفي أم تكويني ، إذا كان أمراً تكوينيّاً لم يكن آمناً بيت الله الحرام في عام ألف وأربعمئة ، حيث قُتِل فيه مئات الأشخاص ، قُتِلوا وهم في الحرم ، فإن كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فهذا مستحيل أن يقع فيه قتل ، إذاً هذا أمر تكليفي ، أن يا عبادي اجعلوا هذا البيت الحرام آمناً ، أو ينبغي أن يكون آمناً . الاستفهام الإنكاري أبلغ من النفي :
أريد أن أضع بين أيديكم بعض الحالات البلاغية ، أن القرآن قد يعدل عن أسلوب الخبر إلى أسلوب الإنشاء لحكمة بالغة ، وقد يعدل عن أسلوب الإنشاء إلى أسلوب الخبر لحكمة بالغة ، هنا كأن الله عز وجل يريد أن يؤكد لنا أن أظلم إنسان على وجه الأرض ليس الذي يفتري على بشر كذباً ، بل الذي يفتري على خالق البشر كذباً ، يقول : أنا نبي ، هو ليس بنبي ، يقول : يوحى إليّ ، هو لا يوحى إليه ، يقول : ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾
ليس معه شيء ، إذاً الله عز وجل عن طريق الاستفهام الإنكاري ـ مثلاً : لو قلنا لإنسان : كان هنا مبلغ من المال ، هل سرقته ؟ هو ماذا يقول لك ؟ لو قال لك : لا ، كلام ليس بليغاً ، يقول لك : أأنا أسرقه ؟! هو استفهام إنكاري ، أأنا أسرقه؟! أيعقل أن أسرقه ؟! فالاستفهام الإنكاري أبلغ من النفي ـ يقول : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾
أي ليس على وجه الأرض إنسان أشد ظلماً لنفسه وللحقيقة ممن يدعي أنه نبي ، وهو ليس كذلك ، أو يدعي أنه يوحى إليه ، وهو ليس كذلك .
بالمناسبة أيها الأخوة ، الإنسان حينما يفتري على الله كذباً ، أو حينما يقول على الله ما لا يعلم ، أو حينما يوهم الناس لمصلحة له إرضاءً لقوي ، أو خوفاً من بطشه يقول بخلاف ما يعلم ، هذا يرتكب أكبر معصية على الإطلاق ، لأن الله عز وجل حينما صنف المعاصي والآثام صنفها تصنيفاً تصاعدياً ، فذكر الفحشاء والمنكر ، والإثم والعدوان ، والشرك ، والكفر ، ثم جعل على رأس كل هذه المعاصي : ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾
( سورة البقرة الآية : 169 )
بل إن الله عز وجل حينما قال : ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ (154)﴾
( سورة آل عمران الآية : 154 )
إذاً أخطر شيء أن تتكلم على الله بغير علم ، لذلك قال بعض العلماء : العوام لأن يرتكبوا الكبائر أفضل من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ، وأنت لا تشعر ، تقول مثلاً بالتعبير الدارج : الله عز وجل يعطي الحلاوة لمن لا أضراس له أي لمن لا يستحقها ، أليس هذا اعتراضاً على حكمة الله ؟ هناك كلمات يقولها العامة خلاف العقيدة الصحيحة ، وكأن فيها بعض الكفر . الافتراء هو الكذب المتعمد :
إذاً هنا الآية : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى ﴾
الافتراء قال عنه العلماء : هو الكذب المتعمد ، لم يفترِ على بشر ، لم يفترِ على إنسان ، الإنسان حينما يفتري على إنسان يقع في إثم كبير جداً ، أن تفتري على إنسان قولاً ما قاله ، أن تنقل للناس قول إنسان ما قاله ، هذا افتراء كبير ، وهذا إثم عظيم ، فكيف إذا افتريت على خالق السماوات والأرض ؟ كيف إذا اجترأت على خالق السماوات والأرض ؟ فلذلك الافتراء هو الكذب المتعمد ، ولحكمة بالغة هناك أناس عديدون ادعوا النبوة ، منهم مسيلمة الكذاب ، وطليحة الأسدي ، والأسود العنسي ، هؤلاء ادعوا أنهم أنبياء ، فالواحد قال : والطاحنات طحناً ، والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً ، جاء بقرآن ، وكان ينبغي أن يقول : والزارعات زرعاً ، والحارثات حرثاً ، وكان ينبغي أن يقول : والآكلات أكلاً ، والهاضمات هضماً ، عدد من الرجال ادعوا أنهم من الأنبياء ، لكن الشيء اللطيف أن مسيلمة الكذاب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبض على صحابيين اثنين ، وقال للأول : أتشهد أني رسول الله ؟ الصحابي قال : ما سمعت شيئاً ، فقطع رأسه فوراً ، وسأل الآخر : أتشهد أني رسول الله ؟ الآخر رأى رأساً مقطوعاً بكلمة قالها الأول ، فقال : أشهد أنك رسول الله ، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه الكرام فقال : أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله ، الآن هبط قلبنا على الثاني ، قال : وأما الثاني فقد قبل رخصة الله ، أي ما كلفك الله فوق ما تستطيع ، هذا الإسلام العظيم ، في حالة سمح أن تقول كلمة الكفر ؛ إذا هددت بالقتل ، فقال عليه الصلاة والسلام لعمار : وإن عادوا فعد ، ونزل قرآن أن الذي ينطق بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لا شيء عليه ، البشر درجات ، لكن الأول أراد أن يكون بطلاً ، والثاني أراد أن يكون ناجياً ، فكلاهما مغطى ، لكن الأول موقفه بطولي .
ماشطة بنت فرعون يوم سألها فرعون : ألكِ رب غيري ؟ وأمسك ولدها الأول ، وألقاه بالزيت المغلي ، قالت : الله ربي وربك ، ألقى الأول ، وألقى الثاني ، وألقى الثالث ، وألقى الرابع ، لو تسألنا : لو قالت له : أنت ربي ، ونجت من هذا العذاب المحقق ، هل يؤاخذها الله عز وجل ؟ الجواب : لا ، لكنها أرادت أن تكون بطلة ، البطولة مفتوحة ، لو أن أصحاب الأخدود آمنوا بالذي يعذبهم ، وكفروا بالله بلسانهم ، ما كانوا عند الله آثمين ، ولكن الله يريد أن يرينا بعض البطولات من بني البشر . أسباب أن الأنبياء مطالبون بالمعجزات أما مدّعو النبوة فلا :
أيها الأخوة ، شيء يلفت النظر أن هؤلاء الذين ادعوا النبوة لم يُطَالَبوا بالمعجزات ، لماذا يطالب الناس النبي صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ، والآيات كثيرة ؟ ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً (91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً (92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ (93)﴾
( سورة الإسراء )
لماذا يُطَالَب الأنبياء بالمعجزات ، ولا يطالب مدّعو النبوة بالمعجزات ؟ أليس هذا سؤالاً دقيقاً ؟ الجواب سهل : لأن الذي ادعى النبوة أسقط الصلاة ، والثاني اسقط الزكاة ، فحينما تخفف على الناس يقبلونك على مساوئك ، عندئذٍ لا يطالبونك بالمعجزات ، أقول لكم هذه الحقيقة الدقيقة : الفِرَق الضالة في العالم الإسلامي من بعثة النبي إلى يوم القيامة لها أربعة خصائص ، الخاصة الأولى : تأليه الأشخاص ، أما سيد الخلق وحبيب الحق فقال : (( إنما أنا متبع ولست بمبتدع ))
[ورد في الأثر]
خطيب قال للنبي : ما شاء الله ، وشئتَ ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( بئس الخطيب أنت ، أجعلتني لله نداً ، قل ما شاء الله كان ، وما لم يشاء لم يكن ))
[ورد في الأثر]
سيد الخلق وحبيب الحق متواضع ، فلذلك الفرق الضالة من خصائصها تأليه الأشخاص ، شخص يكبر ، ويكبر ، ويكبر حتى يصبح كلامه تشريعاً ، أما النبي عليه الصلاة والسلام قيل له : مثّل بهؤلاء الذين مثلوا بعمك حمزة ، أجاب إجابة لا أنساها ، قال : (( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ))
[ورد في الأثر]
ما هذا الخوف من الله عز وجل ؟!! أعظم صفة بالمؤمن أنه يخاف الله :
أخواننا الكرام ، هناك فرق كبير جداً بين أن توالي ربك ، وبين أن توالي قوياً ، القوي إذا واليته لا يحاسبك ، يهمك أن يكون ولاءك له ، لذلك تفعل بالناس ما تستطيع ، تفعل بالناس كل ما تستطيع من أذى ، أما حينما توالي ربك لا يقبلك ، ولا يتجلى عليك ، ولا يرحمك إلا أن اتقيت أن تعصيه من كل البشر ، أعظم صفة بالمؤمن أنه يخاف الله ، لا يمكن أن يؤذي إنساناً ، أن يبني مجده على أنقاض الناس ، أن يبني حياته على موتهم ، أن يبني عزه على ذلهم ، أن يبني غناه على فقرهم ، مستحيل ، فالذي يوالي خالق السماوات والأرض يحاسبه الله عز وجل لو قتل نملة . (( عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ ، قَالَ : فَقَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا ، وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِهَا ، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
(( قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا ، وَصِيَامِهَا ، وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا ، وَصَدَقَتِهَا ، وَصَلَاتِهَا ، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ ))
[ رواه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إن كنت ولياً لله فلا تستطيع أن تؤذي نملة فما فوقها ، لذلك الناس يقولون : الذي يخاف الله لا تخف منه ، مقيد ، مقيد بقيود الإيمان ، الفرنجة حينما غزوا القدس ماذا فعلوا ؟ ذبحوا سبعين ألفاً في يومين من المسلمين ، فلما فتح صلاح الدين رحمه الله القدس لم يسفك دماً ، ولم يرق قطرة دم ، بل سمح لهؤلاء أن يبيعوا متاعهم بأسعارها الحقيقة ، وأن يغادروا وهم سالمون ، من قيد صلاح الدين عن أن يفتك بهم كما فتكوا بالمسلمين ؟ الله عز وجل : (( الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الفرق صارخ بين من يخاف الله وبين من لا يخافه . الفرق الضالة في العالم الإسلامي لها أربع خصائص :
أيها الأخوة ، إذاً الفرق الضالة في العالم الإسلامي لها أربع خصائص ، الأولى : تأليه الأشخاص ، والثانية : تخفيف التكاليف ، ما في الدين شيء ، الآن أكثر الديانات الأرضية لها أتباع بمئات الملايين ، ما السبب ؟ ما فيها تكاليف أبداً ، ولاء فقط ، أعلن ولاءك وانتهى الأمر ، مع الولاء عبادات ، تمتمات ، حركات ، سكنات ، رقص ، موسيقا ، غناء ، هذه العبادات تمتمات ، وحركات ، وسكنات ، وإيماءات ، ورقص ، وموسيقا ، وغناء .
والله حضرت مؤتمراً للأديان في واشنطن ، ثماني عشرة ديناً عرضوا على الناس عباداتهم ، صدقوا أيها الأخوة ثماني عشرة ديناً ، العبادات حتماً وحصراً غناء وموسيقا ورقص ، شيء جميل ، لا فيه تكاليف ، ولا محرمات ، ولا أمر بالمعروف ، ولا نهي عن المنكر ، ولا الخنزير حرام ، ولا الخمر حرام ، ولا إطلاق البصر حرام ، ولا غيبة ، ولا نميمة ، ما فيها شيء إطلاقاً ، حركات ، وسكنات ، وتمتمات ، وإيماءات ، وغناء ، ورقص ، وموسيقا ، لذلك الذين ادعوا النبوة لم يطالبوا بالمعجزات ، ما مِن داعٍ ، مؤمنون نحن سلفاً ، أرحتنا من الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة .
أيها الأخوة ، هناك نقطة دقيقة جداً ، نشاط الطرف الآخر ، من بعثة النبي إلى يوم القيامة آية واحدة ، دققوا فيها : ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)﴾
( سورة الإسراء )
أي مسموح لك أن تقيم شعائر الدين ، لكن لا يسمح لك أن يكون اقتصادك إسلامياً ، ولا علاقاتك بالمرأة إسلامياً ، ولا حربك إسلامية ، لك أن تقيم شعائر الدين فقط ، العبادات ما لها قيمة ، شكلية ، فتجد الدول المتفلتة من الدين لها معابد ، ومساجد ، وكنائس ، واحتفالات ، ومؤتمرات ، ومظاهر إسلامية صارخة ، لكن المنهج ليس إسلامياً ، فلذلك : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
خطة الطرف الآخر الحفاظ على الأطر الإسلامية مع تغيير المضامين :
يا أيها الأخوة ، ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
طبعت العلاقات عندئذٍ . ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74)إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75)﴾
( سورة الإسراء )
أيها الأخوة ، أول نقطة : تأليه الأشخاص ، الثانية : تخفيف التكاليف ، إذا خففت التكاليف فلا أحد يسألك عن المعجزات ، الثالثة : اعتماد نصوص موضوعة لم يقلها النبي ، أو اعتماد تأويلات غير صحيحة للقرآن الكريم ، الآن مكر الطرف الآخر إما إلى تأويل غير صحيح لآيات القرآن الكريم ، أو إلى أحاديث موضوعة ما أنزل الله بها من سلطان .
النقطة الرابعة : النزعة العدوانية ، تأليه الأشخاص ، وتخفيف التكاليف والنصوص غير الصحيحة ، والنزعة العدوانية : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾
أقول لكم من القلب إلى القلب : خطة الطرف الآخر الحفاظ على الأطر الإسلامية لكن تغيير المضامين ، نمط حياة غربي ، استثمار مال ربوي ، علاقات مع النساء متفلتة ، تحلل ، كل شيء مباح ، أما الصلاة ، والصوم ، والحج ، هذا كله مسموح به ، أما أن تبني مجتمعاً وفق منهج الله فهذا غير مسموح به ، أن تبني حياة اجتماعية على الحجاب ، وعدم الاختلاط ، هذا غير مسموح به في العالم كله ، هذا معنى قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
أيها الأخوة ، بعد أن سقطت النظم الوضعية لم يبقَ إلا الإسلام ، هناك الآن تفكير من الطرف الآخر أن يقنع المثقفين بقرآن مفرغ من مضمونه ، أي لك أن تسلك أي سلوك إباحي ، وأنت مسلم ، وأنت مؤمن ، مكان فيه رقص ، وفيه دعارة ، وفيه الموبقات كلها ، وخمور ، وفتيات محجبات ، ماذا يقصد من ذلك ؟ شيء طبيعي ، الآن عبارة اجتماعية ، كله عادي ، ملهى ‍، عادي ، مطعم فيه خمور ، عادي ، فحينما يدخل المسلم في كل المجالات المحرمة بزي إسلامي ، أو بزي امرأة مسلمة محجبة ، هذا اسمه خلط الأوراق ، المقاهي تدار فيها الخمور ، وفيها نساء محجبات ، ما المقصود من ذلك ؟ المقصود أن الدين فرغ من مضمونه ، بقي إطاراً ، إطاراً فلكلورياً فقط .
والله أيها الأخوة ، القلب يعتصر حينما يتلى كتاب الله ، كان هذا قبل عشرين سنة في باريس لا على أنه كتاب مقدس بل على أنه كتاب فلكلوري للشرق الأوسط ، فلكلور ، فلذلك الآن تفريغ الدين من مضمونه هدف الطرف الآخر ، قوى كبيرة تسعى لذلك ، أينما حلوا الاختلاط ، أفلام الجنس ، الإباحية ، تفلت المرأة ، نزع الحجاب ، إقامة دور الملاهي ، هذه كلها من أجل تفكيك المجتمع المتماسك ، فلذلك كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون ، لكنهم الآن يجبروننا بالقوة الناعمة ، بالمرأة على أن نريد ما يريدون . سبب حذف جواب الشرط في الآية التالية :
الآية الكريمة أيها الأخوة : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾
هذه العبارة فيها نقص بحسب قواعد اللغة ، مثلاً : لو جئتني لأكرمتك ،(لو) شرطية ، فعل الشرط(جئتني) ، جواب الشرط(أكرمتك) ، هكذا اللغة ، فالقرآن الكريم وهو كلام خالق الأكوان ، لماذا حذف جواب الشرط ؟ شيء دقيق جداً ، مثلاً لو قلت لك : لو ترى فلاناً وهو في السجن كيف يُعذَّب ، واضحة ، لو ترى فلاناً وهو في السجن ، هذا فعل الشرط، جواب الشرط : كيف يعذب ؟ أما إذا الذي يعانيه لا يوصف ، ولا تحيط به عبارة ، ولا تحويه إشارة ، أكتفي بفعل الشرط ، ولو ترى فلاناً وهو في السجن ، ما يعانيه تعجز عنه العبارة ، ولا تفي بحقه الإشارة ، هذا المعنى ، يقول الله عز وجل : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾
الذين قالوا : أوحي إلينا ولم يوحَ إليهم ، وقالوا ، وافتروا على الله الكذب ، وقالوا : ﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى ﴾
هؤلاء ﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾
شاءت مشيئة الله أن تموتوا ، فإن كنتم آلهة كما تدعون ، وإن كان لكم أنبياء آخرون ، إن كان لكم شركاء لله آخرون ، تفضلوا وخلصوا أنفسكم من هذا العذاب المهين ، فلذلك من السهل أن تضحك أولاً ، ولكن البطولة أن تضحك آخراً . ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
( سورة المطففين )
الإيجاز الغني :
قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾
أحياناً في اللغة تركيب بلاغي اسمه الإيجاز الغني ، لو قلت لأحد : لقد أصابني همٌ ، الذي أصابني همٌ محدود ، أصابني فقر ، أصابني ضيق ، أصابني مرض ، أما إذا قلت: لقد أصابني ما أصابني ، واسعة جداً ، تحتمل كل شيء ، هذا اسمه الإيجاز الغني ، لذلك الله عز وجل لما قال : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾
جواب(لو) محذوف ، لأن العبارة لا تفي بالحقيقة ، لأن كل أنواع الأساليب عاجزة عن وصف حالة الإنسان حينما يلقى الله عز وجل وقد افترى على الله كذباً وقال : ﴿ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ ﴾
﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾
عذاب الهوان ، هناك عذاب مهين ، وعذاب أليم ، وعذاب عظيم ، كل إنسان يعاقب بعذاب متعلق بنوع معصيته ، فالذي كان متكبراً في الدنيا له عذاب مهين ، والذي كان مستمتعاً فيها له عذاب أليم، والذي ادعى الألوهية له عذاب عظيم ، ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾
بعض من معاني كلمة ( فرادى ): قال تعالى :
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)﴾
كل إنسان له شأن ، له مكانة ، له قصر ، له بيت ، له مركبة ، له طائرة خاصة أحياناً ، الناس مجتمعون حوله ، مثلاً العدوان على بلد إسلامي ، كل الدول الغربية ناصرت العدوان ، يخافون من هذا القطب الواحد ، ليس هناك قيم ، ولا مبادئ ، لا تستمع إلى كلمة حق ، أو إلى كلمة إنصاف ، لكن في تكتل كبير ، العالم الغربي كله متكتل ضد الإسلام ، والعالم الغربي يرضى أن يباد المسلمون تماماً ، لكن عند الموت قال :
﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾
ليس هناك تكتلات يوم القيامة ، ولا تناصر إعلامي ، ولا تصريحات موافقة ، كل أنواع التناصر والتلازم والتعاون وأن تكون مع الباطل هكذا ينتهي ، ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾
أحياناً الإنسان يكون له شأن ، بهاتف يحل مليون مشكلة ، في الآخرة لا يوجد مثل هذا ، ليس هناك هاتف أساساً بالآخرة ، ولا تغطية أبداً ، ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾
ما معك أحد ، ولا زوجتك ، وقد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟! قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشَةُ ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ))
[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]
أي إذا أخذت إنساناً للإعدام ورأى امرأة متفلتة في ثيابها ، هل يثيره منظرها ؟ مستحيل ، ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾
قال : يا أم المؤمنين الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك ، وقتها قد تقع عين الأم على ابنها ، تقول : يا بني جعلت لك حضني وطاء ، وبطني وعاء ، وصدري سقاء ، فهل من حسنة يعود علي خيرها ؟ فيقول ابنها : يا أمي ليتني أستطيع ذلك ، إنما أشكو مما أنت منه تشكين ، ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾
الآن هناك تكتلات في العالم كبيرة جداً ، أوربا كلها متكتلة ، ينطق بها إنسان واحد ، العالم الغربي ، العالم الشرقي ، الصين ، اليابان في تكتلات كثيرة ، وتناصر على الباطل ، أما يوم القيامة ، ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾
من معاني فرادى أي جئت بعيداً عن كل ما عندك من أموال ، من تجمعات ، من رجال ، من حواشٍ ، ﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾
ترك بيته ، ترك مكانه ، ترك مكتبه التجاري ، ترك رصيده بالمصرف ، ترك مكانته الاجتماعية كل هذا تركه . البطولة أن تبدأ من النهاية :
﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ ﴾
أين تجمعكم ؟ أين من يناصركم ؟ أين من يصرح معكم دائماً ؟ ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ ﴾
تقطعت هذه العلاقات ، تقطعت هذه التحالفات في العراق ، تقطعت هذه العلاقات وهذه التحالفات ، تقطع هذا التواصل ، تقطع هذا التجمع ، ﴿ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾
البطولة أيها الأخوة أن تبدأ من النهاية . ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ (2)﴾
( سورة الملك الآية : 2 )
بدأ الله بالموت ، لأن الموت أخطر حدث في حياة الإنسان ، أنت حينما تولد أمام خيارات لا تعد ولا تحصى ، أما عند الموت فأمام خيارين لا ثالث لهما : (( والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))
[البيهقي في الشعب من حديث الحسن]
ابدأ من النهاية ، هذا البيت سوف تتركه ، هذه المركبة سوف تتركها ، هذه الزوجة الجميلة سوف تتركها ، هذا المال الوفير المنقول وغير المنقول ، هذه المكانة ، ﴿جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾
أخواننا الكرام ، القرآن شفاء للصدور ، شفاء كل ما يؤلمك من أخبار ، كل ما يؤلمك من غطرسة ، من عدوان ، من استعلاء ، من تكبر ، من تجمع على الباطل ، قال عليه الصلاة والسلام : س (( تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْماً وَجَوْراً ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ

العفريني
09-24-2011, 01:58 PM
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)﴾
أيها الأخوة الكرام ، بعد أن بيّن الله جل جلاله ما يتعلق بالتوحيد ؛ توحيد الربوبية والألوهية ، وبعدما بيَّن رسالات الأنبياء ، أراد أن يلفت نظرنا إلى ما به استمرار حياتنا ، لأن الله سبحانه وتعالى منحنا نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، أوجدنا ثم أمدنا بما نحتاج ؛ أمدنا بالهواء ، بالماء ، بالطعام ، بالشراب ، بالمأوى ، بكل ما نحتاج .
الآن بعد التوحيد ، وبعد الرسالات ننتقل إلى النعم التي أسبغها الله علينا ، النعمة الكبرى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
أما كلمة : ﴿ اللَّهَ ﴾
فعَلَم على الذات ، الله عز وجل له أسماء حسنى وصفات فضلى ، هو رحيم ، هو قوي ، هو عليم ، هو خبير ، هو لطيف ، هو قادر ، هو مقتدر ، هو حليم ، هو جبار ، هو متكبر ، تقتضي أفعاله صفات كثيرة ، ففي خلقه حكمة ، وفي خلقه رحمة ، وفي خلقه قوة ، وفي خلقه علم ، وفي خلقه حلم، فأفعاله جل جلاله تقتضي صفات كثيرة ، لأنه الحي القيوم ، هو الخالق وهو القيوم .
أحياناً تنشئ بيتاً وتتركه ، تصنع طائرة وتبيعها ، تصنع مركبة وتصدرها ، تنشئ مشروعاً وتسلمه ، لكن الله سبحانه وتعالى حي قيوم . ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
( سورة الزمر )
الله عز وجل علم على الذات :
قال تعالى : ﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54)﴾
( سورة الأعراف الآية : 54 )
طائرة مقاتلة تُباع ، لكن الذي اشترها هو الذي يأمرها ، يأمرها أن تقصف ، ألا تقصف ؟ أن تدمر ، ألا تدمر ؟ فالذي صنعها ، صنعها وسلمها ، صنعها وباعها ، لكن لله المثل الأعلى ، الله عز وجل حي قيوم ، أي مصدر حياة الكون ، وهو قيوم عليه . ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾
( سورة هود الآية : 123 )
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
إذاً الله عز وجل بتعبير علماء العقيدة علم على الذات ، إن أردت أن تقول : الله رحيم ، غفور ، كريم ، قوي ، حليم ، حكيم ، متكبر ، جبار ، كل هذه الأسماء ، أو تلك الصفات يمكن أن تجمع بالعَلَم على الذات في الله ، فأنت أحياناً يجب أن تقول : بسم الله العليم ، إذا كنت تريد أن تفهم قضية . ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (79)﴾
( سورة الأنبياء الآية : 79 )
أحياناً تجابه عدواً شرساً ، تقول : بسم القوي ، وأحياناً تريد رحمة من الله ، تقول: بسم الرحيم ، أما إذا قلت : بسم الله ، فالله سبحانه وتعالى علَم على الذات ، كل الصفات التي يتصف الله بها جمعت في كلمة الله ، إذاً الله عَلَم على الذات . الله عز وجل إذا تحدث عن ذاته العلية جاء الحديث بالمفرد :
الله عز وجل ما قال : إن الرحيم فالق الحب والنوى ، رحمنا فهيأ لنا طعاماً ، ما قال : إن الرزاق فالق الحب والنوى ، ما قال : إن القوي فالق الحب والنوى ، ما قال : إن العليم فالق الحب والنوى ، قال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ ﴾
لأن فلق الحب والنوى يحتاج إلى إله عظيم ، عليم ، حكيم ، قوي ، مقتدر ، لطيف ، كل صفات الإله عز وجل في خلقه موجودة ، هذا ينقلنا إلى أن الله عز وجل إذا تحدث عن ذاته العلية جاء الحديث بالمفرد . ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
( سورة طه )
أما إذا تحدث عن أفعاله : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ (43)﴾
( سورة ق الآية : 43 )
وقال : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾
( سورة الحجر )
الله عز وجل يقول : ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
كلكم يعلم أن القمح هو الثمرة ، والثمرة نفسها تزرع بأكملها ، فالحب كالقمح والشعير والأرز ، أما النوى فالتمرة لها نواة ، والخوخة لها نواة ، وحب المشمش لها نواة ، يعني لها بزرة ، فإن ﴿ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
قضية البذور من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل :
أيها الأخوة ، قضية البذور من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل ، حبة القمح فيها رشيم ، والرشيم كائن حي ، وقد استخرجوا من أهرامات مصر قمحاً مخزناً قبل ستة آلاف عام ، فلما زرع نبت هذا الرشيم ، وهو الجزء الحي من البذرة ، ومن علّم النملة أنها إذا خزنت القمح تأكل الرشيم ؟ لئلا ينبت القمح فيدمر بيوتها ، ومن علّم النملة أيضاً أن بعض البذور لها رشيمان ، تأكل النملة الرشيمين معاً لئلا تنبت ، فالرشيم هو الكائن الحي في البذرة ، لمجرد أن يصيب البذرة رطوبة فلقتا النواة تنشقان عن سويق وجذير ، شعرة خضراء نحو الأعلى ، وأختها نحو الأسفل ، سويق وجذير ، فإن كانت الحبة على صخر من يصدق ذلك ؟ يستطيع هذا الجذير أن يخرق الصخر ، ينتهي الجذير بقلنسوة ، كرة صغيرة جداً تفرز مادة تذيب الصخر ، إذا ذهبت إلى الجبال ترى الصخر قد شق ، وتسللت جذور النبتات في داخله .
الله عز وجل يفلق الحبة أو النواة ، ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
من أين يتغذى السويق والجذير ؟ من الحبة نفسها ، الحبة نفسها تغذي السويق والجذير إلى أن يستطيع الجذير أن يأخذ الغذاء من التربة ، حجم الحبة حبة القمح ، أو حبة الشعير ، أو حبة الأرز ، أو حبة الفاصولياء ، أو حبة البازلاء ، هذه الحبة فيها غذاء يكفي لنمو السويق والجذير إلى أن يستطيع الجذير أن يمتص غذاءه من التربة مباشرة ، ويتجه نحو الأعلى ، طبعاً هناك في النبتات ، وفي علم النبتات حقائق مذهلة كثيرة جداً ، هذه بعضها ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ ﴾
صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى هو الذي يفلق الحب والنوى .
الآن حبة جوز الهند كلها بذرة ، وفي الغرام الواحد من هذه البذور سبعون ألف بذرة ، الغرام الواحد من بعض نبتات الزينة فيه سبعون ألف بذرة ، لو أن بلدنا سوريا يحتاج إلى غرام واحد أن يستورده من هذه البذور ، من سبعين ألف بذرة إلى بذرة واحدة ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
الحديث عن البذور أيها الأخوة شيء لا يصدق ، كل صفات النبات التفصيلية البالغة مئات الألوف مخزونة في الرشيم ، قد لا تنتبهون ، في بلدنا وحده ثلاثمئة نوع من العنب ، القمح عدد أنواع القمح خمسة وأربعون ألفاً ، التفاح مئات الأنواع ، ما معنى أنواع ؟ شيء مبكر ، شيء متأخر ، شيء حلوه كثيف ، شيء للتصدير ، شيء للاستهلاك ، الأنواع منوعة . النبات من أكبر الآيات الدالة على الله :
أخواننا الكرام ، يكاد النبات يكون أكبر الآيات الدالة على الله ، حتى أنه في بعض سور القرآن كلمة واحدة ، قال تعالى : ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ (99)﴾
( سورة الأنعام الآية : 99 )
أنت من أجل أن تصبح نظيفاً ، من أجل أن تستخدم شيئاً ينظف جلدك في الحمام نبات ليفي له سطح ناعم ، والخشن له سطح خشن ، من أجل أن تنظف أسنانك هناك نبات خاص لتنظيف الأسنان ، لتنظيف ما بين الأسنان ، وهناك نبات آخر لتنظيف الأسنان ـ السواك ـ ونبات يمكن أن يكون وعاءً ، كالنحاس تماماً ، ونبات يمكن أن يكون سبحة ، كرات مثقوبة ، ونبات يمكن أن يكون ورقاً ، ونبات يمكن أن يكون بين الجسمين القاسيين ـ مطاط ـ ، ونبات كثافته خفيفة جداً ـ الفلين ـ ، ونبات تصنع منه الأدوية ، ونبات يصنع منه الأثاث ، ونبات تصنع منه النوافذ ، والحديث عن النبات لا ينتهي ، حتى إن الله عز وجل قال : ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
فمعظم حاجات الإنسان مشتقة من النبات ، حتى ثيابنا من القطن والكتان ، حتى أدواتنا من النبات ، حتى طعامنا من النبات ، قد تأكل أنت جزراً ، الجزر جذر، وقد تأكل زهرة ، الزهرة زهر وقد تأكل ورقاً ، وقد تأكل جذعاً ، وقد تأكل أغصاناً ، فلذلك : ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
أعطانا مثلاً بين أيدينا ، هذه النواة ، وتلك الحبة كيف انشقت عن سويق وجذير ، وكيف أن هذا الغذاء الذي في الحبة أمد السويق والجذير حتى استطاعا أن يأخذا الغذاء مباشرة من الأرض ، والدليل : ضع حبات القمح على قطن مبلل في البيت وانظر ، ضع بعض حبات الفاصولياء على قطن مبلل كيف ينبت السويق وينبت الجذير ؟ ﴿ إِنَّ اللَّهَ ﴾
بعلمه ، وبحكمته ، وبقوته ، وبرحمته ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾
قد يسأل سائل : ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾
من أجل التناظر ، ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾
نقول له : ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾
تقابل الحب والنوى ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾
طبعاً هذا الكلام على مستوى فهم الإنسان ، أنت ترى أن الخشب ميت ، هذا خشب جماد ، الحجر جماد ، البلور جماد ، الماء سائل ، لكن هذه النحلة فيها حياة تطير ، نحن نتوهم أن الشيء الذي يطير ، ويتحرك ، ويتنفس ، ويأكل هو الحي . كل ما في الكون فيه حياة وحركة حتى الجماد :
إذا قال الله عز وجل : ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88)﴾
( سورة القصص الآية : 88 )
معنى ذلك أن كل شيء فيه حياة ، كيف يهلك الرخام ؟ معنى فيه حياة ، لو تعمقنا أكثر وسألنا علماء الذرة لأعلمونا أن كل شيء في الكون مؤلف من ذرات تدور في مسارات حول نواة ، وإن نظام المجرة كنظام الذرة ، أو إن نظام الذرة كنظام المجرة ، كهارب تدور حول نواة بمسارات متعددة ، وحينما رتبوا عناصر الأرض تبين لهم أن كل عنصر له عدد من الكهارب يدور حول النواة ، وأن بين عنصرين الأول غازي والثاني صلب فرق كهروب واحد ، لذلك الحياة بالمفهوم العميق : ﴿ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (30)﴾
( سورة الأنبياء الآية : 30 )
﴿و كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ﴾
إذاً فقد حياته ، فالحجر حي ، الحجر متحرك ، شيء قد يغيب عن الأذهان ، هذا ما يؤكده علماء الذرة ، الأجسام الصلبة فيها حياة وفيها حركة ، والماء فيه حياة وفيه حركة ، لكن نحن أَلِفنا أن الشيء الذي يتحرك ، ويأكل ، ويشرب هو الحي ، لكن الجماد أيضاً هو الحي ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾
أي يخرج نباتاً ينمو من تراب تظنه ميتاً وهو في الحقيقة حي ، ﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾
لكن حينما نذكر صفات الله عز وجل في الرحيم ، في الودود ، في اللطيف ، في الحكيم ، في الغفور ، في الشكور ، هذه صفات الجمال ، وفي القوي ، وفي الجبار ، وفي المنتقم هذه صفات الجلال ، لذلك قال تعالى : ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾
( سورة الرحمن )
بقدر ما ينبغي أن تخاف منه بقدر ما ينبغي أن تحبه ، تخافه وتحبه ، ﴿ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
لكنك في حياتك تحب ولا تخاف ، وقد تخاف ولا تحب ، قد تحب جهة ولا تخافها ، وقد تخاف جهة ولا تحبها ، ولكن الله عز وجل : ﴿ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
أرحم مخلوق على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم :
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾
هو الذي خلقك ، هو الذي رباك من خلال أبيك وأمك ، ألقى محبتك في قلبيهما ، قصة رمزية : أحد أنبياء الله مشى في الطريق ، فرأى أماً تخبز خبزها على التنور ، ووضعت ابنها على طرف التنور ، فكلما وضعت رغيفاً في التنور ضمت ابنها وشمته وقبلته ، فقال هذا النبي : يا رب ، ما هذه الرحمة التي عند الأم ؟ قال : يا عبدي هي رحمتي أودعتها فيها ، فسأريك ـ القصة رمزية طبعاً ـ فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم ألقته في التنور .
بعض الحيوانات تربي أولادها ثم تأكلهم ، رحمة البشر من عند الرحمن الرحيم ، بل إن أرحم مخلوق على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله له : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159)﴾
( سورة آل عمران الآية : 59 )
وقال : ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ (58)﴾
( سورة الكهف الآية : 58 )
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾
أمر ، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
الله عز وجل رحمن في ذاته رحيم في أفعاله :
أيها الأخوة ، قال عليه الصلاة والسلام ، وقد رأى أماً تقبل ولدها : (( أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا : لا وَاللَّهِ ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا ))
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ]
الله عز وجل رحمن رحيم ، لكن كيف أن الأب يمتلئ قلبه رحمة ومحبة لابنه وهو طبيب ، وقد التهبت الزائدة عند ابنه ، كيف يأمر الأب أن يخدر هذا الابن ، وأن يشق بطنه ، وأن تستأصل الزائدة ، وبعد أن ينتهي مفعول المسكن تنشأ آلام لا تحتمل ؟ لأنه عالم ، قال : ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ (45)﴾
( سورة مريم الآية : 45 )
بالمفهوم الساذج الأم إن كانت جاهلة تطعم ولدها طعاماً قد يسهم في مرضه ، لكن الأم المتعلمة تحرم ولدها أطيب الطعام إذا كان يسهم في تفاقم مرضه ، فالله عز وجل رحمن رحيم ، رحمن في ذاته رحيم في أفعاله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾
ذلكم الله ، منحك نعمة الإيجاد ، منحك نعمة الإمداد ، منحك نعمة الهدى والرشاد ، أمرك بيده ، جسمك بيده ، دماغك بيده ، قلبك بيده ، شريانك التاجي بيده ، كبدك بيده ، حركتك بيده ، أقرب الناس إليك بيده ، القوي بيده ، الضعيف بيده ، من كان فوقك بيده ، من كان دونك بيده ، وتعبد غيره ؟! ((إني والجن والإنس في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري؟! ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء]
(( خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله :
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾
الذي خلقنا ، والذي أمدنا ، والذي هدانا ، والذي يربينا ، ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾
إلى أين تنصرفون ؟ إلى أين تتجهون ؟ إلى أين تتوجهون ؟ من تحبون غير الله ؟ على من تعتمدون ؟ على من تتكلون ؟ على من تعلقون الآمال ؟ من تخافون ؟ أيعقل أن تخافوا من غير الله ؟ وأن تعقدوا الأمل على غير الله ! وأن يرجو الإنسان غير الله ! وأن يثق بغير الله ! وأن يكون لغير الله !
أخواننا الكرام ، كلمة دقيقة : إن مما يشينك أن تكون لغير الله ، كم من إنسان محسوب على إنسان آخر ؟ كم من إنسان محسوب على هذه الجهة أو على تلك ؟ هو في خدمتها ، ولاءه لها ، وقته لها ، ذكاءه من أجلها ، طلاقة لسانه لها ، وهي جهة أرضية ، أيليق بالإنسان أن يكون لغير الله ؟!!
" خلقت لك ما في السماوات والأرض فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك " .
أيها الأخوة ، قال الله عز وجل في بعض الآثار القدسية : " كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ". ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾
إلى أين ذاهب ؟ إلى أين ؟ إلى عبد حقير ، إلى عبد فقير ، إلى عبد لئيم ، إلى عبد يحتال عليك ، إلى عبد يبني مجده على أنقاض ، إلى عبد يأخذ منك ما يريد ثم يركلك بقدمه ، إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم ، الحمد لله الذي أخرجنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة ، من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، من جور الحكام إلى عدل الإسلام ، هكذا قال بعض صحابة رسول الله ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾
الحكمة من خلق الليل والنهار :
قال تعالى : ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)﴾
( سورة الأنعام )
ظلام ، الظلام مخيف ، وفيه رهبة ، يأتي الصباح ترى كل شيء ، تأنس بكل شيء ، تنطلق إلى عملك ، الذي صمم هذا الجسم صممه ليعمل ثم ليستريح ، فلا بد من حركة يعقبها سكون ، ولكن لا تسكن إذا كان من حولك متحركاً ، لذلك من الصعب جداً أن تنام في النهار ، لكن حكمة الله اقتضت أن الليل يسكن فيه جميع الخلق ، انعدمت الرؤيا ، فخلد كل إنسان إلى بيته ، لكن الحضارة الغربية جعلت الليل نهاراً والنهار ليلاً ، وساعة نوم في أول الليل تزيد في نفعها عن ساعات طويلة في آخر الليل ، فنحن قلبنا نهارنا ليلاً وليلنا نهاراً ، ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾
من صمم أن الأرض كرة ؟ وأنها تدور حول نفسها ، وأن الشمس منبع ضوئي ، من صمم شكل الكرة ؟ لأن الأرض لو كانت مكعبة لجاء الضوء فجأة ، تستيقظ إلى صلاة الفجر الأشياء كلها في ظلام ، يأتي الضوء شيئاً فشيئاً ، وهذا يؤكد اسم اللطيف ، شيئاً فشيئاً إلى أن تشرق الشمس ، فإذا كانت الشمس أمام وجهك كان ضوءها مقبولاً ، تصور الشمس تشرق كما هي في كبد السماء ، لا تحتمل ذلك ، قرص الشمس وهو يغيب أو وهو يشرق لطيف جداً ، تنظر إليها براحة ، هذا اسم اللطيف ، ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾
الدنيا مضيئة ، أنت نشيط ، ومن يصدق أن في الإنسان ساعة بيولوجية هذه الساعة مربوطة بقعر العين ، فإذا كان الوقت نهاراً تنبهت هذه الساعة ، ومعها برمجة معقدة جداً ، نبض القلب يزداد في النهار عما هو في الليل ، إفراغ المثانة يزداد في النهار عما هو في الليل ، الضغط يزداد في النهار عما هو في الليل ، هرمونات النمو تزداد في الليل عما هو في النهار ، في برنامج معقد جداً لهذه الساعة .
لذلك عندما يذهب الإنسان إلى بلد بعيد تضطرب هذه الساعة ، أنت ذهبت إلى أستراليا مثلاً ، فأنت مبرمج على أن هذا الوقت ظلام ، ففي النهار تشعر بحاجة إلى النوم لا تواجه ، فإذا جاء الليل لا تنام أبداً ، لأن برمجة الساعة البيولوجية على دمشق ، فإلى أن تبرمج برمجة جديدة تحتاج إلى أيام ثلاثة ، كل إنسان يسافر إلى بلد بعيد يصبح نهاره ليلاً وليله نهاراً ، تعاني من شدة الميل إلى النوم في النهار لدرجة أنك لا تستطيع أن تفتح عينيك ، فإذا جاء الليل لا تنام أبداً ، إلى أن يمضي ثلاثة أيام فيعاد برمجة هذه الساعة ، من صمم هذه الساعة البيولوجية ؟ ومن أعطاها هذا البرنامج الدقيق ؟!! نظرية أينشتاين :
عمل الدماغ ، نبض القلب ، ضغط الدم ، المثانة يتوقف عملها في الليل من أجل أن تنام نوماً مريحاً ، وهذا الصمت الليلي للمثانة في النهار لها برنامج آخر ، فكل أجهزة الجسم لها برنامج نهاري وبرنامج ليلي ، هذا مربوط بالساعة البيولوجية ، والساعة البيولوجية مربوطة بقعر العين ، من أجل أن تعلم هذه العين أن الوقت نهار أو ليل . ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾
القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر ، لو أخذنا نقطة هي مركز القمر ، ونقطة هي مركز الأرض وصلنا بينهما بخط ، كان هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ، طول هذا الخط نأخذه من نصف قطر القمر مضاف إليه نصف قطر الأرض مضاف إليه المسافة بينهما ، هذا نصف القطر لو ضربناه باثنين كان قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ، لو ضربنا هذا الرقم بـ (3.14) ، النتيجة هي المحيط ، نحن بحساب بسيط نعرف كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في الشهر ، في السنة نضربه بالعدد (12) ، في ألف سنة × 1000 معنا رقم كبير ، هذا الرقم الكبير عدد الكيلومترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام ، لو قسمنا هذا الرقم على ثواني اليوم (60 × 60 × 24) النتيجة سرعة الضوء الدقيقة وهي(299752) ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)﴾
( سورة الرحمن )
هذه نظرية أينشتاين ، السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء ، وأي جسم سار مع الضوء أصبح ضوءاً وحجمه لا نهائي ، وكتلته صفر ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾
من يصدق أن أضخم وأدق ساعة في العالم تضبط على مرور نجم ، فقد تزيد ثانية في العام أو تقل ثانية ، لكن النجم لا يزيد ولا ينقص ؟ بالثواني ، ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾
نظام رياضي دقيق جداً يدور فيه القمر ، لو أن القمر يدور مع الأرض تماماً ما كان هلالاً وبدراً ، الفارق بسيط ، كل يوم خمسون دقيقة ، وبهذا الفارق القمر يأخذ هذه المنازل من محاق ، إلى هلال ، إلى ربع ، إلى بدر ، من نظم هذا النظام ؟ من قنن هذه القوانين ؟! ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
إعجاز الله في الكون :
قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)﴾
الكون كم مجرة ؟ والله أيها الأخوة شيء يحير العقول ، بموسوعة علمية حديثة ناطقة ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وكل مجرة فيها ملايين الملايين من النجوم ، ودرب التبانة مجرة معتدلة متواضعة ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾
أي خلقت خصيصاً لكم ، الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبين الشمس والأرض مئة وستة وخمسون مليون كم ، وهناك نجم صغير في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، الأرض والشمس ومئة وستة وخمسون مليون كم ، والشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، هذه كلها تدخل مع المسافة في نجم اسمه قلب العقرب ، من أجل أن تعرفوا من هو الله ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

