الوصف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخواني وأخواتي أعضاء منتديات اقليم كوردستان وأسعد الله أوقاتكم بالخير والمحبة... يطيب لي أن أنتهز الفرصة بأن أتقدم لجميع مشرفي وأعضاء منتديات اقليم بالشكر والامتنان على هذه الجهود المتواصلة من أجل بث روح النشاط بالمنتدى، وتوطيد العلاقة فيما بيننا ونشر روح الالفة والتراحم، وتعطير صفحات منتدانا بالمتعة والفائدة. لذا،فأني أحمد الله على هذا التوفيق ومن ثم أود أن أشكر الجميع على هذا التعاون آملاً من الجميع الاستمرار في هذا العطاء... كلمة الإدارة

آخر 10 مواضيع
أقسمتُ أن لا انتظركِ           »          لا تدع اليأس ياخذ مجـرااه في حياتكٍٍ           »          ابواب السماء لاتغلق ابدا           »          الحل هنا مشاكل تعليق الكمبيوتر واسبابه           »          حبايب قلبنا واحد .           »          موسوعة المكتبة الصوتية والكتب والمقالات للشيخ حاتم الاثرى           »          قلم كاميرا ومنبه كاميرا وساعة كاميرا للبيع 01285860097           »          ترجمة مختصرة للشيخ حاتم الاثرى           »          الموسوعة المتنوعة للشيخ حاتم الاثرى           »          ذاكرة ملوثه


العودة   منتديات اِقليــم كوردستان > منتدى الاقليم الاسلامي > قسم تفسير القران

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-18-2011, 07:42 PM   #1
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



التفسير المختصر - سورة النساء (04) -لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الإخوة الكرام:
أناس كثيرون يشككون في كل شيء، يقولون لك لا ندري، لا نعلم، الله أعلم، لماذا خلقنا ؟ كأننا خلقنا لنعذب، لا أحد مرتاح، كلما عرضت عليهم حقيقة، أو آية، ردوا عليك بأنهم لا يعلمون، ولا يفهمون سر الوجود.
الله جل جلاله، يقول في سورة النساء وفي الآية السادسة والعشرين:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾
وقال سبحانه:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
( سورة هود: 119 )
يعني يا عبادي خلقتكم لأرحمكم.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات: 56 )
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
( سورة النساء: 77 )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5)﴾
( سورة فاطر: 5 )
لو قرأت القرآن الكريم، لوجدته كله يبيِّن لهذا الإنسان سرّ وجوده، لماذا جيء به إلى الدنيا ؟ ماذا بعد الدنيا ؟ ما حكمة وجودك ؟ في حين ترى أنّ كل إنسان يشكك، يقول أحدهم: جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت، هكذا قال بعض الشعراء، رأيت قدامي طريقًا فمشيت، كيف جئت، كيف أبصرت طريقي، لست أدري، ثم يقول: ولماذا لست أدري لست أدري، هذا الذي يشكك، له مِن وراء التشكيك غاية.
الإنسان المنحرف يريد ألا يعلم، لأنه لو علم، لأصبح مسؤولاً، والدليل:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾
يا محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
( سورة القصص: 50 )
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
( سورة الماعون: 1- 2 )
هو نفسه.
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾
( سورة الماعون: 3 )
إذاً الإنسان حينما يريد ألا يعلم، معنى ذلك أنه منحرف، وأنه مقيم على المعاصي، وأنه يتبع شهواته، فإذا علم أصبح مسؤولاً، هو أميَل إلى ألاّ يعلم، إلى أن يشكك، إلى أن يقول: لا نعرف، ففي الحياة في أسرار، وكأنّ كلّ الأسرار عنده، قل له: فُكَّ سراً واحداً، يقول لك: لا أقدر، هذا القرآن كلما غُصتَ فيه غرقتَ، أعوذ بالله، كلام الله، نزل هذا القرآن من لدن حكيم عليم لنفهمه، لنقرأه، لنتدبر آياته، انظر في الآية الكريمة:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾
لقد بيّن لك، بيّن لك لماذا خلق الكون، ولماذا خلق الإنسان، ولماذا جاء بك إلى الدنيا، وماذا يقول الإنسان عند الموت. ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾
( سورة المؤمنون: 99 - 100 )
إذاً سر وجودك في أنْ تعمل العمل الصالح. ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر: 1 -3 )
القرآن كله بيان، قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
(سورة النساء: 26 )
الآن هؤلاء الأقوام السابقة، حينما انحرفوا ماذا حل بهم، أتريد عبرة نظرية، أتريد حقيقة نظرية، اقْرأ القرآن الكريم، أتريد حقيقة عملية، أقرأ ماذا حل بالأقوام السابقة:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3)﴾
( سورة الفيل: 1 -2 - 3 )
وأنت أيها الإنسان، ألم تَرَ كل يوم ماذا يحل بالمنحرفين.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
(سورة النحل 112 )
ألا ترى كل يوم فيما حولنا من البلاد الفلانية ؛ هنا حرب أهلية، هنا فيضان، هنا زلزال، هنا صواعق، هنا براكين، إن أردت الحقيقة مجردة، فاقرأ القرآن، وإن أردت الحقيقة مطبقة على أقوام، قال سبحان:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
من أجل ماذا قال: ليتوب عليكم ؟ من أجل أن:
﴿َيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)﴾
أمّا الآية التي بعدها:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
هذه مشيئته.
لذلك إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد، فشيء مخيف.
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾
( سورة التوبة: 118 )
وفي آية:
تابوا فتاب الله عليهم.
ما معنى توبة الله قبل توبة العبد ؟
ما معنى توبة الله بعد توبة العبد ؟
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾
(سورة التوبة (118))
تابوا فتاب الله عليهم...
العلماء قالوا:
إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة.
أما إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد، أي هي الشدائد، التي يسوقها الله لهذا الإنسان ليحمله على التوبة، أيْ تَوَّبَهُ، تَوَّبَهُ، فلما ربنا يقول:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
يعني كل هذه المصائب، كل هذه المتاعب، الفقر، الفرج، القهر، الذل، الخوف، القلق.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
( سورة الشورى: 30 )
ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفوا الله أكثر.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
إذاً الشر المطلق ليس له وجود في الكون، الشر الهادف، والشر بنظر الإنسان شر، في نظر الواحد الديان مطلق الخير.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
ثم قال:
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾
(سورة النساء)
إذاً أنت محاط بناس لا دين لهم، فَسَقَة، يحبون الشهوات، مشكلة الإنسان أنه يعيش معهم، دائما يريدون منك أن تميل ميلاً عظيما، يجرونك إلى الربا، إلى الاختلاط، يجرونك لتزويج ابنتك من شاب غني فقط، يقول بعضهم: الدراهم كالمراهم، ماذا تستفيد من الفقير المعترِّ.
إذا كان الذين حولك دين لهم، فإنهم يجرونك لاتّباع الشهوات والميل عن الحق، فهذه الآية دقيقة.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾
عن الحق، لذلك:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
( سورة الكهف: 28 )
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾
( سورة لقمان: 15 )
إذا استشرتَ فاستشِر إنسانًا مؤمنًا، صادقًا، استشِر إنسانًا واثقًا من ورعه، من علمه، أما أنْ تسأل واحدًا لا دين له ؟ فإنّه يغرقك، لماذا يريد الله أن يتوب عليكم؟ قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾
(سورة النساء: 27 )
أنت تحمِّل نفسك مالا تطيق، لماذا يحمل الإنسانُ نفسَه مالا تطيق في حين:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾
لكن:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
أنت تقدر على معاينة المعصية عند الموت ؟ وفي أثناء الحياة تجد الناس نيامًا مخدرين، تشغلهم نزهات مختلطة، يقترفون السيئات، فهم مخدرون، والمال موجود، والصحة موجودة لا يدري أحدهم ما يعمل لغفلته، لو أن إنسانًا عاين هذه المعاصي وهو في القبر فإنه لا يتحمل ؟ يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا منها، ولمّا يرى الإنسان مكانه في النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الدنيا لصعقوا بها.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
أربع آيات بمحور واحد، يريد الله ليبين لكم، كل هذا القرآن تبيان وإذا لم تكفِ الحقائق النظرية، فإنه يريك حالَ الأقوام السابقة التي كفرت.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
( سورة الفيل)
قوم عاد، قوم ثمود، قوم فرعون، قوم نوح، انظر إلى هؤلاء القدامى، أمّا حال المعاصرين، فانظر حولك، كم من حرب أهلية ؟ كم زلزال صار ؟ كم فيضان ؟ يقولون: إعصار ؛ خسارة البلاد بسببه تقدَّر بثلاثين مليارًا، إعصار واحد في نصف ساعة، ما لنا لا نرى ولا نبصر ؟ المصائب التي تأتي، بساعة أعاصير، بساعة زلازل، بساعة فيضانات، بساعة حروب أهلية، واللهُ ماذا قال:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
( سورة الأنعام: 65 )
هذه الصواعق قديماً وحديثاً، والصواريخ،حديثا مِن فوقكم:
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
الزلازل والألغام،
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾
الحروب الأهلية.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
قبل أسبوع تحاربت بإفريقيا دولتان، عشرة آلاف قتيل في يومين، عشرة آلاف، هذا من فعل الله عز وجل، من تأديب الله عز وجل لعباده، فلذلك، يريد الله ليبين لكم أتحب بيانًا عمليًا، فهؤلاء القتلى بيانٌ عملي صارخ " ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، لذلك، واتبعْ سبيل من أناب إليَ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا.
وبعد ؛ لماذا كل هذا ؟ قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
(سورة النساء)
يريد أن يبين، ببيان نظري، يريد أن يبين، ببيان عملي، يريد أن يخفف عنكم، يريد أن يتوب عليكم.
لذلك هذه الآيات في سورة النساء جاءت متتابعة، ثلاث آيات تبدأ بكلمة:والله يريد، إذا قلت: أنا لا أعرف لماذا خُلِقت، والله هذا منتهى الحمق ! كتاب الله معجز، وهو بين يديك، يبين لك خالق الكون لماذا خلقك.
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(سورة هود: 119 )
يقولون: أريد تفسيرَ الآية، لا أريد تفسير الزمخشري، ولا الجلالين ولا الطبري ولا القرطبي، بل أريد شيئًا واضحًا مثل الشمس، فإليك الجواب في الآية:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
خلقك ليرحمك.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
(سورة الذاريات)
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) ﴾
(سورة آل عمران)
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
(سورة النساء: 77)
﴿َالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾
(سورة الأعلى)
اقرأ القرآن فإذا قلت: لا أدري فهذا جوابه:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
(سورة القصص: 50)