العفريني
09-24-2011, 02:00 PM
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)﴾
أيها الأخوة الكرام ، ينبغي أن نعلم أن كلمة آية تعني علامة ، وتعني دلالة ، وتعني بياناً ، وتعني برهاناً ، وآيات الله ثلاثة أنواع : آيات كونية خلقه ، وآيات قرآنية كلامه، وآيات تكوينية أفعاله ، يمكن أن تعرف الله من آياته التكوينية والكونية والقولية أي القرآن .
لكن لا بد من ملاحظة : وهي أنك إذا بدأت بمعرفة الله من خلال آياته الكونية فالطريق سالك وآمن ، وكلما ازددت تفكراً في خلق السماوات والأرض ازددت تعظيماً لله ومحبة له ، لأن كل ما في الكون ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، فإذا تعمقت بآياته القرآنية تُكشف لك حقائق كثيرة ، والآيات القرآنية تتكامل مع الآيات الكونية ، كيف ؟
دخلت إلى جامعة ، نظرت إلى أبنيتها ، دهشت لعظمة هذه الأبنية ، ولتناسبها مع وظيفتها ، قاعات محاضرات ، مخابر ، جناح لنوم الطلاب ، جناح للأساتذة ، مدرجات حدائق كي يستمتع الطلاب ، هدوء ، مطاعم ، أنت تستنبط أن الذي صمم هذه الجامعة مهندس قدير ومتخصص بالجامعات ، لكن مهما كنت ذكياً ، ومهما أطلت التفكر في هذه الأبنية لا تستطيع أن تعرف النظام الداخلي لهذه الجامعة ، ولن تستطيع أن تعرف عميد هذه الكليات ، من هو رئيس الجامعة ؟ ما نظامها ؟ ما نظام قبول الطلاب فيها ؟ ما نظام النجاح والرسوب؟ لهذا لا بد من كتاب . الأبنية ، والمخابر ، والمدرجات ، والحدائق ، وأبنية الطلاب ، وأبنية المدرسين ، والأجواء المحيط بالجامعة ، هذه كلها تدلك على أن الذي صممها مهندس قدير ، لكن من هو رئيس الجامعة ؟ من هم عمداء الكليات ؟ ما الأنظمة الداخلية ؟ كيف يُقبَل الطلاب؟ كيف يتخرجون ؟ هذا شيء لا يمكن إلا أن تأخذه تلقياً .
لا بدّ من أن تتكامل الآيات الكونية مع الآيات القرآنية :
إذاً ولله المثل الأعلى ، هذا الكون يدل على خالق عظيم ، على رب كريم ، على مُسَيِّر حكيم ، أسماؤه حسنى ، صفاته فضلى ، مليار دليل على رحمته ، وقدرته ، وقوته ، وجبروته ، وحلمه ، ولطفه ، لكن لماذا خلقنا ؟ هذا لا يأتي بالتفكر يأتي بالتلقي ، تقرأ القرآن: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات )
من الذي خلق الكون ؟ لا بد له من خالق عظيم ، يقول إله القرآن : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (4)﴾
( سورة السجدة )
عَلَم على الذات ، شيء جميل . ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
( سورة الإنسان )
إذاً لا بد من أن تتكامل آياته الكونية مع آياته القرآنية ، فالآيات الكونية تدلك على الله عز وجل ، والآيات القرآنية تدلك على سر وجودك ، وعلى غاية وجودك ، وعلى منهجه، إن الله يحب الصادقين ، إن الله يحب المخلصين ، إن الله يحب الطائعين . ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)﴾
( سورة الهمزة )
وقال : ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279)﴾
( سورة البقرة الآية : 279 )
علينا أن نبدأ بآيات الله الكونية ونثني بآياته القرآنية ثم نتفكر في أفعاله :
لا يكفي الكون ، يجب أن نضم مع القرآن الكون ، آياته الكونية وآياته القرآنية ، الآن أفعاله ، لكن أفعاله حقل ألغام ، كيف ؟ لو بدأت بالتفكر في أفعاله يقفز أمامك مليون سؤال وسؤال ، لماذا الفقر ؟ لماذا القهر ؟ لماذا الأقوياء والضعفاء ؟ لماذا اجتياح الدول القوية للدول الضعيفة ؟ لماذا الموت من الجوع في إفريقيا ؟ لماذا شح الأمطار ؟ لو أنك بدأت بآياته التكوينية لقفز إلى ذهنك مليون سؤال ، لذلك أنصح أن تبدأ بآياته الكونية ، وتثني بآياته القرآنية ، ثم تفكر في أفعاله ، أنت حينما ترى أمة قوية متغطرسة ترتكب كل الحماقات ، وكل المحرمات ، وكل الموبقات ، وتستعلي ، وهي قوية ، ويبدو أنها تفعل ما تقول ، شيء يحير ، تفتح القرآن الكريم : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)﴾
( سورة الأنعام الآية : 44 )
واضحة : ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44)﴾
( سورة الأنعام الآية : 44 )
أنت حينما ترى فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل ، ويستحيي نساءهم ، ويتفنن في تعذيبهم ، وترثي لحال هؤلاء المستضعفين المقهورين ، الذين قُتِل أبناءهم واستُحيت نساءهم ، ثم تقرأ قوله تعالى : ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾
( سورة القصص )
إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق :
إذاً أيها الأخوة ، ابدأ بالتفكر في مخلوقات الله عز وجل ، وإياك ثم إياك أن تتفكر بالخالق : (( تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا ))
[ رواه ابن حبان عن أبي ذر ]
كيف يعلم ما سيكون ؟ تجاوزت الخط الأحمر ، لن تستطيع أن تكشف عدل الله بعقلك إلا بحالة مستحيلة ؛ أن يكون لك علم كعلمه ، ومادام ليس لك علم كعلمه إذاً تؤمن بعدله من خلال كلامه . ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾
( سورة الكهف )
وقال : ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)﴾
( سورة الإسراء )
لا فتيل ، ولا قطمير ، ولا نقير ، ولا حبة من خردل . ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
( سورة الأنبياء الآية : 47 )
ينبغي أن نبدأ بالتفكر في خلقه أولاً ، ونثني بقرآنه ثانياً ، ثم إذا تفكرنا في أفعاله نعلم أن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، عندئذٍ تستسلم ، فلذلك يقول الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾
أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان :

بالمناسبة أيها الأخوة ، وهذا كلام دقيق ، أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان ، الوظيفة الأولى : أن تتعرف إلى الله من خلاله ، سواء تفكرت في جسمك ، أم في طعامك ، أم في شرابك ، أم في الجبال ، الوديان ، السهول ، الصحارى ، القفار ، البحار ، البحيرات ، الأنهار ، الينابيع ، النبات ، الأطيار ، الأزهار ، الأسماك ، سواء تفكرت في مخلوقاته أم في ذاتك ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (53)﴾
( سورة فصلت الآية : 53 )
فالوظيفة الأولى أن تعرف الله من خلال هذا الذي خلقه لك ، هذه الوظيفة الأولى وقد عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))
[ رواه أبو داود عن قتادة ]
يرشدني إلى الله وأنتفع به في دنياي ، الخير النفع المادي .
كنت أضرب مثلاً بشكل متكرر ، أنه إذا كنت فقيراً لا سمح الله ولا قدر فقراً مدقعاً ، ولا يتيح لك دخلك أن تلعق لعقة عسل واحدة ، وقرأت كتاباً عن العسل ، فخشع قبلك لله ، وعظّمته على بديع صنعه ، ولم تلعق لعقة واحدة ، أنت حققت الهدف الأكبر من خلق العسل ، لأنك تعرفت إلى الله من خلاله ، ولو أكلت عسلاً ما شاء لك أن تأكل ، ولم تتفكر في هذا الشفاء للناس كما وصفه الله عز وجل فأنت لم تحقق شيئاً من سبب وجود العسل ، (( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))
العالم الغربي حقق الناحية النفعية في كل شيء ، والمؤمنون في العالم حققوا الناحية التعريفية ، والدليل أن الله سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم ، (( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))
رشد ؛ تعريف ، خير ؛ تكريم ، إن دلك عليه أكرمك بهذا الشيء ، رد فعلك الطبيعي أن تشكره وأن تؤمن به ، أو أن تؤمن أو أن تشكره ، فإذا آمنت به وشكرته حققت الهدف من وجودك ، فإن آمنت به رد فعل التعريف ، وإن شكرته رد فعل التكريم ، حققت الهدف من وجودك ، وإن حققت الهدف من وجودك تتوقف المعالجة . ينبغي أن تؤمن بالله من خلال آياته وأن تشكره من خلال نعمائه وإحسانه :
قال تعالى : ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147)﴾
( سورة النساء الآية : 147 )
انتهى كل شيء ، ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
إذاً أنت بين آيات كونية ، وآيات قرآنية ، وآيات تكوينية ، ابدأ بالكونية ، وثني بالقرآنية فهما متكاملان ، إن استوعبت الآيات الكونية والقرآنية أمكنك أن تفهم الآيات التكوينية ، لا تعترض عندئذٍ على الله ، لا تقل : في العالم ظلم ، لا تقل : هناك أقوياء وضعفاء ، كل هذه الأسئلة التي يطرحها أهل الدنيا البعيدون عن الله عز وجل لا تطرحها أنت ، إذاً :
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا ﴾
هنا في وظيفة محدودة ،
﴿ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
لكن هناك آيات أخرى :
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ (13)﴾
( سورة الجاثية الآية : 13 )
تسخير تعريف وتكريم ، ينبغي أن تؤمن به من خلال آياته ، وينبغي أن تشكره من خلال نعمائه وإحسانه . ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
والحقيقة النجوم ، ماذا نعلم عن النجوم ؟ بعض الإحصاءات أننا لا نستطيع أن نعد بالعين المجردة أكثر من عشرة آلاف نجم فقط ، بينما أحد المجرات في أحدث موسوعة علمية معتمدة تقريباً ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وفي كل مجرة مليون ملْيون نجم ، فالنجوم التي لا نراها لا تعد ولا تحصى ، لذلك قال تعالى :
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38)وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
( سورة الجاثية )
الجزء الأخير من القرآن الكريم جزء مكي فيه إرشاد إلى التفكر في الكون :
ذكرت لكم كثيراً أن بعد الأرض عن الشمس مئة وستة وخمسون مليون كم ، وأن الشمس تستوعب مليون وثلاثمئة ألف أرض ، وأن نجم قلب العقرب يستوعب الشمس والأرض مع المسافة بينهما ، والحديث عن النجوم لا ينتهي ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (101)﴾
( سورة يونس الآية : 101 )
وقال : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
( سورة عبس )
وقال : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾
( سورة الطارق )
وقال : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)﴾
( سورة الشمس )
وقال : ﴿ وَالْفَجْرِ (1)وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾
( سورة الفجر )
تقريباًَ الجزء الأخير من القرآن الكريم جزء مكي فيه إرشاد إلى التفكر في الكون، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
أي هذا الذي أراد أن يعلم ينتفع من هذه الآيات .
حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة أي شيء مهما صغر يدلك على الله :
أخواننا الكرام ، هناك آيات عديدة تحير ، قال تعالى مثلاً : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)﴾.
( سورة الزمر )
شيء محير ، يا رب ، أنا إذا فكرت بهذه الآية أؤمن ؟ أم إذا كنت مؤمناً قبلها أنتفع بها ؟ أكثر الآيات : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
وقد قال بعض أصحاب النبي الكريم : أوتينا الإيمان قبل القرآن ، معنى ذلك أنك حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة أي شيء مهما صغر يدلك على الله ، بعرة تدل على البعير ، وأقدام تدل على المسير ، وماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
أعرابي راعي إبل قد يهتدي إلى خالق السماوات والأرض من بعرة جمل ، ومن غدير ماء ، ومن أقدام على الرمال ، وإنسان يجلس في أكبر محطة فضائية ، أو في أكبر محطة أرضية تتلقى معلومات عن الفضاء بتلسكوبات هي من أعظم ما في العالم اليوم ، أو هو على مجهر إلكتروني يرى الخلية بتفاصيلها ، إذا أراد هذا الأعرابي راعي الإبل أن يعرف الله ، وليس أمامه إلا ماء وأقدام وبعرة يصل إلى الله ، وإذا لم يرد هذا الذي في أكبر محطة فضائية ، ويرى المجرات العملاقة ، ويرى بالمجهر الإلكتروني النسج الخلوية ، فالأول يعرف الله بلا وسائل ، والثاني لا يعرفه مع كل هذه الوسائل ، بلا وسائل والثاني لا يعرفه مع كل هذه الوسائل ، لأن طلب الحقيقة يشبه الفيلم في آلة التصوير ، فإن لم تطلب الحقيقة قد تلتقط هذه الآلة آلاف الصور الرائعة ، لكن لأن صاحب هذه الآلة لم يطلب الحقيقة ليس فيها فيلم تنطبع عليه هذه الحقائق ، أما الذي يطلب الحقيقة ، ولو كان يملك أصغر آلة أو أقل آلة تعقيداً إنها تنفعه بل ترشده إلى خالقه ،
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
(من نفس واحدة)لها معنيان :
الآية التي تليها : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)﴾
( سورة الأنعام )
﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
الآن هناك ستة آلاف مليون ، هؤلاء لعلهم قبل خمسين عاماً كانوا ثلاثة آلاف مليون ، وقبل كانوا أقل ، وأقل ، وأقل إلى أن نصل إلى إنسان واحد ، كان أصل كل هؤلاء البشر سيدنا آدم ، الستة آلاف مليون أصلهم إنسان واحد هو سيدنا آدم ، هذا معنى .
المعنى الثاني :
﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
أي جسم بالأرض تصميمه ، تصميم الدماغ ، الأعصاب ، القلب ، الشرايين ، الأذين ، البطين ، الكليتان ، المعدة ، مسار الأعصاب ، مسار الأوعية بدقة بالغة ، كل البشر بتصميم واحد ، وإلا لا معنى للطب في العالم ، يدرس إنسان الطب في أمريكا ، ويطبق الذي قرأه في الصين ، هذه نعمة كبيرة جداً ، لولا أن بنية البشر واحدة ، وأجهزتهم واحدة ، وخصائصهم واحدة ، وتفاصيل أجهزتهم واحدة، لما أمكن أن يُستَخدم علم في مكان في مكان آخر .
إذاً :
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
تجد غير التشريح ، في الفيزيولوجيا كل جهاز له خصائص ، الكلية مثلاً لو أن الضغط ارتفع لها موقف ، الضغط قل لها موقف ، الملح زاد لها موقف ، مصممة على برامج معقدة جداً ، المعدة كذلك مصممة على برامج معقدة جداً ، هناك إقياء ، وأحياناً في حالات معينة عدم قبول الطعام ، وهناك سعال ، وتثاؤب ، وبكاء ، هناك خصائص في الجسم ، القلب له خصائص يتسرع من ثمانين إلى مئة وثمانين ، وهناك أمر يأتي من ذاته ، أمر للثمانين من ذاته ، وأمر للمئة والثمانين يأتيه من الدماغ عن طريق الكظر إلى القلب ، قد يعقد مؤتمر لأمراض القلب يقول لك : أكثر من خمسة وعشرين ألف طبيب حضر من أنحاء العالم ليستمعوا إلى مئات المحاضرات ، حول القلب فقط ، القلب مجهز بجاهزية عالية جداً ، يُسَد أحد شرايينه ، ينشأ شُرينات قد تصل إلى عشرة ، أحياناً مجموع أقطارها تساوي قطر الشريان المنسد ، من صمم ذلك ؟ شيء لا يصدق .
تمشي في الطريق تستمع إلى بوق سيارة ، من يصدق أن في الدماغ جهاز يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ؟ صوت البوق دخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن ، التفاضل واحد على(1620) جزءاً من الثانية ، الجهاز بالدماغ يحسب ذلك ، يصدر أمر بالحركة إلى اليمين ، لأن البوق جاء من اليسار ، جهاز بالغ التعقيد .
خصائص النفس واحدة تحب الكمال والنوال والجمال :
إذاً أيها الأخوة ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
الآن هذا الجسم بتشريحه ، وبالفيزيولوجيا التي تنطبق عليه ، خصائص الأجهزة ، وخصائص الأنسجة ، أن القرنية تتغذى بالحلول غير القرنية بالشعريات ، تفاصيل طويلة جداً ، هذا الجسم بالغ الدقة مشابه لكل إنسان ، الآن نفس الإنسان النفس الواحدة :
(( يا داود ذكر عبادي إحساني إليهم ))
[ رواه الطبراني عن أبي أمامة ]
(( جُبِلتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا ، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا ))
[ رواه البيهقي عن ابن مسعود ٍ]
خصائص النفس واحدة تحب الكمال ، تحب النوال ، تحب الجمال ، تحب أن تكون متفوقة ، تجب المحسن ، تكره المسيء ، تحب التعاون ، لها فطرة ، ولها جبلة ، ولها صبغة ، ولها طبع ، من صمم هذا كله ؟ الله عز وجل . ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾
، نحن جميعاً كنا مستقرين في ظهر أبينا آدم ، ثم انتقلنا من نسل إلى نسل ، حتى استقرينا في أجهزة آبائنا ، ثم في أرحام أمهاتنا ، ثم أصبحنا على الأرض مستقرين ، ثم نقلنا إلى المستودع ؛ القبر ، القبر مستودع ، مات ، إلى القبر ،
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾
والاستقرار أنواع ،
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾
والاستقرار أنواع كثيرة ، قد تستقر على أرض ، ثم ينقل هذا الإنسان إلى مستودع ليستقر ثانية إما في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفذ عذابها ،
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .

هناك معنى آخر لمستودع : أنت في الشام ، وقد يكون غذاؤك مستودعه في درعا ، الخبز الذي تأكله مستودعه هناك ، والفاكهة في المكان الفلاني ، لك مستقر ولك مستودع يمدك بالغذاء ،
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
الإيمان بأن الله هو الرزاق يدفعك إلى طاعته :
﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾
كنت أقول : لو دخلنا إلى بستان في منطقة خارج دمشق ، مزروع بالتفاح مثلاً ، البستان الخامس على اليمين ، الشجرة السابعة ، الغصن الثالث ، التفاحة الرابعة ، هذه لك ، لك أن تأكلها هدية ، ولك أن تأكلها ضيافة ، ولك أن تأكلها شراء ، ولك أن تأكلها لا سمح الله ولا قدر سرقة ، ولك أن تأكلها تسولاً ، طريقة وصولها إليك باختيارك ، أما هي لك ،
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40)﴾
( سورة الروم الآية : 40 )
أخواننا الكرام ، على رؤوس جبال هملايا في ينابيع ماء ، معنى ذلك أن هناك قمم أعلى منها مستودعات للماء كي يشرب الوعول في هذه الارتفاعات الشاهقة الماء ، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾
في بعض البلاد أذكر سبعة آلاف جزيرة ، ثم أنبئت أن الرقم أكبر بكثير ، لكل جزيرة نبع ماء عذب ،
﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾

أيها الأخوة ،
﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
بُنية ، ووظائف ، وخصائص ،
﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾
بكل مرحلة كنا مستقرين في مكان ، وفي النهاية ننتقل إلى المستودع وهو القبر ، ثم لنستقر إما في جنة يدوم نعيمها ، أو نار لا ينفذ عذابها ، لا سمح الله ولا قدر .
الشيء الآخر ، أن المستقر في مكان ، وقد يكون مستودع غذائك في مكان آخر ،
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
والرزق لك ، وقد ورد في بعض الأحاديث النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله عباد الله ، وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم ))
[ رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة ]
لا تقبل حرفة لا ترضي الله ، لأن الذي لك هو لك ولن يكون لغيرك ، والذي ليس لك لن يكون لك ، الإيمان بأن الله هو الرزاق يدفعك إلى طاعته لا إلى معصيته من أجل الرزق ، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذا الدرس

العفريني
09-24-2011, 04:13 PM
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)﴾
أيها الأخوة الكرام ، هذه الآيات الكونية لها مثيلات كثيرات في القرآن الكريم ، تزيد على ألف وثلاثمئة آية ، هدفها التعريف بالله عز وجل ، إن نظرتَ إلى السماوات والأرض :
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (73)﴾
( سورة الأنعام الآية : 73 )
إن نظرت إلى هذا الطعام الذي تأكله ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾
فالتفكر في الكون يدل على أن في الكون إلهاً عظيماً ، يأتي الوحي فيذكر أن هذا الله العظيم هو الله الذي خلقكم ، والذي خلق الأكوان ، وخلق الإنسان ، ومتحكم بالحواس ، وما إلى ذلك ﴿ وَهُوَ ﴾
الله عز وجل ﴿ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾
ما من كائن حي إلا وقوامه الماء فالماء قوام حياة الأحياء :
في آية أخرى يقول الله عز وجل : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ (30)﴾
( سورة الأنبياء الآية : 30 )
الماء قوام حياة الأحياء ، وما من كائن حي إلا وقوامه الماء ، أما هذا الماء فالأصل أن الماء في البحار ، ونظرية تشكل البحار لا تزال مُختَلفاً فيها ، على كلٍ ببساطة بالغة : لو أنك وضعت وعاء على موقد ناري ، هذا الماء في الدرجة المئة يتبخر ، معنى تبخر ؛ أي انتقل من حالة مائعة إلى حالة غازية ، والأجسام جميعها قد تتحول من وضع غازي إلى مائع إلى صلب ، أو بالعكس ، من صلب إلى مائع إلى غازي ، فالتسخين يقلب العنصر من صلب إلى مائع إلى غازي ، والتبريد يقلب العنصر من غاز إلى مائع إلى صلب.
هذه البحار سائلة ، مساحاتها واسعة جداً تزيد على أربعة أخماس الأرض ، ولهذه المساحة مغزى علمي كبير ، لولا هذه المسطحات المائية لما وجدت ورقة خضراء في اليابسة، الشمس تسلط على هذه المساحات الواسعة من البحار فتتبخر ، أي تنتقل من حالة مائعة إلى حالة غازية ، الغلاف الذي يحيط بالأرض بمسافة خمسة وستين ألف كم ، هذا الهواء من خصائصه أنه يحمل بخار الماء ، لكن هناك خصيصة فرعية لولاها لما كانت الأمطار ، هذا الهواء يحمل بخار الماء بنسبة تتناسب مع حرارته ، فمثلاً هواء حار يحمل كمية بخار ماء كبيرة ، فإذا بردناه يتخلى عن الكمية الكبيرة إلى الكمية التي تناسب الحرارة التي هو فيها .
أول خاصة أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الشمس بحسبان ، بمسافة تكفي لتبخير الماء ، بخار الماء يتصاعد ، يحمله الهواء ، الآن نحتاج إلى رياح ، كيف تكون الرياح ؟ الأرض فيها منطقة باردة ومنطقة حارة ، فالأصل أن الهواء في المنطقة الحارة ممدد مخلخل ، ضغطه منخفض ، وأن الهواء في المنطقة الباردة كثيف ، وضغطه عالٍ ومتماسك ، دائماً فرق الضغطين يجعل الهواء في المنطقة الأكثر ضغطاً يتجه إلى المنطقة الأقل ضغطاً ، لذلك لا بد من أن يتحرك الهواء من القطب إلى خط الاستواء بفعل الفرق بين الضغطين ، الهواء ذو الضغط المرتفع ينتقل إلى المكان الذي فيه ضغط منخفض تماماً ، ومع دورة الأرض تكون جهة هذا الهواء شمال شرق ، لذلك هناك هواء ناتج من فرق الضغطيين ، هذا الهواء يحمل بخار الماء ، فإذا وصل إلى منطقة باردة تخلى هذا الهواء عن بخار الماء الزائد فكانت الأمطار ، إذاً : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾
هذه القطرة لو لم يكن هناك هواء وسقطت ، سرعتها وتسارعها يقلبها إلى مطرقة ، وزنها اثنا عشر كيلو ، لكن هذه المطرقة مدببة لا تبقي على وجه الأرض إنساناً ، لكن الهواء هو الذي يخفف هذه السرعة ، ويجعله مطراً ، رحمةً ، غيثاً ، نعمة كبرى . خلق الرياح من آيات الله الدالة على عظمته :
أيها الأخوة ، كلما تعمقت بالعلم عرفت عظمة الله عز وجل ، فإلهنا ، ربنا جل جلاله يقول : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾
بحار بمساحات واسعة ، خصيصة في الهواء ، وهي حمل بخار الماء ، خصيصة فرعية ، أن كل درجة حرارة للهواء تحتمل كمية من بخار الماء ، الآن لا بد من أن يساق هذا السحاب أي بخار الماء إلى مناطق الأرض كي ينقلب إلى أمطار فلا بد من رياح ، وخلق الرياح من آيات الله الدالة على عظمته ، خلْق الرياح متعلق بالضغط المرتفع والضغط المنخفض ، طبعاً جرب ذلك .
لو أنك دفأت غرفةً ، وشققت الباب ، وأشعلت شمعة ، تجد أن الهواء البارد يدخل إلى الهواء الدافئ ، لأن الهواء البارد مضغوط ، والهواء الحار أقل ضغطاً .
مرةً فيما أذكر كنت في الحج ، أقلعت الطائرة من جدة ، وقد لاحظت أن إقلاعها ليس حاداً بخط مائلٍ نحو الأرض ، لذلك أخذتْ مسافة أطول حتى ارتفعت عن سطح الأرض، أما في دمشق فالإقلاع بخط يشكل مع أرض المطار زاوية أكبر ، فلما سألت أحد الطيارين عن هذا السر ، قال : الهواء في دمشق بارد ، لذلك يحمل الطائرة بمسافة أقل ، تقلع ، أما الهواء في جدة فساخن ، مخلخل ، لا يحمل الطائرة ، تحتاج إلى مسافة أطول كي ترتفع عن الأرض ، فالفرق بين الضغطيين هو السبب ، الرياح تسوق السحاب .
الآن لو أن هذا السحاب يحمل في منطقة دافئة كمية بخار ماء كبيرة ، ثم واجه جبهة باردة يتخلى الهواء عن الكمية الزائدة ، عن النسب الدقيقة في حمل بخار الماء ، لا بد من ذرات تنعقد عليها حبة المطر ، إما الغبار أو أي ذرات أخرى ، هذه الذرات تنقلب إلى حبات مطر لطيفة ، لولا الهواء الذي يوازن سرعتها لوصلت إلى الأرض بوزن يقدر باثني عشر كيلو ، ولأنها صغيرة جداً لثقبت رؤوس الناس ، لكن الهواء يخفف من سرعتها ويجعلها متوازنة . النبات والبذور من آيات الله الدالة على عظمته :
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾
تنظر إلى الأرض في الشتاء يابسة ، تراب ميت ، فإذا جاءه الماء في الربيع رأيت هذه الأرض اهتزت وربت ، الحشائش، الأزهار ، النباتات ، الشجرة التي في نظرك حطب تزهر ، ثم تورق ، ثم تثمر ، هذه آيات نألفها ، لكن الإنسان إذا ألف الشيء لم يفكر فيه ، هذه الشجرة مصنع .
حدثني أخ مزارع ، قال لي : أحياناً تقدم شجرة التفاح الواحدة أربعين صندوقاً بلا عادم ، بلا صوت ، بلا ضجيج ، بلا تلوث ، معمل قائم بذاته ، يحتاج إلى الماء ، لذلك الله عز وجل يقول : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
الحديث في درس سابق عن أن هذه البذرة التي تأتيها الرطوبة فينشق الرشيم ، وينبت سويقاً وجذيراً ، وما في البذرة من مواد غذائية يكفي لنمو السويق والجذير حتى يتمكن الجذير من امتصاص غذاءه مباشرة . ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
والحقيقة أن هذه الآية دقيقة ولها معانٍ كثيرة ، أحياناً نأكل أوراق النبات ، وأحياناً نأكل جذعه ، وأحياناً نأكل جذره ، وأحياناً نأكل أزهاره ، وأحياناً نأكل ثماره ، فغذاؤنا متنوع ، ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
شيء آخر ، أدويتنا من النباتات ، طعامنا من النبات ، ألبستنا من النبات ، أغذيتنا من النبات ، أثاث بيوتنا من النبات ، نوافذنا من النبات ، أساسات منازلنا من النبات ، لو أردت أن تدرس أنواع النبات ، نبات تنظف به ما بين أسنانك ، ونبات هو كالفرشاة ـ السواك ـ ونبات ليفي لتنظيف جسمك ، ونبات لصنع مسبحة تسبح الله فيها ، ونبات مطاطي لتعامل به المواد الصلبة مع بعضها بعضاً دون أن تتكسر ، لا بد من مادة مرنة بين المواد الصلبة ، نبات يُصنع منه الورق ، نبات تصنع منه الأكواز ، مواد تصنع منه العقاقير ، نبات حدودي بين البساتين ، نبات زينة ، نبات جمالي ، نبات يجلب الأوكسجين ، لو أردت أن تعدد أنواع النبات لأمضيت كل العمر ولا تنتهي ، ولكن لو أردت أن تحصي أشكال الأوراق؛ ورق كالخيط تماماً ، أوراق الصنوبر خيوط ، أورق دائرية ، مربعة ، مكسرة ، منتظمة خضراء داكنة ، خضراء غير داكنة ، الألوان والأشكال لا تعد ولا تحصى ، لكن الذي يلفت النظر ـ دققوا الآن فيما سأقول ـ إن أعظم معمل صنعه الإنسان لا يرقى إلى مستوى الورقة الخضراء ، تتم فيها تفاعلات لا تصدق ، الورقة تأخذ الفوتون من الشمس ، وتأخذ الآزوت ، وتأخذ المعادن من التربة منحلة بالماء ، ثم تصنعها مادة سائلة يسميه العلماء الكيلوس ، هذه المادة تصنع منها الجذور ، والجذوع ، والفروع ، والأغصان ، والأزهار ، والأوراق ، والثمار ، سائل واحد هذا الكيلوس الصاعد هو الماء الذي أذيبت فيه المعادن في التربة ، لأنه صاعد يحتاج إلى دسامات ، عدم رجوع ، لذلك في الأنابيب الصاعدة تجد دسامات عدم رجوع ، لكن هذه الأنابيب مدعمة بألياف محيطية لئلا تنسحق عند نمو النبات ، لو أن أنبوباً في المركبة انثنى لانقطع الماء عن المحرك واحترق المحرك ، حتى الماء لا ينقطع ليغذي أعالي الشجر ، هذا الأنبوب مدعم بألياف حلزونية من أجل ألا تضيق لمعته مع نمو النبات ، هناك ألياف تمنع أن تضيق اللمعة ، وهناك دسامات تمنع رجوع الماء ، هذه الخاصة الشعرية كل شيء يتحرك نحو الأسفل ، نحو الجاذبية ، فكيف يصعد الماء من أعماق الأرض إلى أعالي الشجرة ؟ بخاصة شعرية بالغة الدقة : ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ (11)﴾
( سورة لقمان الآية : 11 )
التفكر في النبات طريق قصير إلى الله عز وجل وباب واسع تدخل منه على الله عز وجل :
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
بعضهم قال: ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
أي نباتاً ككل شيء ، وكل شيء له خصائص ودقائق وأنواع كالنبات ، نباتاً ككل شيء ، أي كل شيء كالنبات ، لكن النبات ظاهر ، النبات تراه ينمو ترى فيه حياة ، لكن هذه الطاولة فيها حياة ، هذه الطاولة ذرات ، وكهارب ، وإلكترونات ، ومسارات ، ونواة، وحركة دائمة ، وحركة الذرات كحركة المجرات ، فكأن الله يبين لنا أن النبات شيء ظاهر ، لكن أي شيء آخر هو كالنبات ، فيه حياة ، وتنوع ، وغنى ، ووظائف لا تنتهي ، أنت أحياناً بحاجة إلى خشب يستعمل للنوافذ ، هذه النوافذ معرضة للرياح والشمس ، أي خشب آخر غير هذا النوع الخاص بالنوافذ يلوي إلا خشب خاص كأن الله صممه للنوافذ والأبواب الخارجية ، فلا يلوي ، هذا يسمونه الكندي ، الآن تحتاج إلى خشب لأثاث البيت ، في أثاث خشبي يعيش مئتي سنة ، فيه قطع من الكراسي المصنوعة من خشب الزان يعيش مئات السنين ، خشب تحتاجه للصناعة ، لين وسهل التعامل معه ، الحديث عن الخشب ، عن أنوع الخشب ، عن أنوع النباتات ، عن أنواع الأوراق حديث لا ينتهي .
الآن هناك نبات تأتي الذبابة أو الحشرة تمر بهذا النبات فيقبض عليها إلى أن تموت ، الآن يخترعون أجهزة لقتل الناموس ، هناك نباتات تشبه هذه الأجهزة تماماً ، وعندي صورها ، في نباتات زينة ، المرج الأخضر ، هذا ليس فيه لا زهر ، ولا ثمر ، ولا جذع نبات أخضر ، لماذا صُمِّمَ ؟ ليكون متعة للعين ، هناك هدف جمالي منه ، هذا النبات ليس له وقت تسقط أوراقه ، لا ، نبات دائم الخضرة ، في نبات للمنظر ـ حدائق ـ ، هناك نبات يتحمل الضغط ـ ملاعب ـ ، إن أردت أن يكون الملعب بساطاً أخضر فهناك نبات خاص له، إن أردت أن يكون هذا المكان له منظر أخضر فهناك نبات خاص له ، نبات خيمة ، مظلة، أوراق خضراء دائمة الخضرة ، متراكبة ، ظلها ظليل ، دائرية ، جذعها مستقيم ، أكثر البيوت في اللاذقية أمامها شجرة ، وكأنها مظلة أمام البيت ، هناك نبات فواح الرائحة ، ونبات للزينة فقط ، ونبات داخل البيوت ، هناك آلاف الأنواع من نباتات الصالونات ، وآلاف الأنواع من النباتات التي تزهر ولها منظر جميل ، وهناك نبات لو أكله الإنسان لمات فوراً ، نبات زينة ، مصمم لا للأكل بل للزينة ، لو فكرت في أنواع النباتات ، هناك نباتات تقيم لك خيمة بأقصر وقت ، أنا أرى التفكر في النبات طريق قصير إلى الله عز وجل ، وباب واسع تدخل منه على الله عز وجل ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
خَضِر تعني الأخضر والغضاضة :
أيها الأخوة ، ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾
طبعاً أخضر ، أي لونه أخضر ، أما خضر يعني شيئين ؛ أنه ذو لون أخضر ، وأنه ذو ملمس ناعم غض ، تعني الأخضر والغضاضة ، ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ﴾
النبات مريح لين فيه نعومة ، وهذا اللون الأخضر ـ سبحان الله ـ أنسب لون للعين ، لذلك قبل عشرين أو ثلاثين سنة بدلت السبورات إلى اللون الأخضر ، ويرتدي الأطباء الثياب الخضراء لطمأنة المريض أنه لن يموت ، سيحيى ، رمز الحياة ، فاللون الأخضر له معنى كبير ، هناك ألوان جميلة لكن صارخة ، اللون الأحمر جميل ، لكن بحجم قليل ، لو كان كل شيء أحمر الحياة لا تطاق ، لكن في وردة حمراء ، أحياناً في سقف بيت أحمر ، هذا يعطي المنظر جمال كبير ، أما المساحات الواسعة ، السماء زرقاء ، والبحر أزرق ، والنبات أخضر ، واللونان مريحان .
بالمناسبة ، لو درجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة العين البشرية تستطيع أن تفرق بين درجتين ، لو أن اللون الأخضر وحده درجناه ثمانمئة ألف درجة العين السليمة تفرق بين درجتين . ﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً ﴾
هل نظرت إلى الرمانة كيف حبها متراكم ؟ كيف أن سطوحها ملساء ؟ كيف أن هناك تناسب بين السطوح ؟!! الذرة ، لو نظرت إلى بعض الفواكه ذات الحبوب المتراكبة ، صنع من ؟ وكل حبة رمان فيها خيط موصول إلى مكان التغذية ، لو نظرت إلى البطيخ شبكة أوعية ، الأوعية أوعية دقيقة جداً لا ترى بالعين تأكلها ، هي البطيخة نفسها ، لكن هذه الثمرة تستمد غذاءها من التربة .
إذاً : ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً ﴾
انظر إلى الرمان ، إلى التين ، الحبة الواحدة كم بزرة فيها ؟ كل بزرة يمكن أن تكون شجرة ، تصميم من ؟ انظر إلى الذرة كل حبة موصولة بخيط ، هذه الخيوط خيوط موصولة بحبات البذور ، تصميم من ؟ اختراع من ؟ من هيأ هذه النباتات ؟ نبات تأكله ، نبات تمتع عينك به ، نبات يحميك من اللصوص ـ حدودي ـ نبات تؤسس به بيتك ، نبات تجعل منه النوافذ ، نبات تستخدمه للصناعة ، نبات يصبح ورقاً تكتب عليه ، نبات تنظف به جسمك هذه الليفة وجه خشن ووجه ناعم ، الخشن يأخذ الخشن ، والناعم يأخذ الناعم ، تصميم من ؟!! فوائد التمر :
﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ ﴾
قالوا : هذه النخلة أطول الأشجار عمراً ، يزيد عمرها على ستة آلاف عام ، وشجر النخيل الذي أكل منه النبي عليه الصلاة والسلام يأكل منه أهل المدينة اليوم ، هو ذاته ، أطول الأشجار أعماراً أشجار النخيل ، وثمار النخيل صيدلية ، فيه ست وأربعون مادة غذائية ، وهذه المادة الغذائية لا تتلوث . ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25)﴾
( سورة مريم )
جاءت هذه الآية مع المخاض ؛ هذا التمر أيها الأخوة فيه مادة ملينة ، لأن التي على وشك الولادة ينبغي أن تكون أمعاؤها فارغة لتسهيل الولادة ، فيه مادة ملينة ، وفيه مادة مهدئة ، وفيه مادة قابضة للأوعية ، لأنها على وشك أن تنفتح عشرة آلاف وعاء شعري مع الولادة فلا بد من مادة قابضة ، ومادة ملينة ، ومادة مهدئة ، ومادة مغذية ، ومادة مقوية للعضلات ، كل هذه المواد في التمر . ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً (26)﴾
( سورة مريم )
التمر أيها الأخوة أسرع مادة سكرية بسيطة أحادية ، تنتقل من الفم إلى الدم بعشر دقائق ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يفطر على تمرات ، هذه التمرات تنتقل إلى الدم وإلى مركز الشبع في الجسم ، يشعر بالشبع ، العشرة دقائق وقت صلاة المغرب ، الآن يجلس على المائدة متوازناً ، وليس جائعاً جوعاً يدفعه إلى أن يأكل فوق طاقته ، ﴿ نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ ﴾
الحب ما لا نواة له ، القمح حب ، أيضاً السنبلة حب متراكب ، البازلاء حب متراكب ، الفول حب متراكب ، حبوب مصفوفة في غلاف أخضر ، الفول ، والبازلاء ، واللوبيا ، والفاصولياء ، والقمح ، والشعير ، والعدس ، والحمص ، كله حب متراكب ومرصوص أي ما فيه فراغات بينية مثل الرمان تماماً . النخيل وأنواعه :
﴿ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ ﴾
الآن النخل ﴿ مِنْ طَلْعِهَا ﴾
الطلع أول تشكل للثمرة ، أي براعم صغيرة ، ﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا ﴾
هذا الطلع ينشق عن قنوان أي الثمرة ، القنوان ؛ هو البلح مثلاً ، لكن التسلسل هو العذق ، ثم الشماريخ ، ثم البلح ، لو درست هذه الأوعية التي ترد إلى هذا النبات .
بالمناسبة ، هندسة المياه تقتضي دائماً الأنبوب الكبير الذي يجري في الشارع قد يكون بقطر ستين سنتمتراً ، في الشارع الفرعي يصبح ثلاثين سنتمتراً ، في شارع فرعي آخر يصبح عشرين سنتمتراً ، كلما صار الشارع فرعيّاً يقل قطر الأنبوب ، للبناء إنش ، لكل بيت نصف إنش ، فتسلسل أقطار الأنابيب هو هندسة المياه ، ولا حلاً ثانيّاً غير ذلك ، لو عملت الأنبوب الرئيسي نصف إنش يموت الناس من عطشهم ، لو عملت في كل بيت خمسة إنش الماء لا يصل للنهاية .
هذا التصميم نفسه في التمر ، وفي البلح ، فتجد الأنابيب التي تغذي العزق كبيرة، قطرها كبير ، والسباطة أقل ، والشماريخ أقل ، ولكل بلحة أنبوب تتغذى منه ، تصميم من ؟ الله خالق السماوات والأرض ، هو الذي يطعمنا . ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (14)﴾
( سورة الأنعام الآية : 14 )
﴿ مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ﴾
أحياناً أشجار نخيل ليست شامخة ، وقد يكون الغصن محملاً بكمية كبيرة ، فينحني إلى الأرض ، فتصبح هذه الشماريخ دانية أي قريبة . ﴿ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾
شكل التفاح ، كم نوع من أنواع التفاح ؟ هناك تفاح شتوي ، وتفاح حامض ، وتفاح كولدن ، وتفاح سكري ، أنواع التفاح لا تعد ولا تحصى ، أنواع العنب أكثر من ثلاثمئة نوع ، هناك مخبر في دوما ثلاثمئة نوع من العنب ؛ عنب أسود ، وعنب أحمر ، وعنب أبيض زيني ، وبلدي ، وعنب سكره جارح ، عنب سكره قليل ، عنب رخو ، وعنب قاسي . أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط لأنه يعتمد في الدرجة الأولى على زيت الزيتون :
﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ ﴾
هذه الشجرة المباركة ، أحد أخوتي الكرام كان في أمريكا ، وعثر على دراسة تفيد أن أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لا لأنهم أغنياء بل لأنهم فقراء ، هذا الغذاء يعتمد في الدرجة الأولى على زيت الزيتون ، وزيت الزيتون الحديث عن فوائده يحتاج إلى ساعات أو إلى شهور ، لكن يكفي أن أعلمكم أن عمر الإنسان من عمر شرايينه ، ولو نجا من كل الأمراض لا ينجو من مرض هو الذي ينهي حياته تصلب الشرايين ، فدواء الشرايين زيت الزيتون ، هو الذي يحافظ على مرونتها إلى أطول مدة ممكنة ، وهذا الزيت يخفض ضغط الدم ، وهذا الزيت يمتص كله ، ولا تبقى ذراته تجول في الدم ، يعني غير مشبع ، الزيوت المهدرجة مشبعة ، وهي خطرة ، حتى السمن المستورد هو في الحقيقة زيوت رخيصة جداً مشبعة ، هذه تبقى عالقة تسبب تضيق الشرايين .
والله أيها الأخوة ، والله لو يعلم الإنسان ما في زيت الزيتون هو الحقيقة إلى أن يكون دواء أقرب منه إلى أن يكون غذاء ، لذلك يعد أفضل غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لأنه يعتمد على زيت الزيتون ، ولأننا فقراء يعتمد غذائنا على البروتين النباتي الحمص والفول ، وهو أسلم وأفضل ألف مرة من البروتين الحيواني ، والدول الغنية التي تأكل لحوم بكثرة كثيرة إصابتها بأمراض القلب ثمانية أضعاف من الدول الفقيرة ، فغذاءها زيت الزيتون ، والبروتين النباتي ، وغذاءها طازج ، العالم كله الآن كل حياته معلبات ، نحن عندنا سوق خضر تأكل خضر طازجة ، ولأننا فقراء نأكل الغذاء بأليافه ، نحن لم يدخل ببرنامجنا كل أكلنا عصير ، لذلك أكبر بلد بالعالم مصاب بسرطان الأمعاء هو اليابان ، يشربون العصير بكمية كبيرة جداً ، نحن نأكل تفاحة وبرتقالة ، يجب أن تأكل الفاكهة كما خلقها الله ، فيها مواد سيليلوزية ، هذه المواد أولاً مواد مالئة ، مواد تمتص الكولسترول الضار ، مواد تسرع مرور الطعام في الأمعاء ، مواد تنظف ثنايا الأمعاء بفضل هذا السليلوز فأعظم غذاء في العالم غذاء الشرق الأوسط ، لأنه يعتمد على الخضار الطازجة ، وعلى زيت الزيتون ، وعلى البروتين النباتي ، وعلى السليلوز هذه المواد المالئة .
أخواننا الكرام ، موضوع زيت الزيتون هذا يجب أن تقرؤوا عنه أبحاثاً كثيرة ، أنا في كتابي " الإعجاز العلمي " لي بحثان مطولان جداً عن زيت الزيتون . الله عز وجل حقق لنا الهدف الجمالي بالإضافة إلى الفائدة :
﴿ وَالرُّمَّانَ ﴾
بعضهم قال : حمض الرمان مادة مذيبة للكولسترول ، ومادة مذيبة للبقايا التي تتوضع على جدران الشرايين . ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ ﴾
الله عز وجل حقق لنا الهدف الجمالي ، صحن فاكهة ، قبل أن تأكل من هذه الفاكهة منظر الأجاص أصفر مع خد أحمر ، الدراق ، العنب البلدي والديراني أو الحلواني ، منظر الفواكه منظر جميل جداً ، فالله عز وجل قال لك : انظر إلى الفاكهة ، منظرها جميل ، وقوامها يتناسب مع أسنانك ، لو كان مثل الصخر ماذا تفعل بها ؟ قوامها يتناسب مع أسنانك ، ومنظرها جميل ، وطعمها طيب ، ورائحتها عطرة ، كلها متناسبة ، لو أن الفاكهة مرة لا تأكلها ، طعم ، ورائحة ، ولون ، وقوام ، وحجم ، لو الإجاصة ثمانية كيلو ؟ غير معقول ، الإجاصة لإنسان ، البطيخة حجم عائلي هناك حجم صغير ، وحجم كبير ، وهناك فاكهة للأولاد ، هذه الكرمنتينا سهل تقشيرها، يحبها الطفل جداً ، الآن كل فاكهة لا أبالغ أيها الأخوة أكثر من ثلاثمئة نوع عنب ، مئات أنواع التفاح ، البندورة مئات الأنواع ، شيء للعصير ، وشيء للتصدير ، شيء للأكل ، شيء للطبخ ، كل نوع له صفات خاصة . ﴿ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾
تدخل إلى بيت بلاستيكي يزرع البندورة ، كأن الحبة الناضجة تناديه ، تقول لك : تعال خذني ، لأن لونها أحمر داكن والباقي أخضر ، تدخل لحقل بندورة كل يوم ممكن أن تأخذ سحارتين أو ثلاث ، لأن هذه للصيف على مدى أربعة أشهر تعطي كل يوم كمية ، حسناً ما العلامة ؟ لونها أحمر والباقي أخضر كله ، كأنها تنطق : تعال خذني ، أنا استويت ، أنا جاهزة ، هذه العلامات من صممها ؟ عنقود العنب إن أردت أن تقطعه نحو الأسفل يعصر بيدك نحو الأعلى فهناك مفصل ، من صمم هذا ؟ البطيخة ، معقول الذي يجني البطيخ ينبطح أمامها ويدقها ، استوت ، أم لم تستوِ ، هذه مستحيلة ، الله صنع له علامة حلزون يمسكه ، إذا كسر استوت ، وإذا لم يكسر لم تستوِ ، علامة أنها نضجت ، تصميم من هذا ؟ هذا الإله الذي خلقنا ، والذي أطعمنا وسقانا . التفكر في خلق السماوات والأرض هو أعظم عبادة على الإطلاق :
﴿ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
هذه آيات لقوم يؤمنون ، فإذا ذكرت الله يقفز إلى الذهن هذه الصور كلها ، الفواكه والثمار والمحاصيل ، الآن أكثر الفواكه والثمار تنضج تباعاً ، المحاصيل لو أنها تنضج تباعاً عندك خمسة وعشرون دونماً قمحاً ، هل يعقل أن أمسك بالسنابل واحدة واحِدة لأعرف هل استوت ؟ شيء لا يحتمل ، المحاصيل تنضج بيوم واحد ، أما الفواكه والثمار فتباعاً ، المحاصيل تخزن لكن ليس لك أن تحتكرها ، لأنها تسوس ، هذا السوس له وظيفة كبيرة جداً ، هذا السوس يشبه نهاية الصلاحية ، إذا خُزِّن القمح ثلاثين سنة فَقدَ كل صلاحيته ، يأتي السوس ويُعلمكً أن هذا القمح انتهى ، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
أخواننا الكرام ، التفكر في خلق السماوات والأرض هو أعظم عبادة على الإطلاق ، هذه العبادة تتعرف بها إلى الله عز وجل . ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (91)﴾
( سورة الأنعام الآية : 91 )
كل إنسان ، هذه الآيات الكونية عبارة عن رؤوس موضوعات للتفكر في خلق السماوات والأرض .

العفريني
09-24-2011, 04:15 PM
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)﴾
أيها الأخوة ، لا بد قبل تفسير هذه الآية من إعطاء فكرة سريعة عن إعطاء منهج في الإسلام ، نحن في الإسلام عندنا قضايا حسية ، أداة اليقين فيها الحواس الخمس ، ترى بعينيك الحاجة ، ترى الضوء متألقاً ، ترى المروحة تتحرك ، تستمع إلى الصوت ، تمسك بيد الشيء ، ولكن الأشياء الحسية ظهرت عينها وآثارها ، أداة اليقين بها الحواس الخمس ، ونحن وبقية المخلوقات سواء في هذا الحيز ، هذه دائرة ، الحسيات لها مكان ، لكن المعقولات أساسها شيء غابت ذاته ، أداة اليقين بالمعقولات العقل ، فأي شيء له أثر العقل أداة اليقين به، الحيز الأول حيز المحسوسات ، الحيز الثاني حيز المعقولات . عندنا شيء غابت عينه ، وغابت آثاره ، لا يستطيع العقل إدراكه ، بل أعقل عقلاء الأرض لا يستطيع أن يثبت وجوده ما الذي يؤكد لنا وجوده ؟ الخبر الصادق .
لذلك موضوع الملائكة ، والجن ، وما بعد الموت ، وأصل الخليقة ، والذي لا نراه بأعيننا ، والماضي السحيق ، والمستقبل البعيد ، والذات الإلهية ، وأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، هناك موضوعات كثيرة ، موضوعات إخبارية ، لذلك أنا أنصح الدعاة إلى الله ألا يتورطوا في طرح موضوعات إخبارية مع الذي لن يؤمن بالله أصلاً ، لو قلت له : الجن ، وأنت مؤمن بوجود الجن ، يقول لك : ما الدليل ؟ لو قلت له : الملائكة ، يقول لك : ما الدليل ؟ تقول له : الصراط يوم القيامة ، يقول لك : ما الدليل ؟ تقول له : الحوض الذي سنرده إن شاء الله ، يقول لك : ما الدليل ؟ فأنا أنصح الدعاة إلى الله أن يبتعدوا قدر ما يستطيعون عن قضايا إخبارية ، أما نحن كمؤمنين والله كل خلية في جسمنا ، وكل قطرة في دمنا ، تؤمن بإخبار الله لنا ، أما غير المؤمن بالله لا يمكن أن يُناقَش بالقضايا الإخبارية .
العقل والنقل :
إذاً أنت بطولتك الآن أي قضية في الدين ، أو أي مقولة في الدين يجب أن تضعها في موضوعها ، فإن كانت حسية فالحواس الخمس أداة الإيمان بها ، وإن كانت عقلية فالعقل ، بمعنى أنها غابت ذاتها وبقيت آثارها .
الأعرابي ببساطة ما بعدها بساطة قال : الأقدام تدل على المسير ، الذي يمشي غاب عنا ، بقيت آثار أقدامه ، الآن مركبة تمشي على طريق ترابي تحكم أنها كبيرة أو صغيرة من حجم عجلاتها ، ومن آثار عجلاتها ، الأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، والبعرة تدل على البعير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
إذاً دائماً وأبداً بيّن أن هناك قضية حسية ، وهناك قضية عقلية ، وهناك قضية إخبارية ، لا تناقش إنساناً اهتز أصل الإيمان عنده بقضية إخبارية تريحه وتستريح .
الآن عندنا تسلسل ، أنت حينما تستخدم عقلك ، ويجول جولة في الكون ، ويرى القوة ، ويرى الحكمة ، ويرى الجمال ، ويرى القدرة ، ويرى العلم ، ويرى الحلم ، بعقلك يمكن أن تصل إلى الإيمان بالله واحداً ، وموجوداً ، وكاملاً .
الآن ولأن في القرآن دليلاً فيه ، بعقلك يمكن أن تستنبط أن هذا القرآن الكريم كلام الله ، وبعقلك يمكن أن تستنبط أن هذا الذي جاء بالقرآن الكريم هو رسول الله ، فأنت بعقلك وبالدليل العلمي ، لأن ذات الله عز وجل غائبة عنا ، لكن الكون كله يدل عليه ، الكون كله مظهر لأسمائه ، الكون كله تعبير عن صفاته وكمالاته ، لذلك بعقلك تؤمن بالله ، وبعقلك تؤمن بكتابه من خلال الإعجاز العلمي ، وبعقلك تؤمن برسوله ، وانتهى دور العقل ، وجاء دور النقل .
أخواننا الكرام ، مثل دقيق جداً : كيف يتكامل النقل مع العقل ؟ دخلت إلى جامعة، الأبنية ، وقاعات التدريس ، والمخابر ، وسكن الطلاب ، والحدائق ، والنظام ، وإدارة المرور، هذا كله تراه بعينك ، وتستنبط أن هذه الجامعة وراءها عقل مدبر ، وراءها مهندس كبير ، وراءها خبرات متراكمة ، لكن مهما كنت ذكياً ، ومهما تأملت في الأبنية ، وفي البيوت ، وفي المخابر ، وفي قاعات المحاضرات ، هل تستطيع أن تعرف من هو رئيس الجامعة ؟ مستحيل ، من هم عمداء الكليات ؟ ما نظام النجاح والرسوب ؟ ما شروط القبول ؟ هذه أشياء لا بد لها من نظام داخلي للجامعة ، من كتاب . كل شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به :
مليون موضوع يمكن أن تعرفها من خلال تفكرك في خلق السماوات والأرض ، ومليون موضوع آخر لا يمكن أن تعرفها إلا من خلال الوحيين ، لذلك الحقيقة الدقيقة أن كل شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به .
أنت عندك ميزان بمحلك التجاري ، ومحلك التجاري يبيع بضائع للاستعمال المنزلي ، وتحتاج لميزان حساس جداً ، لكن من خمسة غرامات إلى خمسة كيلو ، هذا أقصى شيء ، وأحببت أن تزن سيارتك ، هذا الميزان المستخدم في البقالية لا يمكن أن يُستخدم لوزن سيارتك ، ولأن هذا الميزان يعجز عن وزن سيارتك ، الشركة الصانعة محترمة جداً كتبت لك على قطعة معدنية داخل المركبة وزن السيارة .
إذاً هناك أشياء تستنبطها بعقلك ، وأشياء يخبرك الله بها ، فالذي عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، هذا منهج البحث في الإسلام ، تؤمن بالله بعقلك ، وتؤمن بالنبي بعقلك، وتؤمن بالكتاب بعقلك ، ويتوقف العقل ويأتي دور النقل ، يخبرك الله لماذا خلقك ؟ يخبرك الله عن حقيقة الحياة الدنيا ؟ ماذا أعد لك في الآخرة ؟ يخبرك الله عن المنهج الذي ينبغي أن تتبعه لتسلم وتسعد ؟ فهناك جزء في الدين تَفَكُّر ، وجزء إخبار ، تَفَكُّر وإخبار ، تَفَكُّر وتلقٍّ ، تأمل وتلقٍّ .
الآن الموضوع إخباري محض ، موضوع الدرس اليوم إخباري محض ، الله عز وجل علمنا حينما أقسم ، فقال : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38)وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾
( سورة الحاقة )
معنى ذلك هناك شيء لا نبصره وهو موجود ، وعند علماء العقيدة ، وعند الفلاسفة أيضاً عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، هل في جو الجامع بث إذاعي ؟ نعم ، هل ترونه ؟ لا ، الدليل : ائتِ بمذياع ، وحرك المؤشر ، تستمع إلى قرآن كريم ، أو إلى نشرة أخبار ، معناها هناك بث ، والدليل أن المذياع إن دخل في نفق يتوقف الصوت ، لأن النفق حاجز منع وصول الإشارة إلى المذياع .
إذاً عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، كانت الأمراض تأتي من غير سبب ظاهر ، ثم اكتُشِف وجود كائنات دقيقة جداً لا تراها العين سميت بالجراثيم ، لأنها أصل المرض ، فالآية الكريمة : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾
على الإنسان أن يستعيذ بالله مما يهتم له ومما لا يهتم له :
أحياناً هناك لفتات لطيفة في القرآن : ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
( سورة طه )
من كان يظن قبل مئة عام أن ثمة البترول ، الماس ، مناجم ذهب ، الآن الصراع في الأرض كله على ما تحت الثرى ، لا على ما فوق الثرى ، ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾
هذه إشارات قرآنية ، لكن يقاس على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته يقول : (( اللهم إني أعوذ بك مما أهتم له ، ومما لا أهتم له ))
[ورد في الأثر]
قد يكون الذي لا تهتم له مدمراً ، رجل في الأربعين من العمر وهبه الله شكلاً وسيماً يفوق حد الخيال ، ومالاً لا يحصى ، ومركبات ، ومطاعم ، ومعامل شيء لا يصدق ، دخل إلى الحمام وجد القاطع قد تعطل ، جاء بمن يصلح له هذا القاطع ، قال له : هذا المكان قريب ، قد يأتيه رذاذ فيفسده ، سأرفعه ، قال له : ارفعه ، فلما رفعه أصبح يحتاج إلى كرسي كي يصل إليه ، احتاج مرة أن يحركه فطلب كرسي ، انزاح الكرسي دخل في مقعده ، دخل للمستشفى عشرين يوماً ثم توفي .
الإنسان يهتم لأمراض كثيرة جداً ، يهتم لمصائب كبيرة ، (( ومما لا أتهم له ))
فالإنسان يستعيذ بالله مما يهتم له ، ومما لا يهتم له ، وقد يدمر الإنسان على أتفه سبب ، وقد ينصر الله دينه العظيم بخيوط العنكبوت ، رسالة ، أَمَة ، لو أنهم دخلوا إلى الغار لقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن الله ألهم عنكبوتاً نسج على مدخل الغار عشاً ، فالله عز وجل من عظمته قد يدمر أكبر قوة مباشرة ، ما من حاجة ، لا تحتاج جيوش ، ولا طائرات ، ولا قصف ، ولا حاملات طائرات ، ولا قنابل عنقودية ، ولا رصد جوي ، ولا أي شيء ، إعصار سبب خسائر بقيمة مئة مليار إلى أن أصبحت دولة متخلفة ، كبنغلادش ، فقر ، ومرض ، ومساعدات ، وأضعف الدول أرسلت مساعدة خمسة وعشرين ألف دولار ، هذه صفعة وليست مساعدة ، الله كبير . مفارقات حادة في خلق الله عز وجل :
والله أيها الأخوة أقول : الله كبير ، لا أرتوي من هذه الكلمة ، كبير ، يدمر أكبر أمة ، وأقوى أمة على أتفه سبب ، من كان يظن أن هذا المعسكر الشرقي الذي يملك من القنابل الذرية ما بإمكانه أن يدمر خمس قارات تدميراً كاملاً ، تداعى من الداخل ، تقوض من الداخل ، وكما دُمر هذا العملاق الشرقي نسأل الله أن يأتي دور الغربي فلذلك الله عز وجل يقول : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾
أحياناً هناك مفارقات حادة في خلق الله عز وجل ، الفيروس ، الآن هناك كائنات أقل من الفيروس ، جنون البقر سببه كائن أصغر من الفيروس ، وفي الحوت الأزرق الذي يصل وزنه إلى مئة وخمسين طنّاً ، وزن لحمه خمسون طناً ، ووزن عظمه خمسون طنّاً ، وزن دهنه خمسون ، ويستخرج منه تسعون برميل زيت ، ويقف الإنسان في فمه ، وجبته بين الوجبتين أربعة طن ، يرضع وليده ثلاثمئة كيلو كل رضعة ، يستهلك ثلاث رضعات طن حليب ، هذه نعمة الإنسان يحتاج فقط إلى كيلو غرامين حليب ، هو طن ، يقابله فيروس لا يرى بالعين ، الذرة لا ترى بالعين ، يقابلها المجرة ، نجم قلب العقرب يتسمع للشمس والأرض مع المسافة بينهما . ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
( سورة غافر )
يهلك أقوى قوى الأرض على أتفه الأسباب ، الآن هناك حمى الطيور ، يمكن أن تميت سبعة ملايين في قارة واحدة ، ذعر ، قال تعالى : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (31)﴾
( سورة المدثر الآية : 31 )
يمكن أن تميت سبع ملايين بالعدوى ، حمى الطيور ، فالإنسان مهما تفوق فهو قزم عند الله ، لكن الأحمق هو الذي يتأله . (( الْكِبْرِياء رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي ، فَمَنْ نازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذفْتُهُ فِي النّارِ))
[رواه مسلم وابن حبان وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ]
(( الْكِبْرِياء رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي ، فَمَنْ نازَعَنِي منهما شيئاً أذقته عذابي ، ولا أبالي ))
[ أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ]
أقول لكم من هو الأحمق ؟ الذي يقول : أنا ، من أنت ؟ أنت لا شيء ، قل : الله. العبادة هي الطاعة الخالصة :
أخواننا الكرام ، لا أفتأ أذكر هذا الدرس ، إن قلت : الله ، تولاك الله ، وإن قلت: أنا ، تخلى الله عنك ، جرب ، قل : هذه خبرتي ، هذه معلوماتي ، أنا ابن فلان ، أنا دخلي جيد جداً ، لو ارتفع البنزين يغطي ، قد يذهب الدخل كله ، والله يا أخوان قصة لا أنساها : لي شخص أعرفه معرفة يقينية ، عندهم فتاة مناسبة للزواج ، خطبت ، خطبها مهندس محترم ، صاحب دين ، مقيم بالخليج ، وإذ تُخطب مرة ثانية من قِبل إنسان غني ، فالأم خططت لإلغاء الخطبة الأولى ، فأمرت ابنتها أن تقطع الاتصال الهاتفي ، وأن لا ترد على الرسائل ، وبعدئذ أبلغوا الخاطب ، وقد عقد العقد ، أن لا مصلحة لنا ، طبعاً خطبها هذا الثاني الغني ثم طلقها ، فخُطبت وتزوجت ، ثم طُلقت مرة ثالثة ، والآن هي عانس ، أحياناً الإنسان مهما بدا ذكياً الله يدمره إنسان : (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
الآية الكريمة : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾
كلمة شركاء تعني آلهة ، الله عز وجل إله ، والجن آلهة ، قد يتبادر للذهن أنهم عدوا الجن آلهة ، كلمة شركاء ، وكلمة يعبدون الجن ، أي يطيعون الجن ، الحقيقة هي أن العبادة خالص الطاعة ، طاعة خالصة ، محض طاعة ، ومحض محبة ، ومحض استسلام ، ومحض رضا ، إنك إن عبدت الله ينبغي أن تطيعه ، وينبغي أن تحبه ، وينبغي أن تتوكل عليه ، وينبغي أن ترجو ما عنده ، وينبغي أن تخاف منه وحده ، هذه العبادة ، والعوام يستخدمون هذا المعنى ، يقول لك : تزوج امرأة تعبده من دون الله ، أي تطيعه ، فإذا أشرك إنسان بالله ، وعبد غير الله لا يعني هذا أنه يسمي هذا الذي يعبده إلهاً ، لكن لمجرد أن تطيعه فقد عبدته : (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
[ رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت ]
كن محسوباً على الله ولا تكن محسوباً على جهة أرضية :
أخواننا الكرام ، بالمناسبة لا يليق بالإنسان ، بل يزري به أن يكون لغير الله ، تكفي هذه الكلمة ، لا يليق بك ، ويزري بك أن تكون لغير لله ، أنت لله ، لذلك كن محسوباً على الله ، ولا تكن محسوباً على جهة أرضية ، والذي يحسب على جهة أرضية قيمته من قيمة هذه الجهة ، فإن سقطت سقط معها ، بالمناسبة الدعوة إلى الله أكبر من أن تكون محسوباً على جهة أرضية أنت لله . ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)﴾
( سورة الجن )
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾
الجنة فيها معنى الخفاء ، والجن فيه معنى الخفاء ، والترس المِجن فيه معنى الخفاء ، كل شيء يخفي شيئاً فهو من مادة جنن ، الأصل ثلاثي . ﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾
الشيء العجيب : (( إني والجن والإنس في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ))
[رواه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]
إذا أنت دعوت إنساناً ، وتكلفت ، وهيأت له طعاماً نفيساً ، وضيافة حارة ، ومقعداً وثيراً ، وابتسامة مشرقة ، بعدما أكل المقبلات ، والعصير ، والطعام النفيس ، والحلويات ، والفواكه ، توجه إلى خادم في البيت ، وقال له : شكراً لهذه الدعوة ، كم يكون موقف هذا الضيف حقيراً ، كل هذا الإكرام من صاحب البيت ، والطعام طعامه ، والإكرام إكرامه ، والكلفة دفعها ، ثم يتوجه هذا الضيف إلى خادم البيت ويظهر له كل امتنانه .
هذا الذي يحدث للناس ، تجده ينسى الله ، إن جاءه خير من إنسان ينسى الله عز وجل ، إن سمح الله لطبيب أن يشفي ابنه ينسى الله ، يقول لك : هذا الطبيب ليس له شبيه ، فهناك شرك واضح جداً . الشرك الخفي :
أخواننا الكرام ، الآية مخيفة : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾
( سورة يوسف )
الشرك الخفي أن ترى مع الله أحداً ، نحن بحالة شرك خفي كبيرة جداً ، هناك أناس إذا ابتسم وحيد القرن يرتاح ، إذا ابتسم ، وإذا هدد يقلق ، الآن يفعل حصاراً اقتصادياً ، غداً يرتفع كل شيء ، هناك خوف من غير الله . ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾
( سورة آل عمران )
أخواننا الكرام ، كلمة أقولها لكم بصراحة : لا يمكن أن يأمرك أن تعبده ويسلمك إلى غيره لا تصح . ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾
( سورة هود الآية : 123)
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك ، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
وحينما تعتقد أن مع الله جهة تنفع وتضر فهذا نوع من الشرك ، طبعاً هناك أقوياء على الشبكية ، أما على الإدراك العميق فليس إلا الله عز وجل . نية الكافر شرّ من عمله :
قال تعالى : ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى(17)﴾
( سورة الأنفال الآية : 17 )
مرة رأيت في محافظة آية ، تقريباً من أضخم قياس قرأته في حياتي : ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10)﴾
( سورة الفتح الآية : 10 )
القصة كلها وحوش كاسرة ، مخيفة ، متوحشة ، لكنها مربوطة بأزمة محكمة بيد جهة قوية ، وعليمة ، ورحيمة ، وحكيمة ، وهذا الزمام إن أرخي وصل الوحش إلي فأكلني ، وإن شد الزمام أبعده عني ، أنا علاقتي مع من ؟ مع الوحش أم مع الذي يمسك بالوحش ؟ هذه القصة كلها ، والله وحوش مخيفة ، والله يقول الله عز وجل : ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾
( سورة إبراهيم )
نية الكافر شر من عمله ، والله يتمنى أعداء الله ألا نأكل ، وألا نشرب ، يتمنون أن نكون خداماً لبضاعتهم ، هذه الحقيقة ، لكن عندما خلقك الله ما أسلمك لغيره حتى طمأنك ، إله يقول: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
( سورة الزمر )
وقال : ﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54)﴾
( سورة الأعراف الآية : 54 )
الآن شركة تبيع طائرة ، باعتها ، بعد أن باعتها آمر الطائرة المقاتلة لا الشركة الصانعة بل الشركة التي اشترتها ، قد تأمرها أن تقصف أو لا تقصف ، مع الله عز وجل الأمر خلاف ذلك ، ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
معنى التوحيد :
أحياناً أساليب يرتكبها أعداء الله كبيرة جداً ، كما سمعتم بسجن أبو غريب ، كلاب لا تُطعم لأسبوعين ، فإذا وضعت في مكان مع إنسان تأكله عن آخره ، إنسان تقي ، الكلب لم يفعل له شيئاً ، درس لا ينسى ، العادة يجب أن يأكله بكامله ، ألجمه الله عز وجل ، الأمر بيد الله عز وجل ، ما دمت تعتقد أن الله بيده كل شيء فهذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، لا يمكن أن يأمرك أن تعبده وقد أسلمك إلى غيره ، لا يمكن أن يأمرك أن تعبده ورزقك بيد غيره ، بيده صحتك ، ورزقك ، وأجهزتك ، وأعضاءك ، وأوعيتك ، وكل شيء ، ومن فوقك ، ومن تحتك ، ومن حولك ، أولادك ، زوجتك ، ماذا قال بعض العارفين بالله ؟ قال : أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي ، وأحياناً يجب أن تعرف الزوجة مقامها عند ربها من أخلاق زوجها ، قد تشتكي من زوجها القاسي ، يضربها ، هي لا تطيع الله عز وجل ، المؤمن له هيبة . ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾
أنا ألقيت أعتقد بهذا المسجد حوالي عشرين درساً عن الجن ، هناك من يعبد الجن من دون الله ، وهناك خرافات ، وأباطيل ، وأكاذيب ، ودجل ، وترهات ، وابتزاز لأموال الناس ، وانتهاك لأعراض باسم الجن ، الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (102)﴾
( سورة البقرة الآية : 102 )
وقال : ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ (22)﴾
( سورة إبراهيم الآية : 120 )
معنى الخرق :
يجب أن تؤمن بالله وأنت حر ، ولا يستطيع أحد أن ينال منك إلا أن يشاء الله ، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ﴾
أي خلق الذي يعبد الجن ، وخلق الجن ، خلقهم جمع خلق من يعبد الجن وخلق الجن . ﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ ﴾
انظر الخرق ، سطح أملس جميل مستوٍ جميل خُرق ، التوحيد مريح ، التوحيد يعطي أمن ، التوحيد يعطي طمأنينة ، التوحيد يعطي ثقة بالنفس ، فجاء هؤلاء وخرقوا هذا التوحيد بادعائهم أن الجن يفعلون ما يشاءون ، فلذلك كتابات وخزعبلات ، ويجب أن تقدم الخروف الفلاني لونه أسود ، وابتزاز للأموال لا ينتهي .
أخواننا الكرام ، كيف إذا كان الجدار مطلي وجديد خرقته ، التوحيد خرق بادعائهم أن الجن شركاء لله عز وجل ، هذا هو الخرق ، ﴿ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ ﴾
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ (30)﴾
( سورة التوبة الآية : 30 )
أهل الله ادعوا أن لله ولداً ، والعرب قالوا : إن لله بنات ، والآية : ﴿ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً (40)﴾
( سورة الإسراء الآية : 40 )
بعض العرب قالوا : إن هناك علاقة نسبية بين الله وبين الجن ، كله ادعاء ، والعوام لئن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ، الله عز وجل : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11)﴾
( سورة الشورى الآية : 11 )
لا في ذاته ، ولا في أفعاله ، ولا في صفاته . أحد أكبر أسباب العذاب أن تدعو مع الله إلهاً آخر :
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ ﴾
أي اختلقوا ، فكأن التوحيد جسم سليم خرق بالشرك ، أنت تنسجم مع نفسك ، الأمر بيد الله ، والله هو المسيطر ، هو الحاكم ، هو القوي ، هو المدبر ، هو الرازق ، يأتي إنسان يقول لك : لا ، فلان ، صرفك عن خالق السماوات والأرض إلى شخص قد يكون لئيماً ، قد يكون قاسياً ، قد يكون جاهلاً ، قد يكون قاصر النظر ، فالشرك يعدد ، قال تعالى : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر أسباب العذاب أن تدعو مع الله إلهاً آخر ، ﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
لذلك ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك .
الإنسان بحاجة إلى ولد يعينه إذا تقدم به السن ، والمرأة بحاجة إلى بنت تعينها إذا تقدمت بها السن ، لكن هل الإله كالبشر ؟ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
فكيف تتصور له أولاد أو له أبناء وبنات ، وأن هناك علاقة نسبية مع الجن . ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)﴾
( سورة الأنعام )
طبعاً هذه الآيات تنفي أن يكون لله صاحبة ، أو ولد ، أو شريك ، أو نسب .