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:44 PM   #2
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾
الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الشريعة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾
ويخاطب المؤمنين بفروع الشريعة، فحيثما قرأت في كتاب الله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
فالذي آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وملائكته وكتبه، هذا الخطاب موجَّه إليه، أما إذا خاطب الإنسان لعموم وصفه يقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾
فالناس يخاطبون بأصول الشريعة، بينما المؤمنون يخاطبون بفروع الشريعة.
هذه الآية أيها الإخوة، للإمام الشافعي شرحٌ دقيقٌ لها، كلكم يعلم إن الدين في أصله، وحيٌ من الله إلى رسوله، ونقلٌ عن رسول، فالدين وحيٌ ونقلٌ، فإذا قال الله عز وجل:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾
يعني أطيعوا الأمر الذي وصلكم عن طريق الوحي، يعني القرآن، كيف أطيع الله ؟ بتطبيق أوامر القرآن، وأطيعوا الرسول، وكيف أطيع الرسول ؟
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر: 7 )
وقال: ليبين للناس ما نزل إليهم.
فالسنة النبوية المطهرة، نوعان أو ثلاثة أنواع.
أولاً: نوع قولي.
ثانياً: نوعٌ عملي.
ثالثاً: نوعٌ إقراري.
فإذا وقف النبي في موقف، وحَدَثَ أمامه حدثٌ، وسكت النبي، فهذه سنة، لإن سكوته يعني أنه أقره، لو لم تكن على حق لما سكت، لأنه رسول ومشرع، فهنالك سنة ٌ، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة.
فإذا قال الله عز وجل:
﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
تتلخص طاعتُه في ثلاثة أشياء ؛ الأحاديث الشريفة الصحيحة التي فيها أمرٌ ونهيٌ.
ينبغي أن تطيعه فيها، وسيرته الصحيحة هكذا فعل، ففي بيته فعل كذا وكذا، مع إخوانه، مع أصحابه في حربه، في سلمه، في قيادته كانت أفعاله كذا وكذا.
سنته الفعلية هي سيرته، وإقراراته، أيضاً من سنته.
فأنت مأمور من قبل الله عز وجل، أن تطيع الأمر الذي جاءك في القرآن الكريم، وأن تطيع الأمر الذي جاء به النبي ليبين لك ما في القرآن الكريم، وأن تقلد النبي قي سلوكه، وأن تطيعه أيضاً في إقراره، وهذا كلُّه واضح.
أطيعوا الله ؛ الأوامر القرآنية، وأطيعوا الرسول سنته القولية، والعملية، والإقرارية.
الآن: وأولى الأمر منك.
الإمام الشافعي قال: وأولي الأمر هم العلماء والأمراء.
ما الفرق بينهما ؟ العلماء الذين يعرفون الأمر والنهي، والأمراء الذين ينفذونه.
لكن لو وقع شعب مسلم تحت حكم استعماري كافر، هل هؤلاء أولو الأمر ؟ لا !!! هؤلاء الكفرة هم أولو الأمر فيكم لا منكم، فمِن للتبعيض.
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
كلمة " من" للتبعيض.
من هم " أولي الأمر" ؟ هم العلماء الذين يعرفون أمر الله، والأمراء الذين ينفذون أمر الله، فأنت بحسب هذه الآية.
مكلفٌ أن تطيع الأوامر التي وردت في هذا الكتاب.
ومكلف أن تتبع سنة النبي القولية والعملية والإقرارية.
ومكلفٌ أن تطيع من يفتي لك وهو على علمٍ، وورعٍ وتقي، ويقول لك: الحكم الشرعي في هذا المبلغ مثلاً إنه حرام، " أولي الأمر" صار معناها: عالم مُفْتٍ، وإذا أحيل هذا الأمر إلى الدوائر التنفيذية، فلو كنتَ أمام القاضي الشرعي مثلاً، وحَكَم لك في خلاف بينك وبين زوجتك بحكم الله، فأوجب لها المهر، فهذا القاضي الشرعي من أولي الأمر، فلما أحيلت هذه القضية إلى دوائر التنفيذ، صرنا من مع "أولي الأمر" من نوع ثانٍ، وهو المنفذ.
"أولي الأمر " نوعان، الذي يعلم، والذي ينفذ، بِشرطِ أن يكون منكم.
الآن:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ ﴾
فَمَع مَنْ نتنازع.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
ماذا حذف من هذه الآية ؟ هم ثلاثة فيما سبق مِن الآية:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
قال:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
هل تفهمون مَنْ حُذِف " أولي الأمر "، فالنزاع بين مَنْ ومَنْ.
النزاع إذاً بين المسلمين وبين علمائهم، وبين أمرائهم، فإذا حصل نزاعٌ وجاءك أمر مخالف للقرآن الكريم فالحكم لله ولرسوله، والقصة التي أرويها لكم دائماً.
أن النبي صلى الله عليه وسلم: أرسل سريةً وأمَّر عليها أنصارياً فيه دعابة، هذا الأنصاري بعد أن تسلّم القيادة أعطى أمراً أن تضرم نارٌ عظيمة، وقال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أميرهم: اقتحموها !!!
فترددوا، بعضهم قال كيف نقتحمها ؟ وقد آمنَّا بالله ورسوله فراراً منها، وبعضهم قال: لا بد من اقتحامها، فطاعة الأمير طاعة الرسول.
وقعت منازعةٌ بين الصحابة وبين هذا الأمير الذي أمرهم أن يقتحموا ناراً، والنبي حيٌّ يُرزق، فذهبوا إلى النبي يخبرونه، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف.))
فالمنازعة هنا بين المسلمين وبين علمائهم أو بين أمرائهم، حول شرعية حكم يجوز أو لا يجوز، فَمَنْ هو الحَكَم في هذه المنازعة، كتاب الله وسنة رسوله، الآية أصبحت على الشكل التالي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾
بطاعة أوامره في القرآن الكريم، لأن هذا وحيٌ من عند الله نقله إلينا النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
فاللهُ مثلاً بيَّن لنا البيوع بآية واحدة، والنبي بيّن البيوع بمئتي حديث، وأمّا الزكاة: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾
( سورة التوبة: 103 )
فالنبي بيّن زكاة الزروع، وزكاة التجارة وعروض التجارة، وزكاة المواشي، وزكاة الركاز والأنصبة، ومصارف الزكاة.
فالنبي وصَّى وفَصَّل، فأنت عليك أن تطيع الله عز وجل فيما أمر، وأن تطيع النبي عليه الصلاة والسلام فيما بين بسنته القولية، وفيما فعل سنة فعلية وفيما سكت فسكوته إقرار.
ذات مرة ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد أصحابه وقد توفي توًّا في بيته، فسمع من خلف الستار امرأةً تقول: هنيئاً لك أبا السائب، تعني أبا السائب، لقد أكرمك الله، فلو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً، لكنه عليه الصلاة و السلام قال: ((ومن أدراكِ أن الله أكرمه، قولي: أرجو الله أن يكرمه.))
لأن هذا تَأَلٍّ على الله، قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبيٌ مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.
إذاً النبي لم يسكت فإذا سكت فما عاد نبياً، أي كلمةٍ باطلةٍ تلقى أمامه لا بد أن يصححها، فسنة النبي ؛ أقواله الصحيحة، وسنة النبي أفعاله يعني سيرته، وسنة النبي إقراره.
وكثير مِن الأحاديث أساسها أن صحابيًا فعل كذا وكذا في حضرة النبي، والنبي ما نهى عن ذلك، إذاً هذه الواقعة أصبحت سنة، " أولى الأمر" هم العلماء العاملون، الصادقون، المخلصون، الذين يعرفون أمر الله ورسوله، والذين ينفذون هذا الأمر أيضاً هم من أولي الأمر، أما لو وقع مجتمع مسلم تحت حكم مستعمر كافر، فلا يكون هذا الكافر من أولي الأمر.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
إذا آمنت أن الله هو المشرع، هو الذي يعلم، وهو الذي يميت، وهو الذي سيحيي، وهو الذي سيحاسب، إن آمنت بهذا، فعليك أن ترد النزاع إلى الله والرسول.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾
الآن عندنا سؤالان، ماذا ترون في تعلُّم سنة النبي القولية ؟ يعني يستحسن أن تتعلمها، وهنا يطالعنا سؤال ؟ يستحسن، يعني أهو مندوبٌ أن تتعلمها ؟ لا، أهو فرض كفاية أن تتعلمها ؟ لا، بل تعلُّمها فرض عين، قل لي ما الدليل في أن تعلم سنة النبي القولية فرض عين، لأن الله تعالى يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
فكيف تأخذ شيئاً لا تعلمه ؟ إذاً كل واحد من إخواننا الحاضرين عليه أن يعرف سنة النبي القولية، وهذا فرض عين، ولا يعفى منه أحد.
وهذا سؤال آخر:
أقراءة سيرة رسول الله، يعني: مستحسن، مندوب، فرض كفاية ؟ لا بل تعلُّمها فرض عين، والدليل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: 21 )
أمر إلهي هو قدوتك، كيف تقتدي به وأنت لا تعلم أحواله وأفعاله وتصرفاته، إذاً لابد من تعلم سنة النبي القولية والفعلية والإقرارية حتى تنفذ أمر الله عز وجل.
﴿ َأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
هذا طيبٌ، ثم لابد من أن تستسقي العلم من أولي الأمر الذين يعرفون أمر الله.
ابن عمر دينَك دينَك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، إذاً:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
العلماء والأمراء طبعاً منكم.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾
مثل ما صار مع الصحابة، تنازعوا مع أميرهم، قال لهم: اقتحموا النار، فلما ردوا هذه المنازعة إلى الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف.
﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59)﴾
هذه الآية واضحة، وتلخيص للموضوع أقول:
طاعة الله في اتباع القرآن.
طاعة النبي في العمل سنته القولية والعملية والإقراري.
طاعة أولي الأمر، أن تتعلم من العلماء الذين يعلمون أمر الله ورسوله، وأن تطيعهم فيما يفتون لك بشرط أن يكون من المسلمين، أما إذا وقع المسلمون تحت سيطرةٍ كافرةٍ أجنبيةٍ، عندئذٍ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
و الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:45 PM   #3
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