العفريني
09-24-2011, 04:16 PM
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
أيها الأخوة ، معنى بديع أنه خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق ، الإنسان في كل مخترعاته رأى شيئاً في الطبيعة فقلده ، فإن صنع الغواصة فتقليداً للسمكة ، وإن صنع الطائرة فتقليداً للطائر ، وإن اكتشف العجلة فرأى شجرة تتدحرج فانطلقت من هذه الصورة فكرة العجلة ، فأي شيء تصورته هو مأخوذ من شيء سابق .
إذاً الإنسان حينما يصنع شيئاً ، أو حينما يدعي أنه اخترع شيئاً فلا بد من مثال سابق كان في مخزونه ، ومن هنا انبثق هذا الشيء ، فالإنسان مثلاً خلق شيئاً تجاوزاً أقول : من كل شيء ، شيئاً من كل شيء ، لكن خالق السماوات والأرض خلق كل شيء من لا شيء ففرق كبير بين أن تقول : الإنسان صنع شيئاً من كل شيء ، وبين أن تقول : إن الله خلق كل شيء من لا شيء ، إذاً هو ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
لكن الله سبحانه وتعالى سمح لذاته العلية أن يوازنها مع خلقه فقال : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)
( سورة المؤمنين )
الموازنة بين خلق الإنسان وخلق خالق الأكوان :
الإنسان كيف سماه الله خالقاً ؟ سماه خالقاً مجازاً ، لأنه اخترع آلة تصفية للكلية حجمها بحجم هذه الطاولة ، ويجب أن يستلقي المريض إلى جانبها ثماني ساعات ، ولا تستطيع هذه الآلة مهما دقت وتطورت أن تنقي الدم من حمض البول كلياً ، لا بد من نسبة تبقى ، وهذه النسبة تسبب آلام وشدة نفسية وكآبة ، لكن هذه الكلية التي خلقها الله عز وجل تعمل بصمت ، وبلا ضجيج ، ودون أن تعطلك عن عملك ، وأنت تعمل ، وأنت تسافر ، وأنت في مكتبك ، وفي معملك ، وفي الطريق ، تمشي الكلية تعمل ، والدم يقطع فيها طريقاً طوله مئة كم ، يقطعه في اليوم خمس مرات دون كلل أو ملل ، واحتياطي الكلية عشرون ضعفاً ، الكلية الواحدة فيها احتياطي عشرة أضعاف حاجة الإنسان إلى التصفية ، فلو وازنت بين كلية صناعية بحجم هذه الطاولة ، ولا تؤدي مهمتها تماماً ، وهي عبء على الإنسان لا بد من أن يستلقي إلى جانبها ساعات طويلة ، ولا بد من أن يدفع كل جلسة تقريباً ثلاثة إلى أربعة آلاف ليرة بأسعار مخفضة ، وفي الأسبوع مرتين أو ثلاثة .
أما الكلية التي أودعها الله في الإنسان فحجمها كحجم البيضة ، تعمل بانتظام ، بصمت ، بلا ضجيج ، بلا صوت ، فلو وازنت بين كلية صناعية وكلية طبيعية لعرفت معنى قوله تعالى : ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
لو وازنت بين عين ، هذه العين التي ترى بها رؤية شفافة شفافية تامةً ، لأن قرنية العين زودها الله بطريقة متميزة في التغذية ، فقرنية العين طبقة شفافة لا تتغذى عن طريق الشعريات كأي نسيج من جسم الإنسان ، بل تتغذى عن طريق الحلول ، أي التسرب من أجل أن تكون رؤيتك صافية تامةً بشفافية تامة ، هذا من تقدير الله عز وجل .
أما الشبكية فتقريباً حجمها ميليمتر وربع ، فيها مئة وثلاثون مليون مخروط وعصية ، بينما بأحدث آلة تصوير رقمية احترافية بالميليمتر مربع لا تزيد مستقبلات الضوء على عشرة آلاف ، أما في شبكية العين ففي الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي ، من أجل أن تفرق بين ثمانية ملايين لون ، ولو أن اللون الواحد درج إلى ثمانمئة ألف درجة لاستطاعت العين السليمة التفريق بين درجتين ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
لو ذهبنا نتحدث عن الموازنة بين خلق الإنسان وخلق خالق الأكوان ، ذاكرة الإنسان لا يزيد حجمها على حبة العدس ، إنسان عاش ستين سنة تقريباً ، في ذاكرته ستون مليار صورة مرتبة ترتيباً دقيقاً ، هناك صور تستدعيها مباشرة ، هناك صور تخزن في مكان بعيد قلمَا تحتاجها ، هناك صور تمحى ، إنسان سافر إلى بلد ، وأخذ رقم هاتف ، وهو لا ينوي التعامل مع هذه الشركة ، الرقم يمحى فوراً ، هناك تثبيت ، وأولويات ، وترتيب ، ثم محو ، لو وازنت بين العين وآلة التصوير . الفرق بين صنعة الله عز وجل وصنعة الإنسان :
لو وازنت بين هذه الأذن ، ما في الأرض جهاز واحد يكبّر الصوت ويخفضه في آن واحد ، يقوم بمهمتين متناقضتين ، فإذا كان الصوت ضعيفاً فآلية الأذن تكبر هذا الصوت ، وإذا كان الصوت عالياً جداً فآلية الأذن تضعف هذا الصوت ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
أعلى طبيب أسنان مهما تقدمت خبرته فلا بد من أن يخدر المريض كي يقلع سنه، التخدير يريحه من ألم قلع السن ، لكن إدخال إبرة المخدر في اللثة مؤلم جداً ، أما أن تجد طفلاً صغيراً يفاجأ أن سنه مع طعامه ، كيف قلع سنه من دون ألم إطلاقاً ؟ هذا لطف الله عز وجل ، هذا مجال واسع جداً لكي توازن بين صنعة الله عز وجل وصنعة الإنسان .
الحليب في ثدي المرأة جاهز ، ساخن شتاء بارد صيفاً ، معقم ، نسبه تتبدل في أثناء الرضعة الواحدة ، هل بالإمكان أن نصنع حليباً ، نضعه في قارورة ، نعطيه للطفل في البداية 60 % ماء 40 % دسم ، في نهاية الرضعة 60 % دسم 40 % ماء ، فوق طاقة البشر .
الله عز وجل يقول : ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
والله عندي موسوعة من أضخم الموسوعات العلمية مقسمة إلى أجزاء متعلقة بمفردات العلم ، فأحد هذه الأجزاء متعلق بالطيور ، كتبتْ كلمة في المقدمة : إن أرقى طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطير ، ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
الطير يطير ستاً وثمانين ساعة بلا توقف ، نحن أعلى طائرة سبع عشرة ساعة بلا توقف ، ست وثمانون ساعة بلا توقف ، ولا يزال موضوع اهتداء الطيور إلى أهدافها شيء فوق إمكانية العقل البشري ، وضعت عشرات الفرضيات ، ولم تنجح فرضية واحدة ، كيف يهتدي الطير إلى عشه ؟ طير له عش في حي الشيخ محي الدين في بيت بناؤه قديم ، وسافر إلى جنوب إفريقيا بالشتاء ، الآن يعود الطير إلى دمشق ، فلو أخطأ في درجة واحدة في الطيران لجاء في تونس ، لو أخطأ بدرجة أخرى لجاء في بغداد درجة واحدة ينتقل شرقاًً أو غرباً ، كيف يهتدي إلى دمشق ؟ ثم إلى الشيخ محي الدين ، ثم إلى هذا البيت ، هل عن طريق معالم الطبيعة ؟ يمشي في الليل عن طريق المغناطيس ؟ وضع الطير في حقل مغناطيسي مخالف لهدفه ، فتابع السير باتجاه الهدف ، يا ترى رحلة ثابتة شمال جنوب ، جنوب شمال ؟ أخذت الطيور إلى الشرق من بريطانيا إلى الهند ، ووضعت علامات في أرجلها فإذا هي في بريطانيا ، ولا تعرف الطريق سابقاً .
لذلك ما من فرضية وضعت لاهتداء الطيور إلا نقضت ، إلى أن توصل عالم إسلامي إلى أن الله يتولى بذاته هداية الطير إلى هدفه : مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ
( سورة الملك الآية : 19 )
أكبر شيء ثابت في الإيمان هذا الكون :
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
كلما تقدم العلم ظهرت حقائق مذهلة ، فهذا معنى قوله تعالى : ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
من قال : إن الطفل حينما يولد ، وقد درسنا في الجامعة في علم نفس الطفل أن الطفل لا يزود بأي قدرة ، ولا مهارة ، ولا خبرة في أي شيء ، كل خبراته ، وكل مهاراته ، وكل إمكاناته يكتسبها بعد أن يولد ، إلا منعكساً واحداً بالغ التعقيد ، لولا هذا المنعكس لما كنا في هذا الجامع ، ولا ما كان الجامع أصلاً ، ولما كانت دمشق ، ولما كان العالم ، منعكس بسيط ، آلية معقدة جداً يزود بها الطفل ، ويستخدمها بعد الولادة مباشرة ، منعكس المص ، هل تستطيع وأنت أكبر عالم ، وأكبر مربٍّ أن تقنع طفلاً ولد لتوه ، الآن ، أن يا بني ضع فمك على ثدي أمك ، وأحكم الإغلاق ، وإياك أن يتسرب الهواء في أثناء المص ، عندئذٍ لا يأتي الحليب ، أحكم الإغلاق ، واسحب الهواء يأتيك الحليب ، هل من قوة في الأرض تقنع طفلاً ولد الآن كيف يمسك ثدي أمه ؟ آلية معقدة جداً ، جُبل بها الإنسان بشكل آلي ، وفي حالات نادرة الطفل لا يزود بهذه الآلية فيموت ، ما من طريق إلى حياته .
الحديث عن جسم الإنسان ، وعن خلق الأكوان ، وعن الأطيار ، وعن الأسماك ، وعن النباتات ، وعن البحار ، وعن الجبال ، هذا الكون بين أيديكم كتاب مفتوح ، قرآن صامت ، أكبر شيء ثابت في الإيمان هذا الكون ، بأفعال الله عز وجل تتزلزل ، شعوب مقهورة ، وحروب ، واكتساح ، وجرائم ، وظلم عام ، بأفعال الله لا تستطيع أن تفهمها إلا في ضوء القرآن ، وفي ضوء الكون ، أما الثابت الأول الذي يخضع له كل إنسان في كل مكان هو الكون ، أكبر دعامة لإيمانك هذا الكون ، كتاب مفتوح ينطق بعظمة الله ، ينطق بوحدانيته، ينطق بوجوده ، ينطق بقدرته ، ينطق برحمته ، ينطق بعلمه ، ينطق بعظمته ، هذا الكون هو أقرب طريق إلى الله بالتفكر في خلق السماوات والأرض ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
الله سبحانه وتعالى سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم :
لماذا صمم الشعر بلا أعصاب حس ؟ لو كان الشعر فيه عصب حسي لقلت لنا : والله أنا ذاهب للمستشفى لأجري عملية حلاقة ، لا بد من تخدير شامل ، أو يكون كالوحش ، أما أن تزود الأشعار بأعصاب حركة ، كل شعرة فيها وريد ، وشريان ، وعصب حركي ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية ، لكن ما فيها عصب حسي ، ولا في الأظافر عصب حسي ، من صمم الإنسان هكذا ؟ ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
من صمم العين فيها مادة مضادة للتجمد ؟ فأي مكان درجته تحت العشرة في المئة في احتمال أن يفقد الإنسان بصره لتجمد ماء العين ، إلا أن الله سبحانه وتعالى أودع في العين مادة مضادة للتجمد ، ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
من صمم أن كل عنصر في الأرض له درجة انصهار خاصة ؟ لو أن كل العناصر ـ المئة والثلاثون ـ فيما أعلم تنصهر بدرجة واحدة لرأيت الكون كله غازاً ، أو سائلاً ، أو صلباً ، أما الطاولة صلبة ، هواء تستنشقه ، ماء سائل تشربه ، مادة طرية كالكوشوك تستعملها ، من الممكن أن يصبح البازلت بخاراً ، غازاً ، نظرياً الآن البراكين هي سائل ، البازلت يحتاج إلى آلاف الدرجات كي ينصهر ، لكن يمكن أن ينصهر بالنهاية ، ويمكن أن يتبخر ، يعني في بازلت غاز ، لكن هذا شيء مستحيل في عالم الأرض ، أما قاعدة عامة : أي عنصر بالتسخين يتمدد ، بالتبريد ينكمش ، معنى بالتسخين أي حركة ذراته تتسارع وتتباعد ، وبالتبريد حركة ذراته تتباطأ وتتقارب ، فأي غاز ممكن أن يصير صلباً ، والدليل الغاز الذي نستعمله ، هو سائل بالقارورة يمكن أن يتجمد ، أي شيء ينتقل من حالة الصلابة إلى الميوعة إلى الغازية ، أما أن تجد في الأرض في آن واحد هواء ، غازات ، ومواد سائلة كالماء ، والسوائل كلها ، ومواد صلبة كالحجارة والحديد .
مرة ثانية أيها الأخوة ، الكون قرآن صامت ، الكون كتاب مفتوح ، الثابت الأول في الإيمان ، أي اعتراض على الدين ، أي نقض لآية في زعم الواهمين ، أي اعتراض على السيرة ، أي اعتراض على حكم فقهي ، يمكن أن يأتي إنسان ذكي ، ويكشف ملمحاً يعده نقصاً في آية أو في حديث ، وهذا شيء موجود ، أما الكون فيخضع له كل العلماء ، لذلك هذا أكبر عالم فيزيائي أينشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية ، هذا يقول : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، عليمة هي أعلم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، هو إنسان حي ولكنه ميت ، فحياتك في معرفة الله ، وتحقيق أهدافك في معرفة الله ، وتحقيق الهدف الذي خلقت من أجله هو معرفة الله ، لأن الله سبحانه وتعالى سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم ، تعريف بذاته ، وبقدرته ، وبأسمائه الحسنى ، وتكريم كي ننتفع به في الدنيا .
أي شيء خلقه الله له وظيفتان ، وظيفة إرشادية ، ووظيفة نفعية ، فإن انتفعت بوظيفته الإرشادية فقد حققت الهدف الأكبر من هذا الشيء ، وإن لم تنتفع بالوظيفة الإرشادية وانتفعت بالوظيفة المادية حققت الهدف الأصغر . أي شيء خلقه الله له وظيفتان :
أي شيء خلقه الله له وظيفتان ؛ وظيفة إرشادية ، ووظيفة نفعية ، فإن انتفعت بوظيفته الإرشادية فقد حققت الهدف الأكبر من هذا الشيء ، وإن لم تنتفع بالوظيفة الإرشادية وانتفعت بالوظيفة المادية حققت الهدف الأصغر .
العالم الغربي انتفع إلى أعلى درجة بالوظيفة النفعية للأشياء ، أما المؤمن فينبغي أن ينتفع الانتفاع الأكبر بالوظيفة الإرشادية .
للتقريب : إنسان فقير جداً ، لا يملك أن يشتري لعقة عسل ، ولم يذق العسل في حياته ، لكن وجد مقالة في مجلة عن النحل ، وعن عظمة هذه الحشرة ، فدمعت عينيه تعظيماً لله عز وجل ، هذا الإنسان الذي لم يذق طعم العسل حقق الهدف الأكبر من خلق العسل ، مع أنه لم يذقه ، والذي يتفنن في شراء أنواع العسل هذا من الزهر الفلاني ، ولم يفكر في هذا الشيء الذي خلقه الله عز وجل عطل الهدف الأكبر من خلق العسل ، فالتفكر في الكون هو تحقيق للهدف الإرشادي ، فلذلك الله عز وجل قال : مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)
( سورة النساء )
كل شيء خلقه الله له هدف إرشادي وهدف نفعي ، فالهدف الإرشادي موقفك منه أنك تؤمن بالله ، والهدف النفعي موقفك منه أن تشكر الله ، فأنت إذا آمنت وشكرت حققت الهدف الأكبر من وجودك وعندئذٍ تتوقف المعالجة ، ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
أنت إذا آمنت وشكرت حققت الهدف الأكبر من وجودك .
يا أيها الأخوة الكرام ، مجال الكون واسع جداً ، بالعين المجردة يمكن أن ترى عشرة آلاف نجم بالمراصد طبعاً ، لكن الآن هناك أخبار ـ والله ـ وقع تحت يدي موسوعة علمية ، طبعاً موسوعة موثقة ، الرقم الذي سمعته من هذه الموسوعة صوتاً وصورة ، أن هناك ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وكل مجرة فيها ملايين مَلايين الكواكب والنجوم ، لذلك : وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)
( سورة الذاريات )
آيات التفكر والتعقل في القرآن تقترب من ألف آية :
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ ألا يطاع أمره ، ألا يجتنب نهيه ؟ إلى أين نذهب ؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154)أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155)
( سورة الصافات )
آيات التفكر والتعقل في القرآن تقترب من ألف آية ، والعقل مناط التكليف ، فكر من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
هذا الإله العظيم هل يحتاج إلى ولد ؟ أنت بحاجة إلى ولد ، لأن : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)
( سورة الرحمن )
الإنسان مجبول على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، فالإنسان يتصور أنه إذا مات وله ولد يخلفه من بعده يأخذ هذا المال الذي جمعه في عمره المديد ، يتابع ذكرى اسمه ، الآن كل الناس تقريباً إذا جاءه ولد ، والولد جاءه ولد ، يسمي ولد الولد باسم الجد ، أكثر الأطباء يكتب اسمه واسم أبيه، فلان فُلان الفلاني ، لأن الأب يحب أن يستمر ذكره في أحفاده ، أنت بحاجة إلى استمرار ، والموت ينهي الاستمرار ، فلا بد من استمرار عن طريق الأحفاد ، والذي لم يأته ولد يتألم ، مع أن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم ، لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع .
والله أيها الأخوة ، للإمام علي كرم الله وجهه كلمتان لا أنساهما ، الأولى : " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " ، أي يقينه بحكمة الله ، ويقينه برحمة الله ، ويقينه بعطاء الله، ويقينه بالدار الآخرة قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء ، أما القول الثاني : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي " ، أي ماشي بأقصى سرعة ، لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي . الإنسان فقير إلى الله :
إذاً هذا الإله العظيم هل يحتاج إلى ولد ؟! نحن كبشر نحتاج إلى ذرية ، متوهمين أن هذه الذرية تتابع ذكرنا بعد موتنا ، لكن ورد في بعض الآثار القدسية : (( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه ؟ ـ لا كذب في الآخرة ـ يقول : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله له : ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يقول لعبد آخر : أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله له : أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))
[ ورد في الأثر ]
إذاً هذا الإله العظيم لا يحتاج إلى ولد ، لأنه حي باقٍ على الدوام ، والإنسان بحاجة إلى ولد لهدف آخر ، أول هدف استمرار له ، واستمرار لذكره ، لكن الإنسان حينما تتقدم به السن يضعف ، يحتاج إلى ابن قريب منه يعينه على حاجاته في الدنيا ، أو يرعاه في مرضه ، أو في شيخوخته ، وفي افتقاره أحياناً ، الإنسان دائماً يقول لك : أنا عندي خمسة أولاد ، عندما يكبر يقول لك : أنا عند ابني ، كان ابنه عنده فأصبح الأب عند ابنه ، والآية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا
( سورة الإسراء الآية : 23 )
الأب الشاب ليس بحاجة إلى ابنه ، لكن إذا تقدمت به السن وضعفت قواه توقف دخله ، فهو بحاجة ماسة لأولاده ، إذاً : ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾
فالإنسان بحاجة إلى ابنه مرتين ، مرة ليعينه في شيخوخته ، ومرة ليتابع ذكره بعد موته ، هذا شأن الإنسان ، هل هذا شأن الواحد الديان ؟ مستحيل ، لذلك : ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾
شيء آخر ، ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ﴾
الإنسان من أنواع ضعفه ، أحد أنوع ضعفه أنه مفتقر لله في وجوده ، وفي أجهزته ، وفي سمعه وبصره ، وفي نطقه ، وفي عقله، تجد إنساناً فقد ذاكرته ، ذرة من الدم لا ترى بالعين دخلت في وعاء في الدماغ قريب من الذاكرة ، لا يعرف ابنه .
كان ثمة صيدلاني في الشام ، دخل عليه ابنه ، قال له : من أنت ؟ اتصل بأحد الأخوة الكرام ، ولده صديقي ، قال لي : والدي فقد ذاكرته ، خرج من معمله بقي ثلاث ساعات يبحث عن بيته ، ما عرف أين بيته ؟ ذرة من الدم تجمدت في مكان من الدماغ ، بمكان آخر تفقد الحركة ، بمكان ثالث تفقد النطق ، بمكان رابع تفقد التوازن ، دقة الإنسان هائلة جداً ، فالإنسان فقير إلى الله . هناك فقر ثان وهو الافتقار إلى زوجة أو زوج :
لكن هناك فقر ثان ، أيضاً فقير لزوجة ، الحقيقة لا يُستحيا بها ، كل إنسان بحاجة إلى زوجته ، وكل أنثى بحاجة إلى شاب يتزوجها ، شئنا أم أبينا ، هكذا نحن مصممون ، الله عز وجل قال : وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
( سورة الروم الآية : 21 )
فهي تسكن إلى زوجها ، تكمل نقصها القيادي به ، تحتاج إلى رجل يحميها ، ويدافع عنها ، ويطعمها ، يقدم لها كل شيء ، ويحقق لها حاجتها من الرجل ، والرجل بحاجة إلى أنثى يسكن إليها ، أنا ألاحظ هذا الشيء ، عندما ينشأ لأخ خلاف مع زوجته ، وزوجته تذهب إلى بيت أهلها ، بعد شهر شهرين يشعر هذا الشاب أن وضعه غير طبيعي ، فيه اضطراب شديد ، أنه مفتقر إلى زوجته ، لذلك أيها الأخوة هذه كلمة أقولها لكم بصدق : لا أحد يكفر بنعمة الزوجة ، لا لأتفه سبب تخرجها من بيتك ، ولا امرأة تكفر بنعمة الزوج .
والله مرة لي قريبة مستواها المالي يفوق حد الخيال ، قالت مرة لإحدى قريباتها : أتمنى أن يقدم على الزواج مني أي إنسان مهما كان في مهنة متدنية ، بحاجة إلى زوج ، فهل الله عز وجل بحاجة إلى صاحبة ؟ نحن بحاجة ، هكذا الله خلقنا ، نحن بحاجة إلى زوجة ، والزوجة بحاجة إلى زوجها ، وعندما الزوج يبتعد عن زوجته ، ولا يلتفت إليها ، ولا يقدم لها المودة والمحبة تتألم ألماً لا حدود له ، فأنت لست مفتقراً إلى الله فقط ، بل مفتقر إلى طرف آخر يكمل نقصك ، الله عز وجل يصدق عليه هذا ؟ مستحيل ، ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
فلذلك : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً (43)
( سورة الإسراء )
نظام الأبوة وحده أكبر دليل على عظمة الله :
﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
هو خلق الزواج ، هو صمم الرجل أن يكون مفتقراً لزوجة ، هذا من خلقه ، نظام الزواج من خلق الله عز وجل ، أن يكون كل شيء له زوج مفتقر إليه ، هذا القانون من قننه ؟ الله عز وجل ، لا تنطبق عليه .
إذا أمر المعلم فرضاً الطلاب أن يرتدوا ثياباً معينة في العام الدراسي الجديد ، هل هذا الأمر ينطبق عليه ؟ مستحيل . فالله هو الآمر ، هو المقنن ، هو المشرع ، هو البديع ، فهذا النظام نظام الزوجية من إبداع الله عز وجل ، فكيف نعرف الله ؟ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)
( سورة البلد )
نظام الأبوة وحده أكبر دليل على عظمة الله ، هناك إنسان ليس بحاجة إليك ، لكنه يريد أن تكون أنت في سعادة ، هو الأب .
مرة قال لي صاحب معمل أب كريم ، قال لي : أنا أجير عند أولادي ، قال لي : أنا في هذا السن يكفيني عشرة آلاف في الشهر ، أعمل ليل نهار ، وأتحمل مسؤوليات ، من أجل أن أربي أولادي ، وأن أزوجهم ، وأسعى لهم إلى مستقبل مشرق .
من أودع بقلب الآباء هذه المحبة ؟ لذلك قالوا : محبة الآباء للأبناء طبع ، لذلك ما من آية واحدة بالمواريث توصي الآباء بأولادهم ، مستحيل أن يصدر قرار عن وزير الداخلية يقتضي أن على كل مواطن أن يتناول طعام الفطور ، لا معنى له هذا القرار ، لأنك أنت تجوع صباحاً ، تناول الطعام جزء من طبعك ، وكل شيء طبعي لا يحتاج إلى تشريع ، لذلك لا تجد في القرآن ولا في السنة آية توصي الآباء بأولادهم ، لكن آيات كثيرة توصي الأبناء بآبائهم ، رعاية الآباء تكليف يحتاج إلى كلفة إلى جهد ، لأن الشاب مصلحته مع زوجته ليس مع والده ، إذا كان مهتم بوالده بدافع إيمانه ، ودافع محبته لله ، ودافع أمر الله له ، فاهتمام الأبناء بالآباء تكليف بنص القرآن والحديث ، أما أنت لو ذهبت إلى مستشفى الأطفال تشاهد منظراً مذهلاً ، السافرة ، والمؤمنة ، والكافرة ، والفاجرة ، والمثقفة ، والغير مثقفة ، والمحجبة ، والمتفلتة ، الكل يبكي ، والابن بيدهم ، لذلك : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
( سورة طه الآية : 39 )
المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل :
طبعاً هناك مثل صارخ أنا أرويه دائماً لأنه واضح جداً ، ورد في الآثار أن سيدنا موسى مر بأم تخبز على التنور ، وابنها وضعته إلى جانب التنور ، وكلما وضعت رغيفاً في هذا الفرن مسكت ابنها ، وضمته ، وشمته ، وقبلته ، فتعجب هذا النبي الكريم من هذه الرحمة التي في قلب الأم ـ هذه القصة رمزية ـ قال : يا رب ، ما هذه الرحمة ؟ فقال الله له : هذه رحمتي أودعتها في قلب أمه وسأنزعها ، فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم بكى فألقته في التنور ، وارتاحت منه .
والله لولا أن في قلوب الآباء والأمهات رحمة لقتل الأب ابنه ، وتخلص منه ، الابن عبء ، أما لأن في الأب رحمة فيعمل ليلاً نهاراً من أجل أولاده ، لذلك العقوق أنا أعده أكبر جريمة يقترفها الإنسان إذا عق والده ، كان سبب حياته ، وقلب الأب وقلب الأم ، أنت لا تعرف الله إلا من قلب الأب والأم ، للتقريب فقط ، لا يحتاجك إطلاقاً ، لكن هو حريص عليك رحيم بك ، يتمنى إسعادك .
أيها الأخوة الكرام ، ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
لأنه بديع السماوات نظام الزوجية ، نظام الأبوة ، نظام الولد ، نظام الصاحبة ، من خلق الله عز وجل . وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً
( سورة الروم الآية : 21 )
يمكن لإنسان أن يخطب فتاة ، يعقد القران ، ويسافر في اليوم الثاني ، وتبكي بالمطار بكاء ما بعده بكاء ، عمر العقد كله يوماً واحداً ، هكذا ، المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)

العفريني
09-24-2011, 04:17 PM
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾
طبيعة الجسم البشري لا تحتمل أن يرى الله في الدنيا بعينيه ، لكن يوم القيامة هناك بشارة قرآنية ، يقول الله عز وجل :
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
( سورة القيامة )
ورد في بعض الأحاديث أن الإنسان إذا نظر إلى وجه الله الكريم في الجنة يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام ، فنحن كما وعدنا ربنا عز وجل ـ ونسأل الله أن نكون من أهل الجنة ـ يمكن أن نرى الله في الجنة ، لكن طبيعة أجسامنا لا تحتمل أن نرى الله في الدنيا ، سيدنا موسى قال : ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾
( سورة الأعراف )
من لم يكن طالباً لمعرفة الله فهو مشغول عن هذه المعرفة بشهواته :
إن لم نستطع أن نرى الله بأعيننا يمكن أن نراه ببصائرنا ، يمكن أن نراه بعقولنا، فالله عز وجل جعل الكون كله دالاً عليه ، وجعل الكون كله تجسيداً لأسمائه الحسنى ، ومظهراً لصفاته الفضلى ، فكل شيء في الكون يدل على الله ، يدل عليه موجوداً ، ويدل عليه واحداً ، ويدل عليه كاملاً .
لكن الإنسان متى يراه ؟ هذه الأدلة الصارخة ، وعلى رأسها الآيات الكونية ، ثم الآيات التكوينية أفعاله ، ثم الآيات القرآنية ، إذا أراد ، إذا طلب ، ما لم يكن طالباً لمعرفة الله فهو مشغول عن هذه المعرفة بشهواته ، لأن حبك الشيء يعمي ويصم . ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً﴾
( سورة الأنعام الآية : 24 )
إياك أن تتصور أن هذا الـ (جعل) من الله ، هذا يسميه علماء التفسير تحصيل حاصل فأنت حينما تغلق الباب الخارجي لهذا المسجد فالداخلي مغلق حكماً ، ولو أنه مفتوح ، حبك الشيء يعمي ويصم : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)﴾
( سورة البقرة )
أيضاً هذا الختم بالتعبير الحديث تحصيل حاصل ، لماذا ؟ ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾
( سورة البقرة)
أنت حينما تغلق منافذ القلب فالقلب مختوم عليه حكماً ، منفذ القلب السمع والبصر إما أن ترى الآيات بأعينك ، وإما أن تستمع للحق بآذانك ، لا تستمع إلى الحق لأن الشهوة حجاب بينك وبين الحق ، ولا تلقي نظراً إلى الآيات لأن الشهوة حجاب بينك وبين الآيات . يستحيل لقلب ملوث بالشهوات والشبهات أن يدرك معاني القرآن الكريم :
أيها الأخوة ، هناك آية تقرب المعنى : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾
( سورة الواقعة )
هذه( لا ) نافية ، و( لا ) النافية تؤكد أمر الله التكويني ، بينما ( لا ) الناهية تؤكد أمر الله التكليفي ، فلا يمكن ويستحيل لقلب ملوث بالشهوات وبالشبهات أن يدرك معاني هذا القرآن الكريم . دليل آخر : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)﴾
( سورة الشعراء )
إنسان أعجمي فارسي ، فقرأه عليهم باللغة الفارسية : ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾
( سورة الشعراء )
إن أردت الحقيقة فأبسط شيء يدلك على الله :
قال : ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)﴾
( سورة الحجر )
الآن أنت لو التقيت مع إنسان يتكلم اللغة الكردية مثلاً ، أو اللغة الفارسية ، والله حتى الأرقام لا تعرفها ، أنا كنت في إيران ، حتى الأرقام لا أعرفها ، فكنت أمسك بآلة حاسبة وهو يضغط على الأزرار كي أعرف السعر ، لو أن هذا القرآن نزل باللغة الفارسية مثلاً ، وقرئ علينا بالفارسية لا نفهم منه حرفاً .
أحياناً يسافر الإنسان إلى بلد لغته بعيدة عن اللغة الأصلية ، يستمع إلى الأخبار فلا يفهم كلمة ، ولا حرفاً ، قال تعالى : ﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
إذاً الإنسان يشبه آلة تصوير غالية جداً ، فيها دقة بالغة ، فالذي يريد الحقيقة ففي آلته فيلم ، والذي لا يريدها مهما نقلت الصورة عبر العدسة إلى داخل الآلة لكن ليس فيها فيلم، التقط رغبتك في معرفة الحقيقة ، هذه القطع التي تنطبع عليها الصور .
بشكل أعمق : أنت حينما تطلب الحقيقة هل تصدق أن غديراً يدلك على الله ؟ الماء يدل على الغدير ، والبعرة تدل على البعير ، وآثار قدم تدل على المسير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
إن أردت الحقيقة فأبسط شيء تعرف الله به ، وإن أبيت الحقيقة لو أنك موظف في محطة ( ناسا ) الفضائية أكبر محطة فضائية في العالم ، وهناك تلسكوب عدسته استغرق تبريدها أكثر من عشر سنوات ، تبريد العدسة ، وقد ترى المجرات بألوان تأخذ بالألباب ، وقد ترى بهذه المراصد ما لا يصدق ، ولو كنت في موقع صحي في مجهر إلكتروني ، ورأيت الخلية ، ورأيت في الجسم أشياء لا يصدقها العقل ، لو استطعت أن ترى الذرة تحوم حول النواة ، ولم تكن مريداً للحقيقة لا تنتفع بها إطلاقاً . الكون كله عن طريق عقلك يدلك على الله :
هناك قرار داخلي يا أخوان ، إن أردت معرفة الله فكل شيء يدلك عليه ، بدءاً من كأس الماء ، وانتهاء بالمجرات ، طعامك ، شرابك ، ابنك .
مرة عرضنا على أخواننا الطلاب موسوعة علمية عن خلق الإنسان ، أكثر ما يلفت النظر أن الأوعية الدموية التي طولها مئة وخمسون كم عبارة عن خلايا تتجانس ، تتشابه في نموها ، تتواصل ، بالنهاية تصبح أنبوباً مغلقاً ، ويبدأ الدم يسري فيها ، ولو دخلت في تفاصيل الوعاء الدموي طبقات وعضلات ، أحيانا الإنسان يصفر ، كيف يصفر ؟ يوجد في كل الأوعية الدموية عضلات دائرية تضيق لمعته توفيراً للدم من أجل العضلات ، الخائف يصفر لونه ، هناك مرونة بالغة ، الوعاء قلب الوعاء ، معنى قلب ، حينما يأتيه النبض يتوسع فإذا توسع يعود إلى حجمه الطبيعي بمرونته ، صار قلباً ، توسع وضغط .
لذلك الإنسان متى يتعب قلبه ؟ حينما تتصلب شرايينه ، وما هو الدواء الغذائي الأول في تليين الشرايين ؟ زيت الزيتون ، الإنسان أحياناً لو نجا من كل الأمراض الوبيلة يموت بتصلب الشرايين ، وزيت الزيتون يهيئ للإنسان ليونة في الشرايين إلى أقصى وقت ممكن ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : (( كلوا الزيت ، وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة ))
[ رواه الترمذي عن عمر وأحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي أسيد ]
هذا ليس من عنده : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم )
إذاً أنت ببصرك ، بعين رأسك لا يمكن أن ترى الله ، ولكن الكون كله عن طريق عقلك يدلك على الله ، فالمعرفة اليقينية محققة .
تماماً كما لو رأيت دخاناً وراء جدار ، عقلك جهاز دقيق جداً ، له مبادئ ، يقول لك عقلك : لا دخان بلا نار ، فأنت تحكم على أن وراء الجدار ناراً بالمئة مليون ، هذا اليقين العقلي ، أما حينما تلتف وراء الجدار ، وترى النار بأم عينك صار يقيناً حسيّاً ، هذا عين اليقين ، أما إذا اقتربت من النار ، ووصل وهجها إلى وجهك فهذا حق اليقين ، من علم اليقين إلى حق اليقين إلى عين اليقين ، فنحن في الدنيا بعلم اليقين هناك استنباطات تأخذ اليقين المطلق ، وأنت لا ترى الشيء . العقل أداة معرفة الله عز وجل وهو مناط التكليف :
أنت لاحظ أخواننا الكرام الذين يعملون في تصليح الآلات ، يقول لك : وضعنا الشريط بالمأخذ الكهربائي ، المكواة لم ترتفع حرارتها ، أول احتمال لا توجد كهرباء ، ندير مفتاحاً فيتألق المصباح ، إذاً هناك كهرباء ، إذاً لعل هذا المأخذ فيه خلل ، نأتي بوسيلة ، ببلورة نضعها في المأخذ فتتألق ، إذاً كان احتمال الخطأ أن ليس هناك كهرباء ، ثم نشأ احتمال آخر وهو خلل في المأخذ ، فلما أثبت المأخذ أنه سليم معنى ذلك أن الخلل في الشريط نأتي بشريط آخر ، فإن لم تعمل المكواة فالمكواة معطلة في أصلها ، نظرت كيف الفكر البشري ؟
الله أعطانا جهازاً له ثلاثة مبادئ ، مبدأ السببية ، مبدأ الغائية ، مبدأ عدم التناقض، أنت لا تفهم شيئاً بلا سبب ، ولا تفهم شيئاً بلا غاية ، ولا تقبل التناقض ، والكون مصمم على مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض ، الله عز وجل برمج عقلك وفق الكون ، خلق الكون وفق مبادئ ، وبرمج عقلك وفق مبادئ ، فلذلك العقل أداة معرفة الله عز وجل وهو مناط التكليف ، والآيات التي تتحدث عن العقل تقترب من ألف آية . ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
لكن العقول أيها الأخوة تصل إلى الله ولا تحيط به . ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
( سورة البقرة الآية : 255 )
أنت لاحظ بيتك ، أنت جالس في غرفة ، لكنك محيط بهم ، طبعاً تعرف غرفة النوم ، وغرفة الاستقبال ، وغرفة الطعام ، وغرفة الأولاد ، تعرف المطبخ ، والحمام ، والمرافق ، أنت جالس بمكان محدود لكنك أحطت بكل ما في البيت علماً ، وتعرف ما في البيت إما عن طريق الصوت ، أو عن طريق الرائحة ، إذا هناك شيء له رائحة ، فتعرف .
الذي أريد أن أقوله لكم : أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تحيط به ، هو لا نهائي ، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
ولكن العقول تصل إليه ، تماماً كما لو ركبت مركبة واتجهت إلى الساحل ، هذه المركبة تصل بها إلى الساحل ، لكنك لن تستطيع أن تمخر بها عباب البحر ، العقل يقف .
لذلك قالوا : لا يعرف الله إلا الله ، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك ، وعين العلم به عين الجهل به ، وعين الجهل به عين العلم به . الله تعالى معنا في كل حركة وسكنة ولا تخفى عليه خافية :
﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
ما علاقة اللطيف الخبير بالآية ؟ هو موجود ، لو أن إنساناً صاحبك لا تحتمله ، الله معك ، في خلوتك ، وفي جلوتك ، وفي سرك ، وفي علانيتك ، الآية الكريمة : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾
( سورة الشعراء )
هو معك ، لكنه لطيف ، معك ويراقبك ، ويعلم ما تقول ، وما تنطق من كلمة إلا هو يعلمها ، ولا تأتيك خاطرة إلا وهو يعلمها .
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾
( سورة الأنفال )
أقرب شيء لك قلبك ، واللهُ بينك وبين قلبك ، حتى الخواطر مكشوفة عند الله ، لا تخفى عليه خافية . ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾
( سورة الحاقة )
معنى كلمة خبير :
إذاً الله معنا ، لكنه لطيف ، لطيف وهو معنا . ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾
( سورة الحديد )
معكم بعلمه ، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
كلمة خبير الحقيقة تحير ، ما الفرق بينها وبين العليم ؟ والله قضية خبرة شخصية ، أحياناً تصنع آلة وفق أعلى مواصفات علمية ، كلها قوانين بالميكانيك ، والفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، لكن على الاستعمال تكتشف بعض الأخطاء ، أن قطعة المحرك هذه ضعيفة ، عدة مركبات كسرت ، فالخبرة أن تعلم صلاحية هذه الأفكار النظرية في أثناء التطبيق ، في أشياء كثيرة تصنع ثم تعدل ، أوضح شيء بالبذور ، ما من شركة زراعية يمكن أن تقول لك: هذه البذرة هكذا مواصفاتها ، تقول لك : ازرعها وأعطنا النتائج ، لا تأخذ خصائص البذور إلا من التجارب ، لكن ما من جهة علمية تستطيع أن تتنبأ بخصائص هذه البذرة ، فالخبرة هي علم مطبق ، أو هي علم قابل للتطبيق من دون ثغرات ، وهناك أشياء لا تعد ولا تحصى في الصناعة ، في الميكانيك ، في الأدوية أحياناً ، خبرة نظرية رائعة ، على التطبيق هذا الدواء يسبب مرضاً جلديّاً ، يسبب حساسية ، هذا الدواء يؤثر على القلب ، هذا الدواء يحدث جلطة .
الآن دقق : ما كان بإمكان الإنسان أن يعلم وهو يصنع الدواء أن هذا الدواء له مضاعفات في القلب خطيرة إلا بعد أن يطرح بالأسواق ، أو يجرب على الفئران سابقاً ، ثم على بني البشر في العالم الثالث لاحقاً ـ وهذه وصمة عارٍ بحق البشرية ـ أن الشركات العملاقة في العالم الغربي الآن تجرب دواء على دول في العالم الثالث ، على أساس دواء مسموح باستيراده ، يرسلون مندوبين ليكتشفوا النتائج ، فإذا كان فيه سلبيات يمنع طرحه للبيع في بلد المنشأ ، فلذلك ليس بإمكان أي شركة أدوية أن تصنع دواء وتتنبأ بالأخطاء الجانبية التي يمكن أن تنتج عنه ، هذه تريد خبرة ، الله هو الخبير ، لذلك قال تعالى : ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
أنت دائماً لا حظ نفسك إذا كان ـ لا سمح الله ولا قدر ـ عندك أعراض مرض عضال ، لا يمكن أن تسلم نفسك لطبيب عادي ، إلا لطبيب معه اختصاص من أكبر دولة في العالم بهذا المرض ، دعك من جسمك ، الجسم غالٍ جداً ، جهاز كمبيوتر لا تسلمه لبائع خضار يصلح لك خلله ، تبحث عن وكيل الشركة الصانعة ، فأنت تحب الخبير . أن تشعر بمعيَّة الله عز وجل هذه أكبر ضمانة لاستقامتك :
والله قال : ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
صدق وآمن أن الله وحده هو الخبير بأسباب سلامتك ، وأسباب سعادتك ، وحينما تتوهم أن السعادة بالمعصية فهذا منتهى الجهل ، مستحيل وألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، أو أن تعصيه وتربح ، لكن الله عز وجل يحب أن يمتحن الإنسان ، كل المعاصي تقريباً محببة ، ويبدو أنها تسعد الإنسان إلى حين ، لكن السعادة الحقيقية تأتي من الطاعات ، القضية تحتاج إلى إيمان ، ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
لذلك ورد في بعض الأحاديث : أن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، ومقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، الحقيقة أن تشعر بمعيَّة الله عز وجل هذه أكبر ضمانة لاستقامتك ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)﴾
( سورة الأنعام )
أخواننا الكرام ، الإنسان بجبلته دائماً يميل إلى أن ينسب أخطاءه لغيره ، أولاً لئلا يختل توازنه ، أو لئلا يكون مداناً عند الناس ، فما من سيئة إلا وتنسب إلى القضاء والقدر ، هكذا الله أراد لي ، نحن عبيد ، ما بيدنا شيء ، هذا ترتيب الله ، ترتيب سيدك ، يرتكب حماقات وأخطاء ، وهناك نغمة ثانية ، كلما ارتكب خطأ يقول : الله يلعن الشيطان ، العن نفسك ، الشيطان لا علاقة له . لا يستطيع أحد أن يُضل أحداً إلا إذا كان على شاكلته :
قال تعالى : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾
( سورة إبراهيم )
والله أيها الأخوة ، الذي يرتكب خطأ ، أو معصية ، أو حماقة ، ثم يلعن الشيطان مثله تماماً كإنسان يرتدي أجمل الثياب البيضاء في الصيف ، والثياب مستوردة وغالية جداً ، أناقة ما بعدها أناقة ، ورشاقة ما بعدها رشاقة ، إذا هو يسقط في حفرة فيها مياه آسنة ، مياه المجاري ، سوداء ، يخرج من هذه الحفرة ، ويتجه لتوه إلى المخفر ليشتكي على شخص ما ، فقال له الشرطي وهو يكتب الضبط : هو دفعك إلى هذه الحفرة ؟ قال : لا والله ، حرام ، ما دفعني ، لماذا تشتكي عليه إذاً ؟ لعله شهر في وجهك مسدساً ، وأجبرك على أن تنزل ؟ لا والله لم يفعل هذا ، أيضاً حرام ، هناك ملائكة تحاسبني ، لماذا تشتكي عليه ؟ هل دفعك ؟ لا والله ، لا دفعك ولا أجبرك ، لماذا تشتكي عليه ؟ قال له : قال لي انزل فنزلت ، هذا يحتاج إلى حَجْر السفاهة ، هكذا الشيطان : ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
وأنا أيها الأخوة ، أعتقد ومعي أدلة في القرآن كثيرة أن لا أحد يستطيع أن يضل أحداً ، إلا أن الذي يتبين أن زيداً أضل عبيداً ، عبيد عنده استعداد للضلال ، ويرغب في الضلال ، فكان ضلاله بسبب كلمة فلان ، أحياناً طالب في صف يستطيع أن يوسوس للصف كله ، لكن لا يستجب له إلا من كان على شاكلته فاسداً ، الإنسان مخير ، ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
النبي مبلِّغ فقط وأنت إما أن تستجيب أو لا تستجيب :
والله الآن يا أخوان ، الحق واضح وضوحاً لا يوصف ، في الخمسينات كان الحق يمثل اللون الأبيض ، والباطل اللون الأسود ، وهناك عشرة آلاف لون رمادي بينهما ، فالناس تائهون في هذه الألوان التي بين الأبيض والأسود ، الآن سبحان الله ! إما ولي ، وإما إباحي ، إما مؤمن مستقيم ، وإما ملحد ، الآن الوضع آخذ حالات حادة ، حادة جداً ، إما فتاة تكاد تخرج من كل ثيابها ولا تعبأ بشيء ، أو فتاة لا يبدو منها شيء ، الأولى تبحث عن المتعة الرخيصة ، الأولى متفلتة ، والثانية تبحث عن مرضاة الله عز وجل ، الأمر واضح جداً ، والعالم أصبح صغيراً جداً ، كل شيء واضح مع أن الآن الضلال كبير ، وقوي ، بالمقابل الهدى كبير وقوي ، فلذلك : ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
ـ الآن ـ ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
( سورة ا\لبقرة الآية : 256)
وقال : ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾
( سورة فاطر )
النبي مبلِّغ فقط ، أنت إما أن تستجيب أو لا تستجيب ، وأنت مخير فيما أنت مكلف به ، والله عز وجل لا يتدخل تدخلاً مباشراً في إرادتك ، تماما مثل كرة ، ليس لنا أن نمسكها بيدنا ونضعها في محل معين ، ولا أن ندفعها إلى مكان معين ، لمس الكرة ممنوع ، لكن نحن نعمل لها مسطحاً مائلاً ، نرغبها بالإيمان ، إذا كانت معصية يصبح مسطحاً صاعداً، نحن نعمل ظرفاً محيطاً بها يكرهها بالمعصية ، وظرفاً محيطاً بها يحببها بالإيمان ، الله قال : ﴿اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾
( سورة الحجرات الآية : 7 )
يشدك إلى الدين معاملة الله لك بعد أن اصطلحت معه :
الله عز وجل لا يتدخل تدخلاً مباشراً في إرادتك ، ممنوع ، لكن أجمل ما في الموضوع أنت حينما تتخذ قراراً صحيحاً يرضي الله ، الله عز وجل يملأ قلبك راحة وطمأنينة، الآن أفعالك تدعمك بالتوفيق ، جرب ، اطلب طلباً يرضي الله ، الأمور كلها في خدمتك ، تطلب أن تنفق يأتيك الله بالمال من حيث لا تحتسب ، تطلب أن تدعو إلى الله يلهمك أن تقول كلاماً مؤثراً ، تطلب أن تعاون الناس يعطيك وسائل المعاونة ، لذلك : " إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق العمل فيك ونسبه إليك " .
الله عز وجل لا يتدخل تدخلاً مباشراً ولكن يحيطك بظروف تدعوك إلى الإيمان ، وأحياناً يخوفك أو يرسل لك عقبات تمنعك أن تعصي الله عز وجل .
رجل كان عليه زكاة مال ما يقارب عشرة آلاف ليرة ، طلبت منه زوجته أن يشتري أثاثاً جديداً للبيت ، وأن يدهنه ، ضغطت عليه إلى أن حملته على أن يمتنع عن دفع زكاة ماله ، وأن يصلح البيت بهذا المال ، ارتكب حادث سير مع سيارة ثانية ، أقسم بالله العظيم أن كلفة إصلاح السيارة كانت ما يقارب عشرة آلاف ليرة ، هذا الدرس من الله ، المبلغ الذي لم يدفعه زكاة ماله دفعه لإصلاح مركبته ، وقس على هذا الأمر .
أنا أرى أن الذي يشدك إلى الدين شدّاً قويّاً ليست أفكار الدين ، مع أن أفكار الدين رائعة ، الدين قدم لك فلسفة أولاً عميقة وشاملة ومتناسقة ، ثلاث كلمات ، عميقة وشاملة ومتناسقة ، الإنسان إذا كفر بالله عنده ثغرات في فهمه ، عنده ألف سؤال بلا جواب ، أما المسلم حينما اهتدى إلى الله وقرأ القرآن فعنده فلسفة شاملة ، وكاملة ، وعميقة ، ومتناسقة عن الكون والحياة والإنسان ، عن المصائب ، عن الغنى والفقر ، عن العمر ، عن الإنجاب وعدم الإنجاب ، معه تفسير دقيق ، لكنني متأكد أن الذي يشدك إلى الدين ليست هي أفكار الدين ، مع أنها عميقة ، وشاملة ، وكاملة ، ودقيقة ، ومتناسقة ، لكن الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك بعد أن اصطلحت معه . الإنسان مخير فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها :
شاب مؤمن يعمل في معمل ، المعمل لوالده ، والمعمل ضخم ، وجيد ، ودخله كبير جداً ، جاءه من يطلب منه قطعة من البلاستيك بعدد كبير ، وأرباحها كبيرة ، طبعاً فرح ووافق ، وكل شيء انتهى ، وهو يخرج قال له : هذه أريد لونها خمري ، قال له : مثلما تريد ولكن ما السبب ؟ قال له : أريد أن أضعها مَسكة لعلبة وِيسكي ، قال : والله أعتذر ، ما ترك طريقة يتوسل له بها أن ينفذ هذا العقد ، فلما امتنع وصل إلى والده ، الوالد ليس بمستوى ابنه غضب كثيراً ، قال له : أنت لا علاقة لك ، هذا تزمت ، أصرَّ الابن ، أنا لا أفعلها ، هذه تتناقض مع مبدئي ومع ديني ، يقسم بالله العظيم وهو حي يرزق ، وأنا استأذنته أن ألقي قصته على المجموع ، قال لي : والله بعد اثنين وعشرين يوماً جاءني عرض ، أقول : إذا كانت أرباح العرض الأول أربعمئة ألف فأرباحه هنا كانت أربعة وعشرين مليوناً . (( ما ترك عبد لله أمراً لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))
[ رواه ابن عساكر عن ابن عمر ]
هذا الأخ يمكن في المستقبل أن تأتيه في معصية فيوافق ، ما الذي شده للدين ؟ معاملة الله له ، وأنا أقول لكم كلاماً دقيقاً : ما منا جميعاً واحد يخطب ود الله إلا ويرى بالملموس والمحسوس وفوراً معاملة الله تغيرت ، بصحتك ، ببيتك ، بأولادك ، بعملك ، بتوازنك ، بسعادتك ، براحة نفسك ، بطمأنينتك ، الله موجود ، هو ينتظر من هذا العبد حركة . ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
( سورة الكهف )
أيها الأخوة ، هذه الآية مضمونها واضح أن الإنسان مخير فمن أبصر فلنفسه ، للتوضيح هناك بث إذاعي ، أنت معك جهاز استقبال ، تفتح وتلتقط البث باختيارك ، أو لا تلتقط البث باختيارك ، أو تضع المؤشر على أغاني ساقطة أيضاً باختيارك ، فالبث موجود ، والاختيار بيدك ، انظر الآية : ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾
فأنت مخير ، الأدلة على كل شيء في الدين موجودة ، فأنت إن أردت الدين فالأدلة موجودة ، استقبلها ، وإن لم ترد فالأدلة موجودة ، أعرض عنها ، لكن عليها : ﴿ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾
النبي e نذير ومبلغ ، لكن ليس علينا بحفيظ . ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
( سورة الغاشية )
ليس بحفيظ ، ولا بوكيل ، ولا بمسيطر أنت مخير .

العفريني
09-24-2011, 04:18 PM
﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)﴾
أيها الأخوة ، تصريف الشيء : تتابعه ، وتنوعه ، والآيات : العلامات التي تدل على وجود الله ، وعلى كماله ، وعلى وحدانيته ، الله عز وجل :
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ (103)﴾
( سورة الأنعام الآية : 103 )
لكن كل شيء في الكون ينطق بوجوده ، ووحدانيته ، وكماله ، الله عز وجل له آيات أي علامات ، له آيات كونية هي خَلْقه ، أينما نظرت وحيثما التفتَّ وجدت العلم ، والقدرة ، والغنى ، والحكمة ، والرحمة ، واللطف ، والإبداع . ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (101)﴾
( سورة الأنعام الآية : 101 )
خلْقه آياته الكونية ، أما كلامه فآياته القرآنية ، وهذا الكون في كفة وكلام الله في كفة ثانية . ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1)﴾
( سورة الأنعام الآية : 1 )
وقال : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1)﴾
( سورة الكهف الآية : 1 )
خلق الأكوان ونوَّرها بالقرآن ، شُق الطريق ثم وضعت الشاخصات ، هنا منعطف خطر ، هنا تقاطع خطر ، هنا جسر ضيق ، هنا صعود حاد ، هنا ممر زلق ، شق الطريق ، ووضعت الشاخصات ، خلق الكون ، ونوره الله بنوره . كل شيء يقع في الكون آية تدل على عظمة الله :
إذاً آياته الكونية ، وآياته القرآنية ، أما أفعاله فآياته التكوينية ، أعاصير ، زلازل، حروب أهلية . ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
الصواريخ والصواعق . ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
الزلازل والألغام . ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
الطائفية ، تجد المجتمع ممزقاً بالطائفية . ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (65)﴾
( سورة الأنعام الآية : 65 )
هذه آياته التكوينية ، فالآيات هي العلامات الدالة على وجوده ، وعلى وحدانيته ، وعلى كماله ، خلقه آيات ، وأفعاله آيات ، وكلامه آيات : ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ﴾
ننوعها ، تارة ترى زلزالاً مدمراً ، وتارةً ترى جبلاً شاهقاً ، وتارةً ترى وردةً جميلةً ، وتارة ترى رزقاً وفيراً ومحاصيل ، ننوع الآيات ، وتارةً ترى ضيقاً في النفس ، هذا الضيق من خلق الله عز وجل ، من قصّر في العمل ابتلاه الله بالهمّ ، تارةً تجد تيسيراً ، تارةً تجد تعسيراً، كل شيء يقع في الكون آية تدل على عظمة الله ، خلقه آية ، وأفعاله آية ، وكلامه آية ، والتربية النفسية آية ، أحياناً تشعر بانشراح وانطلاق تكاد تطير ، أحياناً تشعر بضيق وشعور بالإحباط تكاد تموت من الضيق ، هذه معالجة ، وتلك معالجة ، الأمور تارةً ميسرة ، والأمور تارةً معسرة ، تارةً هناك تفاهم زوجي رائع ، وتارةً هناك شقاق زوجي مزعج ، تارةً هناك أبناء يخضعون لوالديهم خضوعاً عجيباً ، وتارةً تجد أبناءً يعدون أحد أكبر أسباب شقاء والديهم ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ﴾
الله تعالى له آيات كونية وآيات تكوينية وآيات قرآنية :
يعالجك بمنام مخيف أحياناً ، برؤية ، يعالجك بتيسير ، يعالجك بتعسير ، يعالجك بفقر ، يعالجك بغنى ، يعالج بهمّ ، يعالجك بشبح مصيبة ، يعالجك بحدث كوني كبير ، يعالجك بآية كونية ، يعالجك بآية قرآنية ، يعالجك بموعظة ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ﴾
ننوعها ونكثرها ، ونجعلها متتابعة ، تجد الله عز وجل في القرآن الكريم يذكر التوحيد مئات المرات ، لو ذكره مرة واحدة وأنت تقرأ القرآن الكريم ومرّت معك آية توحيد في البقرة ، بقيت بهذه الختمة شهرين إلى أن تأتي آية توحيد ثانية في الختمة التالية ، أنت تحتاج إلى تذكير يومي ، فتجد آيات تتكرر في التوحيد ، الإشارة إلى عظمة الكون ، فهناك موضوعات يجب أن تعيشها كل يوم ، إذاً هي تتكرر .
تصريف الآيات تكرارها ، تصريف الآيات تتابعها ، تصريف الآيات تنوعها ، تكرير ، تتابع ، تنويع ، بين آية علمية وبين آية فعلية .
مرة سافرت إلى الساحل ، جاءت عواصف شديدة جداً أتلفت بعض المنشآت الزراعية ، الشيء العجيب أن بعض الناس هناك على اختلاف اتجاهاتهم أجمعوا بفطرتهم على أن صاحب البيت السيئ قد تلف ماله ، أما المستقيم فنجاه الله .
أحياناً تأتي الآيات بأفعال الله عز وجل ، المستقيم محفوظ ، غير المستقيم يدمر بالفطرة ، فالدروس ما أكثر العظة فيها وما أقلّ المتعظين ، ما أكثر العبر وما أقل المعتبرين .
أيها الأخوة ، أحياناً تجد أن هناك قوة جبارة في الكون ، طاغية ، متغطرسة ، مستعلية ، مستكبرة ، تفعل ما تقول ، تدمر ، تقتل ، يأتي زلزال قوته مليون قنبلة ذرية ، لا يدع شيئاً ، فالله له آيات كونية ، وله آيات تكوينية ، وله آيات قرآنية ، يعالجك نفسياً ، يعالجك بخبر ، يعالجك بإشاعة ، يعالجك بشبح مرض ، يعالجك بشقاق زوجي ، يعالجك بابن عاق ، يعالجك بابن صالح ، الله يصرف الآيات ، لكن بطولتك أن تأتيه باختيارك طائعاً ، وأنت صحيح معافى ، ليس عندك مشكلة ، هذه بطولة ، جئته محباً ، جئته مختاراً ، جئته بمبادرة منك ، ولكن الله رحيم ، لو تلكأْنا في العودة إليه يأتي بنا بالسلاسل .
(( عجبتُ لأقوامٍ يُسَاقُونَ إلى الجَنّةِ في السلاسلِ وهم كارهون ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة ، أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]
من كان ينطوي على نفس لوامة فالله عز وجل يرجئ معالجته :
سألني أحدُهم مداعباً : ما ملخص دعوتك في ثلاثين عاماً ؟ قلت له : كلمتان ، إما أن تأتيه مسرعاً ، أو أن يأتي بك مسرعاً ، لا بد من أن تصل إليه ، صل إليه باختيارك وأنت صحيح معافى ، ما عندك مشكلة أبداً ، هذا دليل محبتك ، دليل رجاحة عقلك ، دليل قوة إرادتك ، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ، تماماً كما يقول الطبيب لإنسان معه التهاب معدة حاد : لو أنك اتبعت حمية صارمة فسوف تشفى ، أما إذا تساهلت وأكلت ما تشتهي فلا بد من عمل جراحي ، فأنت مخير بين حمية صارمة وعملٍ جراحي ، أيضاً أنت مخير بين أن تأتي ربك طائعاً ، مستسلماً باختيارك ، بمبادرة منك ، وبين أن تأتيه عقب ضيق ، أو شدة ، أو إلجاء ، يقول الله عز وجل : ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
( سورة السجدة )
إذاً الآية الكريمة : ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ﴾
صنعوا مركبة فضائية سموها المتحدي ، بعد سبعين ثانية احترقت ، أحيانا يأتي إعصار ، يقولون لك : الخسائر ثلاثون ملياراً ، معظم الأرباح التي جنيت من جهة أخرى ذهبت خسارة هنا ، فإن فكرت في خلقه تصل إليه ، وإن تدبرت كلامه تصل إليه ، إن نظرت في أفعاله تصل إليه ، لكن النصيحة : أرجئ النظر في أفعاله إلى ما بعد النظر في آياته الكونية وآياته القرآنية ، لأنك إذا أقمت جولة في خلقه ، ثم تدبرت كلامه فإيمانك بأسمائه الحسنى من خلال خَلْقه ، وإيمانك بكلامه من خلال تدبره يلقيان ضوءاً كاشفاً على أفعاله ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾
أنت لست نبياً ، أنت إنسان حصَّلت ثقافة عالية جداً ، وخدعتَ بها الناس ، وصرفتَ وجوه الناس إليك ، ولست نبياً ، ولا رسولاً ، ولا يوحَى إليك ، من يقول هذا ؟ لا بد من مقدمة ، دائماً الإنسان إذا كان ينطوي على نفس لوامة فالله عز وجل يرجئ معالجته . حينما يُمنَع الحق من أن ينتشر عندئذٍ يتدخل الله عزّ وجل :
جاء طالب بجلاء عليه علامة صفر في الرياضيات ، فالأب تضايق كثيراً ، لكن نظر إلى ابنه فرآه أشد تضايقاً ، ترك الطعام ، وأحاطت به كآبة عالية ، وفكر في دروس خصوصية ، وفكر أن ينفق ما جمعه في العيد لدروس الأستاذ في الرياضيات ، فلما رأى الأب ابنه بهذا الاهتمام ، وهذا الحزن ، وهذا الألم ، وتلك الكآبة ، وهذه التضحية كف عنه ، أما إذا نال الصفر ، وبقي مستهتراً يضحك ويلهو فلا بد من معالجة .
إذاً ما دامت نفوس عباده نفوس لوامة هم يرتدعون ، هو يعودون ، هم يتوبون ، هم يراجعون أنفسهم فإن الله يرحمهم ، أما حينما تكون نفوسهم أمارة بالسوء ، وقوة ظالمة تسحق قوة أخرى ، قلة قليلة تملك كل شيء ، وكثرة كثيرة لا تملك شيئاً ، فهذا الذي يملك المال والقوة وكل شيء ، ويعيش حياة خيالية ، لا يسمح لهؤلاء الذين يقهرهم أن يتعرفوا إلى الله ، لذلك حينما يُمنَع الحق من أن ينتشر عندئذٍ الله جل جلاله يتدخل ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْماً وَجَوْراً ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
تجد في العالم اليوم تسعين في المئة من ثرواته بيد عشرة في المئة من عباده ، هؤلاء العشرة في المئة يعيشون حياة تفوق حد الخيال ، حياة بذخ ، وإسراف ، وغطرسة ، واستعلاء ، وكبر ، وتدمير ، وقصف ، وسحق ، وقتل ، وإبادة ، والإعلام بيدهم ، والقوة بيدهم .
فتاة في بلد غربي بعيد ترتدي ثياب الشاذات ، مدير المدرسة في هذا البلد على شيء قليل من المروءة ، منعها من دخول المدرسة ، فأقام والدها دعوى على مدير المدرسة ، وحكم القاضي له بمبلغ فلكي ، لأن إدارة المدرسة تدخلت في حرية هذه الفتاة ، جيد ، هذه الحرية ، تأتي فتاة في بلد آخر مسلمة تضع على رأسها قطعة قماش ، تنفيذاً لتعاليم دينها الحنيف الذي يأمرها بالحجاب ، قطعة قماش ، وضعتْ بنت في المدرسة الإعدادية قطعة قماش على رأسها تقوم الدنيا ولا تقعد بدءاً من أعلى رجل في ذلك البلد ، الحجاب ممنوع أمّا ثياب الشاذات مسموحة ؟‍‍!
تسقط طائرة ، تدفع الدولة التي اتهمت بإسقاطها قريباً من ثلاثمئة مليار دولار دية لركابها ، أما ممرضات يحقن أربعمئة طفل بفيروس الإيدز ، كل دول الغرب تتدخل لإطلاق سراح الممرضات دون محاكمة ، ودون تعويض ، غير معقول أن يحاسَب إنسان ببلد أنه استخدم سلاحاً كيماوياً ، والذين يحاسبونه يستخدمون سلاحاً كيماوياً أيضاً ، القيم مضطربة .
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
* * *
هؤلاء يوم القيامة يؤمرون بأن يسكتوا : ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾
( سورة يس )
الإنسان المتأله هو الذي لا يعتقد أن هناك إلهاً سيحاسبه :
يا أيها الأخوة ، عندما يصل الأمر إلى هذا المستوى مِن جهة قوية جداً ، متغطرسة ، تقهر الناس ، تلغي حياتهم ، تلغي ثقافتهم ، تلغي دينهم ، تلغي تقاليدهم ، تلغي عاداتهم ، من أجل مصالحها فقط ، عندئذٍ لا بد من تدخل السماء ، مستحيل أن تستطيع قوة طاغية أن تخطط لمستقبلها البعيد ، وأن تنجح خططها على المدى البعيد ، هذا تناقض مع وجود الله ، لا مع عدالته فحسب ، بل مع وجوده ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا ﴾
الأقوياء ، الطغاة المنتفعون ، الذين يسحقون البشر ، أو لو سميناهم الطاحنين لأنهم يطحنون المطحونين ، في مثل هذه الحالة لا بد من تدخل الإله ، لذلك :
(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْماً وَجَوْراً ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
هم يقولون : ﴿ دَرَسْتَ ﴾
هذا الدين تعبير عن ضعف الإنسان ، الدين أفيون الشعوب ، الدين غيبيات ، هؤلاء أخلاقيون لأنهم فقراء ، لو كانوا أغنياء لما كانوا أخلاقيين ، لو قرأت ما يطرحه الطرف الآخر من أنّ التدين سلوك جاهلي قديم ، سلوك بدائي ، خوف مما رواء الطبيعة ، وجدتَ الإنسان المعاصر إنساناً متألهاً ، والله كأني سمعت مقابلة مع جندي في دولة معتدية جبارة طاغية يقول : أنا الإله ، أنا أنهي حياة أي إنسان ، إن لم أطلق عليه النار أبقيته حياً ، وإذا أطلقت عليه النار أنهيت حياته ، وأمره بيدي ، هذا النمط الجديد إنسان متأله ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾
لا يعتقدون أن هناك إلهاً سيحاسبهم . إذا أردت الحقيقة فكل شيء يدلك عليها :
قال تعالى : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم )
مشكلة هذا الطاغي أنه لا يدخل الله في حساباته إطلاقاً ، ﴿ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ﴾
﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)﴾
( سورة العنكبوت )
إذاً لماذا جعله الله أميّاً ؟ لأن وعاءه فرغه الله من كل ثقافة أرضية ، نبينا يوحَى إليه ، كلمة عبقري ، ومصلح اجتماعي ، الطرف الآخر طرح ذلك عليه ، نبينا نبي معه وحي السماء ، أما قضية عبقري فموضوع آخر ، مصلح اجتماعي موضوع آخر ، إنه نبي يوحَى إليه ، ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
معنى يعلمون : أي أنهم أرادوا أن يعلموا ، لا تستطيع أن تقول كلمة لمن صمم ألا يسمع ، حتى إن بعضهم قال : لن أجد أشد صمماً من الذي يريد ألا يسمع ، المؤمن إذا أراد الحقيقة فكل شيء يدله عليها ، فإذا أعرض عنها لو رأى كل الآيات الدالة على عظمة الله لا يؤمن ، فلذلك هذا التبيان لقوم يعلمون ، لقوم أرادوا الحقيقة ، أرادوا أن يؤمنوا ، أرادوا أن يعرفوا رسالاتهم في الحياة ، أرادوا أن يعرفوا سر وجودهم وغاية وجودهم ، لذلك إذا أردت الحقيقة فكل شيء في خدمتك يدلك عليها . ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾
( سورة العنكبوت )
﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
لذلك الحكمة من أعطاها لغير أهلها فقد ظلمها ، ومن منعها أهلها فقد ظلمها . ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)﴾
( سورة الأعلى )
وعاء النبي كله من وحي السماء ولذلك كان أمياً :
ثم يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه الكريم : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)﴾
أنت يوحَى إليك ، أنت لست دارساً ، ولم تحصل هذا من ثقافة أرضية ، وعاؤك من وحي السماء .
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم )
لذلك كان أمياً ، ولو كان يقرأ ويكتب ودرس قبل البعثة ، وقال كلاماً رائعاً يُسأل دائماً : هذا الكلام من عندك أم من الوحي ؟ وعاء النبي كله من وحي السماء ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾
فالمسلم يتبع وحي السماء ، اتبعوا منهجاً لا من صنع البشر ، مناهج البشر أيها الأخوة استجابة لواقعهم ، فإذا انتشر الشذوذ في بلد ما يصدر قانون بإباحته ، فالقوانين الأرضية استجابة لحاجات المجتمع أو لواقعه السيئ ، لكن وحي السماء يرفع الناس إلى الكمال ، بين أن يهبط القانون إلى واقع البشر ، وبين أن يرفع وحي السماء البشر إلى مصاف الملائكة فرق كبير ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
مرة الحجاج أراد أن يقتل سعيد بن جبير ، فقال له سعيد بن جبير التابعي الجليل: " واللهِ لو علمتُ أن موتي بيدك لعبدتك ، ولكن حياتي بيد الله عز وجل " . عظمة المؤمن أنه يخضع لله وحده ولا يحنِي رأسه لأحد :
عظمة المؤمن أنه يخضع لله وحده ، وأنه لا يحنِي رأسه لأحد ، يحني رأسه في الركوع لله عز وجل ، وفي السجود كذلك ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
فهو المعطي ، وهو المانع ، وهو الرافع ، وهو الخافض ، وهو المعز ، وهو المذل ، وهو الذي يهب الأمن ، وهو الذي يهب النصر ، وهو الذي يضعف الأعداء ، وهو الذي يلقي في قلوبهم الرعب ، أما إذا هان أمر الله علينا نهون على الله ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْر ))
[ أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله ]
أما أمته حينما تخلت عن دينها ، وأدارت ظهرها للقرآن ، وأخذت ما عند الغرب من مناهج يومية ، هان أمر الله عليها فهانوا على الله عز وجل ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾
هؤلاء الذين أشركوا ، وألهوا أنفسهم ، وعبدوا شهواتهم ، وعبدوا جهات أرضية ظنوا أنها تنفعهم أو تضرهم ، مع أن الله عز وجل يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام فيقول : ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
( سورة الجن )
وقال : ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
وقال :
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية : 188 )
وقال :
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام )
وقال :
﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)﴾
( سورة الأنعام )
كل المخلوقات مسيرة إلا الإنس والجن فمخيّران :
إنّ الله عز وجل شاءت مشيئته أن نكون أصحاب مشيئة ، لذلك الإنسان مخير بأن يؤمن أو يكفر ، أما لو أن الإنسان في الأصل لم يكن ذا مشيئة ، لم يكن مخيراً ، لا يستطيع أن يكفر ، كل المخلوقات مسيرة إلا الإنس والجن فمخيّران ، فإذا أشرك المشرك لأن الله سمح له أن يختار ، هكذا اختار ، أنت أهم شيء في هويتك أنك مخير ، معنى مخير أنه بإمكانك أن تستقيم أو أن لا تستقيم ، بإمكانك أن تؤمن أو ألاّ تؤمن ، تصدق أو تكذب ، تحسن أو تسيء ، تصلح أو تفسد ، تخلص أو تخون ، أنت مخير ، أنت مخير فيما كلفت ، هذه هويتك .
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾
( سورة الكهف الآية : 29 )
وقال : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان )
أنت مخير ، فالذي أشرك ما سبق الله بإشراكه ، لا ، هو في الأساس مخير ، الله سمح له يختار ، تماماً لو أردت أن تفحص إنساناً يدعي أنه على علم بالأدوية ، تعطيه مجموعة أدوية ، تقول : أعِدْها إلى أماكنها ، هنا الفيتامينات ، هنا السموم ، هنا المضادات الحيوية ، الآن أنت تمتحنه ، فهو مخير ، فإذا أمسك بدواء فيتامين ووضعه في محل السموم ، لو منعته لألغيتَ اختياره ، لا بد من أن يتحرك وفق اختياره هو ، فالإنسان مخير ، ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148 ﴾
( سورة البقرة الآية : 148 )
الإنسان مخير إذاً يدفع ثمن اختياره :
لذلك أيها الأخوة ، الإنسان مخير إذاً يدفع ثمن اختياره : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ﴾
هذا معنى آخر :
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾
( سورة الأنعام )
هذه الآية تنفي الجبر ، أما هذه الآية فتشير إلى أن الله خلقك مختاراً ، فإذا اخترت الإيمان فقد سمح لك أن تختار الإيمان ، وإن اخترت الشرك سمح لك أن تختار الشرك ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا َشْرَكُوا ﴾
فليس هناك كافر يسبق الله عز وجل . ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا (59)﴾
( سورة الأنفال الآية : 59 )
معنى سبقوا أي أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله ، ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾
أنت مبلغ فقط . ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (56)﴾
( سورة القصص )
من يشاء الهداية ، ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾
﴿ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾
( سورة فاطر )
مبلّغ .
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (67)﴾
( سورة المائدة الآية : 67 )
الداعية مبلّغ ، وكل عالم مبلّغ ، لا يملك أكثر من أن يبلغ ، الأمر بيدك ، إما أن تستجيب أو لا تستجيب ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

العفريني
09-24-2011, 04:18 PM
﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)﴾
كأن الآية متوجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم :
﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)﴾
هاتان الآيتان مررنا عليهما سريعاً في الدرس الماضي ، ولا بد من وقفة متأنية عند مضمون هاتين الآيتين .
أولاً : إذا قلت لمن هو في أعلى درجات الاجتهاد : اجتهد ، فهذا الأمر يعني داوم على اجتهادك ، واثبت على اجتهادك ، وتابع اجتهادك .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (1)﴾
( سورة الأحزاب الآية : 1 )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ﴾
إذا جاء الأمر للمأمور وهو مطبق له فيتجه الأمر إلى الاستمرار عليه ، ومتابعته ، والثبات عليه ، إذاً : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾
هذه الآية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾
ما يُطرح في هذه الأيام يتناقض مع نص القرآن الكريم ومع أصل الدين :
أولاً : الرب ربٌ ، والعبد عبدٌ ، الإله مطلق ، الذات الكاملة ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، واجب الوجود ، أزلي أبدي ، واحد أحد ، فرد صمد . ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)﴾
( سورة الإخلاص )
علِم ما كان ، وعلِم ما يكون ، وعلِم ما سيكون ، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ هذا الإله العظيم إذا أعطى توجيهات فهي التوجيهات التي لا ريب فيها ، ولا مأخذ عليها ، لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها ، لأن الله مطلق ، وكلامه مطلق، وكمال كلامه مطلق ، وصوابُ توجيهاتِه مطلقٌ ، إذاً : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾
أخواننا الكرام ، يقول تعالى في آية أخرى في سورة الحجرات : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1)﴾

( سورة الحجرات الآية : 1 )
كأن الله سبحانه وتعالى أنبأنا عن أنه سوف يأتي زمان كل إنسان يقدم بين يدي الله ، وفي هذه الأيام أيها الأخوة تطرح موضوعات تناقض القرآن الكريم ، ينادى بتعديل قانون الأحوال الشخصية ، ينادى بمساواة المرأة مع الرجل حتى في الميراث ، ينادى برفع كل تحفظ عن حقوق الطفل ، شيء طويل ، لكن كل هذا الذي يطرح يتناقض مع نص القرآن الكريم ، مع أصل الدين ، هناك جرأة في نقض وحي السماء ، وما جاء به سيد الأنبياء .
إذاً هنا الآية : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾
للتقريب تصور مريضاً أميّاً لا يقرأ ولا يكتب ، جاهلاً جهلاً مطبقاً ، حدثتْ معه أزمة قلبية ، فزار طبيباً يعد أول طبيب في القلب ، معه أعلى شهادة في العالم ، فأعطاه توجيهات ، فهل يستطيع هذا المريض الأمي الجاهل أن يحاور الطبيب في توجيهاته ؟! البون شاسع جداً ، المريض في جهل مطبق ، وعادات سيئة في الطعام والشراب ، ولا يملك أي ثقافة صحية ، يحاور إنساناً في أعلى درجة من العلم . مجرد أن تفكر في بديل لحكم شرعي فأنت لا تعرف الله :
لذلك أيها الأخوة ، لمجرد أن تفكر في بديل لحكم شرعي فأنت لا تعرف الله ، والدليل : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)﴾
( سورة الأحزاب الآية : 36 )
لاحظ نفسك مع خبير ، مع عالم شهير يعطيك توجيهاً ، وليكن طبيباً ، لا تفكر أن تناقشه ، لماذا ؟ لأنك واثق من علمه ، فكيف بكلامٍ من عند الله ؟ فكيف بوحي السماء ؟ لذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
كنت مرة في مؤتمر في أمريكا في لوس أنجلس فألقى عالم كلاماً قال فيه : هذه البلاد ليس فيها شيء مقدس ، أي شيء مهما بدا مقدساً فهو خاضع للبحث والدرس والنقد ، أما نحن كمسلمين فعندنا مسلّمات ، هذا كتاب الله ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه . ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ (42)﴾
( سورة فصلت الآية : 42 )
أريد أن أوضح الفكرة بمثل : ذهب إنسان إلى شخص لإصلاح مركبته ، وفي المكابح قطعة يجب أن تُغيَّر ، فغيّرها بقطعة جديدة ، وثمة قطعة تستند إليها هذه القطعة رماها في الطريق ، قال : هذه لا فائدة منها ، فقال له صاحب المركبة : أرجعها ، قال له : لمَ؟ قال له : لأن الشركة فيها خمسة آلاف مهندس ، وعُمرها مئة عام ، ولا يمكن أن تكون أنت أشد فهماً منه أبداً ، أرجعها ، وما تمكن صاحب المركبة أن يحاوره ، لأن عنده مسلّمات أن شركة عريقة تصنع السيارات من مئة عام ، وخبراتها كلها متراكمة ، وعندها خمسة آلاف مهندس ، وهذا إنسان يعمل في الميكانيك في دمشق لا يمكن أن يكون أشد فهماً من هؤلاء مجتمعين .
الآن لو لم تتمكن أن تأتي بدليل على ما في القرآن فيكفي أن هذا كلام الله ، وأن الذي أنزله هو الخبير ، هو العليم ، هو الحكيم ، هو المطلق ، هو الخالق ، هو الرب ، هو الرحيم ، هو الذي خلق الإنسان ، هو الذي يعلم ما يسعده وما يشقيه ، ما يجعله سليماً من كل مصيبة وما يجعله هالكاً . قيمة الأمر من قيمة الآمر :
إذاً : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾
مَن هو الذي أوحى هذا القرآن ؟ طبعاً الله رب العالمين ، ماذا تعني كلمة رب ؟ رب الذي يربيك ، الذي خلقك ، والذي أمدك ، والذي يربي جسدك ، والذي يربي نفسك ، ربى نفسك بخصائص ، ورباها بالوحي ، ورباها بالمعالجة ، ورباها بأفعاله ، كلمة رب أعتقد أنها أقرب اسم من أسماء الله تعالى للإنسان ، أقرب إنسان إليك من دون استثناء أمك التي ولدتك ، والتي ربتك ، والتي حرصت على سلامتك وسعادتك ، وفي حياة كل واحد منا أمّ ، وأقرب إنسان إلى الإنسان أمه التي أنجبته ، يأتي بعد ذلك أبوه ، الآن أقرب جهة غير أمك إليك الذي خلقك ، الله عز وجل من أسمائه أنه رب العالمين ، خلقك ، أمدك بالأجهزة ، بالأنسجة ، بالأعضاء ، بالحواس ، بالدماغ ، بالقدرات ، بالمهارات ، أمدك بالهواء ، أمدك بالماء ، أمدك بالطعام ، أمدك بالهواء ، أمدك بالشراب ، أمدك بما في الأرض من جبال ، وأنهار ، ووديان ، وأغوار ، وبحيرات ، وبحار، وأطيار ، وأسماك ، وأنواع النباتات .
لذلك : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾
لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر ، بل شرف الأمر من شرف الآمر ، فحينما تتبع إنساناً أصدر قراراً فالإنسان يخطئ ويصيب ، وقد تكون له مصلحة في هذا القرار ، ليست هذه المصلحة تابعة لمن يطبق هذا القرار ، بل لمن يصدر هذا القرار ، قد تفرض عليك ضريبة لمصلحة الجهة التي فرضتها ، لكن خالق السماوات والأرض هو الذي خلقك ، وهو الخبير ، لهذا قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21)﴾
( سورة البقرة الآية : 21 )
بالمناسبة أيها الأخوة ، أي قرار من إنسان لأنه إنسان ، ولأنه مثيلك في الإنسانية تستطيع أن تحتال على هذا القرار ، لأن واضع القرار إنسان ، والذي يطبق عليه القرار إنسان مثله ، وبإمكان الإنسان الأذكى أن يحتال على الأقل ذكاء ، لذلك أيّ قانون يصدره أيّ إنسان في الأرض يسهل التحايل عليه ، يصدر قانون بتحديد السرعة في الطرقات في بلد غربي ، وعلى الطرقات محطات تكشف السرعات الزائدة ، جيد ، الإنسان الذي سيطبق عليه القانون قد يكون أذكى من واضع القانون ، يخترع جهازاً يوضع في السيارة قبل عدة كيلومترات من وجود الكاشف ينبهه . أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان :
مرة كنت راكباً سيارة في هذه البلاد ، فإذا بالسائق يخفض سرعته من مئة وثمانين إلى مئة ، ما الذي حصل ؟ قال لي : هناك جهازُ كشفِ السرعة بعد قليل ، والجهاز الذي عندي أنبأني بذلك ، معنى ذلك أن القرار قد انتهى مفعوله ، وهذا القانون الذي وضع لسلامة الركاب في السفر قد ألغي ، لأن المطبق أذكى من الواضع .
أيّ قانون وضعي من السهل جداً التحايل عليه ، أوضح مثل الصيام ، تصور أن الصيام فُرِض على المواطنين بقانون ، وليس في الإسلام صيام ، لكن الدولة رأت أن الصيام مفيد جداً للمواطنين ، فأصدرت قانوناً بترك الطعام والشراب من الفجر وحتى الغروب ، كم تستطيع الدولة أن تطبق هذا القانون ؟ لا تستطيع مع واحد ، فإذا دخل إلى بيت الخلاء يشرب، أما المسلم فيدخل إلى الحمام في أيام الصيف ، ويكاد يموت عطشاً ، والصنبور فيه ماء عذب بارد زلال ولا يستطيع أن يضع في فمه نقطة ماء أبداً .
أرأيت إلى القانون الذي أنزله الله عز وجل ؟ فلا يمكن أن تصلح البشر إلا بوحي السماء ، لأن الذي أصدر القانون معك دائماً ، وبيده كل شيء ، أما في الساعة الثالثة ليلاً الإشارة حمراء ، والكل يتجاوزها ، السبب ؟ ليس هناك شرطي ، لأن واضع القانون يطولك علمه عن طريق الشرطي ، فإذا كنت في الساعة الثالثة ليلاً فلا يوجد شرطي ، إذاً تتجاوز الإشارة ، أما القانون الإلهي فهو معك دائماً ، لا تخفى عليه خافية ، لا تخفى عليه خواطرك . (( إنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِه ))
[ أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس ]
هو معك ، وكل شيء بيده ، لذلك إيمانك أن الذي خلقك معك ، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان .
لذلك أنا أرى أنه لا يصلح قانون أرضي ، لكن الآن هناك وسائل ضبط عالية جداً وبالتعبير المعاصر ( سوبر ماركت ) فيها بضائع من دون مبالغة بمئات المليارات ، عند مخرج هذا السوق يدفع الإنسان ثمن البضاعة ، لو أنه لم يدفع ثمنها فعلى كل بضاعة لصاقة فيها مادة ، إن لم يدفع ثمنها فهذه البضاعة تصدِر إشارة ، فينطلق صوت مخيف ، وتغلق الأبواب بشكل آلي ، قلّمَا تحدث سرقة ، هناك ضبط إلكتروني ، يا ترى هؤلاء الذين في السوق من هو الأمين ، ومن هو غير الأمين ؟ لا نعرف ، لأن ثمة ضبطاً إلكترونيّاً ، كأن الأمانة قد ألغِيتْ ، وليس هناك مخالفات ، أما يوم قطعت الكهرباء في بلدة ، سكانها ثمانية عشر مليوناً بأمريكا تمت مئتا ألف سرقة في ليلة واحدة ، حجم السرقات ثلاث مليارات ، لم يكن وقتئذٍ ضبط إلكتروني ، هذه الاستقامة الإلكترونية لا قيمة لها عند الله أبداً . جوهر الدين :
راعي غنم في أعالي الجبال يلتقي بإنسان يقول له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، يقول له الراعي : ليست لي ، يقول له : خذ ثمنها ، يقول : والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ أرأيت إلى هذا الراعي ؟ لقد وضع يده على جوهر الدين .
فإذا قلت : أين الله ؟ فأنت مؤمن ، ورب الكعبة أنت مؤمن ، وكذا إذا خفت من الله في خلوتك . (( من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله بسائر عمله))
[ رواه الحكيم عن أنس رضي الله عنه ]
ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلّط .
إذاً : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾
قد يفرض عليك عدوك تصرفاً أنت لا تحتمل تطبيقه لكنك مرغم عليه ، أما هذا التوجيه الذي يأمرك الله أن تتبعه فهو مِن عند مَن ؟ من عند الرحيم ، من عند الحليم ، من عند الحكيم ، من عند القوي ، من عند الغني ، من عند الرب ، من عند الإله ، من عند من بيده كل شيء . ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾
لماذا ؟ عندنا اعتراض في البلاغة ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
جملة معترضة ، تقول : قال الله عز وجل ، عز وجل جملة معترضة ، الاعتراض هنا يفسر موجب الاتباع ، لماذا ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾
؟ لأنه : ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
لا خالق إلا هو ، لا مربي إلا هو ، لا مسيّر إلا هو ، لا موجود على الحقيقة إلا هو ، لا معطي إلا هو ، لا مانع إلا هو ، لا رافع إلا هو ، لا خافض إلا هو ، لا معز إلا هو ، لا مذل إلا هو ، لا محيي إلا هو ، لا مميت إلا هو ، لا رازق إلا هو ، هذا الكلام النطق به سهل جداً ، لكن عقله يحتاج إلى جهد كبير ، ألا ترى مع الله أحداً ، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها . لأنه لا إله إلا هو فينبغي أن تتبع ما أوحي إليك من ربك :
الآن هناك هذه الأزمات ، وهذه الفتن ، وهذه الاجتياحات ، وهذه الحروب ، وهذا التطاول من بعض البشر على بعضهم الآخر ، وهذا الإملاء ، موقف المؤمن الصادق ألاّ يرَى إلا الله ، لا يرَى مع الله أحداً . ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10)﴾
( سورة الفتح الآية : 10 )
وقال : ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (17)﴾
( سورة الأنفال الآية : 17 )
(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ]
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
أي لا معبود بحق إلا الله ، وما من جهة تستحق العبادة إلا الله . بالمناسبة أيها الأخوة ، أنت كإنسان حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك ، لا تعرف قدر نفسك إذا كنت لغير الله :
" عبدي خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ."
أنت مخلوق لله ، الجماد للنبات ، والنبات للحيوان ، والحيوان للإنسان ، والإنسان لله ، الإنسان لله وحده .
أيها الأخوة الكرام ، ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
لأنه لا إله إلا هو فينبغي أن تتبع ما أوحي إليك من ربك .
كمثل من واقعنا : أنت بحاجة إلى تأشيرة خروج ، وذهبت إلى دائرة الهجرة والجوازات ، وهي مِن أربع طوابق ، قال لك أحدهم : هذه التأشيرة لا يستطيع واحد في هذا البناء كله أن يوافق عليها إلا المدير العام ، هل تبذل ماء وجهك أمام شرطي ؟ أمام كاتب ديوان ؟ أمام موظف ؟ هذه التأشيرة من صلاحية المدير العام وحده ، لذلك لا تسال أحداً ، ولا تبذل ماء وجهك أمام أحد ، ولا ترجو أحداً .
الآن المثل سنكبره : كل قضاياك متعلقة بالله ، فحينما تتضعضع أمام غني ، وتبذل ماء وجهك فقد سقطت من عين الله ، لأن الله خلقك وليس بينك وبينه حجاب ، اسأله ، يعاب من يشكو الرحيم إلى من لا يرحم .
ملك الملوك إذا وهب قم فسألن عن السبب
الله يعطي مـن يشاء فقف على حدّ الأدب
* * *
المشركون لا تعبأ بهم لأنهم لا يعرفون الله دينهم الدرهم والدينار :
الآن : ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾
المشركون لا تعبأ بهم ، لأنهم لا يعرفون الله ، أفُقهم ضيق ، طموحاتهم تنتهي عند الدنيا ، الآخرة ما أدخلوها في حساباتهم أبداً ، يعبدون شهواتهم من دون الله ، دينهم الدرهم والدينار .
سمعت أن عالماً كبيراً من علماء المسلمين له تفسير قيم ، زار بلاداً بعيدة في الغرب ، وجلس في حديقة ، كان إلى جانبه شخص من تلك البلاد ، وهذا العالم لونه يميل إلى السمرة ، فسأله : من أنت ؟ وماذا تعلم ؟ فلما علم هذا الغربي أنه عالم إسلامي قال له : تحب أن أشرح لك الإسلام ؟ قال له : لا مانع ، قال له : كم معي من الوقت ؟ قال له : ساعة ، فهذا العالم شرح له أساسيات العقيدة ، وأساسيات الأحكام ، في خمسين دقيقة ، وترك عشر دقائق للحوار ، فلما انتهى هذا الذي يحاوره ذلك العالم أخرج من جيبه مئة دولار وقال له : أنا هذا الإله الذي أعبده من دون الله ، انتهى الأمر ، هذا الإله الذي أعبده من دون الله .
لذلك حينما يعبد الناس شهواتهم ، وحينما يحققون مصالحهم لا مبادئهم ، وحينما يحتكمون إلى أهوائهم لا إلى عقولهم ، وحينما يعامل الإنسان بحسب قوته ، فإذا كان ضعيفاً سحقوه ، ولا سيما في هذا العصر عصر العولمة التي على وزن حيونة ، عصر المادة ، عصر القهر ، عصر الظلم ، عصر النهب والسلب ، عصر الكذب ، عصر الدجل ، في مثل هذا العصر قال تعالى : ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾
ولا تعبأ بهم ، هم أحقر مما تلتفت إليهم ، لماذا أتوا إلى بلاد مجاورة ؟ لأن فيها أسلحة كيمائية ، هم استخدموها ، لماذا تأتي إلى بلد بحجة أنه يملك أسلحة كيماوية ، وأنت لما أردت أن تقاوم من يقاومك استخدمت الأسلحة الكيماوية ؟! هؤلاء لا تصغي إليهم ، هؤلاء يقول الله عنهم : ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾
( سورة يس )
هم أقلّ من أن تخاطبهم ، لأنهم لا يملكون الحجة ، يكيلون بألف مكيال ومكيال . الكون كله مسير إلا الإنس والجن فهما مخيران :
﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾
هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة ، هؤلاء الذين أشركوا مصالحهم مع ربهم ، أشركوا شهواتهم مع ربهم ، إياك أن تصغي إليهم .
ما معنى ذلك ؟ إياكم أيها الأخوة أن تفهموا فهماً ما أراده الله ، أن الله عز وجل أجبرهم على الشرك ، سبحانه وتعالى أن يفعل ذلك ، لكن الله أعطاهم الخيار ، هم لم يشركوا عنوة ، بل أشركوا باختيارهم الذي منحه الله لهم ، فيمكنك تقييد إنسان بقيد ، ما عنده خيار ، لكن أنت منحته الاختيار ، معنى الاختيار أنه بإمكانه أن يكفر أو أن يؤمن ، بإمكانه أن يصدق أو أن يكذب ، بإمكانه أن يستقيم أو أن ينحرف ، بإمكانه أن يرحم أو أن يقسو ، الإنسان فقط والجن مخيرون ، وما سوى ذلك فمسيَّرون ، الكون كله مسير ، المادة كلها مسيرة ، الحيوان كله مسير ، الملك كله مسير ، ليس هناك مخلوقات مخيَّرة إلا الإنس والجن ، معنى مخير أي أنه يفعل ما يريد ، فهذا الذي أشرك ، وهذا الذي كفر ، وهذا الذي قتل ، وهذا الذي زنى ، وهذا الذي سرق ، هؤلاء هل فعلوا هذا تحدياً لله ؟ لا ، هو الذي سمح لهم أن يختاروا . ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾
( سورة الأنفال )
معنى ﴿ سَبَقُوا ﴾
أي أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله أو أنهم يستطيعون التفلت من عقاب الله ؟ هم في قبضته . ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)﴾
( سورة الأعراف )
المتانة مقاومة قوى الشد ، والقساوة مقاومة قوى الضغط ، فكأن هذا الإنسان مربوط بحبل متين ، مهما قوي ، مهما تغطرس ، في أية لحظة هو في قبضة الله .
سمعتم عن الغرب كيف تغطرس ، وتأله ، والله مرة سمعت في ندوة جندياً في دولة معتدية ، يقول : أنا الرب ، أنا الإله ، كيف ؟ قال له : أنا أقرر إبقاء هذا الإنسان حياً أو أقتله ، معي صلاحية ، عدّ نفسه إلهاً .
لكن لما وقف سعيد بن جبير أمام الحجاج ، وقال له الحجاج : إنني سأقتلك ، قال له : والله لو آمنت أن قتلي بيدك لعبدتك من دون الله ، ولكن الذي ينهي حياتي هو الله ، وقد يكون هذا الإنهاء على يديك ، لكن الذي ينهي حياتي هو الله . الكافر لا يمكن أن يفعل شيئاً ما أراده الله فهو في قبضة الله :
أنت حينما تؤمن تكون شجاعاً ، حينما تؤمن لا تنافق ، لا تنهار ، الذي منحك الحياة هو وحده يأخذها منك . ﴿ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ (56)﴾
( سورة يونس الآية : 56 )
يعطي ويمنع ويرزق ، لذلك : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ﴾
هم ما أشركوا عنوة ، ولا تحدياً ، لكنهم أشركوا لأن الله سمح لهم أن يؤمنوا أو أن يشركوا ، سمح لهم أن يكفروا أو أن يؤمنوا ، سمح لهم أن يصدقوا أو أن يكذبوا ، سمح لهم أن يطيعوا أو أن يعصوا، أنت مخير ، أنت أتيت إلى هذا المسجد ، بإمكانك ألا تأتي ، أن تبقى في البيت ، لا سمح الله ولا قدر بإمكانك أن تذهب إلى ملهى في الوقت نفسه ، بإمكانك أن تتزوج وبإمكانك أن تزني ، بإمكانك أن تأكل المال الحرام وبإمكانك أن تأكله حلالاً .
كنت أضرب مثلاً : تفاحة في هذه الشجرة هي لك ، حينما خلقت هي لك ، أما أنت مخير ، يمكن أن تشتريها بمالك ، ويمكن أن تسرقها لا سمح الله ، ويمكن أن تأكلها ضيافة ، ويمكن أن تأكلها هدية ، ويمكن أن تتسولها ، تسول ، هدية ، شراء ، سرقة ، بإمكانك ، هي لك ، لكن وصولها إليك باختيارك ، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ﴾
وهذا الذي تسمعه : فعَلْنا ، وتركنا ، وقهرنا ، وقصفنا ، وقتلنا ، الكافر لا يمكن أن يفعل شيئاً ما أراده الله ، هو في قبضة الله ، بل إن خطة الله تستوعب خطته ، هو يخطط ، الذي يفعله بعد التخطيط ضمن خطة الله ، فكرة دقيقة جداً ، الذي يفعله بعد أن يخطط هو بالأصل من خطة الله عز وجل ، لذلك : ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
حتى النبي الكريم : ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف )
أي إن أنت يا محمد إلا نذير . ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ (48)﴾
( سورة الشورى الآية : 48 )
وقال : ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)﴾
( سورة الأنعام )
وقال :﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
( سورة الغاشية )
النبي مبلِّغ فقط والإنسان معه ملك ومعه شيطان :
النبي مبلِّغ فقط ، والإنسان معه ملك ومعه شيطان ، معه ملك يلهمه الخير ، ومعه شيطان يوسوس له الشر ، والشيطان والملك لا يستطيعان إجباره على شيء ما أبداً والدليل : ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾
( سورة إبراهيم )
لا الملك له عليك سلطان ، ولا الشيطان له عليك سلطان ، ولا النبي له عليك سلطان ، ولا الداعية له عليك سلطان ، أنت حر ، افعلوا ما شئتم ، افعلوا ما شئتم هذا تهديد ، كل شيء له ثمن ، افعل ما شئت ﴿ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾
( سورة فاطر )
أنت تبلغهم والله يحاسبهم ، والإنسان مخير وليس مسيراً ، مخير فيما كلف ، ومسيّر فيما لم يكلف ، والذي سير به هو ما يكلف لصالحه .