أيها الإخوة الكرام ؛ الآيات السابعة والسبعون والثامنة والسبعون والتاسعة والسبعون من سورة النساء، تشير إلى موضوع دقيق، قد يفهمه المسلمون على غير ما أراده الله عز وجل.
مثلاً، إذا خاطبتَ إنسانًا متلبساً بمعصية الله، ألا تتق الله يا أخي، يقول لك، هذا قدري، بالتعبير الدارج، يقول: طاسات معدودة في أماكن محدودة، ليس بيدنا شيء، هذا ترتيب سيدك، يعني الله، هذا كلام ليس له أساس من الصحة.
سيدنا عمر في عهده، جيء له برجل شارب للخمر، فلما أمر أن يقام عليه الحد قال هذا الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليَ ذلك، فقال رضي الله عنه، وهو الذي فهم حقيقة الدين، قال: أقيموا الحد عليه مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، ثم قال له: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباَ.
لو أن الله سبحانه وتعالى، أجبر الإنسان على طاعته لبطل الثواب !! ولو أجبره على معصيته لبطل العقاب !! ولو تركه هملاً لكان عجزاً في القدرة !!.
فالإنسان حينما يتوهم أن الله قدر عليه أن يعصيه، فقد وقع في ذنبٍ بنص القرآن الكريم، هو أكبر ذنبٍ على الإطلاق.
الله عز وجل، ذكر الذنوب، ذكر الإثم والعدوان، ذكر الفحشاء والمنكر، ذكر الشرك، ذكر النفاق ذكر... ذكر... ثم قال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾
( سورة البقرة: 169 )
أن تقول على الله ما لا تعلم، هذا أكبر ذنبٍ يقترفه الإنسان، فأن تتوهم أن الله عز وجل خلق الإنسان وقدر عليه أن يعصيه، ولا يستطيع إلا أن ينفذ قدر الله عز وجل، ثم يأتي ليحاسَب ويدخل جهنم إلى أبد الآبدين، فهذا افتراء على الله، قال الله عز وجل: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾
( سورة الفتح: 6 )
وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾
(سورة النساء:77 )
وقال:
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
( سورة غافر: 17 )
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
( سورة العنكبوت: 40 )
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
(سورة الزلزلة: 7، 8 )
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
( سورة الأنبياء: 47 )
ماذا نفعل بهذه الآيات:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾
( سورة فصلت: 17 )
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
( سورة البقرة: 148 )
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان: 3 )
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا ﴾
ويقولون: هذا ترتيبه ! ! ! فهذا كلام مَن، كلام المشركين:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾
( سورة الأنعام: 148 )
حينما تتوهم، أن الله سبحانه وتعالى أجبرك على معصيته، فقد وقعت في أكبر ذنب، وهو سوء الظن بالله عز وجل.
فالإمام الغزالي يقول: لأنْ يرتكبَ العوامُ الكبائرَ أهون من أنْ يقولوا على الله ما لا يعلمون، حسن الظن بالله ثمن الجنة.
وبعد ؛ فأنت مخير فيما كلفت، لن تحاسب لماذا ولدت عام 1940، لماذا ؟ لأنك لست مخيرًا في تاريخ ميلادك، لست محاسبًا لماذا كان أبوك فلانًا، فلست مخيّراً في اختيار أبيك، أنت مخير في ماذا ؟ فيما كلفت، أمرك أن تصلي، بإمكانك أن تصلي وألاّ تصلي، أمرك أن تكون صادقاً، فبإمكانك أن تكذب، وبإمكانك أن تصدق، أمرك أن تكون مخلصاً، فبإمكانك أن تخون، وبإمكانك أن تخلص، أمرك أن تغض البصر، فبإمكانك أن تطلق البصر وأن تغض البصر، إذًا أنت مخير في ماذا ؟ فيما كلفتَ، في دائرة التكليف أنت مخير، فإذا فعلت شيئاً محرماً، فإياك أن تقول: اللهُ قَدَّرَ عليَّ، هكذا ترتيب سيدك، وهكذا أراد الله، حتى يشاء الله، لا أتوب حتى يريد الله، هذا كله كلام باطل، كلام تُحاسب عليه، كلام لا أصل له من الصحة، وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، الإنسان مخير فيما كلف، أما هو مسير في شؤون كثيرة، أنْ يكون فلان والده فهو مسير، فلانة والدته مسير، ولد عام كذا مسير، طويل مسير، قصير مسير، كل صفاته الحسية والجسمية وقدراته العقلية، ولادته، ومحيطه، وبيئته، في كل هذا هو مسير، لكن هو مخير فيما كلِّف.
ويجب أن تعلموا أيها الإخوة ؛ أنّ الذي سيرت به هو محض خيرٍ، ولصالحك، محض خير، اختار لك أنسب أب، وأنسب أم، وأنسب زمن، وأنسب إمكانات، وأنسب شكل، وأنسب قدرة، وأنسب زوجة، وأنسب أولاد، كل شيء أنت مسير به فهو لصالحك.
لذلك الإمام الغزالي عبّر عن هذه الحقيقة فقال: ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
ما أنت مسير به فهو لمصلحة إيمانك، ولمصلحة آخرتك.
التخيير من أجل أن تدخل الجنة بعملك.
وبعد ؛ فها هنا نقطة دقيقة، فبعد أنْ عرفتَ أنك مخير فأنت مسير، كيف ؟.
لو أن إنسانًا اختار أن يغش الناس، وأن يأكل أموالهم بالباطل، فربنا الآن يسيره،ويدفع ثمن اختياره، إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبٍّ لبَّه، يورطه في قضية يُفلس فيها ويحار، يا رب أنا حائر تائه، لأنّ كل مالك حرام.
بعد أن تختار فالله عز وجل يسيرك لدفع ثمن اختيارك، فإذا اخترت الإحسان للآخرين، فالله يسيرك لعمل مريح، وإذا اخترت إيذاء الآخرين، فالله يسيرك بعمل يزعجك، فأنت بالأساس مخير، ثم تسير لدفع ثمن اختيارك، وإذا أراد ربك إنفاذا أمر أخذ من كل ذي لب لبه، ولا ينفع من ذي الجد منك الجد، فمهما كنت ذكيًا وعاقلاً، ولديك خبرات متراكمة ؛ ثمانين سنة مثلاً، يُؤتى الحَذِرُ من مأمنه، عند الله ليس هناك ذكي، وعنده ليس هناك خبرات، كل الخبرات تضيع، وإذا أراد ربك إنفاذا أمر أخذ من كل ذي لب لبه يا رجل أين عقلك ؟ فيقول: هذا ما حدَث معي، الله سيرك لتدفع ثمن اختيارك، لمَ اخترت أن تفعل المعاصي والآثام، وأن توقع الأذى بالعباد، فالله سلبك لُبَّك، وفعلت شيئاً دفعت فيه ثمن اختيارك، وهذه هي المقدمة، من أجل قوله تعالى:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
هنا دقة الآية، من حيث التنفيذ، من حيث الفعل.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
وبعد قليل:
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)﴾
قد يبدو لبعض الناس، أن بين الآيتين تناقضاً، لا
الفعل له عنصران ؛ عنصر كسبي.. وعنصر تنفيذي..
العنصر الكسبي: منك والعنصر التنفيذي: من الله .
فلو أردت أن تقوم للصلاة، أنت أردت أن تصلي، هذا الجانب الاختياري الكسبي، أما من يعطيك القوة على أن تقف، وأن تقرأ وأن تركع وأن تسجد، فهو الله سبحانه وتعالى.
أنت صليت اكتساباً، وصليت بقضاء الله وقدره، من حيث الفعل، الفعلُ فعلُ الله، أمَّا الاختيار والكسب فاختيارك وكسبك.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
( سورة البقرة: 286 )
فإذا أشار الله عز وجل إلى أن الفعل كله لله، إلى أن عمل الإنسان من عند الله، فهذا يعني المعنى التنفيذي.
إليك مثلاً آخر أوضح.
لو كتب مدير المدرسة على جلاء الطالب، لقد تم ترسيب الطالب في صفه، فمَن أصدر قرار الترسيب ؟ المدير، لكنْ مَن سبب الرسوب ؟ إنّه الطالب، فالرسوب كسبٌ من الطالب، أما كتنفيذ، وكقرار أُصدر ووُقِّع وخُتِم مِن المدير، فالرسوب مَن سببه ؟ الطالب الكسول، مَن نفذه ؟ المدير المسؤول.
فالرسوب له جانبان... سبب.. وفعل..
التوقيع وإصدار القرار من المدير، فإذا قلنا: المدير رسب الطالب، كلام صحيح، لأنه كسول، أشرنا الآن إلى فعل الرسوب، إذا قلنا هذا الطالب رسب، مسكين، صحيح أيضا، فتنفيذ القرار صدر عن المدير، هذه صحيحة، وهذه صحيحة.
إذا قلنا هذا الطالب رسب فقد أشرنا إلى الجانب الكسبي الاختياري.
وإذا قلنا المدير رسبه، أشرنا إلى الجانب التنفيذي، فليس ثمّة غلط، ولا تناقض العبارتين.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾
لا، أنتم غالطون.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
الأفعال كلها من قَبَل الله، أما الآن الاختيار.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
لو أنت فعلت معروفًا، فالله لمّا أعطاك الخير، فهو منه، وليس لك عنده شيء.
ذات مرة ضربت مثلاً، لو أن أبًا قال لابنه: إذا نجحت فسأشتري لك دراجة، هذا الابن أخذ الجلاء، وركض رأساً إلى بائع الدراجات، وقال له: هات دراجة، أعطِني دراجة، وانظرْ إلى الجلاء، فقد نجحتُ، فهل يعطيه دراجة ؟لا، بل يقول له: ما الذي يعنيني في نجاحك، قالوا: العطاء محض فضل.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾
( فمن نفسك)، يعني أنت الذي تسببت في ذلك، وحينما يُعزَى العمل إلى الله نقصد به الفعل، وحينما يُعزَى العمل إلى الإنسان، نقصد به الكسب، والآية في آخر سورة البقرة:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
أمّا هنا في سورة النساء:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)﴾
ملخص الدرس: إذا توهّم الإنسان أنه هكذا ترتيب ربه، هكذا خلقه، وهكذا جعله لا يصلي، وتركه يشرب الخمر، وتركه يعمل أعمالاً خارج طاقته وإرادته، فهذا تدليس مِن الشيطان، وهذا كلام لا أصل له، والإنسان محاسب لا محالة.﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر: الآية: 92، 93 )
وما وجدتُ واحدًا في حياتي قال: إذا فعلت أعمالاً صالحةً، هكذا أراد الله، لا !!! يقول لك: بالخيرات وبالصلوات وبالصدقات، أنا فعلت، وأنا تصدقت، أنا صليت، بينما عند فعل الموبقات والأثام يقول: هكذا أراد الله، هذا كلام فيه تناقض، الخيرات تعزوها إلى نفسك، أما إذا وُجِدَ تقصير، وأكل مال حرام، هكذا شاء الله، وهذا قدري، لا، ليس قدرك، هذا وهم، وهذا جهل، وهذه الفكرة إذا شاعت بين الناس شلّت حركتهم، فانتهوا يا عباد الله، وانتبهوا:
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)﴾
الخير من الله، والشر من الله فعلاً، ومِن الإنسان كسباً.
العمل له جانبان.. كسب.. وفعل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين..


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:45 PM   #4
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



الآية الخامسة والثمانون من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾
إذا كنت أيها المؤمن سبباً في علاقةٍ أدّت إلى مفسدة، فعليك وزر هذه المفسدة، وإن كنت سبباً في علاقةٍ أدت إلى خير، إلى هدى، إلى تقى، إلى صلاح، إلى تحقيق مصالح المسلمين، إلى التخفيف عنهم، فَلَكَ منها نصيب، وإذا كنت سبباً في علاقةٍ سيئةً فعليك منها وزر، لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس: 12 )
دقق في كلمة " وآثارهم"، فأعظم الأعمال عند الله هي الأعمال التي إذا مات صاحبها، واستمرت من بعد موته، تتجدد منافعها، يتجدد ثوبها، من هنا، ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. صدقةٍ جاريةٍ. وعلم ينتفع به. وولدٍ صالح يدع له.))
لا بد مِن ضرب بعض الأمثلة ؛ لو فتحت محلاً تجاريًا وكل الزبائن نساء، واستخدمتَ شابًا في ريعان الشباب، فلو نشأ فسادٌ عند هذا الشاب فأنت السبب.
﴿َمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾
فقَبْل أنْ تتحرك، وقبل أنْ تعمل مشروعًا، قبل أنْ توظف، قبل أنْ تعين، قبل أنْ تفصل، قبل أنْ تعمل أي علاقة، انتبه إلى أنك إذا كنت سبباً في علاقةٍ أدت إلى مفسدةٍ، فعليك وزرُ مثل هذه المفسدة، ولو دللت شابًا فاسدًا ليتزوج فتاةً طيبةً، فأنت الذي دللت عليه، فلك من هذا الزواج، ومما ينتج عن الفساد منه وزر.
هذه الآية أيها الإخوة: من أدق الآيات التي تجعل المؤمن يفكر ملياً قبل أن يقدم على عمل.
ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا أردت إنفاذ أمرٍ تدبر عاقبته.))
يعني... أنت نصحت صديقك أنْ يبعث ابنه إلى بريطانيا، ليتعلم اللغة الإنكليزية، فهنالك ببريطانيا مثلاً، يفرزون الشاب إلى أسرة، يسكن معهم ليلاً ونهاراً، فقد تكون فتاة في هذا البيت، ويمكن لهذا الشاب أنْ يقع في الزنى، وأنْ يشرب خمرًا، أنت نصحت رفيقك، ليتعلم ابنه لغة، فبعثه إلى بريطانيا، ليتلقى دروسًا وتدريبات عملية.
قبل أنْ تتكلم كلمة، وقبل أنْ تنصح، وقبل أنْ تقيم علاقة، قبل أنْ تجمع بين شخصين، قبل أنْ تدل على زواج، قبل أنْ تؤسس مشروعًا، فقد تكون المفسدة في نصيحتك أو اقتراحك، وتوجيهك لهذا المشروع.
قال لي أحد إخوانا الكرام: إنّ بعض الأعمال تقوم مِن أساسها على معصية، فإذا أنت ساهمت إما بمالك، أو بجهدك، أو بخبرتك، فلا تعطِ خبرتك ولا رأيك لمفسدةٍ تقع بين المسلمين.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾
انتبِهْ ؛ كلمة " نصيب"غير كلمة "كفل"، الكفالة فيها غرامة، أما النصيب ففيه ربح، ما نصيبي من أرباح هذا العام، النصيب فيه ربح، أما الكفالة ففيها مغرم.
هذه الآية أيها الإخوة، تعضدها الآية الثانية.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس: 12 )
آثار الأعمال، أحياناً تشير على إنسان بتطليق زوجته، فيطلِّق، وحينها تريد المرأةُ أن تغيظ زوجها، فتفسد، وتدع الصلاة، وتسفر، وتختلط بالرجال، فأنت الذي أشرت على الصديق أن يطلق زوجته، والآثار المترتبة على هذا الطلاق، أنت أيها المشير تتحملُ كفلاً منها، وبالمقابل إذا دللت إنسانًا على مجلس علم، دللته على خير، على أبواب الخير، على دفع زكاة ماله، على غض بصره.
فأيَّة دلالةٍ تدل بها إنسانًا تنتهي بخيرٍ في الدنيا أو في الآخرة فلك منها نصيب، أروع ما في الإسلام، أنك إذا دللت على خيرٍ كُتب لك أجرٌ كأجر فاعله، وإذا دللت على سوء تحملت وزراً كوزر فاعله.
أسس رجلٌ ملهى وناديًا ليليًا، تقام فيه المعاصي بكل أنواعها، وبعد ما افتتحه بأسبوع توفي، ولا يزال النادي مفتوحًا إلى الآن، وعلى المؤسِّس كِفل من كل مفاسده وخبائثه.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس: 12 )
فاحرص أيها الأخ الكريم، أنْ تعمل عملاً صالحًا، فإذا غبت عن الحياة يبقى العمل مستمرًا، ولك أجر مستمر ما دام العملُ قائما.
أحيانا وكلاء بعض الشركات، قد يأتيه إنسان بغير علم صاحب الشركة ويشتري البضاعة، فيأتي إشعار لصاحب الشركة، سجلنا لك ثلاثين ألف دولار في حسابك، وأنت لا تدري، يوم القيامة لما يختارُ اللهُ الإنسانَ إلى جواره، تكون له أعمال صالحة من هذا النوع، أعمال خيرة، فكل الثواب يأتيه، وتأتي نسخةٌ من هذا الثواب إلى من دلّ عليه.
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان أعطاه اللهُ عقلاً، وكثير من المفاسد الاجتماعية أساسها نصيحة، وأساسها دلالة،و أساسها خبرة، وأساسها إغراء، وأساسها تحميس، فقبْل أن تغري، قبل أن تشير، قبل أن تقترح، قبل أن تدل، قبل أن تفعل شيئاً، دقق أن هذا العمل إذا ظهرتْ منه مفسدة فعليك من هذا العمل وزر، وإذا دللت على خيرٍ فلك من هذا العمل نصيبٌ من أرباحه.
الآية الكريمة:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾
( سورة الزلزلة: 7-8 )
نعيد الآية مرة ثانية:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾
الشفع الزوج، يشفع شفاعةً، يعني كان سبب علاقة، لك صديق عنده بنت ضعيفة في الرياضيات، فتقول له: أنا عندي أستاذ درجة أولى بالمادة، فانتبِهْ، عنده بنت، فأنت جمعت رجلاً مع فتاة في خلوة، وكل شيء قد يحصل، فإنّ الذي دل على هذا العمل عليه وزرٌ من هذا العمل، أضرب أمثلة من أجل توضيح الفكرة.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾
يعني على كل شيءٍ مقتدرا، يعني الله قادر أنْ يمنح الدال على الخير مثل أجر فاعله، وقادر على أن يحاسب الدال على الشر ويعاقبه مثل عقاب أجر فاعله.
لذلك كما ورد في حديث قدسي: ((عبادي الخير بيدي والشر بيدي فطوبى لمَن قدَّرتُ على يده الخير، والويل لمن قدّرتُ على يده الشر.))
هناك أشخاص مفاتيح للخير مغاليق للشر، فأحيانا يقع زواج غير صحيح، في مفسدة، تعقبه فاسد، زوجة فاسدة، وأنت الوسيط، فإذا كان في الأمر فساد فإياك أن تقترب، شركة مبنية على التعامل الربوي، شركة مبنية على موضوع لا يرضي الله عز وجل، مطعم تدار فيه الخمور، فأنت إذا كان لك نصيب في هذه الشركة فهذه مشكلة كبيرة، وهذه الآية يجب أن تكون في ذهن كل أخ مؤمن، قبل ما يتكلم كلمة، قبل أنْ يدل، قبل أنْ ينصح، قبل أنْ يكون وسيطًا، قبل أنْ يكفل كفالة مصرفية مثلاً، قبل أنْ يكفل ينتبه، هذه فيها مخالفة للشرع، فالكفيل مسؤول أيضاً.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ ﴾
فانتبِهْ.
واحدة نصيب، وواحدة كفل، ولكلٍّ منهما معنى.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾
يعني مقتدر على أن يجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:46 PM   #5
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
(سورة النساء: الآيات: 123،124، 125 )
الإنسان أيها الإخوة يتمنى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يصبح غنياً، وما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يكون صحيحاً معافًى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يدخل جنة ربه.
والله سبحانه وتعالى يؤكد لنا في هذه الآية، أن هذه التمنيات لا قيمة لها إطلاقاً، لأن الله لا يتعامل مع التمنيات.
لو أن واحداً تمنى أن يكون أغنى أغنياء بلده، وهو قاعد في بيته، مسترخياً على فراشه، هل يصبح غنياً.
لو تمنى أحد الطلاب أن يكون أكبر طبيبٍ في هذا القطر، وهو لا يقرأ، ولا يذاكر، ولا يدرس، فهل يكون كذلك ؟.
عجيب في أمر الدنيا ؟ يسقط الناس التمنيات كلياً،لكنْ لماذا يتمنون في الآخرة أن يكونوا من أهل الجنة ؟ وهم لا يدفعون ثمنها، ربنا عز وجل ينفي، قال:
﴿لَيْسَ﴾
فعل ماض ناقص. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
طيب، يا رب فبِمَ إذاً ؟.
نفى ربنا عز وجل أن تكون الجنة بالتمنيات، إذاً بماذا ؟
قال:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل: الآية: 32 )
قال:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
(سورة الإسراء: الآية:19 )
دققوا في الهاء:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾
لو قال الله عز وجل وسعى لها ؟ معنى ذلك أن أى سعيٍ مقبول، لكن حينما قال:
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
يعني لها سعيٌ خاص، لا يُقبَل سعيٌ دون هذا السعيٍ.
كأن نقول مثلاً، من أتى بمجموع كلية الطب، بمجموعها، لها مجموع خاص، تقريبًا (230 درجة ) مِن أجل أنْ يسمح للطالب بالانتسابِ إلى كلية الطب، من جاء بمجموع هذه الكلية فإنّه يدخلها، أما من جاء بأي مجموع أدنى فلا يقبل.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
الخاص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
هذه هي الآية الثانية.
أمَّا الآية الثالثة:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
( سورة الكهف: الآية:110 )
إذًا ثمن هذا اللقاء العمل الصالح.
الآية الأولى:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
القضية ليست بالتمني، ولكنها بالسعي.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل)
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
( سورة الأنعام: الآية: 132 )
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
( سورة الكهف: الآية:110 )
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
آيات واضحة كالشمس.
الآن آية تشبه هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
( سورة فاطر: الآية: 5 )
الغرور هو الشيطان.
يعني أنّ الشيطان قال:
﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
( سورة الأعراف: الآية: 17 )
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾
يعني... الشيء الجديد، ونحن في عصر علم وتقدم، وقد يوحي لأوليائه أنّ هذا الدين تخلف وغيبيات، فالشيطان إذًا أتى الإنسانَ من بين يديه.
أمّا:
﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾
هكذا رباك أبوك على الاختلاط مثلاً، هكذا يتاجر أبوك بهذه الطريقة، قد تكون الطريق غير شرعية، فإما أن يأتينا من بين أيدينا، وإما أن يأتينا من خلفنا، وأما أن يأتينا عن شمائلنا، يدعو إلى المعاصي، إذًا لم يبقَ إلاّ هذه الجهة الرابعة.
﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾
فما معنى عن أيمانهم ؟ يقول لك الشيطان: إن الله غفور رحيم، أنت تنتمي لهذه الأمة العظيمة، والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة حتى يدخل أمته قبله، يسجد ولا يرفع رأسه حتى يشفع وتُقبل شفاعته لأمته، واللهِ شيء مريح، فمثل هذا المفهوم الخاطئ عن الشفاعة مضلِّل، الشفاعة حق، وهي في نص القرآن الكريم، وفي نص السنة النبوية، ولكن بعض العوام يفهمون الشفاعة فهماً مغلوطاً، فيظن أنه إذا فعل كل المعاصي وشفع له النبي فقد انتهى الأمر.
مع أن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه))
يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: ((أمتي أمتي، فيقال له لا تدري ماذا أحدثتْ بعدك، فيقول سحقاً سحقا.))
إذا الآية الكريمة.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
البديل.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل)
البديل الثاني.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
البديل الثالث.
﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
(سورة الأنعام: 132 )
وأما الآية التي تنهى الإنسان عن أن يغتر بالحياة الدنيا.
أنا أعرف رجلاً توفاه الله، كان شاباً يعمل في محل تجاري في سوق الحميدية، شاب مراهق في ريعان الشباب، يحب أن يداعب الناس، كان يكنس المحل التجاري، ويضع الكناسة في علبةٍ أنيقة، ويلف هذه العلبة بورق ثمين، ويضع حولها شريطًا أحمر، ويضع هذه العلبة على الرصيف، فيمرُّ شخصٌ، ويرى علبةً أنيقةً، ملفوفةً بورق أنيق، لها شريط أنيق، فيظنها شيئاً ثمينًا، فيأخذها ويعدو بها، فيتبعه خفيةً، وبعد مئتي متر يفكُّ الشريط، ثم بعد مئة متر أخرى يفتح الورق، وبعد مئة متر ثالثة يفتح العلبة فإذا فيها كناسة المحل !!! فينفجر ويسب ويلعن.
واللهِ هذا المثل وهذه القصة أراها تنطبق على الدنيا مئة بالمئة، الإنسان في مقتبل شبابه يرى المال شيئاً ثميناً، المرأة، الزوجة، النزهات، الطعام، الشراب، الولائم، وعند منتصف العمر يرى أن المال مجرّد شيء، ولكنه ليس كلَّ شيء، وعند خريف العمر يرى أن المال ليس بشيء، فهذه الرؤية هي الحقيقة التي نراها عند الموت، ولو رأيناها في مقتبل الحياة لكنا في أوَّج السعادة، ولكنا في أعلى عليين، فالمفروض بالإنسان أن يرى الحقيقة في الوقت المناسب، فرعون رأى الحقيقة، واللهِ لقد رآها، وأيقن بها، واعترف بها، ولكن عند الغرق. قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين.
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
( سورة يونس: الآية: 91 )
فقضية الرؤية قضية وقت، دققوا أيها الإخوة، والله أنا ناصحٌ لكم، قضية رؤية الحقائق قضية وقت فقط، إما أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب، أو بعد الوقت الناسب، ومَا من إنسان ولو كان فرعون إلا وسيرى الحقيقة، لكن بطولتك كلها تعني أن ترى الحقيقة وأنت شاب كي تعمل صالحاً قبل فوات الأوان، وكي تتقرب إلى الله عز وجل.
وبعد ؛ الآية دققوا في الآية مرة ثانية:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
فيها فقرة مخيفة، قال:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
هذا كلام مَنْ ؟ كلام خالق الكون، آية بالقرآن الكريم الآية، رقمها ثلاثةٌ وعشرون بعد المئة، في سورة النساء:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾
فالواحد لا يغتر بحِلم الله عز وجل، فالله عز وجل من سننه في الكون أنه يرخي الحبل للإنسان، لينظر ماذا يعمل، فالإنسان إذا كان مربوطًا بحبل، والحبل مرخى، قد يتوهم أنه ليس هناك حبل، والحقيقة هناك حبل، وفي أية لحظة هو في قبضة الله عز وجل.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾
أجلْ ؛ في دارٍ من الدور الأماني تصلح، أين ؟ في دار الدنيا الأماني لا تصلح لها، والله سبحانه وتعالى لا يتعامل معها أبداً، ولا يعبأ بها، لا ينظر إليها، والدليل هذه الآية:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
لكن في الدار الآخرة لمجرد أن يخطر على بالك شئ هو أمامك.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾
( سورة ق: الآية:35 )
لمجرد أن يخطر على بالك شئ تجده أمامك والدليل:
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
التمنيات أين ؟ في الآخرة، أمّا في الدنيا فهي دار السعي والعمل.
الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار تكريم، فلما يتوهم الإنسانُ أنه في الدنيا يتمنى، ويكفيه التمني فقد وقع في خطأً كبير، الدنيا تحتاج إلى سعي.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
وكذلك:
﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
(سورة الأنعام: 132 )
حجمك في الدنيا وعند الله بحجم عملك في الدنيا.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل)
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
لا تقل: " شفاعة" هذا مفهوم ساذج، مفهوم سوقي، مفهوم الغوغاء، فأنت مخطئ عندئذٍ، والشفاعة حقٌّ لمَنْ عمل صالحًا، أمَّا:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً(124)﴾
آخر آية الله عز وجل ضغط الدين كله في كلمتين قال:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
التعريف الدقيق للدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، هذا جوهر الدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، وبينهما علاقة، لن تستطيع أن تتصل بالحق إلا إذا كنت محسناً إلى الخلق.