العفريني
09-24-2011, 04:19 PM
﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)﴾
أيها الأخوة الكرام ، على مستوى السبابِ قال تعالى :
﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
هؤلاء الذين يدعون من دون الله مشركون ، فإذا سببت آلهتهم المزعومة انتقموا منك فسبوا الإله الحقيقي ، من هو الخاسر الأكبر ؟ من ينتمي إلى الإله الحقيقي ، هذا على مستوى السباب ، فكيف على مستوى آخر ؟ أنت حينما تفعل شيئاً فيكيل الطرف الآخر لأمتك أضعافاً مضاعفة ففي النهاية تسببت في آلام لا تنتهِي ، لذلك أي عمل يقوم به الإنسان أو المسلم ليس وفق منهج الله ، ويسبّب لهذه الأمة آلاماً لا تنتهِي فهو محاسب على ذلك يوم القيامة أشد الحساب ، العبرة أن تكون رحيماً بالمؤمنين ، فكم من مصيبة ألمّت بالمسلمين كانوا في غنى عنها ، لولا أن عملاً غير شرعي ، وغير منهجي ، وليس مغطّى بالحكم الشرعي ، وليس صادراً عن مرجعية حقيقية فُعل بشكل طائش ، فكان سبب دمار هذه الأمة . الإسلام فيه ضوابط و مبادئ :
هذه قاعدة أيها الأخوة ، في النهاية من يدفع الثمن ؟ إذا كان الذي يدفع الثمن في النهاية أمة الإسلام ، وكان الثمن باهظاً جداً فالذي فعل شيئاً طائشاً غير مدروس ، غير مؤصل ، غير مغطى بالدليل الشرعي فقد سبّب للأمة آلاماً لا يعلمها إلا الله ، وسوف يحاسب عنها يوم القيامة حساباً شديداً ، فقضية العمل لا بد لها من ضوابط ، الإسلام فيه ضوابط وفيه مبادئ ، الصحابة الكرام يوم كانوا بمكة ، قال تعالى لهم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (77)﴾
( سورة النساء الآية : 77 )
هذا أمر قرآني لكل المسلمين يوم كانوا في مكة أن يكفوا أيدهم عن الطرف الآخر لأنه لو فعلوا ما يتراءى لهم أن هذا صواب لجروا على الدعوة سلبيات هم في غنى عنها .
هذه الآية أيها الأخوة تدعو إلى التبصر وإلى التأني ، والمسلمون كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( سِلْمُهُمْ وَاحِدَةٌ ، وَحَرْبُهُمْ وَاحِدَةٌ ))
[ورد في الأثر]
لا ينبغي أن يبادر أحدهم لا إلى حرب ولا إلى سلم من دون أن يكون مع مجموع المؤمنين ، هذه قضايا مصيرية ، لا يستطيع آحاد المسلمين أن يبتّوا فيها ، آحاد المسلمين لا يستطيعون أن يعطوا حكماً من دون مرجع ، من دون حكم شرعي ، من دون أصل ، وإلا سبّب آحاد المسلمين لمجموع المسلمين آلاماً لا تنتهِي ، ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
هذا مشرك يدعي إلهاً زوراً وبهتاناً ، هو ليس إلهاً ، هو مخلوق ، هو صنم ، هو حجر ، لا يقدم ولا يؤخر ، تسبّه ، فيتطاول على الإله الحقيقي ، ويسبُّه .
لذلك كم من عمل غير مدروس ، غير مؤصل ، لا يستند إلى حكم شرعي ، لا يستند إلى إجماع المؤمنين ، هذا العمل سبب هلاك ودمار لمجموع الأمة ، وهذا الشيء ترونه بأم أعينكم ، وتسمعونه بآذانكم ، ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
على المؤمن أن يكون عمله وفق منهج الله ووفق ضوابط الشرع :
الحقيقة أن هذا على مستوى السباب ، فكيف الأمرُ على مستوى القتل ؟ وعلى مستوى الدمار ؟ فكيف على مستوى نهب الثروات ؟ فكيف على مستوى احتلال البلاد ؟ كيف على مستوى قهر الإرادة ؟ كيف على مستوى تغيير الثقافة ؟ كيف على مستوى إلغاء العمل الخيري ؟ فكلما رفعت العمل غير المدروس ، غير المتفق عليه ، غير الشرعي ، غير المنتمي لأصل ديني صحيح ، وجاءت الآلام تلو الآلام ، والمصائب تِلوَ المصائب ، والقهر بعد القهر ، هذا الذي يحصل بسبب عمل فردي غير مدروس ، وغير مخطط له ، ولا يأخذ حكماً شرعياً قويماً ، على مستوى السباب هناك حظر ، فكيف على مستوى آخر ؟!!
هذا الشيء يعني أن يقف الإنسان وقفة جريئة ، وهذا الشيء لا يعني أن يكون الإنسان جباناً ، ولا يعني أن يكون الإنسان متخاذلاً ، ولا يعني أن يكون الإنسان مستسلماً ، ولكن لا بد من عمل وفق الضوابط الشرعية ، هذا يعني أن يفهم الإنسان قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾
( سورة الشورى )
أيها الأخوة ، ينبغي أن تكون دقيقاً جداً في التعامل مع الطرف الآخر ، ينبغي أن تتعامل معه وفق منهج الله ، ينبغي أن تأتمر بما أُمرت ، وتنتهي عما عنه نُهيت ، وألاّ يكون الدافع إرواء الغليل ، ولا بدافع التشفي ، ولا بدافع إحداث شيء يدغدغ مشاعر المسلمين إلى حين ثم يجر عليهم الويلات تلوً الويلات ، العبرة أن يكون عملك وفق منهج الله ، أن يكون عملك وفق ضوابط الشرع ، أن يكون عملك وفق ما يرضي الله عز وجل ، قال الله عز : ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190)﴾
( سورة البقرة الآية : 190 )
هذا أصل ، قاتل الذي يقاتلك ، أما إذا اعتديت على إنسان لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بموضوع القتال فتقلب العالم كله عليك ، عندئذٍ يتهم دينك أنه دين قتل ، ودين جهل ، ودين تخلف ، أنا أتكلم من واقع مؤلم جداً ، كل واحد منا يتمنى أن الذي حصل ليته لم يحصل ، ولكن بعد فوات الأوان ، وهذه الآية أصل في ذلك : ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
كل مسلم هو في الحقيقة سفير للمؤمنين :
إن القضية ليست قضية تشفٍّ ، ولا قضية فورة ، ولا قضية اندفاع ، ولا قضية ارتجال ، ولا قضية تصرُّفٍ أرعن ، القضية مصير أمة ، سلامة أمة ، أمن أمة ، حياة أمة ، أما حينما نقصر في فهم دورنا ، وفي فهم المنهج الصحيح لتحرُّكِنا نكون قد دفعنا ثمناً باهظاً كانت أمتنا في غنًى عن دفع هذا الثمن الباهظ .
سيدنا خالد حينما انسحب في الوقت المناسب ، وحقن دماء أصحاب رسول الله ، فسمَّاه بعض مَن في المدينة فراراً ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم سماه كرّاراً ، ولم يسمّه فراراً ، لأنه حقن دماء أصحاب رسول الله .
عندما تؤمّن أيضاً مصالح الأمة ، تؤمّن حياتها ، تؤمّن عزتها ، تؤمّن كرامتها بعمل مدروس ، مجمع عليه ، مغطى ، فيه تأصيل ، فيه فتوى مجمع عليها هذا شيء ، وحينما تتحرك حركة غير مدروسة ليس لها مرجعية شيء آخر .
هو مشرك ، محدود ، والدليل غير محدود ، وهو قد عبد إلهاً غير الله ، عبد حجراً ، عبد شمساً أو قمراً ، والآن عبد بشراً ، الآن ما الفرق بين المشركين في قديم الأزمان والمشركين المعاصرين ؟ المشركون في قديم الأزمان عبدوا حجراً ، أو عبدوا مدراً ، أو عبدوا شمساً ، أو قمراً ، الآن عبدوا أشخاصاً ، والآن هناك جهة قوية تُعبَد من دون الله ، جهة قوية يؤلّهها البشر ، فهذا الخضوع لجهة أرضية دليل ضعف التفكير ، ودليل محدودية الأفق ، هذا الذي تعبده من دون الله تسبّه أنت فينتقم منك فيسب الإله العظيم الذي خلق السماوات والأرض ، وربما منع الناس من أن يستزيدوا من هذا الدين العظيم ، بل ثمة أعمال كثيرة كانت متاحة وميسورة فإذا بها تُمنَع منعاً باتاً ، إذا بها تُحظَر على المسلمين ، فأنا لا أدعو إلى عدم الغيرة ، وعدم الاندفاع ، وعدم الجرأة ، ولكن أدعو إلى التبصر ، وأدعو إلى أن تكون سلم المؤمنين واحدة ، وحربهم واحدة ، ينبغي أن يجتمعوا ، والشيء المؤسف أشد الأسف أن الذين شردوا عن الله عز وجل اجتمعوا على رأي واحد ، ورجل واحد ينطق باسمهم ، دول متعددة كثيرة كانت بينها حروب لا تنتهِي ، لهم قوميات ، لغات ، وثقافات مختلفة ، لكن مصلحتهم تقتضي أن يجتمعوا فاجتمعوا ، ودخلوا في منظومة واحدة ، وصاروا ينطقون بلسان رجل واحد ، والمسلمون في الأرض مليار وأربعمئة مليون ، إلههم واحد ، ودينهم واحد ، وقرآنهم ومبدؤهم واحد ، ولغتهم واحدة ، ومع ذلك فكلٌ يدعي أنه يمثلهم ، وهم جميعاً في حيرة وفي تمزق ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( أنت على ثغرة من ثغر الدين فلا يؤتين مِن قِبلك ))
[سلسلة الأحاديث الضعيفة ]
كل مسلم هو في الحقيقة سفير للمؤمنين ، (( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتينّ مِن قِبَلك ))
كل مسلم له موقع ، هذا موقع يعد مركزاً حدوديّاً ، أخطر ما يفعله المسلم أن يسمح للعدو أن يخترق بلاد المسلمين من جهته . المسلمون الآن في أمسّ الحاجة إلى الوعي العميق :
الآن هناك شيء آخر ، هناك كيد كبير جداً للإسلام ، والطرف الآخر أيقن أن المواجهة مستحيلة مع الدين ، فغيّر طريقته في محاربة المسلمين ، فأصبحت الطريقة تفجير الإسلام من الداخل ، وأحياناً يحدث عملٌ يخرج الإنسانَ من جلده تقززاً واشمئزازاً من هذه الجريمة ، وتنسب إلى المسلمين ، والمسلمون منها براء ، هناك الآن طرف ثالث مهمته أن يثير حرباً أهلية ، فالطرف الأول بريء ، والثاني بريء ، الطرف الثالث يضرب هؤلاء تارةً، وهؤلاء تارةً ، إلى أن تنشب بين الفريقين حرب أهلية ، هذا الذي يحصل ، أينما ذهبوا : ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾
( سورة القصص )
المسلمون الآن في أمسّ الحاجة إلى الوعي العميق ، لأن الطرف الآخر لا يواجههم ، بل يدعي أنه يحترم دينهم ، لكن ماذا يفعل ؟ يحاول أن يصطنع إما فكراً منحرفاً ، أو سلوكاً منحرفاً ، فيأتي أيّ إنسان في القارات الخمس حينما يستمع إلى هذا العمل التي تأباه الفطرة ، وتأباه الإنسانية ، وتأباه القيم السماوية ، يخرج من جلده اشمئزازاً من عمل ينسب دائماً إلى المسلمين ، حتى إنّ كل عمل عنيف في الأرض مرتكبه ـ قبل أن نتابع الخبر ـ مسلم ، فهو متهم أصلاً ما لم يثبت العكس ، وفي الأعم الأغلب يثبت العكس ، وتبقى التهمة هي التهمة ، طبعاً هناك أخطاء كثيرة جداً تراكمت فشكلت هذا الوضع الجديد .
الحل أنك قبل أن تتحرك ينبغي أن يكون لك مرجع ، أن يكون للمسلمين مرجعية، أن يكون هناك علماء مخلصون يعطون الفتوى الصحيحة ، لأن هناك أعمالاً قد تدغدِغ مشاعرَ الإنسان ، لكنها تعود على المسلمين بشرٍّ كبير ، كانوا في غنى عنه . العلم والخبرة وإتقان العمل من تصميم الله عز وجل :
الحقيقة أن هذه الآية لها معنىً دقيق : إن الإنسان أحياناً يزيّن له عمل ، إن تفوق في هذا العمل على من يعود خيره ؟ على كل الناس ، لو أن الإنسان زين الله له أن يكون أعلى طبيب في جراحة القلب ، وبلغ مستوى رفيعاً في هذا الاختصاص ، على من يعود هذا الاختصاص ؟ على كل المرضى ، واللهُ عز وجل جعل الحياة الاجتماعية مترابطة ، فأنت مقهور أن تعيش في مجتمع ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى مكّنك من إتقان حرفة معينة ، وجعلك محتاجاً إلى مليون حاجة يتقنها غيرك ، فأنت لا تستطيع العيش إلا في مجتمع ، أنت معلّم تحتاج إلى رغيف خبز ، وقصة رغيف الخبز طويلة جداً ، بدءاً من حراثة الأرض ، ومن زراعتها ، ومن تسميدها ، ومن سقياها ، ومن جني المحاصيل ، إنها سلسة طويلة جداً تنتهي برغيف خبز تأكله على مائدة الإفطار ، وأنت بحاجة إلى رغيف خبز ، أنت بحاجة إلى ثياب ترتديها ، وللثياب قصة طويلة جداً ، زراعة القطن ، ثم جني القطن ، ثم حلج القطن ، ثم غزل القطن ، إلى أن أصبح لك ثياب ترتديها تستر بها عورتك ، فطعامك ، ولباسك ، ومأواك ، وحاجاتك بحاجة إلى غيرك فيها .
لك أولاد بحاجة إلى من يعلّمهم ، لك جسم بحاجة إلى من يصلحه إذا مرض ، لا بد من طبيب ، فالله عز وجل قهرك بأن تعيش في مجتمع ، بمعنى أنه سمح لك أن تتقن اختصاصاً ، وأحاجك إلى مليون مَليون حاجة ، وكل حاجة اختصاص .
الآن : حينما يزين لك اختصاص ، وتقبل عليه ، وتتفوق فيه ، هذا لصالح جميع البشر ، فأنت بالحركة اليومية كل يوم حينما تشعر بحاجة إلى شيء تذهب إلى خبراء فترى العلم والخبرة متراكمة ، وإتقان العمل ، فهذا من تصميم الله عز وجل .
الآن هناك أمم تفوقت في الزراعة ، وأمم تفوقت في الصناعة ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾
( سورة الحجرات )
تقييم العمل من شأن الله وحده :
توزيع الثروات في الأرض ، هذا من أجل تعاون البشر على معرفة الله ، وعلى العمل وفق منهجه ، لكن الناس حينما شردوا عن الله عز وجل كانوا في حال أخرى .
العمل له تقييم عند الله عز وجل ، قد يكون العمل خيراً ، وقد يكون شريراً ، قد يكون العمل أساسه إفساد الأخلاق ، وقد يكون العمل أساسه صون الأخلاق ، قد يعود العمل على الجميع بالخير ، وقد يعود على فرد واحد بالخير ، فتقييم العمل من شأن الله وحده ، هو وحده يقيم العمل ما إذا كان صوباً أو غير صواب . إذاً : ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
في النهاية الله وحده هو الذي يقيّم عملك ، وهو يكافئك إن كنت محسناً ، ويعاقبك إن كنت مسيئاً في دار تسوى فيها الحسابات ، والحكَم هو رب الأرض والسماوات .
إنّ الإنسان إذا كان معه جواب لرب العزة في كل شيء يفعله فهو على الطريق الصحيح ، أما إذا فقَدَ الحجة فله عند الله حساب دقيق ، ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
أيْ بقيمة عملهم ، لذلك قال تعالى : ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾
( سورة الفرقان )
ضاع عملهم كله .
هناك نقطة دقيقة جداً : أن هذا الكون بسماواته وأرضه ، بكل ما فيه من عجائب هو أكبر آية دالة على عظمة الله ، فالإنسان الجاهل يطلب معجزات ، الكون في حد ذاته معجزة ، فإن طلبت معجزة فإنك لم تعرف عظمة هذا الكون ، لذلك الذي يطلب آية تدل على عظمة الله في خرق القوانين فَاتَهُ أن القوانين نفسها هي معجزات . الله عز وجل جعل هذه الحياة مبنية على العمل الصالح :
أيها الأخوة ، في الآية الأولى إشارة إلى أن الأمة يزين لها عملها ، وطبعاً شيء طبيعي جداً أن الإنسان لا يقبِل على شيء إلا إذا رآه متألقاً ، فحينما يزين الله لكل فرد ، أو لكل أمة شيئاً هذا في الأصل مشروع ، لكن هذا الشيء الذي تفوق فيه الإنسان إما أن يجعله في خدمة الحق ، أو في خدمة الباطل ، إما أن يجعله خيراً ، أو شريراً ، لذلك يحاسب عليه .
تفوّقتَ مثلاً في الأدب ، الأدب إطار تعبيري رائع جداً ، إما أن تستغل هذا الإطار في نشر الحق بين الناس ، أو في نشر الرذيلة ، أو نشر الباطل ، تطبيق هذا التفوق تحاسَب عليه ، غير أنك اخترت أن تكون أديباً ، أو كاتباً ، تفوقتَ في علم من العلوم ، التفوق مسموح به ، ولولا أنه زين لك هذا الاختصاص لما تفوقت فيه ، ولكن كيف استفدتَ من هذا التفوق ؟ في الخير أم في الشر ؟ لذلك الآية الكريمة : ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
ما من شيء تتفوق فيه إلا ويمكن أن يوظف في الحق أو في الباطل ، والعبرة أن كل المَلَكات التي ملكك الله إياها ، وكل الخبرات ، وكل المهارات ، وكل القدرات هذه إذا وظفتها في الحق حين تفوقت فيها كثيراً ، أما إذا وظفتها في الباطل ـ والعياذ بالله ـ كانت دركات إلى النار ، لذلك التفوق قيمة مطلقة وحيادية ، إما أن توظف في الحق ، أو أن توظف في الباطل ، فإذا زين الله لك اختصاصاً ونِلته ، وتفوقتَ فيه فأنت محاسب على تطبيقه ، هل سخرت طلاقة اللسان لإقناع الناس بالحق أم لإقناعهم بالباطل ؟ هل وظفت ذكاءك الذي ملكك الله إياه للإيقاع بين الناس أم لرأب الصدع ، وجمع الشمل ؟ هذا كله مطبّق .
إذاً التزيين سر التفوق ، والله عز وجل يزين للإنسان اختصاصاً ليتقرب به إلى الله ، ولينفع به الخلق ، وكل إنسان متفوق تصبح قدرته على العمل الصالح كبيرة جداً ، فهناك أشخاص عاديون جداً ، وأشخاص متفوقون ، المتفوقون الواحد بألف ، الواحد بمئة ألف ، الواحد بمليون أحياناً ، فهذا التفوق هل يحمله على تعميم الخير على كل الخلق ؟ أم يحمله على جني الأرباح الطائلة لينتفع بها وحده ؟ أو ليبني مجده على أنقاض الآخرين ؟
الحقيقة أن الذكاء حظ كبير جداً ، هؤلاء الذين يصنعون أسلحة فتاكة يدمرون بها الإنسان ، أليسوا متفوقين ؟ وظفوا تفوقهم في اختراع أدوات تدمير الإنسان .
إذاً الله عز وجل جعل هذه الحياة مبنية على العمل الصالح ، والعمل الصالح يحتاج إلى تفوق ، والتفوق حيادي ، يمكن أن يوظف في الحق كما يمكن أن يوظف في الباطل . كل هذا الكون يدل على الله :
شيء آخر : ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
كل هذا الكون يدل على الله ، كل حركة ، وكل سكنة ، وكل مخلوق ، وكل طائر، وكل حيوان ، وكل نبات ، وكل جماد ، وكل معدن ، وكل شبه معدن ، كل شيء تقع عينك عليه يدل على الله عز وجل ، ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾
هذا الكون بوضعه الراهن من دون خرق لنواميسه ، من دون تغيير لقوانينه هو في حد ذاته معجزة ، فكيف إذا طلبت معجزة ؟ معنى ذلك أنك غافل عن عظمة هذا الكون الذي هو في الحقيقة معجزة .
أحياناً تجد جهازاً فيه من التعقيدات ما لا يصدق ، لكن له مأخذ كهربائي ، أنت تريد أن يعمل من دون كهرباء ، هذا شيء مضحك ، تصميمه يحتاج إلى سنوات وسنوات ، وإلى خبرات متراكمة ، وإلى اختصاصات عالية جداً ، وإلى تجارب مضنية ، بعد كل هذا الجهد الجهيد خرج لك هذا الجهاز ليقدم لك خدمات مثلى ، تقول : أنا أريد جهازاً يعمل من دون طاقة ، معنى ذلك أنك ما عرفت قيمة الجهاز ، ولا عرفت دقة صنعه ، ولا الجهد الذي بذل في تصميمه .
إذاً : هذا الذي يطلب معجزة ليؤمن ، وهو يغفل عن كل ما في الكون من آيات دالة على عظمة الله عز وجل هو في الحقيقة بعيد كل البعد عن أن يكون معنياً بهذا الدين ، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
الملخص : إن أردت أن تؤمن فكل شيء في الكون يدلّك على الله ، بدءاً من لقمة تأكلها ، وإن أردت ألا تؤمن لو أنك في أكبر محطة فضائية ترى المجرات كل يوم بالمناظير والمراصد العملاقة فلن تؤمن ، لو أنك ترى الخلية بمجهر إلكتروني ، وترى عجائب خلق الله في الخلية لا تؤمن ، آلة تصوير مصممة تصميماً رائعاً جداً ، إن أردت الحقيقة فيها فلا بد أن يكون مع الآلة فيلم يلتقط هذه المشاهد الرائعة ، وإن لم ترد الحقيقة فالآلة بلا فيلم مهما التقطت من مشاهد رائعة فلا تختزن ولا تسجل .
لذلك قد يقف إنسان مؤمن أمام آية صغيرة جداً تدله على الله ، ويقف إنسان لا يريد معرفة الله أمام أجهزة عملاقة تريه دقائق عظمة الله عز وجل ومع ذلك لا يؤمن .
إذاً الإيمان يحتاج إلى قرار داخلي أولي ، فإن اتخذت هذا القرار فكل شيء كان في خدمتك ، لأن البعرة تدل على البعير ، والأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟!! كل شيء في الكون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله :
﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
موجودة ، الكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى ، الكون كله تجسيد لأسماء الله الحسنى، كل ما في الكون يدلك على الله ، ﴿ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
بثّها الله عز وجل ، يقول أحدهم : حتى يهديني الله ، الله هداك وانتهى الأمر ، هداك بالكون ، هداك بالكتب ، هداك بالأنبياء ، هداك بالدعاة ، هداك بأفعاله ، هداك بأقواله ، هداك بالمصائب ، هداك بالمواعظ . ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ (282)﴾
( سورة البقرة الآية : 282 )
لمَ لا تتقوه ؟ ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (282)﴾
( سورة البقرة الآية : 282 )
كل شيء في الكون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله ، إذاً ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
موجودة ، لكن العبرة أن تبحث عنها ، أن تطلبها ، أن تتخذ قراراً بأن تكون مؤمناً . ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾
( سورة العنكبوت )
لكن إن طلبتم هذه الآيات تعجيزاً فقد قال تعالى : ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
حينما تطلبها تعجيزاً تأتيك ثم لا تؤمن ، فلذلك إذا طلب الإنسانُ خرقاً للنواميس والعادات ، وأتت ولم يؤمن أهلكه الله عز وجل ، لأنه اعتبر هذه الآية هي الحد الفاصل ، فإن لم يؤمن انتهى عند الله عز وجل .

العفريني
09-24-2011, 04:20 PM
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(110)﴾
أيها الأخوة ، تبين هذه الآية أن من شروط الإيمان بالله أن يكون الإنسان جاداً في طلب الحقيقة أولاً ، ومخلصاً في طلبها ثانياً ، ومستقيماً على أمرها ثالثاً ، فإذا كان مقيماً على معصية وهو متشبث بها ، إذا كان مُصرّاً على ما يناقض أصل الإيمان فإنه لا تفتح بصيرته ، ولا يرَى الحق ، ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام من أدعيته الشريفة :
(( اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .))
[ورد في الأثر]
هذا الدعاء يبين أن الإنسان أحياناً قد يرى الباطل حقاً ، وقد يرى الحق باطلاً ، قد يرى الباطل حقاً فيتبع الباطل ، وقد الحق باطلاً فيتبع الباطل ، قد يرى الباطل حقاً فيتبعه على أنه حق ، وقد يرى الحق باطلاً فيجتنبه على أنه باطل ، هذه القضية عالجها القرآن في أماكن عديدة : ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾
( سورة الشعراء )
كيف لو أنك أسمعت إنساناً باللغة الأعجمية ، أو باللغة الفارسية ، لا يفهم منك كلمة ، ولا حرفاً ، لذلك الظالم المقيم على انحرافاته ، المتشبث بكفره ، المتشبث بنزواته هذا الإنسان لا يستنير قلبه لمعرفة الله ، لذلك قبل أن تطمع بإيمان مؤمن يجب أن تعلم أنه يبحث عن الحقيقة ، يجب أن تعلم أنه مخلص في البحث عنها ، يجب أن تعلم أنه مطبق لما يصل إليه . معنى الصدق :
إذاً : هؤلاء الذين أشركوا ، والذين عبدوا الأصنام ، والذين كفروا ، والذين أقاموا على كل المعاصي والآثام ، ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾
وقد جاءهم الحق ، وقد جاءهم الوحي ، وأمامهم سيد الخلق وحبيب الحق ، بكل كمالاته ، بكل سجياه ، بكل خصائصه ، ومع ذلك لم يؤمنوا ، ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴾
هذا ينقلنا إلى أنك لن تؤمن إلا إذا أردت أن تؤمن ، إلا إذا بحثت عن الحقيقة ، عندئذٍ أيّ شيء يدلك عليها ، أما إذا لم تبحث عنها ، ولم تجشم نفسك عبء البحث عنها ، ولم تعبأ بها ، أنت لك مصالح ، لك نزوات مقيم عليها ، فأن ينفتح قلبك للحق ، أن يطمئن قلبك للحق ، أن تنشرح للحق ، هذا أبعد ما بين السماء والأرض ، ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾
قد يقول قائل : لماذا لا يفتح ربنا عز وجل أبصارهم ؟ ولا يفتح بصائرهم للحق؟ حينما جاء الإنسان إلى الدنيا جاء على أنه مخير ، والله عز وجل يقول : ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾
( سورة الإسراء )
أي أن هذه الدنيا هكذا ، أنت مخير واطلب ما شئت ، لكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات . ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (123)﴾
( سورة النساء الآية : 123 )
الله يتعامل مع الصدق ، معنى الصدق أنك مصر على الحقيقة مخلص في طلبها ، مستعد أن تلتزم بما تمليه عليك الحقيقة ، أنت قدمت شروط الهداية ، البحث عن الحقيقة ، الإخلاص في طلب الحقيقة ، أنك مستعدة أن تطبقي كل ما تمليه عليك الحقيقة ، إذاً أنت قدمت لله عز وجل شروط الهداية ، لذلك القضية بالصدق ، إن الصدق يهدي إلى الحق ، يهدي إلى الخير ، يهدي إلى معرفة الله ، يجب أن تكون صادقاً ، هؤلاء آلهتهم شهواتهم ، وآلهتهم مكانتهم الاجتماعية ، والدين عندهم خارج اهتمامهم ، إذاً : هم يحاولون أن يستفزوا النبي عليه الصلاة والسلام ، أو يطالبونه بمعجزات ليست في يد النبي عليه الصلاة والسلام .
مرةً قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم تخبرنا عن موسى الذي جاء بالعصا ، وبعيسى الذي أحيا الميت ؟ ماذا عندك من معجزات ؟ الكون كله معجزة :
النقطة الدقيقة أن هذا الكون كله معجزة ، هذا الكون صارخ في آياته ، آياته تدل على الله ، تدل على أسمائه الحسنى ، تدل على صفاته الفضلى ، كل شيء بين يديك يدلك على الله ، فالذي يعمى عن الآيات التي لا تعد ولا تحصَى ، ويطالب النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو بشر ، يطالبه بخرق هذه النواميس والعادات هو لا يبحث عن الحقيقة ، بل يتسلى بها ، ويحاول أن يستفز ، وأن يأتي بشيء يحرج النبي عليه الصلاة والسلام . ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾
مع أن الدعوة جاءتهم ، ومع أن القرآن بين أيديهم ، ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام بكل منطقه ، وكماله ، ودعوته ، وفصاحته ، وبيانه ، وشمائله بين أيديهم ، لم ينتفعوا به ، كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
المقولة الدقيقة أيها الأخوة أن العبرة في الجامعة لا أن ينجح كل الطلاب ، العبرة في الجامعة أن تأتي النتائج مطابقة للمقدمات ، فحينما لا ينجح طالب لم يدرس فهذا وسام شرف للجامعة ، وحينما ينجح المتفوق فهذا وسام شرف آخر ، فالله عز وجل خلق الإنسان ، ونصب له هذا الكون الذي يشفّ عن أسماء الله الحسنى ، وأنزل على أنبيائه الكتب ، وبعث المرسلين .
شيء آخر ، أفعال الله جل جلاله تنطق بوجوده وبكماله ، فبين آياته الكونية ، إلى آياته التكوينية ، إلى آياته القرآنية ، إلى رسله ، إلى أنبيائه ، إلى الدعاة ، إلى التربية النفسية. حينما يؤمن الإنسان يحقق مصالحه في الدنيا والآخرة :
قال الله عز وجل : ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾
( سورة الليل )
لا تجد وسيلة من وسائل الهدى إلا وسخرها الله للإنسان ، فإذا تعامى الإنسان عن كل هذه الآيات ، وطالب النبي أن تكون الصفا ذهباً صرفاً ، أو طالب النبي كما قال أنْ يرقى إلى السماء ، أو طالب النبي عليه الصلاة والسلام أن تفجر الأرض له ينابيع ، هذا الطلب لو أنه حصل ولم يؤمنوا لاستحقوا الهلاك الفوري ، وهذا من سنن الله عز وجل ، إذا طولب الأنبياء بمعجزة ، والأنبياء توسلوا إلى الله أن تكون هذه المعجزة ونزلت ، ولم يؤمنوا استحقوا الهلاك ، فلذلك الله عز وجل بلغ النبي e ، هذه المعجزات سهلة ، لكن لو أنها نزلت ولم يؤمن قومك لاستحقوا الهلاك ، فالنبي عليه الصلاة والسلام خاف على أمته ، ولم يقبل أن تأتي المعجزات فتكون سبب هلاك قومه ، ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
الحديث القدسي الصحيح : (( يا عِبادي ، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا على أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ منْ مُلْكِي شَيْئاً ؛ يا عِبادي ، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُـِمْ كانُوا على أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَزِدْ ذلكَ في مُلْكي شَيْئاً ؛ يا عِبادِي ، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ ، فَسألُونِي ، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام ، وأدق ما في الحديث : (( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
اجعل هذه الفقرة الأخيرة شعاراً لك : ((وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ))
لا تعتب على الظروف ، ولا تعتب على أحد ، ولا تعتب على ما في الأرض من طواغيت ، اعتب على نفسك بحيث أنك إذا سرت إلى الله كان كل شيء في خدمتك ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
أنت حينما تؤمن تحقق مصالحك في الدنيا والآخرة ، أنت حينما تؤمن تحقق السعادة التي خلقت من أجلها ، القضية واضحة . العاقل لا يندم أبداً :
أيها الأخوة : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (46)﴾
( سورة فصلت الآية : 46 )
أنت تعيش حياة محدودة ، إن أمضيتها في طاعة الله استحق الإنسان جنة الله عز وجل ، استحق الأبد ، وإن استمتع في سنوات محدودة ثم جاءه الموت وهو على معصية ، أو على كفر ، أو على شرك ، أو على جريمة يقترفها بحق البشرية دخل النار إلى أبد الآبدين .
أيها الأخوة الكرام ، من شأن العاقل أنه لا يندم أبداً ، والذي يندم ليس عاقلاً ، فلذلك قالوا : " ما كل ذكي بعاقل " ، فقد تحمل أعلى شهادة ، وقد تتفوق بذكاء لمّاح ، ولكن الإنسان الذي لم يعرف الله ، وما عرف سر وجوده ولا غاية وجوده ، لا يعد عاقلاً ، قد يكون ذكياً ، ولكن لا يعد عاقلاً ، المجنون من عصا الله ، المجنون من غفل عن أخطر لحظة في حياته ، إنها مفارقة الدنيا ، وهذه النقلة المخيفة من كل شيء إلى لا شيء فيما يبدو ، ولا إلى لا شيء ، إلى كل شيء سلبي ، من كل شيء إلى لا شيء فيما يبدو ، من بيت قد يكون ثمنه مئة مليون إلى قبر ، من ثروة طائلة إلى قبر ، من مكانة اجتماعية إلى قبر ، من تمتع بكل أنواع الشهوات إلى قبر ، لذلك أعقل عقلاء الأرض هو الذي يعُدّ لهذه الساعة التي لا بد منها.
أقول : لكن أيها الأخوة ، والله ليس على وجه الأرض في الستة آلاف مليون إنسان رجل أغبى ولا أحمق ممن لا يدخل الله في حساباته ، هذا الذي يؤذي عباد الله ، يسفك الدماء ، ينهب الأموال ، يعتدي على الأعراض ، يكذب ، يدجل ، هذا في نظر أهل الحق أغبى أغبياء الأرض ، ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
هم في طغيان ، والطغيان مجاوزة الحق ، وحينما يتصل الإنسان بالله عز وجل فله مقياس ، معه مقياس دقيق لا يستطيع أن يتجاوز حده ولا في قتل نملة ، ولا في ابتسامة ساخرة . الموت عرس المؤمن :
السيدة عائشة قالت عن أختها قصيرة ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا ، تَعْنِي قَصِيرَةً ، فَقَالَ : لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ))
[ الترمذي وأبو داود عن عائشة]
لو حاسبنا أنفسنا في سهرة ، في جلسة ، ما الذي تقوله ؟ لو حاسبنا أنفسنا في جوارحنا ، لو حاسبنا أنفسنا في منطقنا ، لو حاسبنا أنفسنا في علاقاتنا ، لو حاسبنا أنفسنا في كسب أموالنا ، لو حاسبنا أنفسنا في إنفاق أموالنا ، لو حاسبنا أنفسنا في غفلتنا عن هذا اليوم ، هذا اليوم أيها الأخوة يأتي على من غفل عنه كالصاعقة ، وهذا اليوم يأتي على من استعد له كيوم عرسه ، الموت عرس المؤمن ، الموت تحفة المؤمن .
مرة ضربت مثلاً ، المثل هكذا : إنسان فقير جداً ، لكن يتمتع بذكاء من أعلى مستوى ، عُرض عليه عرضٌ : إذا جاء بأعلى شهادة في اختصاص معين ، ولتكن الدكتوراه، سيكون في أعلى منصب في بلده ، ولوازم أعلى منصب أن يكون له بيت فخم جداً ، مركبة فارهة ، يتزوج أجمل امرأة بحسب مقاييس العصر ، ذهب إلى بلد غربي وهو فقير ، لا يملك من الدنيا شيئاً ، عمل حارساً ، عمل موظفاً في مطعم يغسل الصحون ويدرس ، أمضى ثماني سنوات من أصعب ما أمضى في حياته ، دراسة ، ودواماً ، وتحضيراً ، وإتقان لغة ، وكتابة موضوعات ، وحضور محاضرات ، وحراسة في الليل ، وعملاً شاقاً بالمطعم ، إلى أن انتهت الأعوام الثمانية ، وقد نال الشهادة ، وصدّقها ، وقطع تذكرة العودة ، وتوجه إلى المطار ، ووصل إلى الطائرة ، ووضع رجله على سلم الطائرة ، أليست هذه اللحظة أسعد أيام حياته ؟ هكذا الموت للمؤمن .
كل الدنيا تعب ، ونصب ، وصبر ، وعبادات ، ودعوة ، وصراع بين الحق والباطل ، وأعداء للدين ، والزوجة ، مسؤولية ، ومشكلات ، والأولاد يحتاجون إلى تربية ، وكسب المال صعب ، والإنفاق أصعب ، ومشكلات لا تعد ولا تحصَى ، نتابع حياتنا ، ساعة تقلق من أنفلونزا الطيور ، ساعة تقلق من تهديدات الأجانب ، ساعة تقلق من ارتفاع الدولار ، ساعة تقلق من أمراض لا تعد ولا تحصَى ، هكذا الحياة .
هذه الحياة دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، لقد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي . السعادة الحقيقية أن تكون بمقياس القرآن فالحاً وناجحاً وموفقاً ومتفوقاً :
أخواننا الكرام ، المؤمن متوازن ، المؤمن يعاني في الدنيا ما يعاني ، وقد تكون معاناته أشد ، لأن الجاهل كما قيل : ذو العاقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
***
أنا أضرب مثلاً بطالب يشكو لقريبه صعوبة المدرسة ، وشدة المعلم ، وكثرة الوظائف ، وأبوه قاسٍ جداً ، وأبوه يطمح أن يكون الأول على زملائه ، والمعلم لا يرحم ، والكتب صعبة جداً ، وكلِّف بأعمال في البيت ، يشكو لصديق أو لقريبه متاعب لا تنتهِي ، هذا الشاب مرشح أن يكون في أعلى مكانة في المجتمع ، وله أب كبير ، وعالم ، وتربوي ، يهيئ له مستقبلاً مشرقاً ، لكن الطريق صعب والدراسة صعبة ، فشكا لقريب له لا يقرأ ولا يكتب ، أُمي ، يستيقظ الظهر ، يمضي الوقت في اللعب ، في لعب النرد ، يسهر إلى ساعة متأخرة ، لا يصلي ، ولا يصوم ، ومن أولاد الأزقة ، قال له : أنا ما عندي مشكلة ، فعلاً ما عنده مشكلة ، هو نفسه مشكلة .
أنت عندما تمشي في طريق الإيمان عندك متاعب كبيرة جداً ، لكن هذه متاعب مقدسة ، متاعب تزكية النفس ، متاعب معرفة الحق ، متاعب الالتزام بالشرع ، متاعب السعي للآخرة ، متاعب أن يكون إيمانك قوياً ، متاعب أن تزكو نفسك ، لا تحقد ، لا تتكبر ، تزكية النفس أعظم عمل في الأرض ، الدليل ثلاث آيات ، أو أربع آيات في القرآن كله : ﴿ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾
( سورة الأعلى )
هذا الفلاح ، فأنت لما تكون بمقياس القرآن فالحاً وناجحاً وموفقاً ومتفوقاً ، هذه السعادة الحقيقية .
لذلك أيها الأخوة ، أهل الأرض لهم مقاييس ، والله عز وجل في قرآنه مقاييس ، بطولتك أن تكون ناجحاً لا في مقاييس أهل الأرض بل في مقاييس القرآن الكريم ، مقاييس أهل الأرض المال يرفع صاحبه إلى أعلى عليين عند أهل الدنيا ، الغني محترم جداً ، قد يكون مرتكباً لكل المعاصي والآثام ، لكنه محترم ، والناس يهابونه ، والقوي محترم جداً ، لكن عند الله المستقيم هو الذي يرقى عند الله ، المستقيم الصادق ، المخلص ، العابد ، الطائع ، فأنت انظر ، أنت متفوق على مقاييس من ؟ طبعاً إذا كان المقياس هو المال فالأولون في هذا المقياس تجار المخدرات ، لأنها أربح تجارة في الأرض ، من مكان زراعة المخدرات لمكان بيعها تقريباً ألفي ضعف ، من مكان الزراعة إلى مكان البيع . المؤمن هدفه واضح جداً أن ينجو من عذاب النار وأن يتعرف إلى الله :
أيها الأخوة ، قضايا العقيدة تحتاج إلى تأمل ، الإنسان لا يمشي هكذا بلا تبصر ، قال الله عز وجل :﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)﴾
( سورة التكوير )
إلى أين أنت سائر ؟ من هو الشقي ؟ الذي يعيش من دون هدف واضح ، مرةً تلو المرة أؤكد هذه الحقيقة ، ثلاثة في المئة من بني البشر لهم أهداف واضحة ، وبقية الناس يعيشون هكذا على هامش الحياة ، أما المؤمن فهدفه واضح جداً ، هدفه أن ينجو من عذاب النار أولاً ، هدفه أن يتعرف إلى الله ، هدفه أن تأتي حركته مطابقة لمنهج الله ، هذا كله أيها الأخوة حول هؤلاء الشاردين الذين يستفزون الأنبياء ، يطلبون المعجزات وهو مقيمون على شهواتهم وانحرافاتهم ونزواتهم ، ومهما بحثوا وقلبوا القرآن فليس في صالحهم ، ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
الآن :﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)﴾
لو رأى الناس الملائكة في أعينهم ،
﴿ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى ﴾
استيقظ ميت من قبره وقال عما رآه بعد الموت ، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
هذه المشيئة ليست مشيئة جبر لكنها مشيئة قانون ، فإنه من الممكن أنْ تطبع بطاقة ، وتكتب : " الطبيب فلان " ، وتحمل بورد ، ممكن أنْ تستأجر بيتاً ، وتجعله عيادة ، لكن لا تستطيع أن تنال الشهادة إلا إذا دخلت إلى الجامعة ، قد تفعل تزويراً كل شيء ، وأمامك محاسبة شديدة جداً ، أما أن تكون طبيباً حقاً فلا بد من أن تنتسب إلى كلية الطب . الطريق الذي رسمه الله للهداية :
الله رسم للهدى طريقاً ، ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
إلا إذا سلكوا الطريق الذي رسمه الله للهداية ، لا يمكن أن يسمح لك أن تعالج المرضى ، وأن تأخذ منهم أتعابك إلا إذا كنت تحمل شهادة جامعية من كلية الطب ، هذا هو الطريق الوحيد ، أما أن تكون لك أفكار في الطب ، تطالع مجلات طبيبة ، أن ترتدي ثوباً أبيض ، أن تضع النظارات على عينيك ، أن تقتني جهاز فحص للضغط ، هذا كله لا يقدم ولا يؤخر ، ما لم تلتحق بكلية الطب فلا يمكن أن تكون طبيباً ، هذا للتقريب فقط .
الله رسم للهدى طريقاً ، فما لم تسلك هذا الطريق فلا يمكن أن تهتدي ، أمرك أن تتفكر في خلق السماوات والأرض ، أمرك أن تقرأ القرآن ، أمرك أن تتبع سنة النبي العدنان، أمرك أن تكون مع المؤمنين . ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
( سورة التوبة )
ثمة أوامر كثيرة إن طبقتها كنت مؤمناًً ونجوت ، أما إن لم تطبقها فلا تنجو ، لذلك الإسلام فيه مظاهر كثيرة جداً ، لو طبق الإنسان هذه المظاهر لا ينجو من عذاب الله ، فلا بد من أن تسلك الطريق التي رسمها الله للهداية ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
( سورة آل عمران )
معرفة الطريق إلى الله جزء أساسي من الدين :
أيها الأخوة ، ﴿ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
الله عز وجل شاءت مشيئته أن يهتدي إليه الصادق ، التواب ، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾
يجهلون الطريق المفضي إلى الله عز وجل ، مع أنّ معرفة الطريق إلى الله جزء أساسي من الدين ، ثم يقول الله عز وجل : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)﴾
أيها الأخوة ، هذه الآية لها شرح طويل ، ولكن وطنوا أنفسكم أن هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، في أي عصر ، في أي مصر ، هناك أعداء للحق ، وهناك مؤيدون للحق ، ومرة يتغلب أهل الحق ، ومرة يتغلب أهل الباطل ، ونحن في أسوأ اختبار ، نحن في وقت تغلب أهل الباطل على أهل الحق ، لذلك لهم الكلمة الأولى ، وهم يديرون حرباً لا هوادة فيها بين الحق والباطل ، لذلك وطِّن نفسك في شيء طبيعي أراده الله عز وجل ، بطولتك أن تكون جندياً من جنود الحق ، من لم يجاهد ، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد مات على شعبة من النفاق ، أقلّ أنواع الجهاد جهاد النفس والهوى ، وبعض أنواع الجهاد أن تُعلِّم القرآن ، وأن تدعو إلى الله عز وجل ، وبعض أنواع الجهاد أن تنمي خبراتك ، أن تقدم لأمتك كل خير ، أن تقويها ، أن تخفف من همومها .
القرآن الكريم يثبت للكفار أن من مكرهم ما يزيل الجبال :
إذاً أيها الأخوة ، قضية ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾
النبي كامل كمالاً مطلقاً ، النبي معصوم ، عنده منطق ، وأدب ، ورحمة ، ومع ذلك له أعداء ، قال له رجل : يا محمد ، والله ما كان على وجه الأرض رجل أبغض إلي منك .
أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام قال له : تباً لك ، ألهذا دعوتنا ؟ هذه قضية الحق والباطل ، قد تقول أنت : هذا داعية له أخطاء ، لكن ما بال الأنبياء لهم أعداء ؟
مما يروى حادثة فيها مغزى فقط : سيدنا موسى قال في المناجاة : يا رب ، لا تُبقِ لي عدواً ، فقال الله : يا موسى ، هذه ليست لي ، أليس هناك أعداء لله عز وجل ؟
إذاً : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾
وشيطان الإنس مقدّم على شيطان الجن ، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾
إذاً القرآن الكريم يثبت للكفار أن من مكرهم ما يزيل الجبال :﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
( سورة إبراهيم )
حدثني أخ قال لي : كل خبر تسمعه لا تحتمله ، قتل أبرياء ، قتل مصلين بمسجد، قتل أناس يحتفلون بعرس ، ثمانون قتيلاً ومئتا جريح ، قال لي : اعلم علم اليقين أن هذا من فعل اليهود ، هناك في العراق شيء لا يحتمل ، العمل الذي تخرج من جلدك منه ، ولا ترضَى به ، من يرضى أن يقتل إنساناً في مسجد ؟ من يرضى أن يقتل إنساناً بريئاً في عرس في فندق ، في أنفاق ، من يرضى ؟ من يرضى أن يقتل بريئاً ويلصق هذا بالمسلمين حتى أصبحوا مجرمين ، قتلة ، جهلة ، متخلفين ؟!!
أيها الأخوة ، الفتن الآن كثيرة :(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً ، وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً ، وَيُصْبِحُ كَافِراً ، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنهما ]
أكثر ما تسمعون أن هذه السيارة مفخّخة ، لا يكون للسائق أي علاقة ، كلِّف أن يصل إلى هذا المكان ، وضعت فيها عبوة ناسفة ، ووراءه من يوقت تفجيرها ، أنت ماذا ترى؟ ترى سيارة انفجرت ، وقتلت ثلاثين شخصاً ، وقد يكون راكب السيارة لا علاقة له بالموضوع إطلاقاً ، وهو بريء ، ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
الدين الإسلامي كلما حاربته ازداد قوة :
قال تعالى :﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾
( سورة إبراهيم )
المسلم يستحيل أن يقتل إنساناً لا علاقة له بالموضوع ، مستحيل أن يقترف جريمة من هذه الجرائم ، لكن الآن كل أنواع الجرائم ألصقت بالمسلمين ، ومع ذلك الدين الأول في النمو هو الدين الإسلامي ، هذا الدين كلما حاربته ازداد قوة .
أقول دائماً : قبل خمسين سنة كان هناك أبيض وأسود ، وهناك مساحة كبيرة جداً رمادية اللون ، الآن المساحة الرمادية اختفت ، الآن هناك أبيض ناصع ، وأسود داكن ، هناك وليٌّ وإباحي ، فتاة مؤمنة طاهرة ملتزمة محجبة همها رضاء الله عز وجل ، وفتاة شبه عارية في الطريق تثير شهوات الشباب ، هذا الوضع الآن . الآن :﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾
( سورة الكهف )
الكهف الآن هو المسجد ، الكهف الآن بيتك والمسجد ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾
قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيراً ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (( بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحّاً مُطَاعاً ، وَهَوًى مُتَّبَعاً ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّاماً الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً ، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ]
الزمْ أقرباءك ، أصدقاءك ، جيرانك ، أحبابك ، من تثق به ، ودع عنك أمر العامة الفتن كثيرة ، كل شيء ملغم ، كل شيء فيه كذب ، وفيه تزوير ، فلذلك أيها الأخوة : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)﴾
( سورة الأنعام )