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:47 PM   #6
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



في سورة النساء الآية السابعة والأربعون بعد المئة، يقول سبحانه و تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
كيف يتوقف عذاب الله عز وجل ؟ عن كل إنسان، آمن به وشكره، هذا الجواب أيها الإخوة.
هذا الكون بسماواته وأرضه، مسخر للإنسان تسخرين ؛ تسخير تعريف.... وتسخير تكريم....
أضرب لكم مثلاً، لو أن لك صديقاً مهندساً في الإلكترون، قدّم لك جهاز هاتف من أعلى مستوى، قدمه لك هديةً، وهذا الجهاز نادر، ويؤدِّي خدمات كثيرة، ينوب مناب إنسان، أنت أمام هذه الهدية العالية مستواها، أمام شعورين ؛ شعور امتنان لأن هذا الجهاز قدم لك هدية، وشعور إكبار لهذا العلم الدقيق الذي وراء هذا الجهاز.
هذا معنى قولي... تسخير تعريف... وتسخير تكريم...
فالكون له مهمتان ؟
المهمة الأولى أن تتعرف إلى الله من خلاله.
والمهمة الثانية أن تنتفع به.
رد فعل التعرف، إيمان، ورد فعل الانتفاع، الشكر.
فإذا آمنت وشكرت، فقد حققت الهدف من وجودك، وحينما تحقق الهدف من وجودك يتوقف العلاج الإلهي.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
أنت متى تتيقن، أن كل أنواع المعالجات، والمضايقات، والشدائد، والمصائب، تتوقف ضدّك ! حينما تحقق الهدف من وجودك.
إنَّ الأب الذي يتمنى لابنه أن يكون طبيباً، يضيِّق عليه، يشدِّد عليه، متى يتوقف التضييق والتشديد ؟ إذا دخل كلية الطب، ونال علاماتٍ عالية، فقدْ حقق الهدف من تخطيط الأب، لذلك متى يتوقف العلاج ؟ متى يتوقف التشديد ؟ التعقيب ؟ المضايقة ؟ الإلجاء ؟ الهم ؟ الحزن ؟
حينما يحقق الإنسان الهدف من وجوده، وهذه آيةٌ دقيقةٌ.
الله سبحانه وتعالى لا يعذب عباده إلا لهدف كبير، لأنّ الشر المطلق لا وجود له في الكون.
مثلاً أب طبيب جراح، وله ابن يتمتع بصحة جيدة، فهل يضعه على منصة التشريح، ويخدره ويفتح بطنه بلا سبب ؟ مستحيل.
أبٌ طبيبٌ جراح، قلت: أب لأن في قلبه رحمة لا حدود لها تجاه ابنه، وقلت: طبيب لأنه يعلم وهو جراح أيضًا، أيضع ابنه على المشرحة، ويفتح بطنه بلا سبب ؟ أما إذا رأيت أباً يفتح بطن ابنه، فالمعنى أنّه يعاني من التهاب زائدة.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
يعني إذا أردت أن يتوقف العلاج الإلهي، والشدة الإلهية، فعليك بتحقيق الهدف من وجودك، وتحقيق الهدف من وجودك في هذه الآية، يتمثل بإيمانك بالله، كرد فعلٍ على أن الكون مسخرٌ لك تسخير تعريف، وبشكره كرد فعلٍ على أن هذا الكون مسخر لك تسخير تكريم، والله عز وجل يقول:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾
( سورة الجاثية: 13 )
بنص القرآن الكريم.
أيها الإخوة ؛ رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام – مما يؤكد هذا المعنى – مرةً هلالاً فقال: ((هلال خيرٍ ورشد، هلال خيرٍ ورشد ))
يعني هذا الهلال يرشدني إلى الله، وأنتفع به في عد الأيام والأسابيع،
﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾
( سورة يونس: 5 )
الآن مرحلة ثانية: أية مهمةٍ أعظم، أن تهتدي بالكون، أم أن تنتفع به ؟ الحقيقة الأجانب الغربيون، انتفعوا بالكون أشد الانتفاع، يعني ما من أمةٍ وصلت إلى أعماق البحار، وصلت إلى الأقمار، استغلت المناجم، الفلزات، المعادن، كل شيء مستخدم ومسخر إلى أعلى درجة، وقد أثبت الله لكم ذلك:
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
( سورة الروم: 7 )
لكن مهمة الكون لتعريفك بالله، أعظم مليون مرة من مهمة الكون في الانتفاع به.
لو كان دخلك محدودًا، حيث لا يسمح لك أن تأكل العسل، وأمسكت كتاباً عن النحل، وقرأت عن عجائب النحل، كيف أن كل كيلو عسل، محصلة طيران أربعمئة ألف كيلو متر، لو أننا كلفنا نحلةً واحدة، أن تصنع لنا كيلو عسل، لاحتاجت أن تطير حول الأرض عشر مرات، وأن هذه النحلة، فيها أجهزة لا يعلمها إلى الله، لا تقف على زهرةٍ امْتُصَّ رحيقُها، توفيراً لوقتها وجهدها، أكرِّر: لا تقف على زهرةٍ امتص رحيقها، وأن النحلات العاملات ترقص رقصاتٍ، تُعلم بقية النحلات العاملات، كم هي المسافة بينهم وبين الأزهار، هناك بحث قائم بذاته اسمه " رقص النحل"، والشيء الذي لا يصدق أنها تصنع هذا الشمع، بشكل سداسي منتظم، ليس فيه فراغات بينية، هناك ملكة، وهناك ذكور، وهناك عاملات، بعض العاملات وصيفات للملكة، يأتين بغذاءٍ ملكيٍّ خاص، مأخوذٍ من غبار الطلع، وبعض العاملات تنظف الخلية، فإذا وجدنَ فيها حشرةً كبيرةً، يغلفنها بطبقة شمع حتى لا تؤذي وتتفسخ، وبعض العاملات تُهوِّي هذه الخلية، وبعض العاملات تحمل، والموضوع طويل الذيل، وقد أُلِّفتْ كتب كثيرة حول النحل وطريقة عمله وأسلوب حياته.
فلو أن إنساناً قرأ كتاباً عن النحل، فخشع قلبه، وانهمرت عيناه، ولم يسمح له دخلُه أن يأكل لعقة عسلٍ واحدة، بينما إنسان آخر كاد ينفزر من أكل العسل، من الذي حقق الهدف من وجود النحل والعسل ؟ هو الذي عرف الله من خلال هذه الآيات.
لذلك أن تعرف الله من خلال الكون أعظمُ بكثير من أن تنتفع به، كل أهل الدنيا انتفعوا بالكون، الكفار، الملحدون، ما من إنسان إلا وينتفع بالكون، لكن المؤمن وحده، هو الذي يهتدي بالكون إلى الله، هو الذي يعبر بالكون إلى المكون، من النظام إلى المنظم، من التسيير إلى المسير، من التربية إلى المربِّي، من النعمة إلى المُنعم.
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ يجب أن نعلم أنّ كأس الماء، كأس الحليب، رغيف الخبز، قطعة الجبن، البرتقالة، التفاحة، ابنك الذي أمامك، الفراش الذي تنام عليه، اللحاف الذي تتدثر به، ثيابك التي تلبسها، الشمس والقمر، الليل والنهار، البحار، الأسماك، الأطيار، كل شيءٍ حولك يدل على الله، فحينما لا تُعمل فكرك في الكون، فقد عطلت أكبر شيئاً فيك، وهو أنه دليلك إلى الله عز وجل، أما إذا انتفعت منه فقط، فشأنُك شأنُ أهل الدنيا الذين ينتفعون بالكون، الكفار ينتفعون بالكون، الملحدون ينتفعون بالكون، الانتفاع بالماء والهواء، والزراعة، والصناعة، كل إنسان ينتفع بالكون.
النبي الكريم يقول: ((هلال خيرٍ ورشد.))
تنتفع به، لكن ينبغي أن تهتدي به أيضاً، فالإنسان إذا أكل شيئًا، أو شرب شيئًا، أو نام، فالنوم والأكل والشرب نعمة، وإذا نظر فالنظر نعمة، إذا استمع فالاستماع نعمة، إذا تكلم فالتكلم نعمة.
يأكل وينام، هناك أجهزة معقدة أيّما تعقيد، عملية هضم معقدة، البنكرياس والكبد، والصفراء، والحركة المعوية، والعصارات الهاضمة.
الإنسان إذا لم يفكر في تكوين جسمه، لا ينتفع بعقله، لذلك هذه الآية من أدق الآيات.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
حينما تؤمن، وحينما تشكر، فإيمانك ردُّ فعل أن الكون مسخر تسخيرَ تعريف، وشكرك ردٌ على أن الكون، مسخر تسخير تكريم، فإذا آمنت وشكرت، توقف العلاج الإلهي.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
هل أدركنا لماذا إن شكرتم وآمنتم، فلِمَ لمْ يقل الله عز وجل إن شكرتم وصبرتم، إن شكرتم وأطعتم ؟ بل قال:
﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
لأن الشكر دليلٌ أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تكريم والإيمان دليل... أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تعريف، فإذا آمنت وشكرت، ما يفعل الله بعذابك ؟
هذه الآيات الكريمة أيها الإخوة: مرةً ثانية وثالثة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((بلغوا عني ولو آية))
أجل ولو آية.
أنا أعطي آية واحدة خلال الدرس، لا أضيف آية ثانية، فإذا استوعب الإنسان معناها وعقل الغاية منها، وحدثها بها زوجتَه، أولاده، جيرانه، شركائه، فما منا أحد إلا عنده سهرة أو سهرتان في الأسبوع ؟ لقاء، لقاءان، هل منا أحد بلا عمل ؟ أماله أصدقاء، جيران.
(( بلغوا عني ولو آية))
هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وإذا ما تذكرت معناها في شريط مسجل، وشرحت هذا المعنى لجلسائك فقد بلغتَ غاية كبرى، فلذلك نأخذ القرآنَ آية، آية، نحن نمشي في القرآن بالتسلسل، إن شاء الله، فكلما حان وقتُ درس جديد، نختار آية من هذه الآيات الأساسية، التي تعد ركناً من أركان الإيمان، ونعالجها حتى نقطف ثمراتها.