العفريني
09-24-2011, 04:21 PM
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)﴾
أيها الأخوة الكرام ، هناك سؤال كبير يراود بعض المؤمنين : لماذا سمح الله للطرف الآخر أن يتهجموا على الدين ، وأن ينالوا منه ، بل وأن يتطاولوا على نبي المسلمين، بل على كلام رب العالمين ؟ أليس الأمر بيد الله ؟ فلماذا يسمح الله لأعداء الحق أن ينالوا من أهل الحق ؟
الإجابة عن هذا السؤال الكبير في هذه الآية ، يبدو أن لله حكمة بالغةً بالغة في أن يكون هناك صراع بين الحق والباطل ، هذا من سنة الله في خلقه ، وإذا أردنا أن نستشف الحكمة يبدو أن الحق لا يبدو إلا بالتحديات ، وأن أهل الحق لا يتحركون إلا إذا واجهوا التحديات ، وأن الدور الذي يقوم به أهل الباطل دور إيجابي للحق من دون أن يشعروا ، ومن دون أن يريدوا .
المعركة بين الحق والباطل أرادها الله عز وجل :
أحياناً يكون للطالب قريب ينافسه ، لا شيء يدفع هذا الطالب إلى متابعة الدراسة وإلى التفوق من هذا الذي ينافسه ، ويتمنى أن يكون من المخفقين في دارسته ، إذاً الحكمة البالغة أن الله أراد أن تكون معركة الحق والباطل أزلية أبدية ، هذا قدرنا ، وهذا اختيار الله لنا ، ونحن لا نقوى إلا بالتحدي ، لا نقوى إلا بالمعارضة ، لا نقوى إلا بمن يقلل من قيمة ما تحمل من حق ، الطرف الآخر همه الأول أن يقلل من قيمة الحق ، وأن يجعله عملاً يومياً ، قد يعزى الحق إلى عادات وتقاليد وفلكلور وموروثات ثقافية ورثناها عن الآباء والأجداد .
الحقيقة أن المعركة بين الحق والباطل أرادها الله عز وجل . بشكل بديهي ، أليس بالإمكان أن يخلق الله أهل الباطل في قارة ، وأن يخلق أهل الحق في قارة ؟ لا صدامات ، ولا مماحكات ، ولا تراشق تهم ، كل أناس لهم قارة ، لكن أراد الله عز وجل أن يكون الحق والباطل في مكان واحد ، وفي مدينة واحدة ، وفي حي واحد ، بل وفي أسرة واحدة .
يبدو أن هذه المفارقة بين الحق والباطل تقوي الحق وتصونه عن أن يخطئ ، لو أنك في عمل ، ولك منافس قوي ، هذا المنافس يتصيد أعمالك ، فلوجود هذا المنافس ، لوجود هذا العدو ، لوجود هذا الذي يتربص بك أنت حريص على ضبط أمورك ، قد لا يكون الحرص على هذا الضبط إلا بوجود هذا المنافس ، لذلك ينبغي أن تستسلم لحكمة الله ، أراد الله أن يكون ثمة حق وباطل ، وخير وشر ، ومنصف وجاحد ، ومحسن ومسيء ، وصادق وكاذب ، هذه يمكن أن نسميها الاثنينية ، وفي الحياة يوجد اثنينية ، إنسان صادق لا يكذب وإنسان كاذب لا يصدق ، إنسان رجل مبدأ يضحي بالدنيا من أجل مبدأه وإنسان رجل مصلحة يضحي بكل مبادئه من أجل مصلحته ، إنسان رجل شهواني وإنسان رجل رحماني ، الشهواني يرى أن اقتناص الشهوة مغنماً كبيراً لا يفوته ، والرحماني يرى أن معصية الله هي الطامة الكبرى ولا يسمح أن تقع نفسه في ثنياتها .
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ ﴾
قد تقول : المؤمن يخطئ ويصيب ، لكن هذا النبي المعصوم عصمه الله من أن يخطئ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، النبي إنسان قمة في الكمال ، قمة في الإحسان ، قمة في الوضوح ، قمة في الرحمة ، قمة في العدل ، قمة في الإنصاف ، ومع ذلك هذا الإنسان الكامل الذي وصل إلى قمة الكمال البشري له عدو من شياطين الإنس والجن . هناك تناقض كبير بين الحق والباطل فهما لا يجتمعان :
إذاً في الأصل إن كنت ـ لا سمح الله ولا قدر ـ مع الباطل فأنت عدو للحق وأهله ، شئت أم أبيت ، إن كان الإنسان مع أهل الباطل ، أو إن كان الإنسان مبطلاً ، أو يؤمن بشيء غير صحيح ، يؤمن بالشهوة لا بالمبدأ ، يؤمن بالمصلحة لا بالقيمة ، يؤمن بالدنيا لا بالآخرة ، يؤمن بأن الحياة هكذا والقوي هو المتمتع بالحياة ، وأن الحق مع القوي ، وأن القوي تخضع له الرقاب ، وقوله حق ، وعدوانه حق ، وسلمه حق ، إن كان الإنسان مبطلاً يؤمن بالباطل فهو عدو للحق ، والذي مع الحق لا يقبل أهل الباطل ، لأن هناك تناقضاً كبيراً بين الحق وبين الباطل ، فهما لا يجتمعان ، تماماً لو قلت : ظلام ونور ، لا يجتمعان ، هذان شيئان متناقضان ، وجود أحدهما ينقض الآخر ، لذلك نبي كريم وهو في قمة كمال البشرية ، ومع ذلك لا بد له من أعداء ، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾
هناك قضية ولاء وبراء ، فالمؤمن يوالي المؤمنين ، يوالي منهج السماء ، يوالي الأنبياء والمرسلين ، يوالي قيم الحق ، يوالي قيم الخير ، يوالي السلام ، لا يحب العدوان ، أهل الباطل قد تجمع نخبتهم كبار مفكريهم ، ويسألون : أيهما خير لنا الحرب أم السلم ؟ يأتي الجواب : الحرب ، لذلك تبني دولة غنية كل خططها على الحرب ، فبالحرب تروج بضاعتهم ، وتروج أسلحتهم ، ويكون بيع الأسلحة بعقود إذعان لا بعقود مراضاة للتراضي ، فحينما تبني أمة مجدها على إيقاع الآلام بالشعوب ونهب ثرواتها ، فهذه أمة باطلة ، من يقف معها ؟ أهل الباطل ، الذين يؤثرون مصالحهم على مبادئهم .
لذلك أيها الأخوة ، لا تقلقوا ، هي معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، لكن لحكمة أرادها الله عز وجل في زمن من الأزمان يقوى أهل الحق وتكون الكلمة العليا لهم ، وفي زمن آخر يقوى أهل الباطل وتكون الكلمة العليا لهم ، وهذا مصداق قوله تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140)﴾
( سورة آل عمران الآية : 140 )
الله عز وجل فطر الإنسان على معرفة الحق وحبّه :
قد تمر البشرية بوقت الكلمة الأولى والعليا لأهل الكفر والشرك والعدوان ، وقد تمر البشرية بأزمان تكون الكلمة العليا لأهل الحق وأهل الأديان .
لذلك حينما ترى أن هذه سنة من سنن الله عز وجل هذا يخفف عليك طرح أسئلة لا تنتهِي ، أين الله ؟ الله عز وجل من امتحاناته الصعبة أنه يقوي الكافر ، ويقويه ، ويقويه إلى أن تتوهم أنه يفعل ما يريد ، ولا أحد بإمكانه أن يردعه عن خططه ، بل إن ضعاف الإيمان ينطقون بهذا ، الذي تريده الدولة الفلانية لا بد من أن يقع ، وكأن هذه الدولة جُعلت إلهاً يعبد من دون الله ، فإلى أن يقول ضعاف الإيمان : أين الله ؟ تأتي آية الله الباهرة ، عندها يقول كبار الكفار : لا إله إلا الله ، الله عز وجل كبير ، وله امتحانات صعبة ، وأقول لكم ونحن في هذا الوقت : نمر بأصعب الامتحانات الصعبة التي شاءها الله للمسلمين ، كل قوى الشر تحارب المسلمين ، تسفه دينهم ، تتهمهم بالقتل ، بالتخلف ، بالإرهاب ، بالعدوان ، بالجهل ، بالفقر ، بالفوضى ، يصنعون الفوضى لنا ، ونتهم بها ، يصنعون التفجيرات من الداخل ، ويتهمون هذا الدين العظيم ، لذلك هذه الآية : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾
طبعاً الإنس والجن زمرتان من مخلوقات الله مخيرة ، معنى مخيرة أي مكلفة ، أودعت فيها الشهوات ، وضع لها منهج وأمرت أن تسلك هذا المنهج ، لذلك : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31)فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)﴾
( سورة الرحمن )
﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾
كلمة يوحي تعني الإعلام بخفاء ، ﴿ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾
تعني عناصر الإنس فيما بينها ، أو عناصر الجن فيما بينها ، أو فيما بين الإنس والجن ، ويوحي فيه إعلام بخفاء ، لماذا بخفاء ؟ لأن الباطل لا يمكن أن يعرض تحت ضوء الشمس ، لأن الباطل مرفوض بفطرة الإنسان ، يقبل سراً ، يقبل همساً ، يقبل في أمكنة مظلمة ، يقبل كمؤامرة ، يقبل كتخطيط ، أما أن تنادي بالباطل جهاراً نهاراً فلا تستطيع ، لأن الحق مركز في أصل النفوس ، والله عز وجل فطر الإنسان على معرفة الحق ، وعلى حب الحق :
﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7)﴾
( سورة الحجرات الآية : 7 )
كل القيم الباطلة تعرض عرضاً مزخرفاً :
أيها الأخوة ، ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾
الإيحاء إذاً إعلام بخفاء ، همساً ، فرادى ، في ضوء خافت ، تحت الأرض ، في أقبية ، هذا الباطل ، دائماً يرافقه مؤامرة الباطل ، لأنه شيء غير مقبول لا بالفطرة ، ولا بالمنطق ، ولا بالأخلاق ، ولا بالشعور الإنسان العام ، ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾
أي أن الباطل باطل ، لكن الباطل يزين بكلمات منمقة ، فإذا أردت أن تجعل المرأة بشكل فاضح ، أن تخلع معظم ثيابها، وأن تعرض كل مفاتنها في الطريق ، وأمام كل عين ، ماذا تقول ؟ تقول : تحرير المرأة ، تقول : هذه نصف المجتمع ، تقول : هذه من حقها أن تظهر ما عندها ، الشيء الذي ترغبه أنت شهوتك تعرضه عرضاً آخر ، كل القيم الباطلة تعرض عرضاً مزخرفاً ، وحينما تريد إلغاء آية قرآنية ، أو إلغاء حكم شرعي ثابت بالقرآن والسنة ، ومن عند خالق الكون ، ومن عند خالق الإنسان ، تقول : لا بد من تعديل قانون الأحوال الشخصية ، كي تتساوى المرأة بالرجل في الميراث ، مع أن خالق الكون ، وخالق الإنسان أعطاها حقها وزيادة ، نفقتها على زوجها ، ومهرها من زوجها ، وليس لها إلا أن تربي أولادها ، لذلك أعطاها نصف ما يعطي الرجل ، لأنها ليست مكلفة إطلاقاً بالإنفاق على البيت ، هذه تكفل ، لكن الذي يبرز أنها تأخذ نصف الرجل ، إذاً لا بد من المساواة بينه وبينها في الميراث ، مع أن هذه آية في القرآن الكريم والقرآن الكريم قطعي الثبوت .
على كلٍ ما من دعوة إلى الباطل إلا تغلف بغلاف مزخرف ، فالحرية كلمة رائعة لكن نقصد فيها أن نفعل ما نشتهي من دون قيد أو شرط ، لك أن تفتح محلاً تعرض فيه كل المحرمات ، لك أن تفتح ناديّاً ليليّاً ، هذا من الحرية ، وأن تجلب الراقصات ، وأن تجلب المومسات ، وأن تقول : هذه حرية للإنسان ، له أن يفعل هذا أو هذا ، لك أن تفتح كل هذه الأمراض الوبيلة كالإيدز ، ثم نصرخ : لماذا وصلنا إلى هذه النسبة العالية جداً في مرض الإيدز ؟
الغرور أن تتوهم شيئاً واقعه عكس ما توهمت :
الحقيقة أيها الأخوة ، نحن أمام كلام مزخرف لا يصمد أمام التحقيق الدقيق ، والواقع الذي يفصم الأمر فصماً كاملاً : ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾
معنى غرور : أحياناً يرى إنسان علبة ثمينة جداً على الرصيف ، فيتوهم أن فيها عقد ماسٍ ، فينحني ويأخذها ، ويحرص على اقتنائها ، ويسرع في المشي ، ثم يكتشف أن قمامة المحل التجاري وضعت في هذه العلبة ، كيف تكون الصدمة ؟ كنت تتوقع عقد ماسٍ ، فإذا بها قمامة محل تجاري ، هكذا الغرور ، أن تتوهم شيئاً واقعه عكس ما توهمت .
لذلك قد يغر الإنسان ببعض المبادئ الهدامة ، كالاختلاط ، يقول لك : حضارة ، المرأة نصف المجتمع ، تعليم مختلط ، علاقات مختلطة ، كل شيء مختلط ، الحقيقة هي دافع شهواني عميق جداً عند الرجال ، لكن يعرض عرضاً لطيفاً أنه بدافع تحرير المرأة ، وإخراجها من بوتقتها ، وإخراجها من عزلتنها ، هذا الذي يطرح في الأوساط الشعبية حول ما يسمى بتحرير المرأة ، مع أن الإسلام أعطاها كل حقوقها كاملة .
كلمة : ﴿ غُرُوراً ﴾
غروراً : إظهار ميزات غير صحيحة ، وإخفاء أخطار مخيفة ، أنت حينما تقنع الإنسان بشرب الخمر بأن الخمر تنسيك الهموم ، تجعلك في سعادة ، تجعلك في أحلام ممتعة ، وتخفي أن الخمر قد تصيبه بتشمع الكبد ، وقد تدمر حياته ، وقد تذهب عقله ، حينما تقنع إنساناً بالدخان ، من حيث النكهة ، وتغفل أمامه ما ينتظر المدخن من أورام خبيثة في الرئة ، وفي بعض أجهزته ، الغرور أن تظهر شيئاً ليس صحيحاً وأن تخفي خطراً حقيقياً ، هذا الغرور ، لذلك قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
( سورة فاطر )
أحياناً الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر ، ففي البدايات الإنسان يرى الدنيا كبيرة جداً ، يحلم بالمرأة ، يحلم ببيت له هندسة خاصة ، يحلم بدخل مرتفع ، يحلم بمركبة معينة ، يحلم بأولاد نجباء ، يعيش في الأحلام ، لكن بعد حين حينما تحدَّد حياته ، وتصبح محصورة في زوجة معينة ، وبيت معين ، وأولاد معينين يصدم ، لذلك الغرور أن تعطي الشيء حجماً أكبر من حجمه .
رسم الله عز وجل منهجاً في العلاقة بين الأنثى والذكر وهو الذي يعلم أسباب السلامة :
إذا قال طالب لطالب : لا تدرس ، سنقدم للأستاذ هدية قبل الامتحان بيومين فيعطينا الأسئلة ، هذا شيء مريح جداً ، ألغى الدراسة ، أمضى وقته في النوم ، وفي متابعة المسلسلات ، وفي الطريق مع أصحاب السوء ، وفي دور السينما ، فلما جاء الامتحان وطرقا باب المدرس كي يعطيهما الأسئلة صفعهما وطردهما ، الآن صحا .
الغرور أن تعيش في وهم ، أن تعيش في حلم ، أن تعيش في شيء غير صحيح ، الغرور تماماً كأن تكون لك دعوى عند قاض ، ويقول لك أحدهم : هذا القاضي يقبل الهدية ، قدم له هدية ويحكم لك ، فلما أردت أن تقدم له الهدية ردك أصعب رد ، وحكم عليك ، فصحوتَ ، فالبطولة أن تصحو قبل فوات الأوان .
﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾
لقد رسم الله عز وجل منهجاً في العلاقة بين الأنثى والذكر ، علاقة الزوجين ، فلما يغتر الإنسان بما يقال في الاختلاط ، وفي الانفتاح ، وفي الروح الرياضية بين الذكور والإناث ، وفي الصداقة البريئة ، هذه كلها أوهام ، حينما يكتشف أن امرأته قد خانته بحكم الاختلاط ، وبحكم التواصل بين الذكور والإناث ، وبحكم الانفتاح والحرية ، فعندئذٍ يندم يوم قبِل بهذه الأفكار ، لأن تشريع الله عز وجل من عند الخبير ، من عند الخالق . ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45)﴾
( سورة النجم )
وهو الذي يعلم أسباب السلامة ، وأسباب السعادة .
إذاً : كلمة : ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾
نحن نغتر بزخارف الباطل ، يعرضون علينا الباطل مزخرفاً ، كلمة حرية ، كلمة حقوق المرأة مثلاً ، كلمة الانفتاح ، كلمة العلمانية ، كلمة الموقف العلمي ، هذه كلمات براقة ولطيفة ، لكن يمرر من خلالها كل أفكار أهل الباطل ، تمرر فيها الإباحية أحياناً ، يمرر فيها الفن ، يكون الإنسان ساقطاً أخلاقياً ، لكن يضفون عليه اسماً آخر ، لذلك هناك أسماء الآن كلها غير صحيحة ، إذا أكل الإنسان مالاً حراماً يسمى عند الناس شاطراً ، والفتاة المتفلتة تفلتاً كلياً من أية قيمة أخلاقية تسمى متفتحة ، والإنسان المنافق الذي يرضي جميع الجهات ، ينافق لكل جهة حتى يصعب عليك أن تكتشف هويته يقال له : لبق مرن ، ومتجاوب مع كل الفئات ، لا هوية له ، المنافق هويته أنه ينافق لكل الجهات مجتمعة في وقت واحد .
البطولة أن تستوعب كلام الله وسنة رسوله لتكون قادراً على تقييم ما يطرحه أهل الباطل :
إذاً : ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾
أي أن الله عز وجل يريد أن يمتحننا ، وهذه الدنيا دار ابتلاء ، والله يسمح للطرف الآخر أن يوسوس ويزخرف ، لكن الطرف الآخر لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، وأوضح ما يؤكد هذه الحقيقة قول الله عز وجل : ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾
( سورة إبراهيم )
الإنسان مخيّر ، وأهل الباطل يوسوسون له ، ويقدِّمون له الباطل مزخرفاً ، وأهل الحق يلقون إليه الحق ناصعاً ، وأنت مخير ، فإما أن تستجيب لزخرفة أهل الباطل ، أو أن تستجيب لنداء أهل الحق ، ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾
فبهذه الطريقة يتحرك الإنسان ، لكن ما مِن إنسان يضل إنساناً هذا شيء مستحيل ، الله لا يسمح لإنسان أن يضل إنساناً ، لكن يسمح لإنسان أن يزخرف الباطل ، فالذي عنده استعداد للباطل يستجيب لهذه الدعوة المزخرفة البراقة ، لذلك البطولة أن تستوعب كلام الله ، وأن تستوعب سنة رسول الله e ، حتى يكون الوحيان الكتاب والسنة مرجعين لك في تقييم ما يطرحه أهل الباطل . مواقف من كيد أعداء الإسلام للإسلام :
الحقيقة أيها الأخوة ، الآن نحن أمام مطروحات ضلالية لا تنتهِي ، وهناك هجمة ـ واللهِ ـ على الإسلام لا يصدقها العقل ، فيما مضى تناولت السنة الآن وصلت إلى القرآن ، وصلت إلى الوحي ، وصلت إلى نبي الإسلام ، فيها تهجم كبير جداً ، هم يلقون هذه الوساوس مزخرفة ، وفيها غرور كبير ، وأخطار الباطل الحقيقية معتم عليها ، وثمة أشياء تبرز أمامنا براقة لتستجيب لها النفس ، هذا من كيد أعداء الإسلام للإسلام .
مثلاً : إذا ألّفت قصة لعمل فني ، البطل الإيجابي تسقط عليه كل القيم الأخلاقية ، من نجدة ، من مروءة ، من شهامة ، لكنه يشرب الخمر ، لكنه يجلس مع نساء حاسرات الرؤوس ، وبقية أعضائهن مكشوفة ، هذا الإنسان البطل ما عنده قيود ، ما عنده شيء اسمه حرام ، لكن من جهة أخرى تسقط عليه بعض القيم الأخلاقية ، فالصغير يتعلق به ، الفتاة تتعلق بامرأة متفلتة تماماً ، لكنها سيدة أنيقة ، وسيدة لها مكانة اجتماعية ، هذا أسلوب من أجل تحطيم الحق ، وهذا نوع من الكيل .
الحقيقة قضية أن تهاجم الإسلام مباشرة هذه قضية انتهت ، لأن أعداء الإسلام أيقنوا أنه لا سبيل إلى مواجهة مع الإسلام ، لكنهم أيقنوا أنهم يمكن أن يفجر هذا الدين من داخله ، تصطنع نماذج غير مقبولة ، فتقوم بعمل تخرج من جلدك منه وينسب إلى المسلمين ، هذا أكبر تحطيم للحق ، أن تصطنع عملاً لا يرضَى عنه إنسان في الدنيا ، وينسب إلى المسلمين ، فكلما كان في المجتمع موالياً للمسلمين يصنعون فيه عملاً ، فيقتل البريئون قتلاً عنيفاً بلا سبب ، ويُقتل مواطن مسلم بلا سبب ، وينسب هذا إلى المسلمين ، وهذا كيد كبير الآن للمسلمين ، وهذا الكيد لا يتخذ صورة كلام بل هو أفعال لا يحتملها إنسان ، تنسب إلى المسلمين ، حتى يسبّب هذا العمل نقمة عارمة على المسلمين في كل أنحاء العالم ، قال الله عز وجل : ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
( سورة إبراهيم )
إله عظيم يصف مكر أعداء الحق بأن مكرهم تزول منه الجبال . ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾
( سورة إبراهيم )
حينما يواجه الدعوة الإسلامية تحدٍّ فهذا التحدي ينشط الدعوة إلى الله :
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾
قال : إذاً لا يقع شيء في الكون إلا بإرادة الله ، ولا يقع شيء في الكون إلا أن يسمح الله به ، أن يقع بالكون شيء يتناقض مع إرادة الله هذا غير مقبول إطلاقاً ، لا يليق بألوهية الله أن يقع بملكه ما لا يريد إذاً : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
حينما يطلع علينا مؤلف يكتب عن قراءات معاصرة ، ويصف القرآن أنه يبيح السلوك الإباحي ، وهذا كتاب طبع عشر طبعات ، ووجد رواجاً كبيراً في أوساط المثقفين ، لأن المثقف لما يعصي الله يختل توازنه ، فأعاد له الكتاب التوازن ، يمكن وهو في أعلى درجات المعصية والإباحية أن يكون مطبقاً لبعض الآيات ، فلذلك : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
كل كتاب يتهجم على الأديان وعلى دين الإسلام بالذات ، هذا الكتاب سمح الله به ، لأنه يحدث حركة في البلد ، الآن انظر عندما يظهر ، ويتكلم كلاماً غير صحيح ، تقوم الدنيا ولا تقعد ، يتجدد نشاط الدعاة ، يتناولون هذا الكتاب بالنقد الدقيق ، أنت لا تعلم ما الذي يجري ، الذي يجري حينما يواجه الدعوة الإسلامية تحدٍّ فهذا التحدي ينشط الدعوة إلى الله ، ينشط الدعاة ، يشحن الدعاة بشحنة إضافية ، فلا تقلق ، في النهاية النصر لهذا الدين العظيم .
أيها الأخوة الكرام ، الذي يحصل بعد هذه الآية أن ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾
ليغتر الناس ، فيخفون الأخطار الحقيقة ، ويظهرون المرغبات الواهية التي تغرر بالنفس . الذي يحصل : ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)﴾
( سورة الأنعام )
كل علاقاتك مع من حولك أساسها إدراك ثم انفعال ثم سلوك :
إذاً هذا امتحان ، والإنسان المؤمن تصور الجنة وما فيها من نعيم مقيم ، وتصور النار وما فيها من عذاب لا يحتمل ، لذلك يوازن بين هذه المتعة الطارئة ، ألا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ، فيرفض هذا ، وأيّ إنسان يؤمن بالآخرة يرفض هذه الدعوة المزخرفة التي تغر الإنسان ، والتي تخفي أخطار المعصية ، وتبرز متعتها فقط ، والحقيقية الواقعية المعاصي فيها متعة ، والمعاصي محببة للإنسان ، فأهل الباطل يبرزون المتعة فقط ويخفون العواقب ، المتعة تزول وتبقى العواقب ، وجهد الطاعة ينقضي ، ويبقى بعد جهد الطاعة الثواب والجنة ، لذلك هذه الزخارف من القول ، وهذا التغرير بالناس ، وهذا الباطل المزين ، من يصغي إليه ؟ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾
الذين همهم الدنيا فقط ، ما دام همه الدنيا ، فهو يعيش للمتعة ، وهذه دعوة إلى المتعة ، دعوة إلى المتعة بشكل مكثف ، فلذلك حينما تعرض الأمور هكذا ، حينما يعرض الباطل ، حينما تعرض المعصية ، حينما تعرض الشهوة ، حينما تعرض المتعة عرضاً مزخرفاً فيه تعتيم على أخطارها المستقبلية ، وفيه إبراز المتعة الآنية ، حينما تعرض هذه المتع بهذه الطريقة لا يستجيب لها إلا من لا يؤمن بالآخرة ، وفي الآية إشارة دقيقة جداً إلى علاقة الإنسان بالمحيط ، وهذه العلاقة بالمحيط مبنية على قانون : إدراك ، انفعال ، سلوك .
أنت تمشي في بستان ، وجدت أفعى ، إذا أدركت أنها أفعى تتحرك ، تضطرب ، فالإدراك أولاً ، والاضطراب ثانياً ، والسلوك ثالثاً ، فإما أن تقتلها ، وإما أن تهرب منها .
إذاً : كل علاقاتك مع من حولك أساسها هذا القانون ، إدراك ، انفعال ، سلوك ، الآن إذا كان هناك إدراك ، ولم يكن هناك انفعال ، فالإدراك غير صحيح .
قال لك شخص ما : على كتفك عقرب ، فبقيت هادئاً تماماً ، والتفت إليه ، وابتسمت ، وشكرته على هذه الملاحظة ، معنى ذلك أنك لم تدرك ماذا قال لك ، لأن من علامة صحة الإدراك الانفعال ، ومن علامة الانفعال أن تقفز ، وأن تخلع معطفك الذي على كتفك ، إذاً هذا قانون ، إدراك ، انفعال ، سلوك ، الله عز وجل قال : ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾
هذا الإدراك ، ثم قال : ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾
هذه استجابة نفسية ، انفعال ، الثالثة : ﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾
المؤمن وقاف عند كتاب الله :
إذاً حكمة ربنا من هذا الباطل المزخرف المزين هو ليفرز من يدعي أنه مؤمن ، وليس كذلك من يكون مؤمناً حقاً ، المؤمن الحق لا يضحي بالآخرة أبداً ، لا يضحي بالآخرة من أجل متع رخيصة ، ولا من أجل شهوة عابرة .
أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الجوع ، فوضع على بطنه حجراً ، وقال : (( يا رب نفس ناعمة طاعمة ، جائعة عارية يوم القيامة . ))
[البيهقي وابن عساكر عن جبير بن نفير]
المؤمن الذي أيقن بالآخرة لا يضحِي بها من أجل متعة رخيصة ، هذا هو المقصود من هذا الابتلاء ، الباطل مزين ، فوطِّنوا أنفسكم ، كل يوم هناك كتاب ، وكل يوم هناك محاضرة ، وكل يوم هناك ندوة ، وبالإنترنت ، وبالنوادي الثقافية ، هناك دعوة إلى الباطل ، دعوة إلى نبذ أحكام الله عز وجل ، هناك كلام مزين مزخرف رائع ، هذا لقاح لكم ، فوطّنوا أنفسكم على هذا ، نحن في عصر الشبهات ، في عصر الضلالات ، في عصر الكلام المزخرف ، في عصر إخفاء أخطار الباطل وإبراز إيجابيات ليست صحيحة ، بل هي خلّبية .
إذاً : المؤمن وقاف عند كتاب الله ، مرجعيته كلام الله ، مرجعيته سنة رسول الله، أما أهل الباطل فيمرحون ويسرحون بالصحف ، والمجلات ، والندوات ، والمنتديات ، وبالإنترنت ، وبالمؤلفات ، وبالكتيبات ، وبالمحاضرات ، فيها طرح يناقض منهج الله عز وجل ، وهذه الآية توضح ذلك تماماً : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
هاتان الآيتان لخصتا ما يجري الآن في العالم الإسلامي ، والبطولة أن تبقى ثابتاً . (( والله يا عمّ ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية]
المؤمن عنده ثوابت وعلى رأسها كلام الله :
المؤمن عنده ثوابت ، وعلى رأس هذه الثوابت كلام الله : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (27)﴾
( سورة إبراهيم )
هذا كلام خالق الأكوان ، هذا كلام خالق الإنسان ، هذا كلام الخبير ، هذا كلام العليم ، هذا كلام الذي عنده أسباب سعادتنا وسلامتنا ، فينبغي على الإنسان ألا يؤخذ في ما يقرأ من مجلات ومن صحف ، وما يُدعى إليه من ندوات ومحاضرات ، هذه في بعضها الأكثر يدعو إلى مناقضة ما في الكتاب والسنة ، ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
أحياناً يتمنى الإنسان أن يكون لانحرافه تغطية إيديولوجية ، فإذا عثر على تغطية إيديولوجية لانحرافه تمسك بها أيّما تمسك ، وسبحان الله ! الشبهات حينما يأتيها غطاء إيديولوجي معين أو فكر معين تجد المنحرفين قد تمسكوا بهذا الغطاء تمسكاً لا حدود له ، أما المؤمن فيتمسك بكتاب الله ، ويتمسك بفهمه فهماً أصولياً ، يتمسك بسنة رسول الله الصحيحة ، يتمسك بإجماع الأمة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ أُمَّتِي لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ ))
[ ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
الباطل قد يكون غريباً .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))
[ رواه مسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة]
أناس صالحون في قوم سوء كثير ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ، فيجب أن نعلم أننا نحن في معركة الحق والباطل ، وهذه معركة أزلية أبدية ، فوطّنوا أنفسكم على وجود طرح لضلالات لا تعد ولا تحصَى ، وعلى تهجم على هذا الدين ، وعلى كتابه الكريم ، وعلى نبيه عليه أتم الصلاة والتسليم ، واعلموا علم اليقين أن هذا كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن الإنسان كلما تعمق في فهم كلام الله ازداد إيماناً وازداد قوة على ما يطرح من ضلالات في الساحة التي يعيش فيها