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:47 PM   #7
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



الآية السادسة والستون بعد المئة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166)﴾
كلكم يعلم أن إنساناً شهد حادثةً، ثم دُعِيَ لأداء الشهادة، يقول لك: نعم لقد حصل كذا وكذا، هذه شهادة الإنسان، تسمعها بأُذنك من فمه، فكيف نفسر هذه الآية ؟
إن الله سبحانه وتعالى يشهد لنا بما أنزل إليك يا محمد، أيْ يشهد لنا أنَّ القرآن كلامه، كيف يشهد الله لنا أن القرآن هو كلامه ؟ هل يعقل أن نستمع إلى الله مباشرةً.
قال تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
( سورة الأنعام: 103 )
فكيف نفهم هذه الآية ذات الدلالة الواضحة ؟
الله سبحانه وتعالى هو بذاته يشهد لعباده أن القرآن كلامه.
أوضح لكم معنى هذه الآية بمثلٍ بسيط ؛ لو أن طلاب صف من الصفوف، دخلوا غرفة الصف في أحد الأيام، فإذا على السبورة العبارة التالية، "غداً الساعة الثانية مذاكرة رياضيات "، التوقيع: مدرس الرياضيات، الطلاب نظروا إلى هذه العبارة، يا ترى أهذا كلام المدرس ! أو أنَّ طالباً يداعبنا ؟.
كيف يشهد المدرس أن هذا الكلام كلامه ؟ غداً الساعة الثانية يدخل هذا المدرس ويقول: افتحوا الأوراق البيضاء عندكم مذاكرة، حينما تأتي الأحداث مطابقةً للأقوال، معنى ذلك أنّ هذا القول قول المدرس.
اتفق العلماء على أن وقوع الوعد والوعيد، هو شهادة الله لعباده بأنَّ القرآن كلامه.
يعني إذا قال الله عز وجل:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
( سورة البقرة: 276 )
ورأيت إنساناً نمت أمواله بالربا، ثم أُتلِفتْ هذه الأموال فجأةً، ثم أحرق الله ماله، أو أتلف ماله، فإتلاف هذا المال شهادة الله لنا أن القرآن كلامه، لأن الله قال بالقرآن الكريم:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
إذا رأيت إنساناً يتصدق، فإذا بأمواله تنمو شيئاً فشيئاً، فنمُّو أموال المتصدق شهادةُ الله لعباده أن القرآن كلامه، لأنه يقول:
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
( سورة البقرة: 276 )
إنْ رأيت شاباً نشأ في طاعة الله، مستقيماً على أمر الله، ضبط جوارحه، وضبط دخله، وتزوج امرأةً مؤمنةً صالحةً، وكان هذا الشاب في سعادةٍ كبرى، هذه السعادة الكبرى التي يعيشها هذا الشاب شهادة الله لعباده أن هذا القرآن كلامه، لأن الله تعالى يقول:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل: 97 )
إن رأيت إنسانًا معه ألوف الملايين، وهو غير سعيد في حياته، بل يعاني مُرَّ الشقاء، وقال لك: أنا أشقى إنسان على الأرض وأقسم على ذلك، فشقاء هذا الإنسان الغني شهادةٌ من الله عز وجل لعباده أن القرآن كلامه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
( سورة طه: 124 )
لذلك إذا قرأت في القرآن أن الله يشهد لعباده أن القرآن كلامه، فشهادة الله غير شهادة العباد، حينما تأتي الأحداث، وهي أفعال الله مطابقة لما في القرآن، فهذه أكبر شهادة من الله سبحانه وتعالى أن القرآن كلامه.
فلما قال المدرس: افتحوا الأوراق، وإليكم الأسئلة، معنى الكلام أنّ الذي كتب على السبورة قبل يومين المدرسُ بخطَّه، وإن لم يكن بخطه فبأمره تمَّت الكتابة، حينما جاءت المذاكرة مطابقة للتصريح السابق فهذه شهادته.
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ قال الله تعالى في آية أخرى تؤكد هذا المعنى:
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
( سورة يونس: 39 )
قال جمهور العلماء: تأويل القرآن في هذه الآية، وقوع الوعد والوعيد.
إذا رأيت الله سبحانه وتعالى، نصر المسلمين الأوائل، ومكنهم في الأرض، واستخلفهم على عباده، وبدل خوفهم أمنا، هذا مصداق قوله تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
( سورة النور: 55 )
إذا رأيت المسلمين في هذه الأيام ليسوا كما يتمنى أحدُهم، وليس أمرهم بيدهم، فاذكرْ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم: 59 )
ولقد لقي المسلمون ذلك الغي، حينما تأتي الأحداث مطابقة للقرآن الكريم، فاعلمْ أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
( سورة الروم: 2 - 3 )
المعركة التي جرت بين الروم والفرس في غور فلسطين، وما كان أحد يعلم في حينه، ولا في عهد رسول الله، أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض قال الله تعالى:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾
إذاً كل الحقائق التي تأتي الآن تؤكد أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
( سورة الحج: 27 )
المنطق أنْ يقول ب سبحانه: "بعيد"، لكنه قال:
﴿عَمِيقٍ (27) ﴾
( سورة الحج: 27 )
وهذا يعني أنَّ الأرض كرة، كلما ابتعدت عن نقطة الكرة، نشأ بُعد نحو الأسفل، بُعد غير بُعد المستقيم.
﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾
العمق يتنامى مع البُعد، على سطح الكرة، أجلْ العمق يتنامى مع البعد، فلو أخذت سنتيمترًا على سطح كرة يكوِّن خطًا مستقيمًا، أمّا لو أخذت خمسين سنتيمترا، وهي كرة كبيرة، صار الخط منحنيًا، إذاً العمقُ يتنامى مع البُعد، معناها الذي قال هذا الكلام خالق الكون.
هناك آيات كثيرة، فهناك إعجاز علمي، وهناك إعجاز تشريعي، وهناك إعجاز إخباري.
لكن الذي يعنينا في هذا اليوم، الإعجاز الذي هو من نوع تحقق الوعد والوعيد، فحيثما رأيت حالةَ إنسانٍ مثلاً ماله حرام، فقد ورد في الجامع الصغير حديث شريف أن النبي خاطب بعض القبائل حسب لهجتهم، قال:
(("من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر ))
المهاوش يعني بالاحتيال، والنهابر يعني يذهب نهباً، من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر، يعني إذا الإنسان ماله حرام، في الأعم الأغلب، يذهب هذا المال بشكل غير معقول، سلبًا أو نهبًا أو غصبًا إلخ....
إذاً أنت دائماً وأبداً دقِّق فيما يجري، عندما ترى مثلاً بلدًا تُرتَكب فيه المعاصي على قدم وساق، ليس فيه إلا الشهوات، والأموال الحرام، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، ولقد أصابتها مصيبة كبيرة طحنتها طحناً في عشر سنوات، اقرأ قوله تعالى:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
كل حدث يقع في الأرض يدلُّك على أن يدَ الله تعمل، حينما ترى كيانًا عمره سبعون سنة تداعى كبيت العنكبوت، وكان قلعة عاتية من قلاع الأرض، فاقرأ قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء: 81 )
فأنت إذا قرأت القرآن فإنّه يلقي ضوءًا ساطعاً على كل حدث، والأحداث تؤيد ما في القرآن، والقرآن يدلك على تفسير الأحداث، الأحداث دائماً تؤكد مضمون القرآن، ومضمون القرآن يلقي ضوءًا على ما في الأحداث.
لذلك أحد أنواع شهادة الله لعباده مِن أنَّ القرآن كلامه هو تحقُّقُ الوعد والوعيد، وتطابق الأحداث الكبرى مع ما في القرآن الكريم، أنا قلت: أحد أنواع الشهادة، لأن الله عز وجل يشهد لك شهادة أخرى، حينما تقرأ القرآن ترتاح نفسك، ويطمئن قلبك، قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾
( سورة الرعد: 28 )
إذاً أيضاً حينما تقرأ القرآن، وتشعر بالراحة والسعادة، فهذا مصداق قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾
نعيد تلاوةَ الآية مرة ثانية:
﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾
يا محمد هو الذي يشهد لكم.
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) ﴾
فكل شاب مؤمن مثلاً قرأ الآية:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
فأيّ شاب يستقيم على أمر الله، يُقبل على الله، يطلب العلم، يعلّم الناس، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، ينفق من ماله، يختار زوجة صالحة، تسأله عن حاله والناس في ضائقة وفي قلق وفي شك، يقول لك: الحمد لله، واللهِ أنا من السعداء، هذا الكلام مصداق قوله تعالى:
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
وقد تلتقي مع إنسان ماله حرام، بيته غير إسلامي، فيه مخالفات، فيه تجاوزات، يقول لك: ما هذه الحياة "، الموت أشرف، فكلامُه صحيح:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
إذًا فاقرأ القرآن وأربط بينه وبين ما يجري، تجد أن كل الأحداث، تؤيده، وهو يكشف لك حقيقة الأحداث، فذات مرة قلت لإخواننا: إنَّ أحداث جيراننا، هناك من يفسرها تفسيرًا عربيًا، وتفسيرًا دوليًا، وتفسيرًا طائفيًا، حتى وصل الأمرُ إلى تفسير نسائي، أصابتْه عين مثلاً، لكن هناك تفسير إلهي، وهو الصواب:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) ﴾
هذا كلام الله عز وجل، وهذا التفسير الذي يصيب كبد الحقيقة.
يا أيها الإخوة الأكارم ؛ شهادة الله هي في وقوع الوعد والوعيد، الوعد والوعيد يتحقق، وبتحققه تكون شهادة الله لنا أنَّ هذا القرآن كلامه.


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:48 PM   #8
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



الآية الواحدة والسبعون بعد المئة وهي تبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
وللنبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول:
((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم ))
الغلو في الدين.
يعني أنّ الغلو في الدين كان سبباً لهلاك الأقوام السابقة، فما هو الغلو في الدين ؟.
أيها الإخوة ؛ قلت لكم من قبل، إن في الدين كليات ثلاث.
- كلية العقيدة...
- كلية القلب...
- كلية السلوك...
فالإنسان له عقل، وغذاؤه العلم، وله قلب وغذاؤه الذكر، وله سلوك وصحته الانضباط بالشرع.
هذه الكليات الثلاث، إذا نمت كلية واحدة نمواً غير طبيعي، فنموُّها هذا على حساب الكليتين الأخريين، فهذا هو الغلو في الدين.
يعني أن تعتمد على الفكر وحده وتهمل القلب والسلوك، أو أن تعتمد على القلب وحده وتهمل الفكر والسلوك، أو أن تعتمد على السلوك وحده وتهمل القلب والعقل.
حينما ينمو جانبٌ على حساب جانبٍ آخر نمواً سرطانياً، هذا هو الغلو في الدين، فهذا الذي يظن أن الفكر كل شيء، ويهمل الذكر كغذاء لقلبه، وقع في الغلو، وهذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً، ويهمل إغناء عقله بالحقائق، وإغناء قلبه بالذكر، وقع في الغلو.
هذا نوع من أنواع الغلو، لذلك نحن أمام تطرف، وأمام تفوق، فإذا نمت الجوانب الثلاثة نمواً متوازياً، فنحن أمام التفوق.
وكان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، كانوا متفوقين، معنى أنهم كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، فإنّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
أحد الرسل، أرسلَهُ عاملُ عمر بن الخطاب على أذربيجان، فقَدِم المدينة ليلاً، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين في الليل، فتوجه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ظلامٌ دامس، في هذا المسجد سمع رجلاً يناجي ربه، يقول: يا رب: هل قبلت توبتي لأهنئ نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها، فقال هذا الرسول: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، فقال الرسول: يا سبحان الله، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين، فقال عمر: إني إن نمت ليلي كله، أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل.
ثم تابعا إلى أن أذن الفجر، فصلَّيا، ومن باب التكريم أخذ عمر بن الخطاب هذا الرسول إلى بيته، وقال: يا أم كلثوم ؛ ماذا عندك من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت: واللهِ ما عندنا إلا خبزٌ وملح، فقال: هاته، فأكل سيدنا عمر مع الرسول الخبز والملح، وكان قد خيره ؛ أتأكل عندي في البيت، أم مع فقراء المسلمين، طبعاً مع فقراء المسلمين هناك اللحم، أما في بيت خليفة المسلمين خبزٌ وملح، فظنّ هذا الضيف أنّ طعام أمير المؤمنين متميّز.
وذات مرة سيدنا عمر في عام المجاعة خاطب بطنه، وقال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين، فلما انتهيا من تناول الطعام، دعا سيدنا عمر، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وأسقانا فأروانا.
ثم التفت إلى هذا الرسول، قال يا هذا: ما الذي جاء بك إلينا ؟ ولماذا قدمت ؟ قال: معي علبةٌ فيها حُلْوٌ من أذربيجان، هديةٌ من عاملك، قال: أو يأكل عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، الطبقة الغنية، قال يا هذا: أَوَ أعطيت فقراء المدينة كلهم مثل ما أعطيتني ؟ قال: لا: هذه لك وحدك، عندئذ طلب عمر من رسول عامل أذربيجان أن يبلِّغ عامله أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين، قائلاً له: كيف يرضيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون ؟، وأَمَر الرسول بهذه العلبة أن توزع بين فقراء المدينة، وقال: حرامٌ على بطن عمر أن يذوق حلاوة لا يأكلها فقراء المسلمين.
الغلو في الدين، مرةً أخرى أيها الإخوة ؛ أن ينمو جانب على حساب جانب، لا بد من التفوق، فكان أصحاب رسول الله متفوقين، لأن الجوانب الثلاثة، نمت عندهم نمواً متوازياً.
أما حينما ينمو جانب على حساب جانب، فهذا هو التطرف، والتطرف يكون عبئاً على المسلمين، وليس في خدمة المسلمين.
شيءٌ آخر، هناك من يأخذ فرعاً من فروع الدين ويجعله أصلاً، هذا أيضاً تطرف، هناك من يتعصب لفئةٍ أو لجماعةٍ، أو لشخص، أو لعصرٍ، هذا إذاً تطرف، وغلو في الدين، التعبير الحديث "تطرف"، أمّا التعبير القرآني " غلو في الدين "، أن تتعصب لفئةٍ، أو لجماعةٍ، أو لرجلٍ، أو لعصرٍ، أو لحقبةٍ، مع أن الدين للإنسان بمثابة الهواء له لا يستطيع أحدٌ أن يحتكره، ولا جماعةٌ، ولا فئةٌ، ولا أمةٌ، ولاشعبٌ وبلدٌ، ولا مصرٌ، ولا عصرٌ، ولا حقبةٌ.
دين الله لا يحتكر، دين الله لعباد الله، فمن تعصب، ومال لجهةٍ وكفَّر الباقين، فقد تطرف، وغلا في الدين.
إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك الذين من كان قبلكم، هذا ورد عن رسول الله. إخوانا الكرام ؛ لقد قال الشيطان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
( سورة الأعراف: 17 )
في الآية شيءٌ دقيق:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
أي إنّ الشاب لمجرد أن يتوب إلى الله عز وجل، ويسلك الطريق الصحيح يأتيه الشيطان، موسوساً، محمساً، داعياً إياه إلى المعصية، حينما كان غارقاً في المعاصي تركه الشيطان، فمتى أقبل عليه الشيطان ؟ حينما انطلق إلى الرحمن.
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
يعني أنا على الطريق إليك فإذا سلك أحدٌ هذا الطريق، لأقعدن في الطريق ولأوسوسنّ له، هذه أول مهمة للشيطان.
أحيانا يقول لك شخص: يا أخي كنت غارقًا في المعاصي، ولم أعاني مِن مشكلة ! طبعاً، فلما اتجهت إلى الله اتجاهاً صحيحاً بدأت المشكلات ؟ هذا ابتلاء.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)﴾
( سورة العنكبوت: 2 - 3 )
ماذا تعني:
﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
يعني من أمامهم، فأكبر دعوة للشيطان، يقول لك: التحديث عنوان الحياة، ونحن في عصر العلم، وهذه كلها تقاليد بالية، هذه عادات الآباء والأجداد، وقد كانوا جهلة.
فالدعوة إلى إحلال التحديث بما فيه من فسق وانحلال واختلاط وأكل مال حرام وشهوات مستعرة، حينما يحل التحديث محل الدين الصحيح، فهذه دعوةٌ شيطانية، هي:
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
أما: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
حينما ينشأ مجتمع على عاداتٍ بالية وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، أو أشياء لا ترضي الله عز وجل، كسب المال حرام، وإنفاق المال، وكذلك العلاقات الاجتماعية في تفسُّخ وانحلال، فالدعوة إلى التمسك بالقديم البالي المخالف للسنة أيضاً دعوة شيطانية.
كم جهة في الحياة عند الناس ؟ نعتقد أنّ هناك ستة جهات ؛ أمام، خلف، يمين، يسار، فوق، تحت.
الآن أول جهة الأمام، الدعوة إلى تبنِّي الأشياء المستجدة، والبدع محل الدين الأصيل.
ثم:
﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
الدعوة إلى التمسك بالتقاليد البالية المخالفة للدين، وهذا أنْ يصمد الشابُ مع زوجته أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات، ثم يقول: نحن تربينا على هذا، وهكذا نشئنا، وهكذا العادات، وإلاّ تكلَّم الناس علينا.
الدعوة إلى الجديد.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
الدعوة إلى العادات البالية المخالفة للشرع.
﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
أمّا:
﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
فنجمِّدها قليلاً، لكن:
﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
الدعوة إلى المعاصي ؛ الزنى، والسرقة، وشرب الخمور، والملاهي، إلخ...
أما:
﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
الشيطان يأتيك من قبل الدين، عن طريق الغلو، فالغلو في الدين، مَن المنتفع منه، الشيطان، المسلمون حينما يتفرقون، ويتخاصمون، ويتفتتون، ويضعفون، مَن الرابح الوحيد في هذه المعركة ؟ الشيطان، ومن المنتفع ؟ الشيطان، لذلك:
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
الغلو في الدين.
يأخذ فرعًا فيضخِّمه ويجعله أصلاً، أو يأخذ أصلاً فيضخمه ويجعل منه الدين كله، أو يتعصب لجماعة، أو لفئة، مهمته تفتيت الأمة الإسلامية هذه دعوة شيطانية، سأقول مبدئياً: لا ينتفع منها إلا الشيطان.
يطالعنا سؤال سألنيه أحدٌ، جهة " فوق " ما ذكرها القرآن الكريم، وجهة تحت ما ذكرها القرآن الكريم، قال:
﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾
فقط.
إذًا جهة فوق لمَ أغفلها القرآن الكريم ؟ وكذلك جهة تحت.
قال العلماء: جهة فوق هي السماء !! ولا يستطيع الشيطان أن يأتيك من جهة السماء، يعني إذا اتجهت إلى الله أحرقت الشيطان، إذا اتجهت إلى الله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منك، ولا أن يلقي في قلبك أو نفسك شيئاً، ولا أن يوسوس لك، لمجرد أن تتصل بالله عز وجل.
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾
(سورة الفلق: 1 - 2 )
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) ﴾
(سورة الناس: 1 - 2 -3 - 4 )
يوسوس، فإن قلت: يا رب خنس، فالشيطان ضعيف، وسواس خناس، يوسوس، فإذا استعذت بالله عز وجل خنس.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾
( سورة الأعراف: 200 - 201 )
لذلك فالقرآن الكريم أغفل جهة فوق، لأن جهة فوق تعني الاتصال بالله عز وجل، والإنسان حينما يتصل بالله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منه.
هذا طيب، وجهة تحت، لماذا أغفلها الله عز وجل ؟ لأنّ جهة تحت تعني العبودية لله عز وجل، الإنسان حينما يفتقر إلى الله، لا يستطيع الشيطان أن يوسوس له، إذاً أنت محصن من جهة العبودية لله، ومن جهة القرب من الله، جهتان لا يستطيع الشيطان أن يأتيك منهما، لكن:
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
شيء حديث، أجهزة حديثة، اتصالات، لقاءات، حفلات مختلطة، مثلاً، وسفور، وعمل المرأة في الحقل العام، أشياء لم تكن من قبل.
﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
تقاليد بالية، الأخذ بالثأر مثلاً، كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
من طرف الدين وناحيته، لذلك الشيطان يستطيع أن يصل إلى الإنسان وأن يقض عليه مضجعه، وأن يهلكه عن يمينه، أحياناً بالوسوسة، وأحيانًا بالابتداع، وأحيانًا بالحقد على بقية المسلمين، أو بالتفرقة بينهم، وأحيانًا بالتعصب لجهة، أو لجماعة، أو لفئة، أو لشخص، وتكفير من سواهم.
﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
إذاً يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، الكلام لأهل الكتاب، والمقصود الآن المسلمون، وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم))
الغلو في الدين خطِرٌ خطرًا مدمِّرًا.
يعني أن تضخم فرعاً فتجعله أصلاً، أو أن تضخم أصلاً فتجعله ديناً، على حساب الفروع الأخرى، أو على حساب الكليات الأخرى، وبهذا يتمزق الإسلام، ويتطرف الناسُ فيه، والتطرف عبءٌ على الدين وليس في خدمته.


 

رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 07:49 PM   #9
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (04:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المختصر - سورة النساء الدكتور محمد راتب النابلسي