العفريني
09-24-2011, 04:22 PM
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا
أيها الإخوة الكرام ، أي إنسان كائناً من كان لا بد له من مرجع يرجع إليه ، لأن الحياة معقدة جداً ، والأمور مشتبهة ، ومقاييس الخير والشر مضطربة ، وصراع بين المصالح والقيم والحاجات والمبادئ ، فالإنسان التائه الشارد بحاجة إلى مرجع ، الله عز وجل يقول :
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾
الخالق المسير ، الرب القوي ، الغني ، العليم ، الخبير ، المحب ، الرحيم ، أيعقل أن تتخذه مرجعاً غيره ؟ أيعقل أن تتخذ حكماً غيره ؟ أيعقل أن تحكم إنساناً جاهلاً ضعيفاً منحازاً محدوداً في مصيرك ؟ ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾
أيها الإخوة :
حين قال الله عز وجل : ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * ﴾
( سورة الشعراء )
القلب السليم هو الذي لا يشتهِي شهوة لا ترضِي الله ، ولا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله ، ولا يعبد غير الله ، ولا يحتكم إلا لشرع الله .
إخواننا الكرام ، الله عز وجل يقول : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 36 )
هناك اجتماعات كثيرة ، ولقاءات كثيرة ، ومؤتمرات كثيرة ، حين الحديث عن جدول الأعمال يقال : هذه الموضوعات ليست خاضعة للبحث ، لأنها مسلّم بها ، وكل أمة وكل جهة في عندها خطوط حمر ، وقضايا مسلّم بها لا تخضع للبحث أبداً .
أقول لكم : المؤمن الصادق ، والمؤمنة الصادقة فيما شرع الله ، وفيما حكم الله ، وفيما أنزل الله ، وفيما حكم رسول الله e ، وفيما بيّن رسول الله e ، ليس له خيار أبداً ، القضايا التي بت فيها الشرع ليست خاضعة للبحث ، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
حال الناس اليوم كل واحد يرى نفسه مشرعاً ، يقول لك : هذا الحكم لا يصلح لهذا الزمان ، هو مشرّع . يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ
* * *
ورحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده . من علامات المؤمن عدم مناقشة حكم الله
من علامات إيمان المؤمن أنه لا يقبل مناقشة فيما شرع الله عز وجل ،
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾
المشكلة الآن أيها الإخوة ، أن كل شيء في الدين حتى المسلّمات ، حتى الذي فيه آيات محكمات خاضع للبحث ، تؤلف لجان ، تعقد ندوات ، تناقش قوانين نابعة من صلب القرآن ، قوانين الأحوال الشخصية نابغة من الشرع الإسلامي ، هي معرض للنقاش ، ومحل للبحث ، والأصح في هذا الموضوع أنها محل للنقد .
فلذلك أيها الإخوة ، علامة إيمانك أن الذي شرعه الله عز وجل مبدئياً غير قابل للبحث ، لأنك لو كنت مع طبيب يحمل شهادة عليا من بلد بعيد لا تناقشه أبداً ، بل تستسلم له ، فكيف مع خالق السماوات والأرض ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
( سورة الحجرات الآية : 1 )
لا تقدم اقتراحات ، لا تقدم اعتراضات ، لا تقدم بدائل ، لا تقدم قواعد ، أنت عبد ، فإذا كان سيد الخلق ، وحبيب الحق يقول : ﴿ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
( سورة الأعراف الآية : 203 )
هذا مقام العبودية ، أن تتبع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام . أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا
أيها الإخوة ، لعظم الموضوع ولخطورته ، ولأنه قد يلغي إيمان المؤمن جاءت الصيغة استفهاماً إنكارياً :
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾
معقول ؟! .
شاب له أب كبير ، كبير بعلمه ، كبير بآدابه ، كبير بتدينه ، كبير برعايته ، ولهذا الشاب صديق منحرف لا يتابع دراسته ، يتابع رفقاء السوء ، من ملهى إلى ملهى ، أيعقل أن يتخذ هذا الشاب هذا الصديق مرجعاً له ومستشاراً ؟ وينسى أن أباه الذي أغدق عليه من الخيرات ما لا يحصى .
قضية أن تتخذ من دون الله ولياً ، قضية أن تتخذ من دون الله حَكماً ، قضية أن تتخذ من دون الله مرجعاً ، هذا يلغي إيمانك ، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
لو تابعتم بعض الأخبار في أكثر الاجتماعات ، والمفاوضات واللقاءات ، يقال : هذه القضايا تحتها خط أحمر ، ليست خاضعة للبحث ، وأنتم أيها المؤمنون لكم أن تدرسوا قضية في التجارة ، في الصناعة ، في السكن ، في الزواج ، في الأشياء المباحة ، أما في قضية بت فيها الشرع فممنوع أن تفكر في خيرية هذا الشيء أو في عدم خيريته ، لأنه كما يقول علماء العقيدة : الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع ، لأنه من عند الخالق ، وكلما نما إيمانك لا تحتاج إلى تعليل ، علة أيّ أمرٍ أنه أمرٌ ، وكلما اتضحت حكمة الأمر ضعفت العبودية فيه ، وكلما خفيت حكمة الأمر ازدادت العبودية فيه .
كمثل واضح وصارخ ، إبراهيم عليه السلام أمر أن يذبح ابنه ، هذا لا يندرج لا في القيم ، ولا المقبولات ، ولا في الأشياء المعقولة إطلاقاً ، قال ابنه إسماعيل : ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
( سورة الصافات الآية : 102 )
قدم لنا الله نموذجاً من الاستسلام المطلق لله عز وجل ، لكن الله ما ضيعه ، امتحنه امتحاناً صعباً فنجح . ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
( سورة النجم )
أيها الإخوة : ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾
( سورة البقرة الآية : 124 )
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت )
الحياة كلها امتحانات . ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
علة وجودك في الأرض الامتحان ، الدليل : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة الملك )
نحن في حالة صعبة ، الضلالات ، والشبهات ، والطرحات ، التي لا تقبل بين أيدي الناس جميعاً ، ولا يعصمك من هذه الضلالات إلا أن تأوي إلى ركن ركين .
سيدنا علي يقول : " يا بني ، الناس ثلاثو ، عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق " .
الناس عالم ومتعلم ، وما سوى ذلك ليسوا من بني البشر .
أيها الإخوة ، ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ ﴾
هذا منهج . ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 1 )
في كفة . ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
( سورة الكهف الآية : 1 )
في كفة ثانية ، الكون كله في كفة ، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا والذي : ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية : 42 )
في كفة ثانية ، الله عز وجل خلق الأكوان ، ونورها بالقرآن ، معنا وحي السماء .
أيها الإخوة ، فضل كلام الله على كلام خلْقه كفضل الله على خلقه . أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا
أيها الإخوة ، ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾
معك منهج ، معك كتاب بين لك سر وجودك وغاية وجودك ، ومن أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ معك كتاب فيه أسباب سلامتك ، وأسباب سعادتك ، وأسباب توفيقك ، معك كتاب إن طبقته فهو : ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
( سورة الإسراء الآية : 9 )
معك كتاب إن طبقته فإنه لا يحزن قارئ القرآن ، معك كتاب بين الله فيه كل شيء ، فيه خبر ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، لا تنقضي عجائبه . ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾
وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
بربكم أيها الإخوة ، أقوى معرفة على الإطلاق أن تعرف ابنك ، هل هناك أب من ستة آلاف مليون إنسان يدخل إلى بيته ويقول لأحد أبنائه : ما اسمك ؟ مستحيل ! أسرع معرفة ، وأوضح معرفة ، والمعرفة التي لا تنسَى أبداً أن يعرف الأب ابنه ، ماذا قال الله عز وجل قال ؟ قال :
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية : 146 )
أهل الكتاب يعرفون أن هذا الإنسان العظيم ، النبي الكريم هو نبي مرسل ، ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
فلمَ لمْ يؤمنوا به ؟ المصالح ، هذا المعنى دقيق جداً : ﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾
( سورة التوبة الآية : 9 )
هو له دنيا ، له مكانة ، له أتباع ، لم يقبل أن يضحي بمكانته ، ولا بأتباعه فيما لو آمن برسول الله e ، وغاب عنه أنه لو آمن برسول الله لرفع الله له ذكره .
حينما قال الله عز وجل : ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
( سورة الشرح )
ما مِن إنسان يخطب ود الله ، ما من إنسان يضع نفسه بالتعتيم ليظهر الحق إلا رفع الله له ذكره ، لذلك كان بعضهم يقول : " أحب أن أكون ذنباً في الحق ، ولا رأساً في الباطل " ، وحينما تضع نفسك في سبيل خدمة الحق يرفع الله لك ذكرك .
إخواننا الكرام ، أنت بحاجة إلى الطعام والشراب للحفاظ على الفرد ، على ذاتك ، وبحاجة للزواج للحفاظ على النوع ، وأنت بحاجة إلى الذكر ، إلى أن تكون مهماً ذا شأن ، هذا سماه علماء النفس تأكيد الذات ، أن تكون مهماً ، وأن تكون ذا شأن ، وأن يرفع الله لك ذكرك ، في طاعة الله ، هؤلاء الذين خضعوا للحق في عهد النبي e ، وكانوا معواناً له على نشر الحق ، ووضعوا أنفسهم في الظل ، ورفعوا ذكر رسول الله e ، أين هم الآن ؟ في جنات : ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
( سورة القمر )
إذا كنت معتمراً ألست تقف أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم تحولت عنه إلى قبر سيدنا الصديق ، ثم تتحول عنه إلى قبر سيدنا عمر ، هكذا السنة ، هكذا آداب الزيارة ، إذاً هؤلاء الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم رفعوا الله ذكرهم ، وهؤلاء الذين ناصبوه العداء في مزابل التاريخ ، ما قيمة أبي جهل ؟ هؤلاء الذين ناهضوا الحق ، وصدقوا أيها الإخوة ، إن أشقى إنسان على وجه الأرض هو الذي يقف في خندق معادٍ للحق ، وإذا قال الله عز وجل : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾
هما حفصة وعائشة :
﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
( سورة التحريم )
يا رب ، كل هذا من أجل امرأتين ؟ قال علماء التفسير : لا ، ليس من أجل امرأتين ، ولكن من أجل أن يعلم كل إنسان إلى يوم القيامة أنه إذا وقف في خندق معادٍ للحق يجب أن يعلم من هو الطرف الآخر .
أنت الآن في الدنيا قد تجد إنسانًا هزيلا صغيرًا ، لكنه ينتمي إلى الدولة ، تخاف أن تعتدي عليك ، لماذا ؟ لأن الدولة كلها وراءه ، أليس كذلك ؟ لا تنظر إليه ، فانظر إلى من وراءه ، فلذلك أعظم الناس من كان جندياً للحق ، وأنا أقول لكم : لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله ، ولكن اقلقوا ما إذا سمح الله لكم أو لم يسمح أن تكونوا جنوداً له .
إخوانا الكرام ، يجب أن تفكر بشكل جدي أن تقدم شيئاً لله ، أن تلقى الله بعمل ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، فالتي ربت بناتها تربية إسلامية ، وحجبتهم تلقى الله وهو راضٍ عنها ، وهي في بيتها لم تخرج من بيتها ، الأب الذي يرعى أولاده له طريق إلى الجنة ، وهو في بيته ، الأم التي تربي أولادها ، والتي ترعى زوجها لها طريق إلى الجنة ، وهي في بيتها ، والذي يعمل عملا ، يقدم للمسلمين بضاعة جيدة بسعر معقول له طريق إلى الجنة ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، الوقت الذي تمضيه في عملك وقت طويل ، ما قولك أن ينقلب عملك إلى عبادة ؟ عملك ، حرفتك ، إذا نصحت المسلمين ، إذا كان عملك في الأصل مشروعاً ، وسلكت به الطرق المشروعة ، ونويت من خلاله كفاية نفسك وأهلك ، وخدمة المسلمين ، ولم يشغلك هذا العمل عن فريضة ، ولا عن واجب ديني ، ولا عن عبادة ، انقلب عملك عبادة ، ما قولك وأنت في عيادتك في عبادة ؟ لأن لا تبتز المرضى ولا توهمهم ، ولا تقول كلاماً ليس صحيحاً ، وأنت في مكتب المحاماة أنت في عبادة ، وأنت في دكانك في عبادة ، وأنت وراء طاولة كموظف في عبادة ، يأتي مواطن من مكان بعيد لا تقول له : تعال غداً ، تخدمه ، هذا عبد لله ، فلذلك الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، ما كلف الله الناس جميعاً أن يكونوا دعاة إلى الله ، كل إنسان من ضمن عمله قد يصل للجنة ، إذا أتقن وابتغى به نفع المسلمين .
والله ثمة أخ يعمل في صناعة مواد غذائية للصغار ، يقول : هذا الطفل الصغير الذي أخذ من أبيه عشر ليرات ، أيعقل أن أطعمه بضاعة موادها الأولية فاسدة ؟ مع أن المواد الأولية أحياناً تباع بثلثي قيمتها للمعامل ، لأن فسادها وانتهاء صلاحيتها لا يكشف ، فالمعامل تشتري هذه المواد فينخفض رأس مالها ، ويزداد ربحها ، يقول لي هذا الأخ : والله أنا لا أفعل هذا ، أشتري أعلى المواد ، لأن هذا الصغير أخذ من أبيه عشر ليرات ينبغي أن أطعمه شيئاً ينفعه في صحته ، هذا الإنسان يعبد الله ، وهو في معمله .
إخوانا الكرام ، العمل الصالح بين أيديكم جميعاً ، الكلمة الصادقة ، النصيحة فيها عمل صالح كبير ، فيجب الإنسان أن تلقى الله بعمل ، ودائماً يقول لي أخ : لا أشعر في الصلاة بالتجلي ، فأقول له : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
( سورة الكهف )
أضرب مثلا مئات المرات ، جندي غر التحق من يومين بفرقة عسكرية ، وعلى رأس هذه الفرقة رتبة عسكرية عالية جداً ، بحسب النظام العسكري بكل جيوش العالم هذا المجند الغر لا يستطيع أن يقابل قائد هذه الفرقة ، ولا في الأحلام ، قبله عشرات الرتب ، إلا أن هذا الجندي الغر إذا وجد ابن قائد هذه الفرقة يوشك أن يغرق ، وألقى بنفسه وأنقذه ، يستطيع في اليوم التالي أن يدخل عليه من دون إذن ، وأن يرحب به ، وأن يأتي له بضيافة ، وأن يجلس إلى جنبه ، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾
حينما تخدم الإنسان ، حينما تخفف عنه ، حينما تحل كربة من كربه .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... ))
[ رواه مسلم ]
حينما تعالج مريضاً ، حينما تطعم جائعاً ، حينما ترعى أرملة ، حينما ترعى يتيماً ، حينما تتكلم بكلمة الحق ، حينما تأمر بالمعروف ، حينما تنهى عن المنكر ، حينما تربي أولادك فأنت مع الله ، لمَ لا تشعر بالخشوع في الصلاة وأنت في خدمة الخلق ؟ بعضهم قال : يا رب ، لا يحلو الليل إلا بمناجاتك ، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادة .
والله هؤلاء الذين توجهوا إلى خدمة الخلق هم أسعد الناس ، أحياناً تراهم في عينك متألقين ، لأنهم في خدمة الخلق ، إنسان بلا عمل لا قيمة له إطلاقاً ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
( سورة الأنعام )
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا
هذا القرآن كلمة الله ، قال بعض العلماء : هذا القرآن 600 صفحة تقريباً ، كل آياته لا تزيد على أن تكون أمراً أو خبراً ، وهذا تقسيم علماء البلاغة للكلام ، خبر وإنشاء ، أنا أخبرك أو آمرك ، الإنشاء أمر ، الأمر والنهي والاستفهام والنداء والتمني والترجي هذا إنشاء ، أما الإخبار أن تقول : فلان سافر ، فلان حضر ، فلان ربح ، فلان خسر ، هذا القرآن لا يزيد على أن يكون خبراً أو أمراً ، فالخبر صدق ، والأمر عدل ،
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾
أي خبر فيه فهو صادق ، لذلك قال الله عز وجل : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾
( سورة المائدة الآية : 116 )
جاءت بصيغة الماضي ، هذا كما قال علماء البلاغة من تحقق الوقوع . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
( سورة الفيل )
بربكم من رأى هذه الحادثة ؟ ولا واحد ، ولا أنا معكم ، فيكيف يقول الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
؟ معنى ذلك أنه ينبغي أن تأخذ خبر الله وكأنك تراه ، ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا ﴾
أمره عدل . ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
( سورة النساء الآية : 11 )
هذا هو العدل ، المرأة تأخذ ولا تعطِي ، بينما الرجل يعطي ولا يأخذ ، لذلك الإله العظيم شرع لنا في نظام المواريث : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾
معنى آخر : أخطر شيء في حياتنا علاقتنا مع ربنا ، بعض العلماء قال : هذه العلاقة مع الله عز وجل تنتظمها كلمتان ، يا عبادي منكم الصدق ، ومني العدل ، تتفاوتون عندي بصدقكم ، أما أنا فأعدل بينكم جميعاً ، منكم الصدق ومني العدل ، لذلك قال تعالى : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
( سورة الحجرات الآية : 13 )
سيدنا سعد ابن أبي وقاص ، هو الصحابي الوحيد الذي افتداه النبي بأبيه وأمه ، قال : (( ارْمِ سَعْدٌ ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه مسلم عن علي ]
أن يفتديك النبي بأبيه وأمه شيء كبير جداً ، وكان إذا دخل كان عليه الصلاة والسلام يداعبه كثيراً ، يقول : هذا خالي ، فأروني خالاً مثل خالي .
أما الشيء الذي يلفت النظر أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له مرة بعد وفاة رسول الله : " يا سعد ، لا يغرنك أنك خال رسول الله ، إياك أن تغتر بهذا ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له . كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب
* * *
إنسان بالتعتيم يكون في الطبقة الدنيا الاجتماعية ، بالدرجة السفلى من السلم الاجتماعي ، إذا كان مستقيماً على أمر الله قلامة ظفره تساوي مليون رجل ، هذا هو الدين ، إنسان عبد حبشي بمقياس الجاهلية في الدرجة الدنيا في المجتمع القرشي ، يأتي إلى المدينة ، ويخرج عمر لاستقباله !!! إنه سيدنا بلال ، يخرج عمر لاستقباله ، ويقول عن سيدنا الصديق : هو سيدنا ، وأعتق سيدنا ، هذا هو الإسلام ، عبد حبشي يقول عنه عملاق الإسلام : " أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا " ، لما افتداه سيدنا الصديق من سيده ، قال له سيده : والله لو دفعت به درهما لبعتكه ، فقال له : والله لو طلبت به مئة ألف لأعطيتكها ، ووضع يده تحت إبطه ، وقال له : هذا أخي حقاً ، هذا الإسلام ، ليس فيه طبقية .
إخواننا الكرام ، أقول هذه كلمة منذ ثلاثين عاماً : لا يضاف على كلمة( مؤمن ) ولا كلمة ، مؤمن فقط ، أيّ كلمة أخرى تعني نزوات الجاهلية ، أية كلمة أخرى عصبية ، ومن مات على عصبية مات على شأن لا يرضِي الله عز وجل . (( وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيّةٍ ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيّةٍ ))
[ رواه أبو داود عن جبير بن مطعم ]
فلذلك أيها الإخوة .
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

العفريني
09-24-2011, 04:23 PM
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
ضابط معرفة الحق : نعرف الرجال بالحق
الانطباع الأول قبل التدقيق في كلمات الآية أن الحق لا يقاس بعدد المتبعين له ، قد يكونون أقلية ، وأن الحق لا يتأثر لا باتساع رقعته ، ولا بضعف رقعته ، وقد يكون الواحد الذي عرف الحق ، واستقام على أمر الله جماعة ، وقد تكون الملايين المملينة فرداً ، فالمقياس هو الحق .
سيدنا علي كرم الله وجهه يقول : << نحن نعرف الرجال بالحق ، ولا نعرف الحق بالرجال >> .
الأصل هو الحق ، لكن ثمة ظاهرة استشرت أنّ الإنسان حينما يتوهم أن هذا القول قاله فلان إذاً هو صحيح ، ليس على وجه الأرض إنسان يعد كلامه دليلاً ، وما على وجه الأرض إنسان إلا ويحتاج فيما يدعيه إلى دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، ديننا دين علم ودين دليل ، لكن واحداً هو سيد الخلق وحبيب الحق كلامه هو الدليل ، لأنه :
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
( سورة النجم )
لأن الله عصمه من أن يخطئ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، ولأنه مشرع والدليل : ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر الآية : 7 )
لأن الله عصمه ، وجعله مشرعاً ، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو الدليل ، لكن غير النبي e لا يمكن أن يكون كلامه دليلاً ، إلا أن يأتي بالدليل ، ولأن : (( هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))
[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس]
ولأن ملايين القضايا في حياة الإنسان لا تعد مصيرية ، كبيتٍ نصحت به فلم يكن جيداً ، أو تجارة نصحت بها فلم تنتفع بها ، فلا مشكلة حينئذ ، لكن الدين مصيري ، الدين مصير صاحبه الأبد ، فإما نعيم مقيم ، أو عذاب لا ينتهِي ، لذلك ثمة فرق في حياتك بين ما هو عارض وهو مصيري . وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه
إذاً الآية الكريمة :
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لا تعبأ بالأكثرية ، لا تعبأ بما يسميه العلماء الخطَّ العريضَ في المجتمع ، لا تكن مقلداً ، لا تكن إمعة ، تقول : أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت ، لا تكن كذلك ، ولكن كن حراً ، تحرك وفق قناعاتك ، اعتمد الدليل ، لا تقبل شيئاً من دون دليل ، ولا ترفض شيئاً من دون دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، فإنْ كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدّعياً فالدليل ، هذا الانطباع الأول . ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾
من هم ؟ البشر ، بنو الإنسان ، الذين كلفهم الله بعبادته ، المخيرون ، الذين أودعت فيهم الشهوات ، الذين سُخرت لهم ما في الأرض والسماوات ، الذين أُعطوا العقل ، أُعطوا الفطرة ، أُعطوا الشهوة ، هؤلاء المكلفون ، هم المعنيون بقوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
أيها الإخوة ، لو تصورنا أنبوبًا طويلا ، وله مضخة ، لو أن ثقباً في هذا الأنبوب قريب من المضخة ، واستخدمت المضخة ، فالماء يستسهل الثقب القريب ، ويخرج منه ، ولا يصل إلى آخره ، وهذا شيء طبيعي . لوازم الاستقامة على أمر الله
إن سبيل الله يحتاج إلى فهم ، يحتاج إلى ترجيح العقل ، يحتاج إلى ضبط الشهوة ، يحتاج إلى صبر ، يحتاج إلى نفس طويل ، يحتاج إلى أن تنقل اهتماماتك إلى ما بعد الموت يحتاج إلى إيمان ، يحتاج إلى إرادة ، لكن طريق الشيطان طريق سهل جداً ، كما ورد في بعض الأحاديث :
(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بشهوة ))
[ رواه أحمد عن ابن عباس ]
يكفي أن تطلق بصرك ، وأن تسترخي ، وأن تأكل ما تشاء ، وألا تدقق في الحسابات ، أي شيء دخل إلى جيبك فهو لك ، يكفي أخذ مبلغ ضخم بالكذب والاحتيال ، وأن تمارس كل الشهوات من دون قيد أو شرط ، هذا طريق النار ، (( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بشهوة ))
إن سبيل الله يحتاج إلى فهم عميق ، وإلى إيمان دقيق وإلى إرادة ، وإلى ترجيح العقل على الشهوة ، وإلى ترجيح الهدف البعيد على الهدف القريب . وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه
إن طريق الشهوة قريب وسريع ، لذلك الذي أهلك الناس أنهم الآن يعيشون لحظتهم ، وفي الإنسان شهوات ، وهذه الشهوات يمكن أن تمتعه دون أن ينظر إلى العواقب .
إخوانا الكرام ، فكرة دقيقة جداً ذكرتها عشرات المرات ، لكن هنا لا بد من ذكرها :
أنت ذاهب إلى حمص في أيام الشتاء الباردة ، فإذا بلوحة لا تزيد على ثلاثين سنتيمتراً ، وعرضها عشرة سنتيمترات ، كتب عليها : " الطريق إلى حمض مغلقة في مدينة النبك بسبب تراكم الثلوج " ، لو قرأ اللوحة ألف إنسان يقصد حمصَ بالذات ، ماذا يفعل ؟ يرجع ، لو أن دابة تمشي أين تقف ؟ عند الثلج ، ما الذي حكم العاقل ؟ النص ، ما الذي حكم الدابة ؟ الواقع .
أقرب مثل لنا :
المدخن متى يدع الدخان ؟ حينما يصاب بمرض خبيث في رئتيه ، فقط ، أو حينما تأتيه جلطة ، أو خثرة ، أو احتشاء ، الآن يوقف الدخان ، ما الذي حكمه الواقع ؟ أما العاقل فيكفي أن يقرأ مضار التدخين ، أو حكم الشرع في التدخين ، فيقلع عنه قبل أن يصاب بأمراض خبيثة .
احفظ هذه القاعدة : إن كان النص هو الذي يحكمك فأنت عاقل ، وإن كان الواقع فأنت دون المستوى المطلوب ، والذي يوقع الناس في شر أعمالهم أنّ الواقع حكمهم ، ولم يحكمهم النص ، على مستوى الصحة ، لا تبتعد كثيراً ، قد يأكل الرجل ما يشتهي بلا مراعاة لسنه ، ولا للدسم ، ولا لنوع الطعام ، ولا يمارس الرياضة ، يعيش هكذا ، فجأة يصاب بخثرة في الدماغ ، تأتيه رسالة من أبعد بلد أن خفف وزنك ، هذا الذي يتحرك بلا قيد ولا شرط ، ولا قاعدة ، ولا هدف ، هذا إنسان يحكمه الواقع ، وقد عطل عقله ، لذلك الآية الكريمة :
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾
من المكلفين ﴿ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لأن الطريق الجنة محفوف بالمكاره ، وطريق النار محفوف بالشهوات ، (( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بشهوة ))
وإليك هذا المثل :
أنبوب طويل فيه مضخة ، وفيه ثقب إلى جانب المضخة ، هذا الثقب ثقب الشهوات ، فإذا استخدمت المضخة فالماء يختصر الطريق ، ويخرج من الثقب لأنه أهون طريق ، أما إذا كان هذا الثقب مغلقًا ، واستخدمت المضخة يصل الماء إلى نهاية الأنبوب ، ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لماذا ؟
قال تعالى : ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
وقد تحدث كثيراً على أن هناك وهماً هو أقلّ من الشك ، 30 % ، والشك 50 % ، والظن 90% ، أو 80 % ، لكن القطع 100 % ، فالعلم مقولة مقطوع بصحتها 100 % ، تطابق الواقع ، عليها دليل ، فإن لم يكن مقطوعاً بصحتها فهي وهم وشك وظن ،
﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾
وإن لم تطابق الواقع فهي الجهل ، وإن لم يكن معها دليل فهو التقليد ، والعلم ليس شكاً ، ولا وهماً ، ولا ظناً ، ولا تقليداً ، ولا يناقض الواقع ، ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾
الآن هذا الظن أي ظن ؟ ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾
( سورة الحاقة )
طبيعة الظن ومتعلّقاته
هذا الظن المتعلق بالهوى ، لأن هوى الإنسان وشهوته أمْلت عليه أن تمتّعْ بالحياة ، ودعك من التوبة الآن ، معك وقت طويل تتوب فيه ، ويزيّن الشيطان للإنسان المعصية ، فيستخدم الظن المتعلق بشهوته ، والظن هنا يبرز إيجابيات المتعة ، ويخفي عنك الأخطار الوبيلة من اتباع الشهوة ، وهذا كان الحديث عنه في درس سابق .
﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
( سورة الأنعام الآية : 112 )
يظهِر الإيجابيات الحسية ، ويعتم على الأخطار المهلكة .
لكنك لو دققت في الآية لوجدت شيئاً آخر ، هذا الشيء الآخر مأخوذ من آية أخرى . معنى قوله : أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
حينما تسمع قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ ﴾
ليس معنى ذلك أنه بقي الأقلية ، هذا معنى جديد ، والطرف الآخر أيضاً كثيرون ، فكلمة : ﴿ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾
لا تعني أن ما يقابلها قلة ، والدليل : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾
( سورة الحج الآية : 18 )
كلمة : ﴿ َكَثِيرٌ ﴾
لا تعني أن الطرف الآخر قليل ، هذا من باب التفاؤل ، كثير وكثير ، لذلك هناك كلمات تكتب على مداخل بعض البلاد ، هذا الكلام : أنه يا من دخلت هذه البلدة مثلك كثير ، فإن كنت صالحاً فمثلك كثير ، وإن كنت فاسداً فمثلك كثير .
مرة صلى أخ كريم من الخليج في جامع في دمشق ألقي فيه درسٌ ، لفت نظري أن هذا الإنسان صالح ، سأل عن دروس العلم في الشام ، عن المساجد ، عن العلماء ، عن المكتبات ، قلت : سبحان الله ‍‍‍‍‍‍! يأتي إنسان إلى الشام متوهماً أن فيها فاحشة في بعض الأحياء ، ويأتي إنسان آخر ليطلب العلم في الشام ، يا من دخلت دمشق مثلك كثير ، والذي يأتي للمتعة كثيرون ، والذين يأتون لطلب العلم أيضاً كثيرون ، هذا يرفع معنوياته ، فـ : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لا تعني أن الباقين قلة ، قد يكونون كثر .
ثم يقول الله عز وجل : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾
( إِنْ )هنا نافية .
﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾
( سورة إبراهيم الآية : 10 )
يعني ما ﴿ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾
و ما ﴿ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾
لذلك قد يكون اتباع الظن في شؤون الدنيا مقبولاً ، لأن الدنيا تنتهي ، لكن اتباع الظن في شؤون الآخرة هو اتباع مدمر مهلك .
مثلاً تنجح من الصف السابع إلى الثامن ، ثم نجحت ، إلا أن الشهادة الثانوية مجموع العلامات تحدد لك مصيرك ، فهناك علامات تكون بها طبيبًا ، وعلامات تكون بها صيدليًّا ، وعلامات تكون بها مهندسًا ، فهذا المستوى الواحد في التعليم الثانوي مصيري ، يحدد لك مصيرك في الحياة ، وهناك كلية عليها إقبال شديد ، أو كلية حاملو الشهادات منها ليس لهم عمل ، ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾
أي يكذبون ، يكذبون على أنفسهم . ﴿ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الأنعام الآيات : 23 ـ 24 )
الإنسان في الدنيا يكابر ، ويداهن ، ويحابي ، ويكذب ، لكنه يوم القيامة يكتشف الحقيقة ، وهل من إنسان بلغ كفره كفر فرعون ؟ وهو الذي قال : ﴿مَاعَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية : 38 )
هذا كفر ، بل هو أشد أنواع الكفر ، لكن بعد قليل قال كفراً أشد ، قال : ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النازعات )
هو نفسه حينما أدركه الغرق قال : ﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
( سورة يونس الآية : 90 )
إذاً كشف عنه الغطاء فكان بصره حديداً ، لكن : ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
( سورة الأنعام )
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين
إخواننا الكرام ، هناك حقيقة دقيقة : الناس الذين حولك لا يعرفون عنك إلا ثلث مكنوناتك :
طبيعة مكنونات الإنسان وأثرها في تقييم الناس
أنت ذكر ، ولست أنثى ، هذا معروف ، أنت تحمل شهادة عليا ، مثلاً أنت مهندس ، لك مكتب ، ولك وظيفة ، طويل القامة ، أبيض اللون ، هذا يعرفه الناس عنك ، لكن هناك ثلثا مكنوناتك لا يعرفها أحد ، أما التي معك في البيت فربما عرفتْ الثلث الثاني ، الذي معك في العمل ربما عرف الثلث الثاني ، لكن يبقى ثلث من شخصيتك لا يعلمه إلا الله ، مهما كنت ذكياً ، ومهما كنت باحثاً اجتماعياً ، ومهما كنت محللاً نفسياً ، ومهما كنت ذا نظر ثاقب لا تعرف مِن الذي أمامك إلا الثلث ، وزوجته وأقرباءه الذين معه يوماً بيوم ، جيرانه ، من سافر معه ، من شاركه في الدرهم والدينار يعرفون الثلث الثاني ، أما الثلث الثالث فلا يعلمه إلا الله ، لذلك لا تتسرع وتحكم ، دع تقييم العباد لله عز وجل ، لأن تقييم العباد ليس من شأنك ، من شأن الله وحده ، والإنسان أحياناً كلما ازداد ذكائه أتقن التمثيل ، فقد يخدع الناس لمعظم الوقت وقد يخدع بعض الناس لكل الوقت ، أما أن يستطيع الإنسان أن يخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل ، أما أن يخدع خالقه ، أو أن يخدع نفسه التي بين جنبيه وفلا ولو ثانية واحدة .
﴿ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾
( سورة الحاقة )
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾
( سورة القيامة )
إذاً : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾
( سورة الإسراء الآية : 16 )
استرح وأرح ، لا تقيّم أحداً ، لا تكفر بالتعيين ، مسموح لك أن تكفر من دون تعيين ، كيف ؟ من قال : إن الله لا يعلم فقد كفر ، ككلام عام ليس فيه مشكلة ، من أنكر فرضية الصلاة فقد كفر ، لكن النبي علمنا صلى الله عليه وسلم أن صحابته الكرام في مرات عديدة لعنوا شارب الخمر ، هكذا مطلقاً ، لكن مرة جيء للنبي e بشارب خمر ، فلعنه الصحابة ، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (( أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا ، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَلْعَنُوهُ ، فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))
[البخاري]
فأنت لست مكلفاً أن تقيّم الناس ، هذا ليس من شأنك ، ولا من اختصاصك ، ولا من إمكانك ، ولا يتعلق به علمك ، أنت ترى الظاهر ، أنت تحكم بعلانيته الناس ، أما سرائرهم فينبغي أن تكِلَها إلى الله عز وجل .
أضرب هذا المثل دائماً :
ثمة إنسان من أهل الغنى ، وله آلاف الدُّنمات ، جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت من آلاف الدنمات بدنم واحد لينشأ عليه بيت من بيوت الله اضطرت البلدية أن تنظم أرضك ، وأن تجعلها مقاسم ، فإذا كانت مقاسم تضاعف سعرها ، وقد يكون صاحب الأراضي هذا لا يصلي إطلاقاً ، ولم يدخل الدين في حساباته إطلاقاً ، ولم يعرف الله طلاقاً ، ولم يبتغِ الجنة إطلاقاً ، لكنها فكرة تجارية ، أنه إذا تبرع بدنم لمسجد تضطر البلدية أن تنظم أرضه إلى مقاسم ، وإذا نظمت إلى مقاسم تضاعف ثمنها ، أما الناس فيقولون : ما شاء الله ! بارك الله به ! محسن كبير ، ماذا يعرفون ؟ لذلك لست مؤهلاً أن تحكم على أحد إلا بحالة مستحيلة ، أن يكون لك علم كعلم الله .
بعض الأمثلة من السيرة مأخوذة : رجل مع رسول الله في القتال ، النبي e قال عنه : إنه من أهل النار ، هذا من إعلام الله له ، وقد أصيب بجراح ، وجاء بسيفه ، ووضعه على الأرض ، وانحنى عليه حتى قتل نفسه ، أنت لا تعلم هذا الذي يفعل لماذا يفعل ، لذلك :
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ... ))
[ متفق عليه ]
أنا لا أجيب عن أي سؤال متعلق بتقييم شخص ، أقول دائماً : تقييم الأشخاص من شأن الله وحده ، وإياك أيها الإنسان ، ثم إياك ، ثم إياك أن تتورط في تقييم الأشخاص ، لكن أن ترى إنسانًا شارب خمر أمامك ، وتقول : هذا وليّ ، لا ، هذا أيضاً لعب بدين الله ، هذا عاصٍ ، لكنه قد يتوب ، ويسبقك ، وهذا ممكن ، فلا تتكبر على العاصي ، لعل الله يغفر له ، أو لعل الله يحمله على التوبة ، أو يسوق له شدة يحمله على التوبة ، فيسبق الذي عيره بهذه المعصية ، لذلك من أجمل ما ورد في بعض الأحاديث أنه ورد : (( الذنب شؤم على غير فاعله ؛ إن عيّره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه ))
[ أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك ]
ارتكب صديقك معصية ، وأنت عافاك الله منها ، مع أنك عوفيت من هذه المعصية ، ولم تقترفها ، لكن هذا الصديق اقترفها أمامك ، فأنت أمام ثلاثة مزالق ، أن تقول : فلان ارتكب هذا العمل الشنيع ، أين عقله ؟ فقد اغتبته ، أو أن تقول : والله إنه لذكيّ ، وقد حقق بعض أهدافه بطريقة أو بأخرى ، فقد شاركته حينئذ في الإثم ، وإن عيّرته بقولك : أين عقله ، أين دينه ؟ أين ؟ أين ؟ وأنت تظن أنك محصن فقد ابتليت بهذا الذنب مرة ثانية ، لذلك ما قرأت كلمة لنبي كريم تعرض لإغراء النساء كسيدنا يوسف ، قال : ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
( سورة يوسف )
أرأيت إلى هذا التواضع ، أرأيت إلى هذا الافتقار إلى الله عز وجل ؟ ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
إذاً : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
دع الخلق لخالقهم
أرح واسترح ، لا تقيّم الأشخاص أبداً ، إن رأيت إنسانًا يعصي الله أيضاً فينبغي ألا تنزلق إلى كلام العوام ، وتقول : لعله وليّ ، لا نعرف ، هذا كذب ، ولعب بدين الله ، ويسبب إرباكاً في تقييم النفس ، هذه معصية ، والمعصية معصية ، والطاعة طاعة ، لكن نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، وأنت لست مكلفاً إطلاقاً أن تسبر أغوار نفسه ، ولا أن تحلل ، من أنت ؟ هل أنت وصي عليه ؟ أنت لست وصيًّا عليه ، ولست وصياً على أحد ، أنت عليك من نفسك ، وعليك أن تطيع الله عز وجل ، وأن تتعرف إليه ، دع الخلق لخالقهم .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾
هو أعلم منك ، ومن كل الناس ، ومن الخلق أجمعين ، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
لذلك هذه الخلافات بين الأمم ، والشعوب ، والحضارات ،تارةً يقال : صراع الحضارات ، وتارة يقال : حوار الحضارات ، وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *
وهذا الحوار ، وتلك الخصومات ، وقد ورد في بعض الآيات الكريمة : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
( سورة السجدة الآية : 25 )
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
تربص الطرف الآخر بالمسلمين
الآن هناك مشكلة ، ولا بد من تمهيد لها ، وهو :
أن الطرف الآخر المعاندين ، الكفار ، المشركين ، الملحدين يتربصون بالمؤمنين ، كلما نطق مؤمن بكلمة يتصيدون ثغرة في كلامه ، ويكبرونها ، ويقيمون الدنيا ، ولا يقعدونها .

قلت امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
* * *
هناك تصيد ، وقنص ، ورغبة أن يبحث الطرف الآخر متوهماً عن ثغرة في الدين فيقيمون الدنيا ، ولا يقعدونها ، والأمثلة لا تعد ولا تحصَى .
إذا قال المسلم : لا إله إلا الله لا ينجو من النقد ، طائرة الصندوق الأسود سجل ربانها كلمة : " توكلنا على الله " ، ثم سقطت ، اعتبروا كلمة " توكلنا على الله " من الطيّار أنه إرهابي ، وأنه هو الذي أسقط الطائرة ، وطائرة مصرية عليها عدد كبير من الخبراء العسكريين ، ترجح الروايات أنها أُسقطت من جهة معادية ، لكن كلمة توكلت على الله لربان الطائرة عدّت سبباً مبرراً أنه هو الذي أسقطها .
فالطرف الآخر دائماً يتهيأ لاقتناص الثغرات ، فيما يقال في جانب الحق ، وهؤلاء المشركون يقولون : كيف تأكلون ما قتلتم أنتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ هم عدوا الموت قتلاً من الله ، وعدوا الذبح قتلاً بأيدينا ، فالذي تذبحونه من البهائم من الأنعام تأكلونه حلالاً طيباً ، أما إذا ماتت الدابة لا تأكلونها ، ما هذا التناقض ؟ والحقيقة أن هناك نقطة دقيقة جداً يفرق بها بين الموت والقتل ، أوضحها بمثل :
المصباح الكهربائي ، لو أنك قطعت عنه الكهرباء ينطفئ ، لأنك قطعتَ عنه الطاقة الممدة له فانطفأ ـ هذا هو الموت ـ أما إذا كسرت هذا المصباح فالطاقة موجودة ، لكنك أتلفت بنية المصباح ـ هذا هو الذبح ـ ، هم لم يفرقوا بين القتل والذبح ، ذلك أن الموت انقطاع الإمداد الإلهي ، فالجسم كامل ، لو كان الإنسان مضطجعًا على ميزان ، ووافته المنية وهو على الميزان لا يقلّ وزنه ولا واحد بالمليون من الغرامات . الحكمة من تذكية الذبيحة ومضار الصعق الكهربائي
أيها الإخوة الكرام ، النقطة الدقيقة في الموضوع تحتاج إلى تفصيل : ذلك أن في الإنسان جهازاً سأصفه لكم ، ومثله في الحيوان الذي نأكل منه ، إذا رأى الإنسان في البستان أفعى أو ثعبانًا تنطبع صورته على شبكية العين ، هذا إحساس ، ثم تنتقل الصورة إلى الدماغ إدراكاً ، وفي الدماغ مفهومات الثعبان ، حُصلت من دراسة أو من قصة ، أو من مشاهدة ، أو من تجربة ، هذه المفهومات بمجموعها تنبئ أن لدغة الثعبان قاتلة ، فالدماغ يدرك الخطر ، الآن يلتمس ملك الجهاز العصبي ، والجهاز العصبي أوامره كهربائية ، يلتمس من ملكة النظام الهرموني ، الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام يلتمس منها عن طريق وسيط اسمه تحت السرير البصري أن تواجه الخطر ، فالغدة النخامية تحت يديها أجهزة أمنية ، تعطي أمراً للكظر الذي فوق الكلية أن يواجه الخطر ، فالكظر يعطي خمسة أوامر ، أول أمر إلى القلب ، فيرتفع نبض القلب إلى أن يصل أحياناً إلى 180 نبضة ، والنبض الطبيعي 80 ، فالخائف لو قسنا نبضه لكان 160 ـ 170 ـ ، والأمر الثاني إلى الرئتين فيزداد وجيبهما ، والخائف يلهث ، ثم أمر ثالث إلى الأوعية المحيطة بالجلد ، فتضيق لمعتها ، فيصفر لون الخائف ، كي يذهب الدم الفائض إلى العضلات ، والأمر الرابع للكبد ليطرح كميات من السكر إضافية ، والأمر الخامس إلى الكبد أيضاً ليطرح هرمون التجلط ، فتزداد لزوجة الدم عند الخائف بالضبط ، هكذا يواجه الكظر الخطر ، بأمر من النخامية ، بالتماس من الدماغ ، بمعلومات من العين ، هذه أول فكرة .
الفكرة الثانية : القلب لأنه عضو نبيل ، وخطير ، ومصيري ، لا يمكن أن يتلقى الأمر بالنبض من جهة بعيدة عنه ، كما أنه لا يمكن لمستشفى تجرى فيها عمليات جراحية أن تعتمد على الشبكة العامة ، لو حدث خلل في الشبكة العامة ، وانقطعت الكهرباء والمريض مفتوح قلبه ، وجميع الأجهزة تعمل بالكهرباء ، إذاً يموت المريض فوراً ، فلابد من مولدة خاصة لغرفة العمليات .
الآن : لأن القلب عضو نبيل جداً ، وخطير جداً ، ومصيري جداً ، لا بد من مركز كهربائي ذاتي في القلب يمد القلب بالنبض الكهربائي ، و لو تعطل هذا المركز فهناك مركز احتياطي ثانٍ ، لو أن الثاني تعطل فهناك مركز احتياطي ثالث ، لكن هذه المراكز الثلاثة لا تمد القلب إلا بالنبض النظامي فقط 80 نبضة في الدقيقة ، فقط ، أما إذا كان الإنسان خائفاً ، أو يصعد درجاً ، أو يواجه عدواً ، ما الذي يرفع النبض إلى 130 ؟ إدراك الخطر عن طريق العين ، ثم التماس الدماغ من النخامية ، التصرف ، والنخامية تأمر الكظر ، والكظر يعطي الأوامر ، إذاً الأمر الاستثنائي بالنبض من أين يأتي ؟ من الرأس عن طريق الكظر ، والأمر النظامي بالنبض يأتي من القلب مباشرة ، هذه مقدمة .
الآن نحن أمام دابة نريد أن نذبحها ، النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته النبوية أنه أمرنا ألا نقطع رأسها ، بل نكتفي أن نقطع أوداجها فقط ، وليس في عهد النبي ، وليس في مكان في الأرض ، ولا بعد مئة عام ، ولا بعد 200 عام ، ولا بعد 500 عام ، ولا بعد 1000 عام ، ولا بعد 1300 عام مراكز تشير إلى حكمة ذبح الدابة ، وبعد 1400 أو أكثر بقليل توصل العلم إلى فهم حكمة توجيه النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه الدابة إن قطعنا رأسها كما تفعل معظم المسالخ في العالم ، يعلقونها من أرجلها ، ويقطعون رأسها ، بقي الأمر الذاتي للقلب 80 نبضة ، الثمانون نبضة لا تخرج من الدابة إلا جزاء يسيراً من الدم ، ويبقى الدم في الدابة ، أما لو بقي الرأس موصولاً لجاء الأمر الاستثنائي من الدماغ إلى الكظر ، إلى القلب ، وارتفع النبض إلى 180 نبضة ، والـ180 نبضة كافية لإخراج الدم كله من الدابة ، إذاً هو e :
﴿ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * ِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
هذا الحديث وحده من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، ذلك لأن الدم وهو في الإنسان الحي طاهر ، لماذا ؟ لأن ثلاثة أجهزة من أدق الأجهزة تصفيه باستمرار ، أول جهاز هو التنفس ، في الدم ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق السكر ، هذا الغاز ثاني أكسيد الكربون يتعلق بالكريات الحمراء ، فيجعلها سوداء ، ويأتي الدم إلى الرئتين ، فتصفيه من ثاني أكسيد الكربون ، وتأخذ مكانه الأوكسجين فيغدو الدم أحمر ، إذاً الرئتان تصفيان الدم ، والكليتان تصفيات الدم من كل الحموض التي تؤذي الإنسان ، وفي طليعتها حمض البول ، ومئات ملايين الغدد العرقية أيضاً تصفي الدم ، لذلك الدم وهو يجري في الجسم طاهر ، لهذا قال الله تعالى : ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾
( سورة الأنعام الآية : 145 )
المسفوح ألغِيت تصفيته ، فإذا ذبحنا الدابة بصعقة بالكهرباء كما تفعل بعض المسالخ في العالم ، أو إذا علقناها من أرجلها ، وقطعنا رأسها تعطل الأمر الاستثنائي برفع النبض ، وبقي أمر القلب فقط ، فيبقى جزء كبير من دمها فيها ، والأمراض كلها في الدم ، والفضلات كلها في الدم ، حمض البول ، ثاني أكسيد الكربون ، والدم أكبر مرتع للجراثيم ، لذلك الدابة التي تصعق صعقاً ، أو التي يقطع رأسها عند الذبح كلياً ، هذه دابة فيها لترات كبيرة جداً من الدم قد تصل في البقرة إلى 8 كغ تقريباً ، لذلك لو أردنا أن نشتري لحم من بلاد بعيدة وطلبنا الذبح الشرعي لطالبونا بزيادة في السعر ، لأن كان كل دابة فيها 4 أو 5 أو 8 كغ وزن الدم ، فإذا ذبحت ذبحاً شرعياً ، وارتفع النبض إلى 180 نبضة خرج الدم كله ، لذلك لحم الدابة التي تذبح وفق الطريقة الإسلامية لحم زهري ، فيه طعم طيب ، ليس فيه مواد مؤذية ، ولا فضلات ، ولا حمض بول ، ولا جراثيم ، كله هذا منتَهٍ ، فلذلك الفرق كبير جداً بين الحيوان الذي يموت ودمه فيه ، فلا يؤكل ، وبين الحيوان الذي يذبح ذبحاً ، ويذكّى ، وقد خرج الدم منه .
إذاً هذه هي الثغرة التي توهم المشركون بقولهم : لماذا تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ حينما يموت الحيوان يقطع الله عز وجل عنه الإمداد فتبقى أجهزته كما هي ، ودمه فيه ، إذاً لا يؤكل ، بينما حينما تذكي الحيوان ، أي تذبحه ذبحاً شرعياً عندئذٍ يصبح لحمه طاهراً أزهر من حيث اللون .
لكن مع الأسف الشديد ، والحقيقة لا بد من أن أذكرها أن بلادًا كثيرة لا تؤمن بالله ، قد تشترى منها لحوم إلى بلاد إسلامية ، والذين يشترون اللحوم يشترطون الذبح الإسلامي ، ماذا تفعل المسالخ الكبرى في العالم ؟ تتصل بمركز إسلامي ، وترسل لهم مبلغًا كبيرًا فلكيًّا نظير إعطائهم وثيقة فقط ، وأصحاب المراكز هؤلاء المنتفعون الذين يبتزون أموال الناس بالباطل يوقعون هذه الوثائق ، ولا يذهبون إلى المسالخ إطلاقاً ، ويتم الذبح بطريقة غير شرعية ، وأحياناً يعبرون عن جهلهم وغبائهم حينما يكتبون على علب السمك أن هذا السمك ذبح على الطريق الإسلامية ، وأنا لا أرى لحما يعلو على لحمٍ ذبح في بلاد إسلامية أبداً ، هناك مشكلات كبيرة جداً ، وهناك استثناءات ، وقد لا تكون دقة في الذبح الإسلامي ، لكن في الأعم الأغلب هناك انحرافات ، وهناك تجاوزات ليست في صالح من يأكل هذا اللحم .
لذلك هذه الثغرة التي أثارها المشركون : لماذا تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ لأن الله أمرنا أن نذبح الدابة من خلال إرشادِ نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل أن نبقي رأسها موصولاً بجسمها كي يعمل الأمر الاستثنائي الذي يصدر من الرأس إلى الكظر إلى القلب ليرفع النبض إلى 180 ، كي يكون هذا النبض السريع سبباً لإخراج الدم كله من الدابة ، عندئذٍ يكون اللحم أزهر اللون ، طيب الطعم ، بعيداً عن كل ما يؤذي الإنسان .
الآية جاءت : ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الأنعام )
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِين
عندنا شيئان ، عندنا التسمية وعندنا التذكية ، وهناك فرق بين التسمية والتذكية ، التذكية أن تذبح الدابة ذبحاً وفق الطريقة الإسلامية بعدم قطع رأسها ، بل قطع أوداجها فقط ، هذا الذبح الشرعي سماه الفقهاء التذكية ، لحم مذكّى ، أي مذبوح وفق الشريعة الإسلامية ، بينما التسمية أن تسمي وتكبر الله في أثناء ذبح الخروف ، لكن الآية هنا :
﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾
وهناك تفصيل لطيف : حكم أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه عمدا أو نسيانا
قال الإمام مالك رضي الله عنه : ينبغي ألا يأكل من دابة لم يذكر اسم الله عليها ، نسياناً أو عمداً سواء ، قال الإمام مالك : " ينبغي ألا تأكل نسياناً أو عمداً " ، هذا مذهب الإمام مالك .
أما مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه " فإنه إذا كان الإنسان ناسياً للتسمية فينبغي أن يأكل ، وسمِّ الله أنت عليها ، وإن كان عامداً فينبغي ألا يأكل " .
أما الإمام الشافعي فقال : " إن لم تذكر اسم الله عليها ناسياً أو عامداً فكل ، لماذا ؟ قال : لأن الذكر رد في بعض الأحاديث :
(( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ))
[ متفق عليه ]
فالمؤمن يذكر الله في نفسه ، بل أبلغ من ذلك أن المؤمن لا يعقل أن يقدم على ضبع ليذبحه ويأكله ، لا يقبل إلا على حيوان أحله الله لنا ، إذاً يذكر أن هذا حلال ، وهذا حرام ، وهو مؤمن فإيمانه ذكر ، فعند الإمام الشافعي لك أن تأكل إن لم يسمَّ على الدابة عمداً أو نسياناً ، وعند الإمام مالك ينبغي ألا تأكل إن لم يذكر اسم الله عمداً أو نسياً ، والإمام أبو حنيفة فصل ، فإن لم يذكر اسم الله عليها عمداً فينبغي ألا تأكل ، وإن لم يذكر اسم الله عليها نسياناً فل