أيها الإخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم عدة آياتٍ، تشير إلى طبيعة الإنسان.
قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
( سورة النساء: 28 )
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)﴾
( سورة الأنبياء: 37 )
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
( سورة المعارج: 19 إلى 23 )
عدة آيات لا تزيد عن أربع آيات، تتحدث عن طبيعة الإنسان، فهذه خصائصُ في خلقه، ليست ذنباً يعزى إليه، لكن الله هكذا خلقه.
أولاً... الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
لماذا خلقه ضعيفاً ؟
لو أن الله عز وجل خلق الإنسان قوياً، لاستغنى بقوته عن الله، وحينما يستغني بقوته عن الله يشقى باستغنائه.
لماذا خلقه من عجل ؟
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾
قال العلماء: لأنه لو خلقه يحب الآجلة، واختار الآخرة وفق طبيعته لما ارتقى عند الله، لكن ما الذي يحصل ؟ لو أن الإنسان خلق يحب الآجلة، والدنيا بين يديه، فالشهوات يقظة، الفتن مستعرة، الملذات أمامه، لوجدته يعرض عنها كلها، ويختار ما عند الله في الآخرة، فخالف طبيعته، والإنسان لما يخالف طبيعته يرقى عند الله، ولما يستجيب إلى طبيعته الأرضية فإنّه لا يرقى.
شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان عجولا، وجعل الله الدار الآخرة بعيدة المدى، لو كان عرضاً قريباً، أو سفراً قاصداً لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، يقول بعضهم: يفرجها الله.
فالناس يندفعون إلى إرواء شهواتهم، إلى اقتناص الأموال الحرام، إلى الاستمتاع بما حرم الله، لأن هذه الشهوات بين أيديهم، وفي متناولهم، والإنسان عجول، أما إذا اختار الآجلة فالأمر على عكس العاجلة.
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
( سورة القيامة: 20 ـ 21 )
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
( سورة الإنسان: 27 )
فالإنسان إذا استجاب إلى طبعه، وإلى عجلته، عندئذٍ يعصي ويرتكب الموبقات، ويعيش كما يقول الوجوديون: ليعِشْ لحظته، فهو الآن قوي ليستمتع بقوته، غني ليستمتع بماله.
أما الإنسان إذا أحكم عقله، فإني أضرب لكم مثلاً بسيطاً، لكن له دلالة كبيرة ؛ قبل سنين، حافلة حي المهاجرين، كانت تقف بساحة المرجة أمام مركز التسويق العراقي، في أيام الصيف الحارة، صعد للحافلة راكبٌ، فوجد على اليمين شمسًا، وعلى اليسار ظلاً، بحكم طبيعته قعد في الظل على اليسار، فلما انطلقت الحافلة، ودارت بساحة المرجة، فخلال دقيقة واحدة، انعكست الجهة لآخر الخط، وبقي طيلة الوقت في الشمس، فأنا لما أركب الحافلة كنت ألاحظ الركاب، فالذي يشغِّل فكره يقعد بالشمس، والذي يستجيب لطبيعة جسمه يقعد في الظل، لكن بعد دقيقة واحدة عندما تدور الحافلة تنعكس الجهة، فمَن اختار الظل تمتع به دقيقة، ومَن اختار مقعده تحت الشمس تحملها دقيقة، ثم راح يتمتع بالظل عشرين دقيقة، ومَن اختار الظل راح يتنعم دقيقة، ويتحمل أشعة الشمس الحارة عشرين دقيقة، فالفرق بين الراكبَيْن، واحد أعمل عقله، والآخر عطل عقله، وهذا المثل لو أنه مثل بسيط، لكن له دلالة كبيرة.
فأيّ إنسان بحكم عقله، ويفكر فإنه يختار الآجلة إلى الأبد، وأي إنسان يعطل عقله، فبين يديه الكثيرُ مِن في شهوات، أموال حرام، نساء كاسيات عاريات، طعام، احتفالات، اختلاط، مكاسب، يا نصيب تارةً، واختلاط تارةً، ورحلة سياحية تارةً، فإنه يختار العاجلة، والله عز وجل قال:
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾
فلما يحكِّم الإنسان عقله فإنه يختار الآخرة، مع أنها بعيدة المدى، ويرفض الدنيا مع أنها في متناول يديه.
أما إذا عطل عقله، فإنه عيش لحظته كالوجوديين، فما دام يعيش إذاً هو يأكل ويشرب، ويتمتع بدون ضوابط، بدون قيم، دون مبادئ، دون افعل ولا تفعل، دون منهج، دون دستور، كالدابة السائمة، كالدابة الطليقة، تفعل ما تشاء بدون قيد أو شرط.
إذاً لما فطَرَ ربنا عز وجل الإنسانَ على حبِّ العاجلة مِن أجل أن يرقى، إذا جاهدها، لأنه لو اختار الآجلة لعاكس طبيعة نفسه.
وبالمناسبة إخواننا الكرام ؛ الإنسان له طبع، وله فطرة، ولديه تكليف، والطبع يتناقض مع التكليف غالباً، التكليف أن تصلي الفجر في وقته، وجسم الإنسان يميل إلى النوم والاسترخاء، ولا سيما في أيام الشتاء الباردة، والفراش وثير، ودافئ، نام الساعة الواحدة متأخرًا، وهو مرتاح، فطبعك يدعوك إلى النوم، والتكليف يدعوك إلى الصلاة، والمؤذن يقول الصلاة خير من النوم، وطبعك يدعوك إلى إطلاق البصر في النساء، كي تستمتع بحسنهن، لكن التكليف يدعوك أن تغض البصر عن محارم الله، طبعك يدعوك أن تقبض المال، والتكليف يأمرك أن تنفق المال، طبعك يدعوك أن تتحدث عن عورات الناس، عن قصصهم، عن فضائحهم، عن سقطاتهم، عن مشكلاتهم، عن خصوماتهم، لماذا طلق فلان فلانة ؟ ولماذا تزوج فلانة ؟ وما خلفية الموضوع ؟
طبعك يدفعك إلى تقصي أخبار الناس، لكن التكليف يقول لك:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
( سورة الحجرات: 12 )
((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه))
الملاحظ إذاً أن الطبع يختلف مع التكليف، لماذا يختلف مع التكليف ؟ من أجل أن ترقى، لو توافق الطبع مع التكليف لارتقى أبداً، والتغت العبادة، والتغت الجنة، ولم يعُد هناك ثواب ولا عقاب، إذا توافق الطبع مع التكليف، لكن التكليف يتناسب مع الفطرة، أنا قلت الطبع، والطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس.
فلما يتعرف الإنسان إلى الله، ويستقيم على أمره، تهدأ نفسه، ويطمئن قلبه، ويشعر بسعادة لا توصف، لأنه توافق مع فطرته.
إذاً من ينشد السعادة الحقيقية، فعليه بتطبيق أمر الله عز وجل، ولو كان أمر الله في ظاهره فيه تكليف، وكلفة، وجهد، لولا هذا الجهد لما ارتقى إطلاقاً.
لو فرضنا أنّ جامعة وزعت على الطلاب أوراق الإجابة، مطبوع عليها الجواب التام، فما عليك إلا أن تكتب اسمك ورقمك، كله طالبٍ يحصل على مئة درجة، ومنحت تلك الجامعة الشهادات العليا، الليسانس، والدكتوراه هذه الشهادات هل لها قيمة عند الناس؟ هل لها قيمة عند الطلاب ؟ لا قيمة لها، صفر في الحقيقة، لأن هذه الشهادات لم يكن لصاحبها جهد مبذول.
أما لما تكون المواد صعبة، ولا بد لها مِن دراسة شاقة، ودخول امتحان صعب، وأسئلة معقدة، وسُلَّم دقيق، وتصحيح دقيق، فعندئذٍ لما ينجح الطالب يتيه على أقرانه بهذا النجاح الذي مقابله في جهد مُضنٍ.
فالإنسان لا يطمع أن يكون التكليف موافقًا للطبع، يطمع أن يجد الدين مثل ما يريد تمامًا، يريد من الدين أن يُسمَح فيه بكذا، وكذا، وكذا، يأخذ ما فيه راحته، ويتصيد الرخص.
لذلك فقد أردت من هذا الدرس، أن أشير إلى ناحية واحدة، أن الإنسان خلق عجولا، يحب الشيء الذي بين يديه، ولا يحب الشيء البعيد، فالمؤمن إذا اختار الآخرة، وما عند الله، فقد خالف طبعه، و لما خالف طبعه ارتقى عند الله.
وغالباً الطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، وتكاليف الشرع لا تتوافق مع الطبع، لقوله تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
( سورة النازعات: 40 ـ 41 )
لكن الإنسان إذا طبق أمر الله عز وجل وعاكس هواه، في النهاية ترتاح نفسه، لأن هذا الكمال الذي حصله، وتلك الطمأنينة التي اكتسبها، هذه غذاء الفطرة.
لذلك قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
( سورة الروم: 30 )
إخوانا الكرام ؛ أقول لكم هذه الكلمات وهي دقيقة، في النفس فراغ لا يملؤه المال، قد تملك مئات الملايين، وفي النفس فراغ لا تملؤه القوة، وقد تكون أقوى الأقوياء، في النفس فراغ لا تملؤه الشهادات العليا، والدرجات العلمية العالية، في النفس فراغ لا تملؤه الأسرة الناجحة، في بالنفس فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، من دون إيمان يعيش الإنسان في قلق، والدليل:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
( سورة طه: 124 )
أما لو أنّ الإنسان استقام على أمر الله فالحياة الطيبة هانئة، قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل: 97 )
فنحن موعودون بالحياة الطيبة، من قبل الله عز وجل.
والله أيها الإخوة ؛ لزوال الكون أهونُ على الله من ألاّ تتحقق وعوده ووعيده بأي عصر ومصر، وبأي وقت، من أي منبت طبقي أنت ؟ من أي أم وأب ؟ من أي بلدة ؟ من أي مكان ؟ من أي زمان ؟ من أي إمكانيات كنت ؟ حينما تستقيم على أمر الله، فلك من الله حياة طيبة، وأي إنسان مهما كان قوياً، مهما كان غنياً، مهما كان جباراً، إذا أعرض عن الله عز وجل فإن له معيشة ضنكا.
والله أيها الإخوة ؛ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هاتان الآيتان لكفتانا.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل: 97 )
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
( سورة طه: 124 )
أمّا الآية الثالثة، فدققوا فيها، والله لو أنني أتلو هذه الآية آلاف المرات، لا أرتوي منها.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
( سورة الجاثية: 21 )
أَيُعامَل المؤمن من الله كما يعامل الكافر ؟ في بيته، في عمله، في صحته، في زوجته، في أولاده، في طمأنينته، في سعادته، في إقباله، في إشراق نفسه، في تفاؤله في المستقبل، تجد شخصًا غنيًا لو أنفق كل يوم مئة ألف لبقي لديه ما يفيض على حياته، ولو عاش مئة سنة، ومع ذلك فهو متضايق، وقلق، ويقول: السوق مسموم، ولا نربح، وما هذه الحياة، ولا يُعاش في هذا البلد، ومعه أموال واللهِ لا تأكلها النيران، ويقابلك مؤمن لا يملك إلا قوت يومه، ويقول: الحمد لله من أعماقه، راضيًا بعيشه.
هذه السعادة لها سّر، السعادة أيها الإخوة لا تأتي من الخارج، لا تأتي من بيت واسع، ولا من زوجة جميلة، ولا من أموال طائلة، ولا من بيت بالمصيف، ولا من مركبة فاخرة.
السعادة تنبع من الداخل، لما يتجلى ربنا على المؤمن يشعر بالسرور والسعادة، إذ قال لك: أنا أسعد الناس فصدِّقْه، ذات مرة قال لي شخصٌ كلمة، أقسَمَ بالله ليس في الأرض - "أقسم بالله" - مَن هو أسعد مني، فقلت: هذا الكلام ليس معقولاً، ثم استدرك قائلاً: إلا أن يكون أتقى مني، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.
فلما يتعامل الإنسان مع خالق الكون، ويمشي على منهج الله، يجعل بيته إسلاميًا، وعمله إسلاميًا، يقرأ القرآن، يذكر الله، ويترك هذه الأجهزة التي تسمم حياتنا، وتجعل حياتنا كلها حياة جنس، حيث المصيبة الكبرى، والخسارة المردية، فنعوذ بالله مِن ذلك.والحمد لله رب العالمين

انتهى بحمد الله


 

رد مع اقتباس
إضافة رد


(عرض التفاصيل عدد الأعضاء الذين شاهدوا الموضوع : 0
لا توجد أسماء لعرضهـا.
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير سورة ال عمران لدكتور محمد راتب نابلسي العفريني قسم تفسير القران 99 09-18-2011 09:34 AM
سورة البقرة للدكتور محمدراتب النابلسي ازدشير بوتاني قسم تفسير القران 75 09-13-2011 06:15 PM
سورة الفاتحة للدكتور محمد راتب النابلسي للاية 2-2 ازدشير بوتاني قسم تفسير القران 5 09-13-2011 04:05 PM
سورة الفاتحة للدكتور محمد راتب النابلسي للاية 1-2 ازدشير بوتاني قسم تفسير القران 5 09-13-2011 03:59 PM
سورة البقرة لفضيل الشيخ محمد راتب النابلسي اية ازدشير بوتاني قسم سلة المحذوفــــات 1 09-04-2011 08:58 PM


الساعة الآن 12:09 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd KDهذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
منتديات اقليم كوردستان غير مسؤولة عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات اقليم كوردستان ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)